اسماعيل ابراهيم عبد: منفى الزرازير نصف الوعي ، نصف التناص

لنقر ـ بدءاً ـ ان للمنفى أسرار , ومفتاحه الهجرة , الهجرة في الداخل والهجرة الى الخارج , لكن قسوة المنفى ان يصير موسمياً , لا هويته له ولا جغرافية ولا زمان . على هذا الحد تسير خطى الروي برواية منفى الزرازير للكاتب خالد الوادي( ). ان أولى مظاهر ومضامين الروي , ابتعاده عن الأهداف الثيمية القريبة , وتوجهه نحو جديدة من خليط (فني / ثقافي) يبتغي تمييع جغرافيا المكان وتغييب التاريخ ، بل ان أهم شخصية في الرواية ممسوخة التسمية , فهي صفة (المعاق) وليس اسماً علماً , ليس هذا فحسب , انما لم يكشف الكاتب عن أية دولة تحتضن البطل في شبابة أو في شيخوخته . ترى أأن أسرار الزرازير والثعابين تقترب من أسرار الناس في تلونهم وغربتهم ؟ أيمكن للسؤال هذا ان يبرره سؤال آخر : لِمَ بطل الرواية معاق؟
قد تكون المحاور القادمة قادرة على توضيح الاجابة , لكننا نريد الآن ان نؤشر مهيمنات الاشتغال الروائي الرئيسة بضمن المحور النقدي الأول :
أولاً : مهيمنات
نرى بأن من أهم المهيمنات الثيمية , تغييب الجغرافيا والتاريخ الزمني ـ كما ذكرناهما اعلاه .. وهما من ابرز المهيمنات المضللة . علينا ـ هنا ـ تبرير ذلك ، فتمييع الجغرافيا المكانية يؤهل المكان (للعالمية) , ويمضي به ـ عبر الأقاليم ـ نحو التهرب من المسؤولية التي قد تقيد السرد بنموذج سياسي واحد يحد من إمكانية طرح قضية الحيف الإنساني للعراقي عالمياً على الرغم من ان قضية العراق الجديدة القديمة هي قضية مُدَوَّلة بامتياز ومنذ أجيال. اما تغييب التاريخ فله ـ كما نرى ـ غرضان هما ، فتح الزمن الروائي ليشمل أية مرحلة تاريخية لأية دكتاتورية . والغرض المكمل هو ان سوء السلوك العالمي سديميا ولن يتوقف عند زمان او تأريخ ما! .
قد نعثر على مهيمنات أُخرى تخص أنسنة الخرافة كما توردها الرواية عند الصفحات 40، 48 ، 77 . وفيما بعد سنصطدم بمهيمن آخر هو (التخاطر) المصنوع عند صفحة45 ، 46 مثلاً. وثمة مهيمن جديد طريف هو تطوير نمو الوعي بالتآخي الإنساني عبر تغيرات الظرف السياسي لا التقدم العمري . والأخير يمكنه ان يتوضح بطريقة فلسفية تأخذ فضاءها من مهيمنة مسبقة تقول :
” لا تنفصل الرواية عن البنية الثقافية التي تنتجها ، فهي القاعدة الحسّية والموضوعية التي تمدها بالقضايا والوسائل ، وحتى الشعور السائد , الذي يفرض سطوته على صيرورتها، بل أن الرواية ـ ضمن هذا الترابط الوثيق ـ تشكل وجهاً ومن وجوه الحالة الثقافية العامة ، ومن هذا المنطلق يمكن اعتبار الرواية العربية صورة من صور المناخ الاجتماعي ، بكل ما فيه من ارتباكات وتطلعات وخيبات ، … يبدو الفضاء الثقافي ـ المتاح للرواية ـ أكثر اتساعاً ومرونة وثراءً ـ من الفنون الاخرى ـ ” ( ).
ثانياً : أنصاف التناص
للرؤية الروائية في رواية (منفى الزرازير) قيمة ابتكارية في تبني ما يمكننا تأسيسه تحت ملفوظ اصطلاح (نصف التناص) , وهو لدينا ذلك التقارب التدويني بين مقطع روائي ما ولمحة اجتماعية شبيهة به , قد تكون حكاية قصيرة جداً , أو مثلاً , أو حكمة ما . وما يميزه عن التناص الكامل هو عدم نموه لاحقاً ولا التعويل على مدياته التأويلية ، بمعنى انه تكميلي وهامشي ..
اننا ـ هنا ـ نريد تأكيد ظرف ابداعي هو قصدية استثمار (نصف التناص) كونه تكرر كثيراً , فلا يعقل ان يجيء عفوياً في رواية كل شيء فيها محسوب . نريد ان نقيم لنصف التناص هذا توصيفاً لملامح بنيته على الوجه الآتي :
1 ـ نصف التناص للرمز الصريح : وفيه يكون نصف الفهم قريباً من التصريح والنصف الآخر تصريحا مباشرا مثلما هو رمز العوق في المقطع الآتي :
[تحركتْ بداخلي هواجسٌ تتصارع مع المعنى الذي يشكله المكان , ذلك الذي غابت عنه ذكرياتنا , وبُتِرت طبيعته قسراً , وأصبح معاقاً كما أنا , نعم انه العوق البائس الذي يشتتنا] ـ منفى الزرازير , ص233.
2 ـ نصف تناص الضوضاء : يتخصص هذا النوع بالضوضاء والمزعجات الشفافة (البسيطة) من جميع الأصناف , وهو هنا ضوضاء يخلقها الديك الشبيه بديك شهرزاد لألف ليلة وليلة , وطبعاً لا يقتصر نصف التناص هذا على هذه الحالة فقط , انما فعله ـ لو تكرر ـ فسيشمل هيئات للمظالم أيضاً :
[صياح الديك المزعج يدك رأسي المتخمة بالأحلام الوردية , أستيقظ فزعاً , أسبك ذراعي لكن في الفراغ] ـ منفى الزرازير , ص23 .
3 ـ نصف تناص أنسنة الخرافة : بموجبه تتحول الخرافة من كونها قيمة معرفية اولى للفكر الانساني الى قيمة فكرية مُخَصِّبة لفطرة الجمال الانساني البيئي المتضافر : [ما يهمني … هو الاكتشاف … انا وقيس قررنا الافتراق , نبحث كل بمفرده , نلتقي خارج تفكيرنا بتلك القضية ـ الجنية ـ … صار لزاما علينا ان نؤسس اسراراً تخصنا ] ـ منفى الزرازير , ص41 .
4 ـ نصف التناص الداخلي : في هذا الصنف يتقارب ـ بالمقارنة والمفارقة ـ طرفا المقطع الواحد ، عبر تلاقي فكرتين في آن واحد دون نظائر دلالية بعيدة : [الاعتقال المنظم تمثل في … تلك الطيور المنذهلة تتراكم على بعضها … مشهد يذكرني باليوم الاول لاعتقالي , كانت الزنزانة تتكور بالمعتقلين , تشبه تلك الشِباك المتكورة للزرازير ] ـ منفى الزرازير , ص77 .
5 ـ نصف تناص النمو النفسي : النمو النفسي الذي تتبناه نظرية السمات لسجموند فرويد تؤلف المقابل النصفي لحالة نمو شخصية البطل المعاق عبر الاهتمام الذي يحظى به من زوجة الزميل الاجنبي في العمل ، إذ هو ما يجعل النمو النفسي يسعى الى نضج الوعي بالمحيط والمثل السامية في المجتمع , ومظهره ما تحمله الشخصية من سمات جديدة : [اكتشفتُ ان الاهتمام سلوك حضاري يُسهم في بناء الشخصية ويهذبها , يحولها نحو عوالم الإلفة والحب] ـ منفى الزرازير ، ص98 .
6 ـ نصف تناص الحس الأمني : الشك المضاد للثقة ، ولاعتبارات مزروعة للتخويف ، يصير الحس الأمني تشكيك بالمحيطين جميعاً بحيث يحتفظون بخيوط العلائق الاجتماعية الرسمية إلّا ما ندر ، وأحياناً يصير التعاطف الحقيقي بين الزملاء سلوكاً غريباً , غير متوقع مثلما فعل ساشو مع البطل المعاق في قضية تهريبه الى خارج البلاد : [فاجأني ساشو بذلك التعاطف الهائل … , لكن الحاجز الذي تفرضه (الثقة الناقصة) قد حدد مدى رؤيتي لمعالم انسانيته ] ـ منفى الزرازير , ص157.
ثالثاً : أشياء وايديولوجيا
الملكية وما يتعلق بها من الحيازة تتحول الى فلسفة لإيديولوجيا تجميع الأشياء واكتنازها لتزيد مكانة ورقي رتبة الأفراد . وهو ما يشكل عوقاً آخر للبطل الذي يدرك ويلمس هذه الهمجية .. تتسارع خطاه ليتخلى عن تلك الهمجية متمثلة بالهجوم الايديولوجي , من ثم هجوم وهموم الاشياء بتكاثر اهميتها كمكتنزات ورتب , يرافق هذا الوعي تطورات سريعة سياسية اجتماعية تجعل غربته ثلاثية الفقد , للحبيبة , والوطن , ثم الهوية . تتحقق نبوءته في غربة الداخل قبل الهجرة , وغربة الهجرة بعد فقد الحبية , وغربة الهوية بعد احتلال واختلال الوطن , مع هذا كله فثمة قيم حقيقية للترابط بين الأشياء والايديولوجيا , ابرز مظاهرها ان فلسفة الأشياء التي يتحصلها البطل تدخل وعيه في بلد اشتراكي , لعله يوغسلافيا او بلغاريا , قبل تفتت القطب الاشتراكي العالمي .
1 ـ شيئية الفلسفة العامة : هي فلسفة التقييم الظاهراتي للحاجات بالمفهوم الرأسمالي كونها تمثل احتيازا لا عدالة فيه , فهي اشياء للاعتزاز بالتملك تطغي على وظيفتها الاستعمالية :
[بدأت ، ومنذ زمن ، اكتشف بأن باتت لدي نظرة تغيرت عما كانت تجاه المكان المتخم بالأشياء , أجل لا قيمة لشيء اكثر من الأشياء , لأننا جميعاً محكومون بالشيء الذي أخذ لنفسه فلسفة خاصة تحيلنا جميعا الى عبيد أمامه] ـ منفى الزرازير ، ص220.
2 ـ شيئية الايديولوجيا : تتصل هذه بتنميط ايديولوجي يعنى بالأفكار الداعية الى تحرير الفن والجمال من ماديته الشيئية , ونلمح عبر هذه الشيئية عودة الى مدرسة الفن للفن : [انني أمام فن إجادة … العالم , انه فن الفقدان ، تتعلم مع الوقت كيف تفقد الأشياء الجميلة … رغم الضوء الذي يغمر كل الأمكنة بلا استثناء] ـ منفى الزرازير ، ص225.
3 ـ شيئيات النكوص : وهي اشياء تخلط بقيمتها الاجتماعية بين الحاجة المتحركة اليومية للأشياء بشكلها الاستهلاكي والروحية التي ترى في الحاجة ذلة ينبغي تقليص حجمها عبر تقليل فجوة النكوص الملازم للحصول عليها :
[كانت الأشياء تشغلني … لا أعلم لماذا .. تحيلني الى القلق القديم .. أحاول اليوم التغلب على ذلك الغول…الاحساس الذي يحيلني الى التراجع الدائم] ـ منفى الزرازير , ص245.
رابعا : شخصية (انتماء)
من الطريف حقاً ان تكون لفكرة الانتماء قدرة على التحول من كونها مهيمناً للقيمة الى مصدر للفعل الحدثي , مثلما تقوم به أية شخصية في الرواية . وفوق هذا فهي تُنَوّع أحداث فعلها , وضمن هذا الاطار يمكنني ان استجلي منها الآتي :
1 ـ فالفكرة قد تسبب رفضاً للظرف الاجتماعي المحيط بلحظة الانتماء ، او تدفع لتبني أمراً مصيرياً ـ والكاتب يجعل الانتماء شخصية ذكورية , بل يحسب ان لها قوة التصاق مادية للفكرة ذاتها!:
[شعرتُ ان (انتماء) يمسكُ بي في تلك البقعة النائية من العالم … أرخيتُ جسدي فوق السرير كالعاجز افكر بما ستؤول اليه الأمور] ـ منفى الزرازير ، ص50.
2 ـ فكرة أو شخصية (الانتماء) قد تقوم بفعلين او أكثر مثلما أي بطل محوري في الروي ، في المقطع الآتي تصنع الفكرة ثلاثة افعال , (الفقدان والاغتراب والحذر) , وهذه الافعال سيصير لها أهمية قصوى في جزئيات الأحداث المتلاحقة المتمددة في نسيج الحكي للرواية ـ قيد الدراسة :
[انني ببساطة أفقد الانتماء لهذا المكان ويكبر اغترابي مع الوقت … ما يحدث ان الظروف المحيطة بنا تجعل منا أكثر حذراً من بعض] ـ منفى الزرازير ، ص73.
3 ـ تثبت فكرة الانتماء بشكل عملي ـ حدثي ـ التآخي المفترض بين عناصر البيئة العاقلة وغير العاقلة :
[هرع الشبان … يطوقون … الطيور … يقيدون سيقانها بالخيوط القطنية المتينة … يرمونها بالصناديق , كان مشهداً لا ينتمي للإنسانية] ـ منفى الزرازير , ص77.
4 ـ تقوم الفكرة بفعل الإسعاد الجليل :
[لقد فتحت تاتيانا أبواباً ونوافذ … أمامي , أبواب من الانتماء لم تراودني حتى في احلامي] ـ منفى الزرازير , ص144.
5 ـ تحتفظ الفكرة ـ المنوّه عنها ـ بالفعل الحدثي السرمدي للبشر(الاطمئنان للأُنثى الملاذ), التي تكون وطناً حامياً حانياً , مهما تباعدت جغرافيا المكان :
[وقبلتها قبلة طويلة خالية من أية شهوة , كان الاشتهاء يكمن بمقدار تمسكي بها ,… ذلك الاحساس بالانتماء والطمأنينة] ـ منفى الزرازير , ص173.

رابعاً : اكتشافات
على الرغم من ان الكاتب قد وضع لنا الافعال السردية لروايته على وفق انغمار خاص , يحوّل البسيط من الحالات الى محور روائي مقنع , مثلما هو اشتغاله على اظهار قوى سردية كانت محتجبة لغاية كتابته الرواية ، أو انها لم تأخذ حقها من التجربة ، فقد ثبَّتَ لنا فكرة التحول بالقيمة الى شخصية ، أخص بها قيم (الايكلوجيا والثقة والانتماء) ـ مثلا , وجرب شجب الهجمة الايديولوجية بوجهيها الشيئي والدكتاتوري ، فضلاً عن فاعلية انصاف التناصات , لكنه يكتشف لنا مرة جديدة حالة لتعرية العالم وكشف زيفه , بأن صنع لنا قدرين من الفعل الحدثي هما (المسرح المعاق والزمن الممتد بلا تسمية) . سنبين فهمنا لهما على النحو الآتي :
1 ـ المسرح المعاق : ” ذوو الإعاقة يشكلون فئة مهمة من فئات المجتمع ، وإن لهم حقوق كما عليهم واجبات تجاه مجتمعاتهم ، فإنه لا يحق لواحدة من هذه الحقائق أن تنكر الأخرى , بل على العكس من ذلك ، عليها أن تؤكدها وتشد من أزرها , فالمسرح يُعد أحد المنابر الثقافية المهمة المتاحة لذوي الاعاقة بجميع أنواعهم للتعبير عن قضاياهم وطموحاتهم وأحلامهم وهمومهم ، وله الأهمية الثقافية والتربوية والنفسية والاجتماعية في خدمتهم .. المسرح ظاهرة احتفالية جماعية يقوم بها العديد من المجيدين في مختلف مكونات العرض من خلال تقديم عرض مسرحي حي يضج بالحركة والحيوية والجمال والألوان، وبالمؤثرات الصوتية والموسيقية “( ).
التمهيد هذا يؤكد على ضرورة رعاية المعاقين الموهوبين لكن الراوي والروائي عكسا الحالة بأن جعلا (المعاقَ) هو الذي يحاول اصلاح الخلل السياسي والاجتماعي الناتج عن سوء الساسة والمجتمع وقوى الاحتلال .. بل اكثر من هذا يقود المعاقُ شبابَ التغيير الى ثورة حقيقية تهدد عروش الباعة المتجولين بلحم البلاد! ..
يذكرنا عمل الكاتب بكومونة عراقية خلقها تيار شبابي بعد 2003 تقودهم فتاة شابة ، كانوا قد نزلوا الى الشارع يمثلون ويرسمون ويحتجون على سلطة القتل والارهاب , الى حد ان الأجهزة الأمنية قتلت الفتاة غيلة , وشردت أعضاء المجموعة بالتهديد والابتزاز , ولو ان كُتّاب الرواية أصروا على اشاعة أدب المناهضة الشبابي بمثل ما صممه الكاتب خالد الوادي لانتشرت روحية أدب المقاومة التنويري الجاد الذي يُحَشّد قوى الشعب ضد قوى الارهاب والجريمة الدولية المنظمة لتعويق الوطن وتغييب هويته . ان فكرة الكاتب تلك ليس لها تجربة فنية شبيهة على حد اطلاعي, لذا أعدّها من مكتشفات الكاتب خالد الوادي.
لنتابع بعض شأن مسرح التنوير (المسرح المعاق) :
[لم يكن تأسيس جماعة (المسرح المعاق) إلّا نتيجة حتمية لتداعيات مراحل مرت بسرعة.. التقينا تباعا بعد ان نضجت الفكرة في مخيلتي , مفادها ذلك المسرح المتجول الذي يشبه السيرك …
نحن معاقون لا ضرر في انفعالاتنا … نحن نتاج الحرب , الاضطهاد , التخلف , النسيان, الهزيمة , نحن بلا ملامح … قررنا ان نبتكر ذلك المسرح واتفقنا على آليات العمل , الفكرة تكمن برفض الواقع , اما المكان فكان … بالقرب من وزارات الدولة , نقيم عروضنا على أساس من النقد الذي يستقطب الناس والمارة والمراجعين …
ـ الحقيقة نحن نجازف .. هكذا قال محمد الشاب الذي فقد ذراعيه بسبب انفجار وقع بالقرب منه ] ـ منفى الزرازير , ص 243 ,ص244.
ترى ماذا كانت النتيجة ؟
[تمَّ اعتقالنا … وكالعادة كان الضرب والتعذيب والاحتقار يدفعنا على نحو سريع الى نقطة الهروب , ذلك الذي جربته منذ زمن بعيد , العودة الى أصل اللحظة المنفلتة التي غابت الى حين ] ـ منفى الزرازير ، ص247 , ص 249.
إذاً الفكرة تقوم على أساس عملي وفني وربما تلحقها تأسيسات فكرية , هذا كله يقوده المعاقون , ممن فقدوا الأمان والاحتضان ، يفعلون ما يتفوقون به على مئات وملايين الناس ممن دفنوا رؤوسهم في التراب لئلا يقولوا (لا) لجرائم بيع البلاد!
والنتيجة المتوقعة هي الاتهام واللوم ومن ثم الاعتقال والتشريد من جديد كأن الأعوام بعد 2003 هي انحسار الى اسوأ ما في الماضي من ظلم وامتهان وتفريط بكرامة الوطن والناس.
2 ـ الزمن الثمانيني : تغطي الرواية زمناً هو عمر البطل المعاق اللا مسمى , وبرأينا انها تبدأ من سنة 1972 , العام الذي تم فيه وضع اسس مبدئية للحرية السياسية , والراوي البطل المعاق مدد الرواية الى ثمانين سنة ، أي الى العام 2052 , وهذا العام ربما ـ بحسب التقارير الاستخبارية الامريكية في العام 2003 , سيكون العام الذي ستترك الولايات المتحدة العراقَ بشكل حقيقي وتعطيه استقلاله الكامل .. اقول ربما فعل الروائي هذا الحساب الزمني على الرغم من عدم اشارته لأي تاريخ محدد لأي حدث او حالة لأبطال وظروف الشخوص , ومن جانب الكتابة فقد وردت اشارتان تدللان على ان الرواية هي حصيلة حياتية ، بمعنى انها رواية داخل الرواية .. لننظر :
[يا الهي ما هذه الليلة … ؟
هل أحلم بأن أكون روائيا؟ …
بالحقيقة أجد نفسي مؤهلا لكتابة رواية … الخلود للنوم … اسلم … (سنناقش الأمر غدا … هيا نم ايها الشيخ وغدا لنا جلسة طويلة تحيلنا الى قرار)] ـ منفى الزرازير , ص11.
ينبغي ان نلاحظ ان المقطع ورد في بداية الرواية …
ألا يعني ان المقطع اعلاه يشير بان البطل بعمر الثمانين , يفكر بطريقة الانشطار الذهني المقارب لذهان كبار السن!؟ .
لعل المقطع الآتي ـ عند الصفحات الأخيرة من الرواية , ومن بلد الغربة الأجنبي ـ يكمل الفهم لطريقة التعامل مع الزمن الثمانيني هذا :
[ تتلاعب الريح بأوراق الجوز الساقطة من أعلى الأغصان , تثير صوتاً حزيناً يتناغم مع خطوات المارة … تتلبسني الأفكار المرتبكة , وقد غادرني ذلك الشاب ، جاري اللطيف الذي يعطف عليَّ دائماً , تركني هذه المرة , أنا وحزني وعربتي المتحركة , أجلس عند ساحل البحر أفتش عن الأعوام التي ذهبت نحو المجهول , لم أعد بحاجة الى ساق اصطناعية , فأنا هرم تجاوز الثمانين بسرعة , والوطن هناك عند أقصى الارض يحتضر منذ آلاف السنين , أسأل نفسي .. كيف لي ان أحمل روحي المرهقة , الى حيث البداية …] ـ منفى الزرازير , ص257.
اذاً حينما نام الشيخ ألَّفَ ـ بذاكرته ـ رواية ممتدة الى اكثر من 262 صفحة , والحلم يمكنه ان يعبر بالمراحل العمرية والأحداث نحو أزمان تمتد الى ثمانين سنة سابقة أو لاحقة ، لكن وقائع السرد وضعتنا عند سقف العمر المنطقي للشيخ الراوي , أي ثمانين سنة .. تُرى أحقاً هي رواية عن حلم ؟ ربما!
خامساً : تحولات الوعي
قد يختزل المتابعُ الترابطَ بين تطور العمر ووعي الفن والفكر المنظمين عبر التحولات غير الافقية التسعة الآتية :
1 ـ تحول الرصانة الفكرية : وهو يمهد لتبويب وعينا عبر ممارسة ثقافية عجولة تبدأ مع بدء الرواية .. كان يمكن تأجيلها الى ما بعد منتصف الرواية ، لكنه عجل بها ليعطي فكرة عن اتجاه الرواية الفكري , وربما اراد بتعدد مصادره الثقافية ان يلقي شرارة في هشيم الايديولوجيا التي يرفض الانضواء الأعمى تحتها , مثال هذا يوضحه الآتي : [ أحزنتني إيما في رواية (مدام بوفاري لغوستاف فلوبير) حين انتحرت … السياسة جاءت لنا … بالاعلان العالمي لحقوق الانسان …
كم لعين أنتَ يا ميكافيلي حين شرعت … بكتابك الأمير … اشنع العبارات … (الخوف ابقى من الحب) …
ـ يا الهي ما هذه الليلة الكئيبة التي اعيشها ؟ إيما وميكافيلي وحقوق الانسان … الهزيمة والمتناقضات , الهروب وميكانيكية الحياة , بماذا افكر؟] ـ منفى الزرازير , ص8 , ص9 , ص10 , ص11 .
2 ـ تحول وعي الحس الجمالي بالتخاطر الخرافي : تقوم حالة الوعي بتحول يجمع بين ايكلوجيا التأخي البيئي وفطرة التخاطر متضامنة مع الإبصار الخرافي لأجل تعلم الحب المطلق للكائنات الرفيقة لنا , المنظورة والمتصورة :
[احساس بالانتماء يجرني نحو كل ذرة من ذرات الارض ونباتاتها وأشجارها الباسقة , من بعيد رأيت قيساً وسط البستان , لوّح لي وتقدم مسرعاً نحوي . التقينا دون ان نهمس بكلمة عما توصلنا إليه في بحثنا عن الجنيات , كان الحديث عابراً وعادياً , لكن ألقاً جميلاً أخذ يشع من عيني قيس لم أفهمه حتى تلك اللحظة] ـ منفى الزرازير , ص45.
3 ـ تحول فوبيا الخوف النفسي : بعد صداقة البطل مع أحد المسرحيين المتنورين فوجئ المعوق بسجن صاحبه شاكر , ثم أصبح الخوف قرين لحظاته كونه الصديق الاثير للمسرحي السجين , وسيطاله السجن حتماً .. تعد هذه أولى مراحل الوعي السياسي كونها مرحلة ثالثة في حياة البطل وزمن الرواية وحياة شخوصها : [تلازمني الآن ملامح شاكر , أتخيله معذباً يسيل الدم من جسده النحيل … أتخيله مقتولاً … راح الخوف يتأصل في روحي … حتى عزلتي اختلفت … باتت عزلة حذرة يتخللها خوف من كل الأشياء المحيطة بي] ـ منفى الزرازير ، ص55.
4 ـ تحول المجازفة : وقد تمثل بأربعة حالات هي حب التعاطف مع فيلا , وتاتيانا , والهجرة تهريباً , تدجين الخوارق , لكن التجربة الأساسية التي خلقت نتائج فعّالة جداً هي الهجرة , لنتقصَ حالة البطل بمظانها :
[نظر السائق لي نظرة محيرة .. ثم قال :
ـ هل تعلم اننا خارج بلدك ـ الان ـ , لقد دخلنا البلد المجاور , سنتجاوزه وصولاً الى وجهتنا ..
كان العبور سهلا … وانني بخير …
تعلمت الآن وبدفعة واحدة والى الأبد , ان الشجاعة لا تتحقق إلّا بالإصرار] ـ منفى الزرازير , ص184 , ص188.
5 ـ تحول الغربة الجديدة : تُتِمُ الغربةُ وعيَها المضطرب للمعاق عبر الحب والأمل والنكوص , كون تاتيانا هي العالم كله لكن تاتيانا لن تجعله عالمها كله مما قد يفسد فكرة الاستيطان المطمئن :
[لم أَرَ تاتيانا بهذا المزاج من قبل , فهي تهتم كثيرا بالعزف هذه الايام , باتت منشغلة الى درجة اعتقدتُ فيها انها تهملني … تتكلم باقتضاب .. تقول :
عليك ان تفكر فنحن أمام تحولات لا محالة منها … أنا أعمل على تلحين النشيد الوطني الجديد لبلدي , سأنجزه خلال وقت قصير , سأجعل منه بداية جيدة لمشواري القادم ..
قلتُ :
ـ احبكِ
قالتْ بحزن :
ـ احبكَ] ـ منفى الزرازير ، ص204 ، ص205 .
6 ـ تحول الحس بانهيار بالشرقية الحضارية : وفيه يتحول الكائن المعاق النموذج نحو الحس بما سيكون عليه الكون بعد التحولات الحضارية الكبرى وتغير خارطة العالم الجديدة , بل ان الذي سيحدث يلغي عصوراً من التاريخ البشري , وفي هذا الخضم لن يكون أمام الكائن العالمي سوى انهيار مشابه لانهيار العالم المعنوي :
[كم هو حزين حين تدرك مقدار ضعفكَ أَمام عالم هائل تمسك به التناقضات من كل اتجاه… والمحزن اكتشافكَ شرقيتكَ المتأصلة حد اللعنة …
حاولت ان أندمج , أذوب في عالم لا يخصني ,…
اعترف انني نزيل انتهت صلاحية اقامته] ـ منفى الزرازير , ص215.
7 ـ تحول الحرية والفوضى : هذه مرحلة حاسمة شديدة التأثير ـ فردياً وجماعياً ـ على المواطنين , ولعل البطل المعاق قد وضع أمله الكبير بها :
[لقد اصابتني الدهشة وغمرني الفرح حين شاهدتُ شاكراً على التلفاز . ظهر أنيقاً وسيماً رغم ملامحه التي شاخت بعض الشيء , يتحدث بثقة مطلقة , وبلغة جميلة ومقنعة . قلت مع نفسي ان العالم يتغير فعلاً , والحياة هناك ما عادت كما كانت في السابق] . ـ منفى الزرازير ، ص223
8 ـ تحول العودة : وفيها يكون للبطل مناحي عدة منها التعرف على البلد عملياً بظرفه الجديد , ومنها تقصي أخبار الأهل , ومنها اختبار فكرة الانتماء , ومنها التأكد من الاخبار المشوشة الخاصة بالتحول تحت مظلة الاستعمار ..
ترى عندما عاد البطل! الى البلاد والى مكان عمله السابق بماذا خرج :
[سيدة بيتنا رحلت منذ زمن ليس بالقصير … تغير المزاج العام , انه التحول الذي يشبه الانتقام … حاولتُ العثورَ على مدرستي … وجدتُ سوقاً احتل المكان وزحف الى الطرقات المؤدية الى بابها , وأحاطها من كل جانب …
بداخلي هواجس تتصارع مع المعنى الذي يشكله المكان .. المكان بترت طبيعته قسرا , واصبح معاقا كما انا ] ـ منفى الزرازير ، ص231 , ص232 , ص233.
9 ـ تحول سديمية العدم : وفي هذه المرحلة يشيخ كل شيء بما فيها رؤية المستقبل ويستظل التفكير الروائي بالإقرار بلا جدوى أي عمل قادم :
[كبرت شجرة اليوكالبتوس … شب حريق بالقرب منها … إلتهم الحريق الاخشاب التي تتركها جارتنا عند جذع الشجرة … حلمتُ ذات يوم بتسلقها … امتد الحريق وهجم بلا رحمة على جذعها الخشن … خرج الجيران …
أخذوا يطفئون النار المستعرة … وتم ذلك , لكن الخسارة كانت الشجرة التي جفت مع الوقت وتحولت الى عمود خشبي يابس , ماتت الشجرة , ومع موتها عاد الذباب ليجتاح بيتنا من جديد ] ـ منفى الزرازير ، ص260 .

شاهد أيضاً

دروب الليل تحاكي الأزمنة
قراءة في ديوان “تجليات عين الشمس” للشاعر عبد الزهرة لازم شباري
بقلم: توفيق الشيخ حسين

يمشي في دروب الشعر عبر محطات أبت أن لا تفيق , ويعيش الآهات التي تمضي …

قراءة تحليلية بقلم الشاعرة “مرشدة جاويش”
وحشةُ الدفاتر.. محطاتٌ بلا لافتة – كريم عبدالله

في وحشة الدفاتر رمزية تجاهر بما تيسر من محاورها وأركان تمددها على مدار العمر وهي …

قراءة في مجموعة “طربوش جدي” القصصية للقاص ماهر منزلجي
القصة القصيرة وأدواء المجتمع
عامر هشام الصفّار

عن دار الحوار في لاذقية سوريا وفي عام 2017 صدرت الطبعة الأولى للمجموعة القصصية “طربوش …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *