د. قيس كاظم الجنابي: الفكر النهضوي القومي عند محمد حسنين هيكل
[فصل من كتابي: النهضة الفكرية العربية]

توطئة:
في قضية قراءة هيكل للتاريخ، يؤكد الدكتور سيار كوكب الجميل، في نقده لهيكل (1923-1016م) على جملة أمور نجملها باختصار:(1)
1- انه يقرأ الوقائع بطريقة سردية من دون التوغل في مظانها..
2- وقوفه عند الأبطال السياسيين ، فقط، فهو لا يهتم بحركة التاريخ الجماعي /المجتمعي سواء النخبوي أو الفئوي الجماهيري .. ولم يراقب الصلة بين السياسي والاجتماعي أبداً…
3- اهم ما يشغله الزعماء/ الأبطال كقوى تاريخية هي عنده تحرك التاريخ وتشغله وتمتلكه.
4- لا يخرج من نطاقها في التركيز على (البطل) وصلاته وعلاقاته ،والتفنن في رسم صور عجيبة عن هذا البطل أو ذاك.
5- يبدو فناناً في اختيار الزعماء / الأبطال سواء في الحديث عن مقابلاته معهم، أو حواراته إياهم ،وتوزيعه احكامه عليه من الزاوية المحددة .. وغيرها من الآراء.
كما أنه يشير الى أن نزعات هيكل الايديولوجية ، بقيت ” تتحكم في مضامينه ونصوصه ومحتويات كتاباته المتنوعة.. وذلك لأن المعرفة التاريخية ، هي عملية معقدة تستوجب تحليل معلومات تاريخية شتى, ولا بدّ من اشتراطات منهجية وبحثية يلتزم بها المؤرخ تقف في مقدمتها: اعتبارات الامانة والحيادية والدقة حتى يكتمل الشطر الأول من المعادلة.. فضلاً عن المصداقية التي لا يمكن لها أن تكون الا من خلال توثيق المعلومات والأقوال والأخبار بشكل واضح كامل ومدعم بالإسناد والأرقام.. حتى يكتمل الشكر الثاني من المعادلة.. وبدون هذا وذاك ، فلا يمكن أن نسمّي مجموعة التوليفات الكتابية الممتعة بـ” تاريخ” و” معرفة تاريخية” ولا يمكن أن يدّعي أي صحب توليفات للعبارات والنصوص والمقولات أنه مؤرخ”.(2)
يبدو أن الجميل صنف كتابه عن هيكل ليدافع عن نفسه هو حينما كان يعمل في الأردن ، للإعلاء من شأن مشروع الشريف حسين ، الذي سلّم مقدراته بيد بريطانيا ولورنس العرب، فخاناه، وهو مشروع ملكي ؛ بينما كان مشروع جمال عبدالناصر وحدوي جماهيري، فحاول قدر الامكان النيل من هيكل لأنه يمثل مشروع النهضة العربية بعد الحرب العالمية الثانية، في توجهاتها القومية المعروفة، والغربي أن يلجأ الجميل الى دراسة شخصية الملك حسين بن طلال بموازاة شخصية عبدالناصر، وليس ثمة لقاء أو أوجه شبه أو مقارنة بينهما، فقد حقق عبدالناصر الوحدة بين مصر وسورية ،وبقي الملك حسين مجرد واجهة لخدمة المشروع الاسرائيلي، محاولاً محاكمته بوصفه مؤرخاً ولم يكن هيكل في يومِ ما مؤرخاً، ولم يعلن أنه مؤرخ أو فيلسوف أو صاحب مشروع عربي، وانما طرح هيكل ذلك من خلال علاقته بعبد الناصر فقط، لأن عبدالناصر هو صاحب المشروع.
ملفات السويس:
يستثمر هيكل كل كتاب يؤلفه، بوصفه صحفياً محترفاً، متابعاً للأحداث في دراسة الأحوال السياسية، قبل موضوعه، ففي كتابه (ملفات السويس ، حرب الثلاثين سنة)، يحاول أن يستعرض تاريخ مصر والمنطقة العربية ، منذ الحرب العالمية الثانية بشكل دقيق، مع استطرادات مطولة أحياناً، وهو يفضل أن يستفيد في البداية أو في الوسط، كعادته، من عمله في جريدة (الأهرام)، ثم من عمله وزيراً للإعلام في عهدي عبدالناصر والسادات، ومن الملفات الصحفية التي تكشف عن حذاقة هيكل في سرديات رواياته عن سؤال له طرحه على الملك فيصل ، ملك المملكة العربية السعودية في حزيران سنة 1971م، بالإسكندرية ، وفحواه” عمّا اذا كان يكتب مذكرات يضمنها ما شاهده من أحداث هائلة، خصوصاً في فترة عمله وزيراً للخارجية ونائباً لوالده في الحجاز؟ وكان رده ” انه لا يحب كتابة الأوراق”!.(3)
فهل يعني هذا أنه يشير الى منهجية هيكل في الكتابة والاهتمام بالوثائق والحوارات ، لكي تكون صورة حيّة في تدعيم تحليلاته الصحفية والسياسية؟
لم يكن مح حسنين هيكل طارئاً، وانما كان كاتباً بارعاً وممثلاً لمرحلة خطيرة من تاريخ الوطن العربي، الذي كانت مصر قلبه وكان عبدالناصر المحرك (الداينمو) الأقوى فيه، وكان هيكل واحداً من اللاعبين الأساسيين فيه، فكان واحداً من أسباب نجاح عبدالناصر في قيادة مصر.
من هذا المنطلق جاءت ملفات السويس المعنية بالثورة المصرية في 23/ تموز/ 1952م، حيث واجهتها حزمة من التحديات الخطيرة، وهي جلاء القواعد الأجنبية عن مصر، وكان الصراع مع اسرائيل على أشده، فاستطاع عبدالناصر تثبيت دعائم الثورة وطرح مشروع في الوحدة العربية، وتحرير قناة السويس وتحرير الاقتصاد المصري من نهب الشركات.
مشكلة هيكل المنهجية، أنه لا يستعين بالمصادر التي تدعم توصلاته السياسية والفكرية، ولكنه يميل الى التوثيق ، ثم ينطلق بتلك التصورات على وفق ما يراه مناسباً، وهذا مما يقلل من قوة طروحاته ويعرضها للنقد الشديد، أي أنه يقرأ الأحداث قراءة خاصة، أو من خلال رؤية هيكل نفسه، ولا يعطي اعتباراً ما الى الطروحات الأخرى؛ وهذا ما يفسر لنا قراءته للأحداث العالمية بعد الحرب العالمية الثانية، حيث خرجت بريطانيا من الحرب، وباتت الولايات المتحدة الأمريكية تعد نفسها الابن العاق الذي يريد أن يحتل مكانها ،ولكن بريطانيا العجوز ترفض ذلك بكبرياء واضح، وهذا ما يشير اليه هيكل ، بقوله:” ولم تكن بريطانيا في حاجة لذكاء شديد في تلك الظروف ؛ لتدرك أن السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط التي أثارت مخاوفها في السنوات الخمس الماضية ، لم تعد مقصورة على إرث مواقع الشرق الأوسط وموارده فقط ،ولكنها نفدت ذلك الى تصميم أوسع يشمل النواحي السياسية والعسكرية أيضاً”.(4)
وحديث هيكل عن الثورة وعبدالناصر، حديث الواثق المتحمس، أكثر منه حديث المؤمن السطحي، غير المتزمت أو غير المنحاز، فقد كان هيكل منحازاً بامتياز الى عقل عبدالناصر الثاقب وقدراته السياسية ، حتى أنه وصفه بقوله:” أولى ميزات ” جمال عبدالناصر” هي قدرته على تحليل المواقف الصعبة بردها الى عواملها الأصلية، وتحديد هذه العوامل تحديداً واضحاً حتى يتبيّن جوانب الموضوع الذي يعالجه”.(5)
وكانت الولايات المتحدة الأمريكية تطمح ان تدير مصر ظهرها لبريطانيا وفرنسا وتتجه نحوها، فلا خيار أمامها سواها، ولم يكن يخطر في مخيلتها أنها ستتجه نحو المعسكر الاشتراكي؛ وهذا ما كان يطمح اليه عبدالناصر ولا يريد التفريط به، ولكن قضية فلسطين كانت هي المعرقل الأول، والأهم، وخصوصاً، وان العرب كانوا يرفعون شعار تحريرها ، ولم تكن صدمة حزيران عام 1976م قد حصلت، وكانت أمريكا تطمح الى مفاوضات مباشرة بين مصر واسرائيل ،او بين العرب واسرائيل لحل القضية بشكل سلمي ،ولكن هذا الخطأ الاستراتيجي الذي اقترفه العرب والثورات العربية أضاع فرصة الحل، فوقعت في فخ الشعارات الكاذبة والهزائم المتلاحقة، وكانت مصر أول الأمر تنظر الى أمريكا الى أنها عنصر محايد، يمكن أن يفيد العرب ويزودها بالسلاح، حتى أنها طلبت السلاح في الشهور الثلاثة الأخيرة من عام 1952م ، لكن الفكرة وصلت الى طريق مسدودة. وكانت قضية الحكم المشترك بين مصر وبريطانيا لإقليم السودان، واحدة من الاشكاليات الخطيرة التي تواجه استقلال مصر ونجاح الثورة؛ وهذا ما دفع عبدالناصر الى تأصيل رؤيته وأفكاره والبحث عن آفاق أكثر متانة، فكان خياره هو الخيار العربي، مع أن اسرائيل كانت تحاول استثمار الوقت بسرعة كبيرة ،وهو ما حصل فعلاً؛ لهذا يصف هيكل تصورات عبدالناصر في هذه الحقبة العصيبة ، بأنه اهتدى الى الخيار القومي ، وكان ” اهتمامه العربي مركز على مقتضيات الدفاع عن مصر . وكان متأثراً بخطط الجنرال البريطاني ” اللنبي” الذي قاد معارك الحلفاء ضد الألمان والعثمانيين في الشرق الأوسط إبان الحرب العالمية الثانية”.(6) وكانت مثار اهتمامه في كلية الأركان المصرية ؛ وهذا يكشف – بشيء من التحفظ – أن تصورات عبدالناصر القومية آنذاك لم تكن ناضجة بالشكل الذي يؤهله ، لأن يطرح مشروعه القومي، الاّ بعد حين ، حيث كانت سوريا في عهد اللواء “أديب الشيشكلي” تواجه أزمة الصراع العربي- الاسرائيلي؛ فضلاً عن صراعاتها الداخلية بعد الاستقلال.
وكان موقف المملكة العربية السعودية منسجماً نوعاً ما مع بعض تصورات عبدالناصر، ولكنه هش وحذر.
كان مشروع السد العالي ، من المشاريع المهمة لاقتصاديات مصر، وكانت الدول الكبرى تثير العراقيل لإرغام مصر / الثورة على تبني موقف غير ثوري، وهذا يعني أن الضباط الأحرار لم يضعوا ورقة عمل قبل الثورة ولا بعدها تكشف توجهاتهم الفكرية والسياسية ،وكل طموحهم هو طموح وطني غايته اخراج مصر من ربقة التبعية للاستعمار، وبما ان الاستعمار هو الذي خلق الكيان الصهيوني ،وهو المدافع عنه فإن الأمور أصبحت أكثر تعقيداً.
ومن هنا نرى بان عبدالناصر قد استنار بفكر “ساطع الحصري”، حيث انكب عليها ليقرأها، “شغف ثم طلب مجموعة مؤلفاته الكاملة. وكان ” ساطع الحصري” وقتها يتردد على القاهرة ما بين فترة وأخرى، ويحاول أن يجد وسيلة فيها تكفل سماع آرائه”.(7)
وهنا حدث القاء بين الثورة والتطلعات العربية القومية، لأن الحصري نفسه” يؤمن بالدور المركزي للقاهرة في أي عمل قومي ،وفي نفس الوقت فإنّ اليأس كان يعتريه بعض الوقت الى امكانية تنبيه مصر الى هويتها العربية ،والى دورها الكبير المنتظر في العمل القومي. وكان ” ساطع الحصري” قد علّق الكثير على ما ذكره ” جمال عبدالناصر” في [ كتابه] “فلسفة الثورة” عن الدائرة العربية”(8) ،واعتقد أنها كانت بداية تبنيه لطروحات الحصري ومشروعه القومي.
عقدة الشرق الأوسط:
كشف هيكل في كتابه ( العقد النفسية التي تحكم الشرق الأوسط)، الصادر عام 1958م، وهي مدة قريبة من الثورة المصرية التي حصلت عام 1952م، حيث كانت بريطانيا تعاني من “عقدة أوديب”؛ لأنها لنم تدرك ” منذ الدقيقة الأولى أن الذي حدث في مصر ” ثورة” .”(9) والكتاب لا يعبر عن موهبة هيكل السياسية والصحفية ،وهو أقرب الى تجارب ” بروفات” للكتابة عن أحداث الشرق الأوسط، محاولاً ربط المشروع النهضوي الذي بدأه جمال الدين الأفغاني بعبد الناصر، مع اختلاف التوجهات والاستراتيجيات ، لذا قال:” وقبل ان يولد جمال عبدالناصر ، كان جمال الدين الأفغاني ينادي بالحرية لمنطقة بأسرها، وبينما كان جمال عبدالناصر طفلا ً في المهد، كانت المنطقة كلّها تردد شعر شوقي وتفكر مع لطفي السيد ،وتجوس بين الثقافات مع العقاد ،وتحلم مع توفيق الحكيم”.(10)
أما الولايات المتحدة الأمريكية فكانت تمتلك مجموعة عقد في السياسة الدولة، وواحدة منها ضابط مصري، خرج من أعماق المجهول و” اخترع القومية العربية.. فإنّ هذه القومية العربية أكبر عمراً منه بعشرات المرات ،وإنما قوته الحقيقية – هذا الذي خرج من أعماق المجهول – هي أنه على حدّ تعبير أحدر رؤساء الوزارات في العراق :” ليس حدثاً غير طبيعي في الأمة العربية ، بل هو ابن حقيقي لظروف هذه الأمة وكفاحها وأمل مستقبلها”…”.(11)
الى جانب ذلك فقد عقد هيكل نفسه، العزم للانطلاق من جديد، من خلال مصنفاته الأكثر مبيعاً واثارة وتوثيقاً، من أجل أن يتخلص من أسلوب المقالة الصحفية الفجة، والقصيرة ،والتي تكون في غالب الأحيان بنت يومها، أي لغرض الاستهلاك السياسي اليومي، وذلك بالمزاوجة بين الصحافة والسياسة والتاريخ ، في لعبة القواعد الثلاث المثيرة للتساؤلات.
ومن هنا يحاول هيكل أن يفسر الأحداث بطريقة مثيرة ، ثم يقدم الدليل عبر الوثيقة، فهو بالتالي يقدم الممهدات ، لكي يبلغ مرحلة كتابه( ملفات السويس)،حيث العدوان الثلاثي على مصر، فقد كان الموقف معقداً مع فرنسا بسبب الثورة الجزائرية، ومع بريطانيا بصفتها دولة مستعمرة لمصر وصانعة الكيان الصهيوني، ولها معاهدات مع مصر، فقد كانت حرب العدوان الثلاثي سنة 1956م، بداية الطريق الى وضوح مسار الثورة وتوجهاتها القومية، ثم خروج الولايات المتحدة الأمريكية من اللعبة، واتجاه مصر الى المعسكر الاشتراكي، ثم وحدة سوريا مع مصر، ثم حرب حزيران عام 1967م، وصعود نجم عبدالناصر في كتاب (آخر العملقة) الكتاب الذي كتبه الصحفي الأمريكي الكبير ” ساي سالزبيرجر” وأشار فيه الى أنّ ” جمال عبد الناصر ” أدار هذه الحرب على المستوى الوطني والاقليمي والدولي ، وعلى المستوى العسكري والسياسي والنفسي – بكفاءة تستثير الاعجاب في ظروف شديدة التعقيد وفي مواجهة توازن قوي متشابك وخطير”.(12)
***
في كتابه (لمصر .. لا لعبدالناصر) الصادر عام 1976م، يحاول هيكل أن يدافع عن نموذجه الثوري والانساني والسياسي ، من خلال متابعة جهود المخابرات المركزية الأمريكية في اغتيال عبدالناصر، مشيراً الا انهم ” حاولوا قتله وقتل سياساته مادياً، وحاولوا ثلاث مرات يعترف بها جون ماركس في شهادته”.(13) محاولاً تثبيت اهم القيم التي تبناها عبدالناصر ، في انحيازه للفقراء ، وانه رحل عن الدنيا، و” كان كل ما تركه من حطام الدنيا قرابة أربعة آلاف جنيه ، ألفاً وخمسمائة منها قيمة بوليصة تأمين على حياته عقدها قبل ذهابه الى حرب فلسطين ، ثم حساباً في بنك مصر باسمه شخصياً كان رصيده حوالي ألفين وأربعمائة جنيه في مقابل ذلك كان مديناً بحوالي ستة وعشرين ألف جنيه بقيت عليه من تكاليف بناء بيتين … بيت لكل واحدة من بناته تسكن فيه عند زواجها”.(14)
لقد سرد هيكل الكثير من مزايا عبدالناصر الانسان، أكثر من سرده لأفاقه الفكرية والاجتماعية، فقد كانت الوحدة مع سوريا والوحدة مع اليمن من الأسباب التي حرضت الغرب على عبدالناصر ، وكان نبله واضحاً ، وبالذات منذ بداية الثورة، ومنها رفضه اعدام الملك، لكن هيكل كان منحازاً له، بالرغم من فشل مشروع عبدالناصر الوحدوي ،وفشله في تأسيس حزي سياسي وتنظيم شعبي يحمل رؤاه ومشروعه الكبير يستمر على مدى أكثر ويتوغل في عمق الانسان العربي، فقد كان عبدالناصر يقف بالوسط بين ثورة العسكر ونزعة الاخوان المسلمين الجهادية ،وبين خنوع أصدقاء الاستعمار.
الانفجار:
ويدخل هيكل مرحلة 5 حزيران عام 1967م، في كتابه (الانفجار 1967 حرب الثلاثين سنة)، والذي صدر عام 1990م، وفيه يبدو أن غزو العراق للكويت كان متزامناً مع صدور هذا الكتاب ، حيث سيصدر كتابه (حرب الخليج ،أوهام القوة والنصر) عام 1991م، وقد استخدم منهجه السابق الذي كتب به كتابيه :( ملفات السويس)و( سنوات الغليان)، وقد كان عقد الستينات ، بالنسبة لهذا الكتاب هو بداية الانتقال من العدوان الثلاثي على مصر عام 1952م، الى رحاب آخر؛ حيث تألقت صورة جمال عبدالناصر، بعد الوحدة مع سوريا، وثورة العراق وثورة اليمن. مما جعل هذا العقد عقد الثورات والنهوض القومي، وتبلور فكرة الوحدة العربية، وصعد المد القومي الى أقصاه، حيث دبّر الغرب وحلفاؤه وأد الوحدة مع سوريا ، ثم حرب حزيران ملحقاً الهزيمة بالتيار القومي.
وكعادة هيكل يسهب في سرد المقدمات وتفسير الوقائع ،فقد أسهب في علاقة السعودية بالنظام الملكي في اليمن وفي علاقة ” خروشوف” مع المؤسسة العسكرية السوفيتية، والتي أدت الى اعفائه من منصبه وكان ” خروشوف” من مصر مثالياً أو شبه مثالي ؛ فإذا ” قارنت بين ما حصلت عليه مصر وبين ما حصلت عليه [، أي الدول الاشتراكية] هي متذكرة أن مصر دولة غير منحازة، ثم أنها تعارض الشيوعية و ” تضطهد ” الشيوعيين ومع ذلك فإن نصيبها من المساعدات السوفييتية كانت نصيب الأسد، أكبر من عدة مرات مما يحصل عليه شركاء العقيدة الواحدة وأطراف المعسكر الموالي لموسكو. ولم يكتف ” خروشوف” بالسد العالي في مرحلتيه: الأولى والثانية – لكنه أثناء وجوده في القاهرة أضاف الى اتفاقية مساعدات التصنيع اتفاقية ثانية حجمها .. 200 مليون روبل( دولار تقريبا). وأضافت الروايات المتسربة قصة أخرى تقول أن ” خروشوف ” أخطأ حين أهدى لكل من “جمال عبدالناصر” و” عبدالحكيم عامر” أثناء زيارته لمصر وسام ” بطل الاتحاد السوفييتي” وهو اعلى وسام يمكن أن يحصل عليه أحد من الكرملين”.(15)
وكان وجود ” تيتو” الرئيس اليوغسلافي و ” نهرو” الرئيس الهندي مساندين لعبدالناصر ، ثم ” شوين لاي” رئيس وزراء الصين فيما بعد، فسحة من التحرك لكسب التأييد العالمي الى جانب العرب ومشروع عبدالناصر، وهيكل كاتب استراتيجي في موضوعاته الصحفية والسياسية، يحاول أن ينظر الى موضوعه من جوانبه المختلفة ،وثم يشبعه بالوثائق والآراء، والتحليلات حتى يبدو متكاملاً، وهذا الأمر يعد واحداً من أسباب نجاح كتابات هيكل وشيوعها؛ فضلاً عن حصوله على الوثائق المهمة من رسائل ومخاطبات ، لقربه من عبدالناصر، حيث كانت مصر محور الصراع العربي – الصهيوني.
***
ويشير هيكل الى علاقات مصر، في حقبة ما قبل 5حزيران عام 1967م، مع الولايات المتحدة الأمريكية، ويرى بأنها ” معبأة بأسباب الشك والتوتر، ومن هنا فقد كانت كل أزمة جديدة طارئة على العلاقات بين الطرفين قادرة على الاستدعاء الكامل لكل المخزون والمكبوت لدى كل من الطرفين ضد الآخر”.(16)
وهذا ما يرجح انحيازها الى اسرائيل ،وعدم ثقتها بمواقف مصر، وكانت الولايات المتحدة الأمريكية تضغط على مصر، من خلال مبيعات القمح، وهي تعد واحدة من المعارك المهمة التي تخوضها ضد خصومها السياسيين، لتدعم بها أصدقاءها و” كانت الاتفاقية الأولى لتوريد حاصلات زراعية – وأهمها القمح الأمريكي – الى مصر سارية المفعول لمدة ثلاث سنوات ، فأثناء المفاوضات حولها أوضحت مصر ان ” القمح” ليس سلعة عادية يشتريها الأطراف كلما طرأت الحاجة اليها ، وانما هي سلعة حيوية ، عليها طلب منظم ومستمر”.(17)وكان في ذلك الوقت يعاني الاتحاد السوفييتي من نقص في مادة ” القمح” أيضاً ، وخصوصاً صيف سنة 1965م.
وكانت المتغيرات الدولية والعربية مثيرة، منها موقف المملكة العربية السعودية وضلوعها في حرب اليمن ضد مصر، وازاحة “ابن بلّا” وصعود “هواري بومدين” والانقلاب الاندونيسي على “أحمد سوكارنو” سنة 1965م، أحد أقطاب مجموعة عدم الانحياز، وسقوط ” نكروما” في “غانا”، كل هذا حصل لتطويق حركات التحرر في الشرق للعودة الى مرحلة الاستعمار، بالتالي أصبح نظام عبدالناصر مكشوف الأيدي.
***
وكانت علاقات اسرائيل تتوجه الى الدول المجاورة للعرب كإيران وتركيا واثيوبيا لتمتين علاقتها معها؛ وجعلها مخلب قط لإقلاق استقرار الدول العربية، وفي الوقت نفسه، كانت صفقات الأسلحة الأمريكية تكشف مصادره بوضوح، وكان الولايات المتحدة تثق ثقة عمياء بالملك السعودي فيصل ن حتى أنها قدمت في عهد ” جون كنيدي” تعهداً يخص سلامة المملكة السعودية وكان فيصل في وقتها ولياً للعهد ،وأهملت التعاون مع الملك سعود الذي كان ميالاً للعرب وقضية فلسطين ، لأجل ازاحته عن الحكم كما حدث فيما بعد، وكانت سورية هي الساحة المكشوفة والمهددة أما اسرائيل، وهي تعيش في ظل سلسلة من الانقلابات المثيرة ، والتي وصفها هيكل بانها ” تركيبة تدعو الى القلق”.(18)
ويبدو هيكل في ظل ظروف نكسة حزيران متعاطفاً مع عبدالناصر، وكان دوره كمستشار واعلامي له عليه ان يضع النقاط على الحروف، وخصوصاً وان رئيس هيئة المخابرات العامة المصري ” صلاح نصر” فيما يخص علاقة عبدالحكيم عامر بالفنانة ” برلنتي عبدالحميد”؛ حيث ترسخ لدى هيكل بأن الأزمة ليست ازمة أشخاص، وعلاقات خاصة ، وانما هي أزمة نظام. وبينما كان عبدالناصر مريضاً يحاول أن ينوع مصادر ثقافته، حتى أنه التقى ” جان بول سارتر” والكاتبة الفرنسية ” سيمون دي بوفوار” ،وهما في طليعة حركة التجديد، فقد كان ” سارتر” مؤسس المدرسة الوجودية في الفلسفة ، وكانت “بوفوار” متشوقة للقاء “عبدالناصر” وكان لديمها ما يقولانه.
لقد كان هيكل يحاول جاهداً، ان تكون المقدمات حول موضوعه منسجمة مع النتائج، لأنه يشتغل على وفق منظومة فكرية وصحفية متوازنة ، في كتابة مؤلفاته، ويحاول ان لا تغلب الواحدة على الأخرى، حتى لا تتكشف أمام القارئ ثغرات جسيمة في هذه الكتابات والمؤلفات، ويبدو ضعف وترتيب وتسويق الرؤى ،وهو مع ذلك يعد كاتب مرحلة مهمة ( 1952- 2003م)،أي من ثورة مصر الى الاحتلال الأمريكي للعراق.
وكان موقف هيكل من مسؤولية عبدالناصر من الهزيمة يتجسد بأنه ” مشى الى الفخ الذي نصب ” لاصطياد الديك الرومي” ووقع فيه ،وربما كان مما يحسب له بعد الوقوع في الفخ أنه تمالك نفسه بسرعة وعاد يضع نفسه والأمة وراءه في مرحلة الصمود وازالة آثار العدوان”.(19)
حرب اكتوبر:
في كتابه (اكتوبر 73 ، السلاح والسياسة)، ينطلق محمد حسنين هيكل من بدايات التنوير بمصر ، متخذاً صورة لشخصيتين مهمتين من الشخصيات المصرية التي ساهمت في رفد النهضة العربية بقوة روحية مهمة، مشيراً الى كتابين؛ لكا واحد منهما كتاب:
الأول، رفاعة رافع الطهطاوي في كتابه (تخليص الابريز). الذي يضم رحلته الى فرنسا.
الثاني، كتاب جمل حمدان ( شخصية مصر) والذي وصفه بالراهب المعتزل ، تحدث فيه هذا الجغرافي عن عبقرية المكان ،وقد استدرجه هيكل من خلال ما طرحه من رؤى نهضوية في كتبه: ( ملفات السويس)و (سنوات الغليان)و(الانفجار).
ومن خلال هذه المداخل طرح هيكل نفسه بصورته الحقيقية ، وهي أنه لا يكتب التاريخ ولا يحاول ذلك، لأنه ليس مؤرخاً، ولأنّ التاريخ المعاصر يكتب وقت حدوثه، ولكنه يعد نفسه شاهداً مع جمال عبدالناصر وانور السادات في حروبهما( 1956- 1967 -1973).
ولأنه مقتنع بعبقرية عبدالناصر السياسية، والقيادية ، كان يعد السادات مكملاً لدوره ، مع أنه تفاجأ بقدرات السادات ؛ ولهذا عكف على سرد الوثائق والمكالمات الهاتفية وتعزيز كتاباته بالصور الوثائقية، لأنه يتحدث عن صراع أيديولوجي ومصيري بين العرب والصهيونية ،أو بين مصر واسرائيل، ويأسه من الحلول السلمية منذ مبادرة (روجرز) التي قدمها لعبدالناصر، ولكن الحرص كان ينصب على ” استمرار السوفيتي وتكثيفه ،وتوظيف ما يمكن توظيفه من امكانيات في مرحلة جديدة من الصراع ، كان يعرف أنه لابدّ أن يكون عسكرياً عند نقطة معينة . وان تلك هي الحجة الوحيدة التي تقنع اسرائيل”.(20)
وبالرغم من أن الكتاب عن حرب اكتوبر عام 1973م، الاّ أنّ هيكلاً لم يصدر كتابه عنها الاّ عام 1993م، أي بعد عشرين عاماً من الحدث؛ واعتقد لأنه لم تتوفر لديه الوثائق الضرورية لذلك ،ولكي يتفرغ تماماً لكتابة مثل هذا الكتاب.
لقد كانت القضية الفلسطينية هي بؤرة الصراع بين الشرق والغرب، وبين اليمين واليسار، وكان هيكل في مركز هذا الصراع، وكان تصويره لشخصية السادات غريباً ومفاجئاً بالنسبة لهيكل نفسه؛ حتى قال عنه:” شخصية مثيرة بكل المعايير ،وكانت متعددة الجوانب بحكم تكوينه الانساني ،وتجربته الحافلة، والثقافة التي ترسبت عنده من العنصرين : عنصر التكوين ،وعنصر التجربة”.(21)
وكان عرض هيكل لمواقف دول الخليج واضحاً، وبرز دورها في هذه الحرب بأنه ضعيف وخادع، فهي لا ترغب بالحرب مع اسرائيل ولا بتسليح العرب، وبأن هذا الأمر مضر بعروشهم، واستقرارهم كما أثبت الزمن حين غزى العراق الكويت. كما كانت تشخيصات هيكل لنزاهة ومهنية قادة الجيش المصري المؤهلين لخوض الحرب، فقد وصف ( سعد الدين الشاذلي وأحمد اسماعيل علي محمد عبدالغني الجمسي) و بالعباقرة في علم الحرب ، وأضاف ” ان الثلاثة معاً ومعهم الأغلبية الساحقة من قواد الأسلحة والجيوش والفرق – كانوا من أبناء الفلاحين المصريين من الجيل الثاني أو الثالث ممن أُتيحت لهم فرصة التعليم من أبناء الطبقة المتوسطة ، وممن جاءوا الى المدينة والى خدمة الدولة مع بداية اليقظة الوطنية نتيجة للمرحلة الممتدة من ” رفاعة رافع الطهطاوي” ،و دوره التنويري الى ” أحمد عرابي” ودوره الوطني”.(22) أي أنهم الجيل الأقرب الى رؤى عبدالناصر في مواقفه الوطنية والنهضوية، لهذا وصف قرار السادات بالحرب بأنه كان قراراً حقيقياً وأصيلاً، وعربياً بالكامل، لاشتراك سوريا فيه، أما العراق فقد أصدرت السلطة تعليماتها بمراقبة القوميين العرب ، خشية استغلال الفرصة والدعاية الى دور مصر القومي.
حديث المبادرة:
في كتابه ( حديث المبادرة) فقد تركز حول مبادرة الرئيس أنور السادات في زيارته لإسرائيل، وما نتج عنها من تداعيات في تفكيك الصف العربي ، ويرى أن المعارضة بأسلوب الصدام والحرب مع اسرائيل لم تعد مجدية، وانما بالحوار ،و ” بكل الوسائل حتى تظهر الحقائق العلمية الثابتة والدائمة في الصراع العربي الاسرائيلي ، وتنزاح “الحقبة السياسية” وهي وليدة ظرف بعينه وبالتالي فهي عارضة وطارئة”.(23) وقد اثبتت الأيام بأنها ليست طارئة ،وانما جلبت معها تداعيات خطيرة ،لأن العقل الغربي ، كان يعمل على اختراق العقل الشرقي ،لأن يتمسك بأفكار ورؤى هي أقرب الى اعتقادات أهل الجاهلية في الجن والشياطين والتطير، لقد كان هيكل في مركز الحدث ،ولكن التداعيات لم تمهله فقد كان يقرأ أحداث الحاضر من خلال قراءة أحداث الماضي؛ بينما كان الغرب يقرأ الحاضر بأحداث الماضي، وهذه هي المفارقة.
وهو يشير الى ما فعله الرئيسان عبدالرحمن محمد عارف وهواري بومدين في زيارتهما للاتحاد السوفييتي بعد نكسة 5 حزيران عام 1967م، حيث كان ” بعض قادة السوفييت ينصحون بالوصول الى تسوية سريعة لأزمة الشرق الأوسط، حتى وإن اقتضت تنازلات اقليمية عربية لإسرائيل ،وكان منطقهم أنّ العرب في جو التسوية سوف يتمكنون من اعادة بناء قوتهم ،وتعديل موازين القوى لصالحهم، واسترداد ما ضاع منهم بالتالي في مستقبل أكثر ملاءمة لهم”.(24)
لقد أدت المبادرة الى مباحثات سرية وعلنية فيما بعد بين الطرفين فكانت فيه اسرائيل صاحبة الموقف المتشدد، وكان هيكل يرسم خارطته الخاصة، التي ينطلق منها وهو مليء الثقة بالنفس ،مع رؤيته القومية التي جعلته يتعايش مع هذه الأحداث، مستخدماً منهجه النقدي المستقل وهو يسير على وفق سيرورة فكرية هي جماع ايمانه بالحق العربي، متجنباً الرأي الصحفي المتهافت والمستهلك.
المفاوضات السرية:
صدر كتاب هيكل (المفاوضات السرية بين العرب واسرائيل)، بأجزائه الثلاثة، في طبعته الأولى عام 1996م، باللغة الانجليزية ، ثم باللغة العربية، وترجمه مترجم آخر غير هيكل، وقد رتبه على ثلاثة أجزاء: الأول، يتابع تداخل الأساطير واختلاف الديانات مع السبات وصراع المحرمات مع المقدسات . والجزء الثاني، يتابع حقبة عبدالناصر والسادات، والجزء الثالث، يتركز حول مفاوضات أوسلو.
وقد بدأ أولاً مع ورقة (نابليون بونابرت) اليهودية وكانت تعبيراً عن ” رؤية امبراطور يملك حساً استراتيجياً نابهاً وبعيداً”.(25) وكان نابليون قد رأس المحفل اليهودي الأكبر(سنهدرين)، بعد عودته من مصر ،وثمة لوحة مرسومة سنة 1807 (أي سنة انعقاد المحفل)،وقد ظهرت مطبوعة لأول مرة سنة 1871م.
ثم ينتقل هيكل الى محمد علي باشا وعلاقته بالقضية الفلسطينية ، حيث كانت بدايات القرن التاسع عشر ، يلّوح الى ” فكرة انشاء وطن قومي لليهود تأخذ حيزاً يزيد كل يوم”.(26) وقد كتب ” نابليون” الى ” بالمرستون” في نهاية سنة 1838م حول شخصية محمد علي ودوره بمصر وسوريا، حيث أصبح وجوده خطراً بعد دخوله بلاد الشام على فكرة انشاء وطن قومي لليهود، وليس خطراً على الدولة العثماني و أوربا، كان مضمون خطاب ” بالمرستون” الى سفيره في استانبول يدور حول اقناع السلطان العثماني بفكرة انشاء وطن قومي لليهود، ويكبح طموحات محمد علي ؛ وهيكل فيهذه الأمور يلجأ الى الوثائق والمذكرات الشخصية للساسة ،لأنه يعتقد بأنها” تكشف من الحقائق أكثر مما تكشفه أوامرهم الى سفرائهم ووزارائهم”.(27)
لقد استعان هيكل بقصائد الشاعر “بايرون” وخصوصاً مجموعة قصائد سماها ” الأغاني العبرية” ، كما استعان بأفكار “دزرائيلي” حيث ستطفوا على سطح الأحداث آفاق المشروع الصهيوني ومهندسه ” ثيودور هيرتزل” الذي يحظى ” مصطفى كامل” الخطيب المصري بلقائه ومباركته، وخصوصاً وأنه كان منتمياً الى بعض الجماعات الماسونية، وهذا ما تغاضى عنه هيكل، ولكن نشوب الحرب العالمية الأولى، طرح متغيرات جديدة ،وبدأت جهود “الشريف حسين” لتقويض الدولة العثمانية في الحجاز ،وجهود ” عزيز علي المصري” الذي يتبنى فكرة (تركيا الفتاة)، وهو متحمس في الوقت نفسه الى انشاء دولة عربية مستقلة، ثم دخل على مسرح الحداث ” مارك سايكس” الذي كان كاثوليكياً وصهيونياً بالمعنى المسيحي ،فقد كانت التأثيرات اليهودية غالبة عليه، ووالدته كانت لسنوات طويلة عشيقة السياسي البريطاني الشهير” بنيامين دزرائيلي” أول وآخر يهودي يتولى رئاسة الوزارة البريطانية.(28)
ثم كانت جهود “لورنس العرب” في حثِّ ” الشريف حسين” على تقويض الدولة العثمانية، حيث سيصدر “آرثر بلفور” وعده بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، وسيصبح الأمير” فيصل بن الحسين” واحداً من المنتسبين للماسونية العالمية، وكما يرى هيكل فإن “ويزمان” وضع نفسه بموازاة ” فيصل”، وعلى قدم المساواة” أحدهما عن الدولة العربية والآخر عن الشعب اليهودي”.(29) ومن هنا ينتقل هيكل الى دور مصر ، من الملك “فاروق” و” فؤاد” وعلاقة ذلك بوجود جالية يهودية في مصر منذ العصور القديمة، حيث كان “هيرتزل” يطمح الى تأسيس دولته في فلسطين ،أو كمحطة تجمع مؤقت في سيناء، فكان الحاخام ” ناحوم” على اتصال دائم بالملك “فاروق”، من خلال عشيقات الملك اليهوديات ، كما تولت بعض الر اليهودية ترتيب لقاءات مع ساسة مصريين شارك فيه “بن جوريون” أول رئيس لدولة اسرائيل بنفسه و” موشي شرتوك” أول وزير خارجية لها، و” ناحوم كولدمان” رئيس المجلس اليهودي العالمي، و” الياهو ساسون” المستشار الشرقي للوكالة اليهودية ؛ وفي الوقت نفسه كان ثمة حركة تطمح الى تدجين بعض المثقفين المصريين، فقد كان الدكتور ” ماجنس” مدير الجامعة العبرية يقود دعوة موجهة الى المفكرين والأدباء المصريين ” تدعوهم الى المشاركة وبحث مستقبل مجتمع البحر الأبيض، وتوافق ذلك مع استعداد أسرة “هراري” لإصدار مجلة “الكاتب المصري” التي رأس تحريرها الدكتور ” طه حسين”. ومن السخف أن يزعم أحد – كما يحلو للبعض الآن – أن الدكتور ” طه حسين” كان يعمل لليهود. وانما الصحيح -وهذا هو السياق التاريخي للحوادث – أنّ عميد الأدب العربي كان شريكاً في الاعتقاد – سواء كان الخلاف أو الاتفاق معه – بانتماء مصر الى مجتمع البحر الأبيض”.(30)
***
وفي الكتاب الثاني من (المفاوضات السرية بين العرب واسرائيل)، والمعنون ( عواصف الحرب وعواصف السلام) يطل هيكل على شخصية جمال عبدالناصر، والذي يعتبر ” عزيز علي المصري” الأب الروحي له هو ورفاقه، وكان عبدالناصر في مقتبل حياته السياسية قد شارك وهو طالب في تظاهرة لجماعة “مصر الفتاة”، وجرح بسببها في الشارع، وقبض عليه وقضى ساعات في قسم البوليس بالمنشية.(31) واتصل في مرحلة من عمره بتنظيم الاخوان ، ثم شارك في حرب 1948م بفلسطين.. وغيرها؛ مما جعله قريباً منها ،ولكن ثورة مصر عام 1952م وحرب عام 1956م غيرت الكثر من الاتجاهات.
وكان تخصيص دور اسرائيل في اليمن، بعد تدخل مصر في قلب النظام الملكي الملكي مؤثراً، وبالاتفاق مع السعودية ، ولم تكن هذا ” مجرد عمل عسكري توافقت عليه أطراف تختلف رؤاها وسياساتها، وانّما كان ذلك اختراقاً اسرائيلياً في قلب الموقف العربي الموحد وفي صلبه. وفي المحصلة النهائية فإن كان ثغرة كبرى في جدار “المقدسات: المحرمات” في الصراع العربي الاسرائيلي. ولعل نجاح اسرائيل في هذا الاختراق كان بين العوامل التي شجعها مطمئنة على عدوان سنة 1967م”.(32)م جاء دور “روجرز” ومبادرته لحسم النزاع العربي الاسرائيلي ، في عهد عبدالناصر، التي مهدت بعد حرب اكتوبر 1973م، في عهد السادات ، حيث ظهرت شخصية “كسنجر” ،وكانت بعض البلدان العربية تمارس دورها وضغوطها في حث مصر على تبني الحل السلمي للنزاع ، وخصوصاً المغرب والسعودية ،ويبدو هيكل منساقاً وراء الوثائق التي تمنحه حرية التصرف ؛ وهذا ما جعل نتائج المباحثات أكثر شدة على الجانب العربي. فقد “كان الاتفاق الثاني لفك الارتباط أثقل في شروطه من الاتفاق الأول. وبمقتضى التعهدات السرية التي أُلحقت به – وعددها 12 تعهداً – فإنّ الرئيس ” السادات” تعهد في الواقع بصلح منفرد بين مصر واسرائيل ، كما تعهد بالتعاون مع الولايات المتحدة لإخراج الاتحاد السوفييتي من أفريقيا وليس من العالم العربي”.(33)
وفي هذه الاثناء أرسل الملك الحسن الثاني ، ملك المغرب ، رسالة يحملها الجنرال “أحمد الدليمي” مفادها أن الحسن التقى مع ” اسحاق رابين” وأنه سلمه رسالة الى الرئيس السادات، تضمنت موقف الولايات المتحدة في أنها لا تستطيع أن ترغم اسرائيل على شيء لا تقبله من تلقاء نفسها، مقتنعة به وراغبة فيه.
وكذلك التقى الحسن الثاني فيما بعد في 5سبتبمر 1977 مع ” موشي دايان” حيث تكللت جهود السادات بزيارة القدس ،والانفراد بالحل لوحده ثم جاءت مباحثات ” كامب دافيد” ،وفي كل هذه الأحوال ، كان هيكل يتصرف بالوثيقة لتدعيم وجهة نظره، مع أن الوثيقة تعد حجة دامغة لكل موقف ،ولقد جاء اطلاعه على بعض الرسائل والوثائق مهماً وحاسما.
***
وفي كتابه ( سلام الأوهام ، أوسلو – ما قبلها وما بعدها)، يعود هيكل من البداية حيث أحداث أيلول الأسود عام 1970م، والصراع الفلسطيني – الأردني ،والفلسطيني- اللبناني، والتضييق على المقاومة الفلسطينية ،واضطرارها الى التفاوض مع اسرائيل للحفاظ على ما تبقى؛ فقد ” كان الدكتور ” عصام السرطاوي” يتوسع في اتصالاته مع اليهود وبعض الاسرائيليين من المعارضة، طبقاً للسياسة التي رسمها “أبو مازن” والتي اشير اليها في قرارات المجلس الوطني الفلسطيني سنة 1977″.(34) وهو نوع من التخلي عن الثوابت الفلسطينية، في ضرورة بقاء الكفاح المسلح وأهميته، والتي كان من نتائجها ” تبادل السفراء ين مصر واسرائيل فعلاً تطبيقياً لاتفاقية ” كامب دافيد” وصدر عن الكنيست الاسرائيلي قانون يؤكد ضم القدس نهائياً الى اسرائيل.(35)
ثم جاء انهيار الاتحاد السوفييتي ، خاتمة الانهيارات العالمية، التي ساندت العرب، وتسليمهم بوجود اسرائيل ، ثم كانت وفاة ياسر عرفات ،وسقوط آخر عمالقة المقاومة، واغتيال عدد كبير من قادتها بطرق شتى ، بشكل يثير الانتباه، وكانت اسرائيل تدير ذلك عبر عملائها ووسائلها الخاصة، ثم انهى هيكل كتابه بطريق شاعرية ، تمجد العرض المسرحي ،وطروحات شكسبير في مسرحية (تاجر البندقية) كعادته عندما لا يجد الكلمات تسعفه في التأسي وهذا ما حدث فعلاً، حيث ظهر على ساحة الاحداث “نتنياهو” الذي ذهب الى “واشنطن” ولم يكن لديه فكرة أن يتنازل عن (قدرة و(قوة) اسرائيل.
وفي كتاب( حديث المبادرة) الذي يتناول فيه قضية (مبادرة السلام)والمفاوضات مع اسرائيل ، يرمم هيكل فيه بعض الثغرات ،ويطرح بعض وجهات النظر ، فيعود الى أسلوب العرض المسرحي أو السينمائي، وهو العرض البطء للأحداث، وتحليلها، لاعتقاده بأنه لا يريد أن يقحم” على السياسة عنصراً غريباً على طبيعتها ، فالحقيقة أن بعضاً مما رأينا في التطورات الأخيرة كان في كثير منه عدسات وميكوفونات وأضواء وألوان”.(36)
ايران والثورة:
يبدو محمد حسنين هيكل في كتابه ( مدافع آية الله، قصة ايران والثورة)، مندهشاً منذ المقدمة، حين يقول:” إنني لم أجد بديلاً لتعبير ” الدهشة” في وصف موقفي مما يجري على الساحة الايرانية.
فـ” الدهشة” ليست هي بالضبط ” الانبهار” وليست هي بالضبط ” الفضول”!
“الدهشة” شعور يفاجأ فيه الانسان بما لم يكن يتوقع، ثم يقوده هذا الشعور الى محاولة البحث والتقصيّ والمتابعة علّه يصل الى سدّ الفجوة بين ما كان يتوقع وبين ما وقع فعلاً.
وهذا ما حدث لي …
وتلك المحاولة هي موضوع هذا الكتاب !”.(37)
يقيم هيكل دراسته الصحفية ، عبر رؤى فكرية وسياسية واجتماعية، ثم يحاول أن ينفذ من خلالها، الى دراسة الاستراتيجيات السائدة التي تحيط به وبالمنطقة العربية، فاذا كان قد طرح فكرة “الدهشة” في المقدمة العربية التي كتبها لكتابه هذا؛ فإنه وضع مقدمة يسيرة، وخصوصاً وأنه أصدر الطبعة الأولى من هذا الكتاب أثناء الحرب العراقية – الايرانية عام 1982م؛ مما يجعل للكتاب أهمية عربية ، لمعرفة الأسباب الحقيقية التي كانت وراء نشوب هذه الحرب ودوافعها المذهبية والجغرافية ،وصراعات القوى في منطقة الخليج العربية ، لأن ثمة تنافساً كبيراً على زعامة المنطقة بعد رحيل الشاه ، وصعود نجم صدام حسين. وهيكل بوصفه كاتباً استراتيجياً يحاول أن يوازن النظرة الاحادية للثورة الايرانية ، مع تصوراته القومية ،وموقفه القوي من علاقة العراق بإيران، وأهمية أيران في الصراع العربي – الاسرائيلي.
***

واذا كانت أهمية منطقة الخليج الاقتصادية تستند الى وجود منابع غزيرة للنفط، فإنها أيضاً تمتلك أهميتها الجغرافية ،وأثرها السكاني وقربها من أوربا، ووجود الحرب الباردة بين الاتحاد السوفييتي والمعسكر الغربي، لهذا يشير هيكل الى أهمية النفط في هذا الشأن، فيقول:
” كان أول من عكس تيار الأحداث، شركة البترول الانجلو ايرانية – ليس الأمريكيين – والتي كانت قد أنشأت خلال السنوات الماضية جهاز مخابرات كفيّ. وكما اتضح من قبل ، فقد كان كثير من الساسة يتقاضون منها رواتب ثابتة ، كما كانت الشركة تدفع لبعض زعماء القبائل مباشرة من الجنوب الغربي، بعض عوائد البترول الذي كان من المفروض أن تدفعه لخزانة الدولة، أما الآن، وبالطبع ، فإن هذه المبالغ لم تعد تصلهم، وبالتالي لم يرق لهم هذا الوضع، ولذا حينما بدأ مندوبو الشركة في التلميح الى امكانية العثور على طريقة للتخلص من مصدق وكاشاني وكل تصرفاتهم ،وجدوا آذاناً صاغية”.(38)
وهيكل هنا، يحيل القارئ الى الأوضاع الداخلية والصراعات السياسية، داخل ايران قبل الثورة الايرانية، وكعادته تكون لديه المقدمات نصف الموضوع أو أكثر، بحيث يزج قناعاته وأفكاره حول الموضوع مسبقاً، وبشكل تدريجي، حتى يصبح القارئ مستعداً لتقبل طروحاته ؛ وهو في خطابه السياسي مستفيداً من رؤاه الخاصة، ومن علاقاته واتصالاته في بث الفكرة، حتى أنه صرّح بأنّ الصحافة والاذاعة في عهد الشاه كانت مسيطر عليها من قبل الحكومة ؛ لهذا روى أنه عندما زار ” ايران كان يأتيني كبار الصحفيين وهم على وشك البكاء وهم يحتجون ، كيف أنهم كانوا مرغمين على نشر صور الشاه ، كجزء من أسطورة ” الفرمانده” على صدر الصفحات الأولى كل يوم”.(39)
وهيكل متمسك بدور عبدالناصر ومواقفه، لذا يمكن عدّه جزءاً من المنظومة الفكرية التي تعبر عن مشروعه القومي، لهذا يربط موقف الصحافة الايرانية ، مع موقف حين توفي عبدالناصر، حين وصف الصحفيين الايرانيين ،بأنهم ” كانوا يرون كيف أن عبادة الشخصية الملكية أخذت أشكالاً متطرفة، فعلى سبيل المثال، عندما توفي الرئيس عبدالناصر، لم يكن من الغريب أن يكون هذا الخبر ،هو الخبر الأول في الصفحة الأولى في الجريدة اليومية بطهران “كايهان” لكن الرقباء أمروا بإيقاف الطبع، وتعديل الصفحة الأولى ، بحيث يكون فيها خبر عن الشاه في الصدارة ، ثم خبر وفاة عبدالناصر في المرتبة الثانية”.(40)
وهذا النوع من الكتابة الصحفية يقوم على استخدام الاستطراد ، لإقناع القارئ بوجهة نظر الكاتب، وفي الوقت نفسه يعزز السرد الصحفي بمقارنات وأحداث مشابهة يمكن من خلالها معرفة طبيعة الصراعات الدولية في الشرق الأوسط، وطغيان النزعة الذاتية ،ووهم السلطة فيه.
وأسلوب الاستطراد أسلوبٌ شيق وسلس لدى هيكل، فهو عندما يتحدث عن مدينة (قم) العاصمة الدينية في ايران، يعود الى السمات المميزة للمذهب الشيعي ، منذ أيام الاسلام الأولى، من دون تحيز، أو اطلاق رأي ما يثير القارئ الشيعي ،أو من أتباع الثورة الايرانية؛ محاولاً الربط بين الفكر الشيعي والنزعة الثورية والعدالة الاجتماعية، محاولاً قراءة المهارة المرحلية لدى الخميني فيما بعد وأتباعه.
ولعل هيكل كان يتحسس من مشروع الشاه في اشتراك السعودية وايران في تقاسم نفوذ منطقة الخليج الاقتصادية، والذي ترحل بسبب الثورة الايرانية وأصبح في طي النسيان ،وأن المرحلة القادمة مقبلة على متغيرات جديدة ربما تكون فيها الغلبة لإيران وحدها.
***
لقد سرد هيكل طبيعة التعاون بين جهاز المخابرات الايراني “السافاك” والمخابرات الفرنسية والاسرائيلية والأمريكية ،وقد وجد في مقر قيادة “السافاك” وفي القصر وفي بعض السفارات بالخارج ” نسخة من تقرير سري عن حالة الجيش العراقي مقدم للرئيس أحمد حسن البكر، أعده رئيس أركانه وذلك قبل سقوط الشاه بثلاثة أشهر كذلك تسجيل لمناقشة عن خطط الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. وقد تم النقاش في خيمة في الصحراء، من المؤكد أن اختيار هذا المكان ليتم فيه اللقاء تمّ حتى يمكن التأكد بشكل مطلق أنه مكان آمن. وقد عثر كذلك على قوائم عملاء سريين في العالم العربي ينتمون لكل وكالات المخابرات تقريباً”.(41)
وهذا ما يؤكد سعة أفق هيكل وشدة تحرياته حول موضوعه، وشحنه بصور ووثائق وأفكار مثيرة ومهمة، يكون فيها رد فعل مفاجئ، يدفع القارئ نحو إثارة العديد من التساؤلات، وخصوصاً وأن الثورة الايرانية ولدت مع مرحلة ساخنة من الحرب الباردة، ولكن الخيار الذي وضع الثورة وجارتها العراق، كان صعباً، وتكمن أهميته في صعود التيار الديني الطائفي والمشحون بالروح القومية الفارسية، ومن هنا كان هيكل يرى “أن الروح التي دفعت القوات الايرانية للصمود كانت القومية أكثر منها الدين….
من الأمور الصادقة ، أن العراقيين كان تنتابهم الدهشة لتلك الشجاعة المتعصبة لبعض الجنود الايرانيين الذين كانوا يقاتلونهم”.(42) وهكذا بدأ الكتاب بالدهشة وانتهى بها.
حرب الخليج الثانية:
في كتابه ( حرب الخليج ،أوهام القوة والنصر) حاول هيكل الكشف عن تلاشي التوازن العالمي، فقد جرى تضخيم أزمة الحدود بين الكويت والعراق، مع البدء بأنشاء (النظام العالمي الجديد)، وانفراد الولايات المتحدة الأمريكية في القرار الدولي ، وكانت قبل ذلك قد نجحت ” بالفعل مع أواخر الستينات وأوائل السبعينات في ضرب وتصفية عدد من المراكز الهامة كحركة التحرر الوطني في العالم الثالث . ومع بداية الثمانينات بدت الشروخ والشقوق تظهر على الستار الحديدي المحيط بالكتلة السوفييتية ذاتها، وهنا رأت الولايات المتحدة أن فرصتها الحقيقية حانت،، فتركت كل شيء واتجهت الى عملية اختراق رئيسية في اتجاه موسكو ذاتها، وساعدتها احلام اليقظة التي ساورت ” جورباتشوف” بأنّ الغرب يمكن أن يساعده على النجاة”.(43)
وعندما يعجز هيكل عن مناقشة الأمر سياسياً بوضوح يلجأ الى الأدب ،أو السينما، وخصوصاً مقارنة مسرح الأحداث بالعرض المسرحي ، من خلال تكالب الأوربيين على شيوخ النفط، كما في اشارته المبطنة عن مسرحية العربي في “لندن” وغيرها؛ حيث يشعر شيوخ النفط بتضخم “الأنا”؛ وهم في واقع مجهري وموقف ساخر، يشبه الرسوم الساخرة، وخصوصاً في مرحلة السبعينات والثمانينات ، حيث يصابون في وهم خاص هو وهم الدولة، فيشير الى ما رسمته “أقلام ضباط حكومة الهند في القرن التاسع عشر على خرائط الخليج وصحاريها الشاسعة من الربع الخالي الى حفر الباطن ،أصبحت اذاً واقعاً له كيانه وله دوره، وحتى اذا لم يكن قادراً على تحقيق أول مطالب الدولة وهو حماية نفسها بنفسها بالمنعة في موقفها أو بالسياسة مع جيرانها”.(44)
وهيكل ينطلق من مسرحية العربي في “لندن” الى رواية سلمان رشدي ” الآيات الشيطانية” التي أربكت الواقع الأدبي والاسلامي، فكانت سبباً في قلق كبير في منطقة الشرق الأوسط؛ ذلك ان الكاتب” استغل الهرطقات القديمة، وبنى على أساسها قصة “آيات شيطانية” ،وكان هذا تجاوزاً مريعاً من جانبه ادى الى سقوط أدبي وفكري قبل أن يكون دينياً واسلامياً، لأن “سلمان رشدي” أضاف الى حكاية الآيات المدعى بها في المراجع القديمة تجاوزاً آخر في حقّ بيت رسول الله الكريم يمسّ زوجاته ويعرض بهن.
وتلقى “الخميني” بعد شهور من صدور الكتاب رسالة تطلب فتواهُ في شأن مسلم قال كذا وكذا. وأفتى ” الخميني” – دون معرفة باسم الكاتب أو الكتاب – فتوى بأن” قائل مثل هذا القول لا يمكن أن يكون مسلماً ، فإذا كان مسلماً، فقد ارتد، واذا ارتد المسلم أُهدر دمه” وقامت مظاهرات اسلامية في مدن بريطانيا وفي غيرها كان محركها هو الاسلام الآسيوي الذي استفزته الرواية وأخذته حرفية النصوص!”.(45)
ويعتقد الدكتور صادق جلال العظم، بأنّ أدب سلمان رشدي ( بما فيه روايته الأخيرة)، ينتصر للشرق ولكن ليس أي شرق بالمطلق ، بل للشرق الذي يجهد لتحرير نفسه من جهله وأساطيره وخرافاته، وبؤسه وديكتاتوريته العسكرية وحروبه الطائفية والمذهبية وهامشيته الكاملة في الحياة المعاصرة.(46)
لهذا يهاجم رشدي بلا شفقة ذلك التحالف الوثيق المدعوم بقوة، أمريكياً وغربياً، بين التعصب الديني الاسلامي الارتدادي من ناحية وبين الديكتاتورية العسكرية السافرة في بلد مثل باكستان، من ناحية ثانية، فيهجو، بالتالي، هجاءً هازئاً قوياً نفاق الصحافة الغربية الحرة في تعاملها الرقيق والرحيم مع هذا التحالف ومع رموزه البشرية والسلطوية.(47)
ويشير الدكتور فتحي بن سلامة الى “أنّ الضجة التي أثيرت حول ” الآيات الشيطانية” لا تهدف في العمق الا الى غاية واحدة: معرفة من الذي له السلطة على القصة الكبرى، قصة تاريخ الاسلام ،وربما اتفقوا على الاعتراف بأن هذه السلطة يجب أن يتقاسمها الجميع على قدم المساواة ،وبأنّ روايتي وان لم تكن ذات كفاءة في هذا الموضوع ، فإنها تمثل محاولة لإعادة قصّ هذه الحكاية لا تقل أهمية عن المحاولات الأخرى”.(48) ذلك لأنّ قضية سلمان رشدي ليست مسألة كفر، كتلك التي عرفها الاسلام منذ اربعة عشر قرناً، ولكنها دليل على حدوث طفرة داخل الحضارة قلبت ظهراً على عقب نظام العلاقات بين الحقيقة والذاتية ،وأثرت في المشاهد الأصلية.(49)
***
وبعد أكثر من نصف الكتاب، ينتقل هيكل الى مركز الفكرة، وهي غزو العراق لجارته الكويت، مستعرضاً الكثير من الجهود التي تحجم الأزمة وتدين الغليان ،ولكن آراء هيكل تضيع في خضم الأمواج المتلاطمة ، لمراقبة الحدث، وتفسيره، ملاحقة تفسيرات السفيرة الأمريكية في بغداد السيدة ” ابريل جلاسبي” التي أبلغت الحكومة العراقية تعليمات واشنطن التي تفيد بقلقها من مسار الأحداث؛ وبعد مقابلتها وكيل وزارة الخارجية آنذاك ” نزار حمدون” تفاجأ بطلبها من الرئيس صدام حسين يطلب منها ايصال رسالة تتضمن رغبته بتطوير العلاقات العراقية – الأمريكية، والتي حيكت حولها الكثير من المواقف حيث يشير هيكل الى أن السفيرة ” قامت بعملية تضليل متعمدة للرئيس ” صدام حسين “، سواء فيما قالته أو في سفرها بإجازتها الاعتيادية بعد ذلك”.(50)
وقد برزت أمام لجان “الكونجرس” الأمريكي وهي عصبية حتى ” تعاطف عدد من أعضاء الكونجرس مع حالتها النفسية أكثر مما تعاطفوا مع كفاءتها المهنية ،وقد حاولت أن تقول أنها حذرت” صدام حسين” من عواقب أي مغامرة ضد الكويت، وعندما طلب أعضاء اللجنة أن يطلعوا على برقياتها السرية الى وزارة الخارجية في تلك الفترة – كان تقديرهم أن فشلها كان كاملاً”.(51)
وقد أحال هيكل الى “پوب وودواد” في كتابه ” القادة” وعملية التنسيق بين “كولن باول” و”شوارتز كوبف” والأمير “بندر بن سلمان” سفير المملكة العربية السعودية في الولايات المتحدة الأمريكية، وما يعنيه ذلك من دخول القوات الأمريكية بموافقة بلدان الخليج العربي ،وعدم خروجها منها ، لأنها تطمح الى البقاء وفرض احتلالها على المنطقة، من خلال استخدام شتى الذرائع، حيث ستكون القضية السورية وايران على مسرح الأحداث من الذرائع التي تسوقها لاحقاً.
وهنا يفسر هيكل المعروف بحسه القومي، وحبّه لمشروع مصر التاريخي، الأحداث بأن” بغداد في ذلك الوقت وجدت نفسها دون أن تقصد في نفس الوضع الذي يريده “بوش” أن يضعها فيه”.(52) مثلما حصل في حرب مصر باليمن، وحرب 5 حزيران عام 1967م، حيث كان التوجه الغربي الى تطويق المشروع العربي الوحدوي والنهضوي وفرض ارادة كسر الضلع.
***
وفي كتابه (الامبراطورية الأمريكية والاغارة على العراق) الصادر عام 2003م، يرى هيكل” أن الاختبار الحقيقي أمام العرب في المرحلة الحالية وما بعدها يتعلق بمدى استعدادهم للوقوف جنباً الى جنب مع قوى عديدة في العالم يهمها – كما يهمهم – تجاوزات الامبراطورية الأمريكية . ويعنيها – كما يعنيهم – وضع حد لهذه التجاوزات ويشغلها – كما يشغلهم – اجراء حسابات دقيقة لعناصر الصراع معها بحيث تخضع لحكم القانون، وذلك يكفي الجميع، تاركين الباقي لحقائق الطبيعة وأحكام التطور”.(53)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- تفكيك هيكل، مكاشفات نقدية في اشكاليات محمد حسنين هيكل: سيار كوكب الجميل، الأهلية للنشر والتوزيع( عمّان، 2000م)، ص 103.
2- تفكيك هيكل، ص104-105.
3- ملفات السويس : محمد حسنين هيكل، مركز الأهرام للترجمة والنشر – مؤسسة الأهرام، ط3( القاهرة،1417هـ/ 1996م)، ص46.
4- ملفات السويس، ص 98.
5- ملفات السويس، ص162.
6- ملفات السويس، ص196.
7- ملفات السويس، 284.
8- ملفات السويس، ص 285.
9- العقد النفسية التي تحكم الشرق الأوسط: محمد حسنين هيكل، الشركة العربية للطباعة والنشر (القاهرة، 1958م)، ص 134.
10- العقد النفسية، ص41.
11- العقد النفسية، ص 51.
12- ملفات السويس، ص 561.
13- لمصر .. لا لعبد الناصر: محمد حسنين هيكل، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، ط2(بيروت، 1408هـ/ 1988م)، ص 19.
14- لمصر .. لا لعبدالناصر، ص 27.
15- الانفجار 1967، حرب الثلاثين سنة: محمد حسنين هيكل، مركز الأهرام للترجمة والنشر – مؤسسة الأهرام (القاهرة،1411هـ/ 1990م)، ص 78.
16- سنوات الغليان، حرب الثلاثين سنة: محمد حسنين هيكل، مركز الأهرام للترجمة والنشر – مؤسسة الأهرام (القاهرة،1411هـ/ 1990م)، ص110.
17- سنوات الغيان، ص176.
18- سنوات الغليان، ص 358.
19- سنوات الغليان، ص 715.
20- اكتوبر 73، السلاح والسياسة: محمد حسنين هيكل، مركز الأهرام للترجمة والنشر – مؤسسة الأهرام (القاهرة، 1414هـ/ 1993م)، ص 123.
21- اكتوبر 73، السلاح والسياسة ص 204.
22- اكتوبر 73 السلاح والسياسة، ص297.
23- حديث المبادرة: محمد حسنين هيكل، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر ، ط9(بيروت،1408هـ/ 1988م)، ص90.
24- حديث المبادرة، ص 136.
25- المفاوضات السرية بين العرب واسرائيل، الكتاب الأول، الأسطورة والامبراطورية والدولة اليهودية : محمد حسنين هيكل، دار الشرق ، ط7(القاهرة 1997م)، 1/34.
26- المفاوضات السرية، 1/41.
27- المفاوضات السرية، 1/ 48.
28- المفاوضات السرية، 1/ 96.
29- المفاوضات السرية، 1/ 121.
30- المفاوضات السرية، 1/ 161.
31- المفاوضات السرية: محمد حسنين هيكل، دار الشروق ، ط6(القاهرة، 1996م)، 2/ 32.
32- المفاوضات السرية، 2/ 134.
33- المفاوضات السرية، 2/ 282-283.
34- المفاوضات السرية، سلام الأوهام ، أوسلو – وما قبلها وما بعدها: محمد حسنين هيكل، دار الشروق، ط3(القاهرة، 1996م)،3/112.
35- المفاوضات السرية، 3/ 116.
36- حديث المبادرة، ص 69.
37- مدافع آية الله : محمد حسنين هيكل، دار الشروق، ط6(القاهرة، 1422هـ/ 2002م)، ص 9.
38- مدافع آية الله، ص 87.
39- مدافع آية الله، ص96.
40- مدافع آية الله، ص 96.
41- مدافع آية الله، ص 163.
42- مدافع آية الله، ص 269.
43- حرب الخليج، أوهام القوة والنصر: محمد حسنين هيكل، مركز الأهرام – مؤسسة الأهرام(القاهرة، 1412هـ/ 1992م)، ص 54.
44- حرب الخليج، ص 96.
45- حرب الخليج، ص 115.
46- ذهنية التحريم، سلمان رشدي وخطيئة الأدب: صادق جلال العظم، دار المدى، ط5( دمشق – بغداد، 2007م)، ص 168.
47- ذهنية التحريم، ص243.
48- الاسلام والتحليل النفسي: د. فتحي سلامة، ترجمة د. رجاء سلامة، رابطة العقلانيين العرب ودار الساقي (بيروت، 2008م)، ص 52.
49- الاسلام والتحليل النفسي، ص 58.
50- حرب الخليج، ص 348.
51- حرب الخليج، ص 348.
52- حرب الخليج، ص 476.
53- الامبراطورية الأمريكية والإغارة على العراق: محمد حسنين هيكل، الشركة المصرية للنشر العربي والدولي ، ط8(القاهرة، 2009م)، ص 12

شاهد أيضاً

متاهة سبعينية، عن مختار وصنوه أبو حمديه
حاتم جعفر
السويد ـــ مالمو

( في هذا المقال سنستحضر بعض اﻷسماء ممن كان لها الفضل الكبير في دفعنا نحو …

مقداد مسعود: رسائل خطّية من الشاعرة “زهور دكسن”

الأستاذ الفاضل مقداد مسعود المحترم لك تمنياتي بديمومة الصحة والعطاء.. مع شكري لما أوليتنيه من …

أحمد الكناني: مارستانات المدينة العريقة

المارستان هو المصحة او المستشفى ، تحورت في الاستعمال وانتقلت من الممارسة او المعالجة للشي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *