ناطق خلوصي: دفاتر قديمة.. نازك الملائكة والقصة (ملف/18)

إشارة :
حين رحلت المبدعة العراقية والعربية الكبيرة “نازك الملائكة” عام 2007 في القاهرة احتج المثقفون المصريون على إهمال الإعلام لمنجزها وتجاهله لدورها في التأسيس للحداثة في الشعر العربي؛ شعراً عبر ريادتها (مع السيّاب) للشعر الحر بقصيدة الكوليرا (1947)، وتنظيراً عبر جهودها النقدية المتخصصة في “قضايا الشعر المعاصر” (1962). أمّا في بلادها التي علّمتها الكآبة فإن ذكراها تمرّ يتيمة. تفتتح أسرة موقع الناقد العراقي ملفها عن الراحلة الكبيرة وتدعو الكتّاب والقرّاء إلى إغنائه بالمقالات والصور والوثائق.

لم أكن أعرف أن نازك الملائكة كتبت القصة القصيرة قبل أن أقرأ قبل سنوات مجموعتها القصصية ” الشمس التي وراء القمة ” التي كانت قد صدرت عن المجلس الأعلى للثقافة في القاهرة عام 1997وأعيد نشرها في ” المجلة الثقافية ” التي تصدر عن الجامعة الأردنية في العدد 52 ( كانون الأول 2000وشباط 2001 ضمن ملف كرّسته لنازك الملائكة ). تضم المجموعة سبع قصص قصيرة كانت قد كتبتها في سنوات مختلفلة بين 1958 و1979 وهي : ” الياسمين ” و”ضفائر السمراء عالية ” و” إلى حيث النخيل والموسيقى ” و ” منحدر التل ” و ” قناديل لمندلي القتيلة ” و ” الشمس التي وراء القمة ” و” رحلة في الابعاد ” .
تُستَهل المجموعة بمقدمة مشتركة جمعت بين اثنين من أقرب الناس إلى نازك : زوجها عبد الهادي رضا وابنها الدكتور البراق عبد الهادي ( وقد ورد اسماهما بهذا الشكل في ذيل المقدمة ) ، وهي مقدمة تعريفية ــ نقدية أشار فيها كاتباها إلى ظروف إصدار المجموعة ، كما توقفا عند القصص في ومضات نقدية ألقت الضوء ، هي والهوامش الملحقة ، على الخلفيات الفكرية والسياسية والاجتماعية لهذه القصص و المعاني التي تنطوي عليها وفق رؤيتهما القريبة من رؤية نازك بحكم طبيعة الصلة التي تربطهما بها . ولعلهما يجدان من يأخذ عليهما قولهما ” أن نازك الملائكة جددت في فن القصة وأبدعت فيه شكلاً أقرب إلى السيرة الذاتية ولكنه غيرها . إنه شيء جديد يجمع بين مزايا الفنين : القصة والسيرة معاً “. ويصطدم هذا القول بحقيقة أن نازك لم تبتكر جنساً ابداعياً جديداً في هذه المجموعة التي لا يمكن أن تقوم ، بقصصها السبع ، دليلاً على عمق تجربتها القصصية . فقد كتبت قصصاً قصيرة مستقاة من تجاربها الحياتية ، وهو ما يفعله الذين يمارسون كنابة القصة في كل زمان ومكان .
تفصح القصص عن روح الانتماء إلى الأسرة والبيت والوطن ، ويحكمها هاجس الحنين إلى الماضي القريب والبعيد حتى لتبدو نازك الملائكة مأسورة بهذا الهاجس الذي يسكنها بالحاح . انه هاجس الحنين إلى عالم الطفولة وإلى منزل الأسرة بشكل خاص .فالالفة الأسرية تبسط سطوتها على مناخ القصص العام . وثمة صور وصفية دقيقة لتفاصيل الأمكنة ومفردات الموروث من الطقوس الشعبية استلتها نازك من خزبن ذاكرتهاونفخت فيها الروح من جديد .ان أغلب شخصيات القصص في مقتبل العمر : أطفال وصبية وفتيات في بواكير تفتح الوعي . وتنهض الشخصيات النسائية بأدوار البطولة أو الأدوار الرئيسية في ست من قصص المجموعة السبع .ويمكن القول أن شخصية نازك الملائكة نفسها تجد لها حضوراً في شخصيات: “وداد ” في قصة ” ياسمين” ،و “ندى ” في قصة ” ضفائر السمراء عالية ” و”شوق ” في قصة ” رحلة في الأبعاد”و”هدى” في قصة ” الشمس التي وراء القمة “، وربما كان فيها شيء من شخصية ” نهى ” في قصة ” ألى حيث النخيل والموسيقى” . في هذه المجموعة إذن انعكاس لتجربة نازك الحياتية في طفولتها وشبابها ، وفيها ارهاصات وعيها الفلسفي والفكري والاجتماعي ، وفيها صدى شاغلها الثقافي ، مثلما فيها سمات ايمانها الروحي إذ لا تخلو قصة من القصص من ذكر الله أو اشارة إلى الرسول الكريم أو استشهاد بآية قرآنية أو حديث نبوي .
تطرح نازك الملائكة من خلال هذه القصص رؤيتها الفلسفية أو الفكرية لقضايا الموت والخلود والغربة والاغتراب وحرية المرأة بنَفَسٍ يطغى عليه الانحياز وحس التعاطف الانساني . لكن مشاعر الاحباط ومرارة خيبة الأمل تتغلغل في مفاصل القصص بشكل عام وتنتهي ثلاث من قصص المجموعة بحادث مأساوي يفضي إلى موت احدى الشخصيات( وكلها في مقتبل العمر في الحالات الثلاث ) .وتبدو نازك الملائكة واقعة تحت سحر الطفولة في قصة “ياسمين ” وهي تسيّر صراعاً قد لايبدو متكافئاً،ويشم المرء رائحة الفجيعة منذ السطور الأولى لقصة ” منحدر التل ” وهي واحدة من أجمل قصص المجموعة ومن اكثرها إيحاءاً واكتنازاً بالرموز، مكتوبة بحس قومي انساني وهي تقدم صورة مأساوية من صور النزوح القسري للفلسطينيين ، وتتشعب قصة ” إلى حيث النخيل والموسيقى ” في امتدادات جانبية وحورات فضفاضة تقود بها إلى الترهل أحياناً . أما قصة ” رحلة في الأبعاد “فتشي بوقوع نازك الملائكة في أسر الماضي ( التاريخي ) هنا وببعد ثقافي ــ فلسفي.وتتمثل شخصية نازك الملائكة في شخصية هدى في قصة ” الشمس التي وراء القمة” ، في حين تنفرد قصة ” قناديل لمندلي القتيلة “في كونها لا تحمل تاريخ كتابتها وفي كونها لا تتوافر على شخصية نسائية .
لقد اعتمدت نازك الملائكة التنويع في صياغة قصصها وإن كان السرد يتسيّد فيها مع تداخله بالاسترجاع إلى جانب تطعيم النصوص بمقتطفات فلسفية أو مقاطع شعرية أحياناً وتوظيف لمقطع من أغنية شعبية في احدى القصص .

شاهد أيضاً

الدكتور صالح الطائي: ولادة قصيدة وطن رائية العرب (ملف/16)

إشارة: يسرّ أسرة موقع الناقد العراقي أن تفتتح هذا الملف عن “قصيدة وطن- رائية العرب” …

أمجد نجم الزيدي: سيرة المكان في رواية (عمكا) (ملف/14)

تستند رواية (عمكا)* للروائي سعدي المالح، على استلهام تاريخ مدينة عينكاوه، وحياة السريان في تلك …

سلام إبراهيم: أفكار حول الرواية العراقية للنقاش (2) حافظة للوحدة الوطنية (ملف/127)

في ظل ظروف الدكتاتورية والحروب المتواصلة التي أدت إلى أحتلال أمريكي عمل بخبث على تمزيق …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *