ابن الحاكم (الجزء الأول)
الكاتبة: سعاد الورفلي

حين خرجتُ لأول مرة كي أشاهد وجوه الناس الحقيقية؛ لم أكن أعلم أني أشبههم تماما ! ملامح الإعياء والقنوط تبدو على محياهم الوسيم تخترق حدود الوسامة لتعلن عن القهر القبيح والكبت الذي يجعل من الإنسان يقول إنه يحب وهو لايحب ويؤيد وهو لايؤيد ويبايع وهو لايبايع !
ماذا يريد البلاط مني ؟ تركت لهم كل شيء وهمتُ على وجهي أبحث عن نفسي الضائعة خلف تلك الأخبية، وجه أمي التي ماتت ودموعها تنساب على خديها حتى ليلة اضطجاعها في مرقدها الأخير؛ سمعت همهمات النساء وهن يكدن كيدا يخبرن بعضهن أنها عاشت في نعيم ورغد من الحياة وليتهن مثلها !
لقد حملت على قلبها حجارة سوداء صماء، رأيت والدي الحاكم المبجل المنطوق باسمه ليل نهار وهو يستأسد ويستأذب ويسلخ لحمها عن عظمها ويحرق شفتيها ويقطع أظافرها وهي ترجوه أن يتركها؛ ألبسها الديباج والحرير وأخرجها على رؤوس القوم لتقول لهم أنها باسم الحاكم تعلن استنكارها لكل من يخالف أوامره الموهوبة وعطاياه المحبوبة وأنكم كلكم أبناء الحاكم تأكلون من مزرعته وتتقلبون في نعيمه وتصبحون على حبه وتنعمون برضاه لهذا لا تنفلتوا ناكرين ..ثم رأيتها تدخل خدرها وتنزل حمم السحب دموعا تبل خديها الناعمين البضين الجميلين تبكي وأسألها ما بكِ ألم تكوني اليوم في الحفل البهي ..تضمني بكل حرقة وتأوه . لم أسمع ردة فعلها على سؤالي ؛ لكنها أجابت عن كل ذلك في هذا الكتاب الذي وجدته بعد أن بلغت من العمر عتيا.. قالت لي قبل أن تلفظ أنفاسها : لن تجف دموعي حتى القيامة ؟ ظننتها تطلق حكمة ! مسحت بيدي الكبيرة الجلفاء المعتوهة عينيها وقبلت خدها المضرج بالحمرة رغم الموت ! ستعيشين يا أمي وسنحتفل بتتويجك ..كنت أمازحها كعادتي لكنني علمتُ في قرارة نفسي أنها لا تحب ذلك، أخبرتني وهي تشير نحو درج مكتبها عن شيء : خذه ..إياك أن تنسى خذه واقرأ جيدا ما ستجده من سطور وستعرف كل شيء !
الآن علمتُ أنها لم ترد أن تراوغ .. وعلمت أنها تتكلم والسوط على ظهرها ..
في الليل قالت ” يتحول ذلك الحاكم إلى شيطان يهددني إن فكرتُ أن أجتاز القوانين أو إن فكرت في أن أكون تلك المرأة التي تزوجها من الحواري ذات المستويات البسيطة . لقد كنت بالغة الجمال، وكنت على حس عال من التفكير الذي يخطط في وقت واحد لألف مستقبل ! والدي رجل يبيع البرتقال في كل موسم تم اغتياله لا أعلم ممن ؟ ولماذا ؟ وكيف ؟ وما علاقة بائع البرتقال بالاغتيالات السياسية الشيطانية ؟ تداول الإعلام قضية والدي تلك القضية التي كرهتُ أن أراها مرارا وتكرار في كل مناسبة وطنية أو دينية .. ولماذا كل هذا الضجيج والاهتمام برجل مواطن مثله مثل آلاف من الذين قضوا تحت الهدم وبين الشوارع وفي المحاكم ظلما وبغيا ..لماذا لم يتم تناول قضية ابنة الجيران التي ابتزها أحد التجار الكبار وعندما لم تنزل عند رغبته قتلها حاشيته أمام أهلها وعلى مرأى من الجيران والناس أجمعين ؟ كانت كل القضايا تقوم وتنهض وتتساقط أمام عيني وظلت قضية بائع البرتقال والاغتيال الذي قضى عليها بينما تبعثر البرتقال واختلطت الدماء والروائح وتحول ذلك المكان إلى شبح أشجار تنبت كل عام برتقال بلون أحمر ..! هكذا كانوا يوظفون الأفكار الجميلة ويلصقونها في بعضها لتصبح الصورة القبيحة خلف الإطار بأجمل ما هي عليه إلى أن حدث وجيء بي إلى أحد اللقاءات التلفزيونية، كنت لا أعي إلا شيئا واحدا : أن والدي قُتِل والجاني سينال عقابه إن عاجلا أو آجلا لكنني لم أرجع من ذلك اللقاء إلى بيتي. وجدت نفسي مبجلة ومكرمة في مقصورة الرجل الحاكم .. كان يتكلم بألم وسخف على ما حدث لوالدي. تكرر وعيده مرات عدة ليحضر الجاني بين يديه ، وحدث ما قال به! جيء بأحدهم ملثما لا يظهر من وجهه شيئا .. ذهلت مما رأيت .. وقلت في نفسي هذا هو الحاكم العادل الذي على يديه تؤخذ الحقوق؛ لكن من ذلكم الرجل .. قال لي لا تسألي كثيرا؛ إنه ابن زنيم .. يريد أن يشوه الوطن خذوه وغلوه ؛ لحقت به أردت أن أسأله سؤالا واحدا ليجبني فقط لماذا فعل فعلته الشنيعة تلك ؟ لماذا قتل والدي .. لم يكن في قلبي سوى : لماذا فعلت ذلك .. ولم أشأ أن أنتقم لأبي إلا بعد سماعي الإجابة .. لكن جاءتني الإجابة برأس الرجل !
هذا الكتاب الذي تركته أمي تحول إلى سحابة قاتمة تمنيت أن لم أجده أو اقرأه !
لست الابن الوحيد.. إنني الرقم الخامس والثلاثين من بين أبناء الحاكم . ولاأعرف إن كان سيتذكرني أبي ..هه أم لا .. ؟ هو لا يهتم كثيرا .. فنحن جنود في مملكته نفعل ما يريد ولا نرد له أمرا، ولا يعترف بالعواطف التي يمتلكها كثير من الآباء فالكل يعاملهم على مستوى واحد حاشيته أبناءه جلساءه ندماءه كلنا بمستوى واحد . إلا أنني كنت أقرأ في عينيه شيئا حينما تلتقي نظراتنا أشعر كأنه يُكِن شيئا ما في داخله نحوي، لم أكن شقيق الجميع رغم أني أشترك معهم في الأب . أمي لم تنجب سواي، ولا أعرف عدد النساء اللواتي تزوج بهن الحاكم حتى ينجب هذا القدر من الأولاد والبنات حتى أني لا أكتشف أنه عندي أخت إلا بعد سنوات طويلة وبعد أن بلغ أغلبهم منتصف العمر . يالها من قصة .. وكذلك بعضهم بالداخل وبعضهم بالخارج .
لم أحب أن أعيش في هذا الوسط ليس لأنني مثالي وذو همة عالية أو لأثبت لكم أنني مختلف وان حديثي مخترق أو خرافة .. لكنه بالفعل كما قال والدي في أحد أحاديثه حين استشاط غيظا ووجه كلامه لي أمام حاشيته : هذا الولد يحن إلى الشوارع !
لا أحب القيود. ولاأحفل بالمراسم في داخلي شيء ينزعني لأكون مثل أولاد الجيران! نعم : لعل أبناء الحاكم لا يعرفون هذه اللغة، ولكنني عندما انفصلت تماما عن عائلتي الحاكمة واستأجرت بيتا صغيرا في حارة جدي بائع البرتقال كان لي جيران كُثر .. وأصدقاء وصرت مهووسا بالسهر معهم دون أن أشعرهم بكوني ابن أحد ما سألني أحدهم من أين جئت ومن أنت فقلت له كل ما أعرفه أن جدي كان يبيع البرتقال وهو مشهور بدكانه الصغير ذلك وأتمنى أن أعيد مجده . ضحك الجميع لكن الرجل الكبير في العمر الذي استأجرت منه البيت والدكان قال لي : أذكر أن له ابنة سافرت ولم تعد إلى بيتها. قيل إنها تزوجت أحد كبار رجال الأعمال أو المسؤولين . أحسست بالإحراج قليلا لكني لم أجبه إلى كلامه . استطرد قائلا : أرسلت لي رسالة لم أفهمها مع أحدهم قالت فيها : اترك مفاتيح الدار عندك إلى أن يأتي إليك.
استغربت كلماته واقتربت منه بعدما انصرف الجميع، ياحج: هل مفاتيح الدار عندك ؟
نظر في وجهي مليا ثم قال : يا رجل لا تطمع فيما ليس لك ؟
يا حج : أريد أن أستأجرها منك إلى أن يأتي إليك . واخدمني ألا تذكر ذلك لأحد من الأغراب !
رأيت علامات الاستنكار بادية على وجهه.أطرق قليلا .. ثم قال ” جئني صباحا”
انتظرت الليل حتى ينتهي بفارغ الصبر كان طويلا على غير عادته .. الهدوء يقطع المكان لا شيء أحمله معي سوى جهاز صغير في كل مرة يتصل بي أحد الأصدقاء ليطمئن هل وجدت دارا أم مازلت على قارعة الطريق .
جاء الصباح ووجدت نفسي أرغب في نوم طويل. قطعت نومي وأسئلتي وأحلامي توجهت نحوه وجدته ينتظرني . حييته فلم يرد التحية مشيت وراءه كان في كل مرة يراقبني فأبتسم له . توقف عند باب بيت صغير كان الباب ملطخا باللون البني يبدو طلاؤه عشوائيا، فتح الباب بالمفتاح ثم قاوم كثيرا في دفعه إلا أني ساعدته بضربة واحدة بيدي فانفتح مُصْدِرا صوتا كعادة الأبواب التي لم تفتح منذ سنوات . روائح البرتقال والياسمين اغتالت تفكيري وأنا ألج بابه الصغير . لكم اعتدت على الأبواب العالية الواسعة . إلا أن لحظة الحياة هنا تشعرك بكيانك الذي ذاب وتلاشى في النعيم. العذاب في الدنيا هو نعيم يكسر كل الأقفال في نفسك لتعرف أنك إنسان محكوم بطاقات موهوبة تستطيع كسر مفاتيحها لتعرف الحقيقة.
التفت نحوي الرجل المسن : ربت على كتفي . قال لي : اسمع كل ما في هذه الدار أمانة . وأنا أضع أمانتي فيك لأني أرى على وجهك صورة رجل مؤتمن .
هززت رأسي بإيجاب . قال لي : اسمع ملامحك ليست غريبة عني ” انقبض قلبي لقوله”
قال : لا أعلم ما الذي يجعلني أشعر كأنك الحوسين صاحب هذه الدار . في عينيك شيء من أهلها .
كان رجلا ورعا . أحسست أنه فرّاس . تفرسني كثيرا وكاد أن يكشف القناع الذي اختبأت خلفه .
عندما هم بالخروج قال لي : إلى أن يأتي إليك .
هززت رأسي مبتسما .. ودّعته بعد أن شكرته وقبلت يده ورأسه . كأني به استغرب هذا الصنيع مني لكن حرارة يدي أشعرتني بحبه لي .
أقفلت الباب : وقعت على الأرض بكيت كثيرا ونمت نوما عميقا لم أصحُ منه إلا نهار اليوم التالي .
الأصوات في هذا الحي الصغير تضج بكل أنواع الحياة ؛ أطفال ونساء وعربات تجرها عجلات تئن من وطأتها ، دواليبها لا تكف عن الصرير كحشرات الصيف المتحفزة . أردت أن أتجول داخل هذا البيت الشعبي الصغير ، مازالت أشجار البرتقال تمتد بكل صرامة وشحوب أوراقها تنذر بخريف قاس ، كانت أغلب أبواب البيت مقفلة إلا دارا واحدة حيث خلا بابها من المفتاح، دفعت الباب بهدوء أصدر صوتا حميميا كأنه يرحب بي أو يستغرب هذا الحضور الذي ذبح ذلك الغياب العنيد منذ لحظات . دفعته وتمنيت أن لم أر ما في وسط هذه الدار، كؤوس الشاي التي لم يكتمل ارتشافها تبعثرت في المكان ذاته .. بقايا قشر البرتقال ولفافة تبغ وجهاز تلفاز متواضع انحنى يمينا على طاولة قديمة باهتة الألوان . صورة لرجل تعترض الحائط الملون بطلاء مغاير لباقي الغرفة، تبدو ملامحه قوية، عيناه تنغرزان بشدة في عيني الناظر فيهما، شعرت بقشعريرة تحتويني ، يظهر من الشخصيات ذات الزمن الفتيّ معاندا مخاصما ثابتا لا يأبه لشيء يعتز بإنسانيته لا يستسلم . هكذا أخبرتني أمي عن جدي . إنه مثل رجل الحكايات التي نراها في القصص العالمية. وحيدا رغم التفاف الناس حوله وحبه لهم . لا يتكلم كثيرا ويحب التجارة رغم إمكانياته البسيطة.
تأملته كثيرا أردت أن أحدثه عن كل شيء لكن الغصة التي اجتازت حلقي منعتني إلا من البكاء .
ياله من صباح ثمل . أشتاق كثيرا لهذا المكان وأنا فيه . لماذا لم أكن منذ ذلك الحين هنا .
إنني لم أشعر بإنسانيتي في ذلك الوسط الذي وجدتني فيه بين الرفاهية والنعيم، لم أشعر حتى بالألم . لا أعرف معني معاناة الناس . كنت أقرأها في الصحف وهي تشبه تماما ما أشاهده في الدراما حتى لم أعد أميز بين الحقيقة والدراما . كنت كل ما أراه وأشاهده يشعرني أنه تمثيل أو مسرحية طويلة دون خاتمة محدودة .
كنت أرى النساء يعترضن الطرقات وهن ينشدن حاجتهن من التسول؛ قال لي أحد إخوتي عن أبيه الحاكم أن هناك شركات تدير مثل هؤلاء المتسولات . لكنني لم أصدق وكانوا دائما يتكلمون عن الفقراء أنهم مجرد ورقة سياسية للإطاحة بنظام الدولة . وكنت أخشى من الأحزاب كثيرا تلك التي تدير المصالح رغبة لمصالحها.
كان في مقصورتنا أحزاب كثيرة مختلفون في كل شيء إلا في مصالحهم فإنهم إخوة وبنو عمومة .
لم أشعر بحريتي الحقيقية إلا هنا وسط هذا الخواء والدروشة والفقراء الذين تفوح منهم روائح الصدق .
كان أقربهم رجلا اتهم وسط الحي بمرض السرقة .. داعبته ذات ليلة هل تريد أن تسرق ؟ أدهشه سؤالي وشعر بالخجل كما ظهر ذلك على وجهه ثم قال : لقد ظلمتُ في هذا ! استطرد قائلا : لم أسرق إلا مرة واحدة ! ومنذ ذلك الحين وهذا الوصف ينطبق عليّ تماما لا يفارقني. حمدت ربي أنه لم يكن لي أبناء حتى لايصابون بالعار بسببي !
أأنت تقول هذا ؟ لماذا يا رجل ؟ إنهم يسرقون ليل نهار .. الابتسامات والفرح
بل سرقوا أعمار الناس واغتالوا أرواحهم ! وهم يرفَّهون الآن في كل مكان وعلى حساب الدماء التي أهدروها في كل ريع !!
وتخجل من نفسك أنك سرقت حقك ؟
نعم سرقت حقي حينما طردني مدير الشركة ولم يرد أن يخلصني عن تسعة أشهر أفنيت عمري في خدمة الشركة، لم أكن مثل الجميع كنت أحرصهم وأمثلهم طريقة مرضت أمي وأبي .. وكانا بحاجة لي وللعلاج بالخارج، والشركة لم تعطني حقي . لكنني أصررت أن أخترق القوانين من أجل حقوقي؛ وفي ليلة شاتية تسللت إلى القسم المالي ودخلت خلسة في ثوب يشعرني بالاشمئزاز؛ أخذت حقوقي كما ينبغي وانصرفت .
وبعد إذ ذاك تحققوا في الأمر .. وكان علي أن أعترف …
واعترفت !
وتم سجني فترة .. ثم عدت لأجد كل شيء مختلف !
لكنك أخذت حقوقك …
ضحك الرجل بقوة، نفث سيجارته بجنون رجل عربيد وهو يهتز كأنه ثعبان
حقوق ؟
أنا لص في عرف الحكومة..
لا حقوق لمن هم مثلنا ! نحن نموت تحت الأنقاض .. وبالأمراض .. وبالجوع
وأحيانا نكون لعبة للاغتيالات إذا شاءت الحكومة أن تنهي حياتنا لمصالحها الشخصية المرسلة .
لم أستطع أن أكمل حديثي معه . أحسست أن قلبي ينقبض
أريد أن أكون ليوم واحد رجلا بلا مستقبل وبلا مصير.
أردت أن أهيم على وجهي لتأكلني الصحراء أو يحضنني البحر ..!!
البحر وحده الذي يعرف آهات الناس . كانت أمي تقول لي : عندما تضيق الأرض بالإنسان فإنه يفر لائذا بالبحر . كم هم كُثر في بطنه المتسع . لقد ابتلع السفن والقوارب والمهاجرين الذين فروا من سعير الحكومات.
كانت أمي الأميرة المخطوفة تريد أن تصرخ بملء فيها . لتخبرنا جميعا أنها فراشة تحط على زهيرات جنان أبيها وفي الحي الصغير المليء بالثقوب والحياة والضحك والفرح والتعاسة؛ هي ذي مشمولة بالحرس والحشم والموالي والأحكام المطلقة بالطاعة العمياء والعصماء دون أدني اعتراض .
كان في الأثناء صدور أمر بالبحث عني وإلقاء القبض علي، وكان مما يحاك أن أقتل في أماكن بعيدة بحجة ملفقة . ورد هذا من أحد المقربين حين علم بما يدار وهو من تم تكليفه . ذهب مغاضبا لا يستطيع رفض ما أوكل إليه تستطيع أن تقول أنه يثق في ويحترمني على أن يكون صديقي ، وباقي الحاشية مجرد أرقام أكثر منها أسماء . في الأثناء أشيع عن مقتل رجل في وسط أحراش يشبهني كثيرا اختفت ملامح وجهه، لا أدري أهو سوء حظ أم سعده لي . كل ما في الأمر أن ابن الحاكم مات وانتهى أمره . مرت سنوات طويلة حول هذا الموضوع وكان يحتدم في صدري أن أذهب إلى أبي وأخوتي وأخبرهم بحياتي . لكن استقر أمري على موتي وتنكري للحياة لأكون إنسانا آخر . مواطنا من الدرجة الثالثة، يقطن في حي متهالك آيل للزوال وبيت يحضن جثة كانت قد ترعرعت وتربت في النعيم وصارت هنا الآن بين هذه الحيطان الشاحبة والحياة الشحيحة . خسرت أشياء كثيرة من أجل أن أكسب روحي التي كانت مكبلة بالنظم والقوانين واللوائح . ومجبرة على النفاق . لاشيء يربطني بذلك المكان نسيت كل شيء حتى اسمي صار لقبا شعبيا أغني وأعزف على أنواع الآلات .لكنني لاأستطيع الخروج قبل أن أتدبر أوراقي الثبوتية.
لا أحد يعلم من أنا الطرقات كلها متشابهة الأحياء متمايلة ، النفوس تشترك في آهة واحدة ، ينتظرون شيئا ما لكنهم يصحون على أمل كاذب ، وجه جدي على الحائط يشي بأمر ما . كلما قرأت صرامته وحنوه أشعر أن أمي تقول لي هذا مكانك.
في صباح اليوم التالي جرتني الطريق لأتدبر شيئا من حسابي المصرفي، وفي نفس الوقت راودني شك أنه محجوز ومراقب. إلا أن أمي قد جعلت لي حسابا سريا أودعت لي فيه بعض الأمانات وكان الساحب باسم جدي لايلفت النظر. سأحاول هذه المرة وليكن ما يكن .
حققت مطلبي هذه المرة وخرجت من فقري وتعاستي وحرماني . جربت كيف أكون مواطنا من الدرجة الثالثة يفرح بنهاية الشهر لتتغير حياته مجددا لوقت قصير، سددت ديوني ..وأعطيت أجرة بيت جدي هه.. وانطلقت نحو مطعم شعبي تفوح منه روائح زمنا عشته مع أمي لفترة قصيرة : أكلت كل شيء وضحكت وغنيت مجددا وعدت إلى بيتي الصغير أجر جسدي المثقل بالهموم.
رغم رتابة الحياة وتكرار روتينها لكن هناك شيء يجعلك تنام وتصحو من أجله. صوت العربات كل صباح ، وبائع التبغ الذي يتسلل كل صباح ليضع الأرجيلة والكراسي أمام دكانته يوحي له بشيء جديد وغريب إنه مغرم بالحكايات حول السياسة وكبار القوم ، كنت أجلس بالساعات وأنا أستمع لرد فعله وكيف يفلسف المواقف الدرامية داخل قصور السياسة، كأنه عاش بالفعل داخلها وكان متحفزا لقول كل جديد سيقع إثر خبر ما؛ الأمر الآخر أنه يفصل سوق العمل بحيثيات مريبة ، هذا الرجل القصير العريض الأحمر السنحة يعيش بيوميته من قروش مكتسبة يرى العالم في فقاعة دخان يزفرها وينتهي كل شيء بتحليله. أحيانا أضحك كثيرا وأحيانا أشعر بالكرب عندما تتساقط الألسنة محرقة كل شيء داخل ذلك العالم .
كم يكره الناس أهل السلطة وكم يبادلونهم الحب حينما تلزمهم الحياة أن يمتثلوا أمامهم . مسكين ذلك الشعب الذي أنا أحد أبنائه المضطهدين بسياط ألسنة نظم السلطة وقوانينها .

شاهد أيضاً

مَريم لُطفي الآلوسيّ : النَّوارسُ المُهاجِرة- رحلةُ الموت (قصةٌ مأساويَّةٌ لأرواحٍ تبحثُ عن السَّلامِ) (2)

المشهد يتكرَّر.. الملاذ الآمن الخيرُ يعمُّ والشرُّ يخصُّ، أم الخير يخصُّ والشرُّ يعمُّ؟ لقد التبست …

أسعد الجبوري: بريد السماء الافتراضي حوار مع الشاعر الأرجنتيني خوان خيلمان

عندما عثرنا عليه ،وهو يمارس السباحة في بحيرة(( الكوارث)) بين مجموعات من طيور (الرارا) الشبيه …

بلقيس خالد: سلالم الساعات: هايكو عراقي

-1- ردني ان استطعت قالها ومضى :الوقت. -2- يبعثرها دقائق وساعات.. مستغربا يتساءل: أينها الحياة! …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *