مروان ياسين الدليمي: كتاب د. فاضل سوداني “العنف والفوضى المنظمة في مسرح شكسبير”:
تطابق الصّور الشعرية مع الشكل التركيبي للدراما

كلمة المقدمة للمؤلف د. فاضل سوداني،يبدأها بمقولة لفردريك نيتشه:”هل بالامكان إنقاذ انسانيتنا وحضارتنا أم انهما محكومتان بالخراب والتحلل بصورة لايمكن اصلاحهما بعدها ؟ ” ، ثم يعقبها بجملة تساؤلات كلها تدور حول مستقبل الحضارة ازاء ما يتصاعد من صور للعنف والفوضى لاتقتصر على منطقة محددة من العالم،والسؤال الأهم الذي يطرحه سوداني :” هل يستطيع الفن والمسرح بالخصوص أن ينقذنا من هذا العنف وهذه الفوضى التي يقودها العقل الشرير ؟ وتأتي اسئلته مقدمة اولية للدخول على عالم العقل الشكسبيري الرؤيوي المركب كما يسميه د. فاضل سوداني،لان هذا العقل هو الذي جعله الاكثر معاصرة الان،ولانه تخطَّى عصره وحضارته،ليشخص لنا الخراب المنظم لعصرنا وعالمنا الحالي ،ويحلل النفس البشرية التي عالجها في مسرحياته وكأنه يتحدث عنا نحن بالذات وفي زماننا الراهن .
تحليل سيميائي – بَصَري
يوضح المؤلف منهجه في هذا الكتاب مشيرا الى انه قد ذهب الى تحليل الجوانب الانسانية التي عالجها شكسبير في مسرحه،برؤية نقدية تحليلية سيمائية – بصرية،حسب رؤيته للتبصر الشكسبيري،ويرى بان هذه الرؤيا تحتاج الى بصيرة بحثية قادرة على الكشف عن الابعاد الخفية في الذات الانسانية التي عالجها شكسبير،ومن هنا فقد حاول تحليل مسرح شكسبير انطلاقا من الجوانب المهمة في التحليل البصري الذي افترضه للنص والعرض المسرحي كرؤيا “بصرياً” وهي ضمن مفهومه النقدي التي حددها بهذه العناوين:السقطة والشعور بالكآبة،السقطة من اجل تكامل ذات البطل التراجيدي.القناع والمرآة المرائية،الأسلبة والاختزال في الحدث وذات البطل، شيزوفرينيا الذات في انثى الانثى،الايمان المطلق بخراب الوجود، العبث او التخريب،الغروتسك الشكسبيري المتفرد،العنف وهستيريا الروح، التأويل المضاعف او تأويل التأويل.وقد توزعت عناوين موضوعات الكتاب الى ثلاثة ابواب:سقطة البطل الشكسبيري في الفوضى المنظمة لعصرنا،احلام شكسبيرية في الفضاء البصري،رؤى شعرية – بصرية عن ابطال شكسبير .
تفكيك الحاضر واستشرف المستقبل
في الباب الاول يحاول الباحث ان يقرأ النص الشكسبيري وتحديدا مسرحية هاملت ضمن ديناميكية رؤيته المعاصرة،ويرى بان شكسبير رغم انه قد اعتمد التاريخ في كتابة جميع مسرحياته تقريبا الاَّ انه نَظَر الى المَسرح من خلال رؤيا فيها الكثير من تفكيك الحاضر واستشراف المستقبل،وهي من وجه نظر المؤلف تنتمي الى رجل المسرح وليس لشاعر أو مؤلف ادبي، ومسرحية هاملت على سبيل المثال رغم ان موضوعها سبق ان استخدم من قبل مؤلفين آخرين قبل شكسبير الاَّ انه يجده قد جعل من هذه الماساة موضوعا متفردا لم يسبق اليه احد،فهو يملأ مآسيه بالدماء لاثارة المتفرج كما كان سائدا في عصره،لكنه لم يكن يهمه انتقام هاملت،انما جعل تردده وسيلة لمعالجة مشكلة الذات ازاء عالم عبثي،بمعنى ان شكسبير اعاد كتابة التاريخ دراميا باتقان شعري وتكنيك مسرحي درامي، وتتجلى قدرته وتفوقه على معاصريه عندما جعل مسافة بين المؤلف وشخصياته ،بمعنى انه يقوم بدور الناقد لها ، مما يجعل القانون الابداعي وكذلك منطق العمل الدرامي متوازنا ، وبالرغم من انه قد استفاد كثيرا من اسلافه الاخرين وخاصة المؤلف غرين إلا انه صاغ مسرحياته واحداثها بشكل جديد وباسلوب متفرد ، فهو قد توغل في الماضي الانكليزي وصاغ حبكته في قصص بسيطة مؤثرة ومثيرة ، وبنفس الوقت فإن اعماله يظهر فيها استيعاب واضح للتناقض بين المظهر والواقع ، بين الوجود ومايبدو ظاهرا ، وهذه الامور تصبح موغلة في الجوهر عن طريق التماثل الخيالي بين المسرح وعالم الناس .
ثم يستعرض المؤلف وجهات نظر عدد النقاد حول مسرحية هاملت مثل ت .س . اليوت ، في مقابل تأكيد وجهة نظره هو التي يفكك من خلالها تلك الاراء ويرد عليها. وعندما يتناول الباحث الجانب الشعري في لغة شكسبير يتوصل الى ان هناك تطابق بين الصورة الشعرية والدرامية،ومن هنا يأتي تطابق الصور الشعرية مع الشكل التركيبي للدراما،وهذا يعني ان لغة الدراما إذا تشبَّعت بالاستعارات والصور الشعرية يكون تأثيرها الدرامي او التراجيدي كبيرا، وهذه ميزة مهمة يجب ان تتوفرعند اي كاتب مسرحي معاصر.
الحوار والفَهم الالتباسي
وفي مايتعلق بالحوار في المسرح الشكسبيري يرى الباحث ان الحوار يؤوَلُ بمعنيين أو اكثر من خلال الفهم الالتباسي بين الشخصيات ذاتها،او من خلال المعنى المزدوج للموقف الذي يخلقه المؤلف متعمدا،وهنا يَطرَحُ سؤالا يجده جوهريا:هل ان سوء الفهم جزء مُهِم من قوانين عنف الفوضى الذي يشكل اهمية في التراجيديا الشكسبيرية أم ان الاكثر اهمية هو سقطة البطل ؟ ويرى في اطار اجابته على سؤاله،إن ذلك يختلف باختلاف الفعل والحدث وظروف البطل التي يخلقها المؤلف،فمرَّة تكون سقطة البطل هي الاساس،ومرة اخرى يكون سوء التفاهم،ولكنه يجد ان سوء الفهم هو الشيء الجوهري الذي يؤدي الى سقطة البطل،فسقطة”عطيل”الاولى هي سماعه لفحيح “ياغو”المسموم دون ان يتأكد،وسقطته الثانية قتله لدزدمونة،وقد ظل على سوء الفهم هذا حتى لحظة قتلها،وهو عارف جيدا بأنه امام انثى بريئة ،وهي بكامل رقتها ونبل حبها وطهرانيتها،وهي تأتمر بأوامره وتستسلم امامه لخنقها ومواجهة مصيرها،ولانهما يحبان بعضهما لهذا فإنهما يتألمان لاسباب مختلفة .
اوفيليا وفكرة الموت الابدية
في بَصَريَّات الباب الثاني التي جاءت بعنوان “احلام شكسبيرية في الفضاء البَصَري”تناول الكتاب في بدايته انعكاس تصورات الرسّامين حول شخصية اوفيليا في لوحاتهم ،حيث كانت تمثل ثيمة محورية فيها،فيشير الى ان كثير منها اكدت على جمالها الخارق بسبب تماسها بالفكرة الابدية المتكررة دائما،وان اللوحات التي رسمت عن الموت فيها هذه الصفة،لان الفنان من وجهة نظر المؤلف يحاول دائما ان يجعل من الجسد الميت ابدياً في ملامحه ووجوده الاخير،وكأنَّه يريد لهذه اللحظة الابدية ان تمتلك وجودها من جديد في الحياة قبل ان يوارى الجسد بالتراب.ويضيف بان جميع مكونات اللوحة،اعشابها الخضر واغصان الاشجار وازهارها الملونة في كل مكان،تمتد منحنية بطريقة وكانما تريد ان تحتضن اوفيليا وهي في فراش الموت المائي.
البعد الميتافيزقي البصري
ثم يأخذ الكتاب منحا تطبيقيا بقراءته للعرض المسرحي الليتواني الذي استند على نص مسرحية هاملت،للمخرج ايمونتاس تكغوسيوس،حيث اتسم العرض بالابهار الشكلاني،إذ لم يعتمد على الممثل الحي فقط، انما اعطى الاشياء والمواد الحقيقية وجودا جديدا وابرز المتناقضات كالظلام والضوء والنار والثلج والماء وملابس الفراء واشياء اخرى نراها ساكنة في الحياة واصبح لها وجود تعبيري،ووجد بان وظيفة البعد الميتافيزيقي البصري في العرض هي ذاتها التي حلم بها الفرنسي انتونين ارتو في مسرح القسوة الميتافيزيقي،وهناك قراءة معمقة وطويلة لهذا العرض بما حمله من جرأة في انزياحات دلالاته البصرية عما اختزنته الذاكرة المسرحية من عروض تناولت هذا النص .
ذات مركَّبة
في الباب الثالث الذي حمل عنوان”رؤى شعرية بَصَرية عن ابطال شكسبير”يرى السوداني بان من الضروي دراسة شكسبير وشخصياته التي تمتلك ديناميكيتها في الفعل من منظور التكامل الرؤيوي او التحليل والرؤيا المتكاملة،فالشخصيات الشكسبيرية هي ذوات متنوعة ومتعددة ففي داخل كل ذات هناك ذوات اخرى كثيرة يجب الكشف عنها،ومن هنا جاءت استمرارية تاثير شكسبير في كل الازمنة.ويضيف بان ليس هنالك من بطل احادي الجانب في مسرح شكسبير اي انه شرير بالكامل او خيِّر بالكامل ،انما في داخل كل شرير هنالك خير،لهذا يجب الكشف عن تلك الذوات الجوانية الاخرى حتى تفهم هذه الجوانب .
جحيم اللاشيء
وفي اطار تتبعه لموضوعة الجحيم المتحقق في المسرح الشكسبيري، فإنه يجده شاخصا في جحيم”اللاشيء”الذي لايمكن ان يتحقق الا كونه مصدرا للاشيء،لان”الشيء”لايمكن ان يأتي من “لاشيء” فكل شيء يأتي من “شيء” آخر.”فاللاشيء”الشكسبيري حسب مفهوم لير هو “لاشيء” حتى وإن كان حبا صادقا،لذا فإن هذا الملك المهووس بالعظمة المزيفة والابدية يجعل من حب ابنته كورديليا المخلص والصادق”لاشيء”ولهذا فإنه يدخلها الى جحيمه الحقيقي عندما ينتزعها من انسانيتها ونبلها وحبها النقي. والملك لير لايعرف الفرق بين “الشيء” و”اللاشيء”بل ان مفهومه عكسي اي انه يفهم “الشيء” بمعنى”لاشيء”وبالعكس،ويضيف السوداني بان شكسبير يُغني هذا المفهوم بمعان فلسفية خالصة،فيجعل من الشخصيات الهامشية تناقش اصعب الموضوعات،كما هو الحال مع البهلول،حيث يمنحه حرية قصوى في اللعب بمعاني الكلمات او قلب المفاهيم .
ريتشارد الثالث والمَشكَل الوجودي
يرصد السوداني حرص اغلب مسارح العالم في ريبرتوارها المسرحي على تقديم ريتشارد الثالث بشكل متواصل،ويفهم هذا الحرص اتياً من خلال معالجة التاريخ المعقدة للعنف،وهستيريا الروح والفوضى المنظمة المعاصرة على خشبة المسرح كعرض مسرحي،ويرى بان هذه المسرحية تحتاج الى عقل شمولي كالعقل الشكسبيري،وشخصية متكاملة في عنفها التراجيدي وميزاتها الفكرية والسيكولوجية – المرضية ،مثل ريتشارد الثالث ،من اجل الوصول الى الجوهر الحقيقي للبطل المعاصر،حيث يتميز زماننا بوجود الكثير من الطغاة المتماهين مع هذا البطل الشكسبيري.ثم يتوقف طويلا امام عرضين مسرحيين تناولا هذا النص في الدانمارك،احدهما تم تقديمه في مسرح محافظ على التقاليد المسرحية الذي هو”المسرح الملك” والعرض الآخر اخذ منحى طليعي في برنامجه السنوي”مسرح بيتي نانسن “ولاحظ على العرض الثاني اقصى درجات المعاصرة،من خلال مناقشة المَشكَل او المَرض الوجودي الذي اقلق ريتشارد الشكسبيري والذي مازال يقلقنا حتى هذه اللحظة،وهذا تتطلب اعدادا جديدا للنص،حيث يتكثَّف منذ البداية لدى البطل الشعور العدمي،ليؤمِن بان المَمَالك كلها خواء ورماد، اضافة الى التأكيد على التاريخ البشع للحرب كخلفية لوحدة البطل وعزلته المرضية.ومن هنا تم اختزال فضاء العرض المسرحي في مسرح” BettyNansen” الى غرفة مظلمة، تثير الوحشة كأنها مشفى للامراض النفسية، محاولا ان يدفع المتلقي الى ملامسة التاريخ المرضي والسيكلوجي لملك كان مشوَّها روحيا،بتأثير قبحه وتشوهه،الذي يحني ظهره ويشوّه جسده .

الداخل ينعكس على الخارج
وعن مسرحية ماكبث يجد المؤلف ان شكسبير قد عمق في هذا النص مفهومه العام الذي استخدمه في جميع مسرحياته تقريبا وهو”الداخل ينعكس على الخارج”بمعنى آخر ان الاحساس النفسي في داخل البطل ينعكس على خارجه وكل احاسيس البطل الداخلية تصبح هي جو المسرحية كليا،ثم يضيف السوداني بهذا السياق ولاجل تعميق ذلك فإن شكسبير يعمد الى استخدام الظواهر الطبيعية من برق ورعد وعواصف،وكذلك نور الشمس وقت الغروب الذي يشعرنا بالكآبة،والذي يختفي رويدا لينذر باختفاء طالع الانسان ومستقبله،وفي المقابل استخدام ندى الفجر الذي يعكس صفاء ونقاء حب جولييت لروميو او اوفيليا لهاملت،او رقة دزدمونة ازاء عنف وقسوة عطيل.اما الليل فيخيف اقسى البشر لان ظلامه يخفي القتلة والمتربصين ويثير الفزع والخوف بسبب عواء الذئب الذي يحاول ان يجد فريسته ونعيق البوم وزئير الاسد،وفي المقابل عواء البشر القساة في الغدر والقتل وخلق الفوضى المنظمة،والشمس عند شكسبير هي عدو لابطال قساة مارسوا دورهم في الفوضى المنظمة حينما دخلوا المرايا المرائية مثل ياغو وماكبث وريتشارد الثالث وغيرهم.ويشير الباحث في كتابه الى ان كثير من الدراسات تؤكد على ان شكسبير من خلال نص ماكبث كان يسعى الى ان يعالج قيامة جحيمية لمعركة ذاتية ماكبثية،فهي حرب شملت الجميع، بالتالي ادت الى فوضى وعنف منظَّمين،ويورد لنا وصف الناقد كولمب عن نص ماكبث:”صوَّرَ معركة خاصة،وأمَّا ساحة المعركة ففي روحي ماكبث وزوجته” .وفي قراءته لشخصية ليدي مكبث يصل السوداني الى ان الذاكرة تشكل رعبا حقيقيا لهذه الليدي القاسية والصلبة والحديدية،انها الذات المنخورة داخليا وكآبتها التدميرية تجعلها اكثر هشاشة من غصن يابس، فمازال دم الملك دنكن بين اصابعها ، مما يجعل ذاكراتها تلح عليها ان تطهر يديها وتغسلهما من الدم،لانه الشاهد الوحيد دون لسان،فرائحته نفاذة وهو شاهد سرلاي كخيول الليل الخفية لايزول ابدا بل انه يثقب ذاكرتها بعنف ويجعلها تائهة تسير في نومها والسائرون في النوم كالموتى لايشعرون لكن يمكنهم ان يقوموا باي فعل .

*”العنف والفوضى المنظمة في مسرح شكسبير”:المؤلف – د. فاضل سوداني
*اصدار: دائرة الثقافة والاعلام في الشارقة 2015
عدد الصفحات 388

شاهد أيضاً

“مسدس صغير” مجموعة قصصية جديدة للمبدع “حنون مجيد”

عن دار امل الجديدة بدمشق صدر للروائي حنون مجيد كتاب (مسدس صغير) يقع في 147 …

إصدار جديد للباحث الدكتور عصام كوسى

صدر عن الهيئة العامة للكتاب ــ وزارة الثقافة السورية ــ بدمشق ضمن سلسلة قضايا لغوية …

د. فالح نصيف الحجية الكيلاني: مؤلفاتي المنشورة ورقيا او الكترونيا او المتعاقد على طبعها ونشرها ورقيا
(الشـــعـرالعــربـــي بـيـن الحــــداثـــة والـمـعــــاصــــرة)

إشارة : أمام هذا النشاط الدؤوب والعطاء الإبداعي الغزير والثر للمبدع الشاعر والناقد والباحث العراقي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *