رملة (مسرحية في فصل واحد)
محمد نجيب بوجناح

الشخوص

رملة: جميلة في بداية العقد الثالث.
الأم: ربما كانت في الستين لكنها تبدو أصغر وبصحة جيدة
الإبن: يكبر رملة ببضع سنوات. قوي العضلات. مستدير البطن بعض الشيء.
الشاب: في عمر رملة.

(بيت مرتب.
على الجهتين أربعة أبواب لغرف مغلقة، وفي العمق مطبخ وحمام، ونوافذ ورواق يأخذ إلى الخارج.
في الصالة قاعة جلوس وبيت فطور. قطع أثاث و مرآة كبيرة.
رملة تطرز والأم تنظر من النافذة.

الأم: (تعود من النافذة و هي تمسك عصاً) لا أحد..الليلة مقمرة لا يضيع فيها الرجال بسهولة.
رملة :ككل ليلة..القمر يطلع عندنا كامل الشهر.
الأم: كفي.. كفي
رملة :أريد أن أتعشى
الأم: ليس قبل أن يعود أخوك (صمت). اننا نفعل كل ذلك من أجلك.
رملة: لم أطلب شيئاً.
الأم: لست في حاجة لكي تنطقي..جسدك يطلب ذلك..أسنانك وشعرك ومسامك..كلهم يطلبون..لولا حزمنا وهذه العصا لنمتِ في الحظيرة مع البغال.
رملة :لو كنت ذهبت الى المدينة لتزوجت في يوم وليلة
الأم: كالبنات الفاجرات
رملة :كنت سأشتغل
الأم: انها وصية ابيك
رملة : ليته لم يكن أبي
الأم: (تلكزها بالعصا) اصمتي أيتها العاهرة..إنه في عداد الموتى فلا تذكرينه إلا بخير
(تبتعد عنها) إنه بلا شك يستحق طلب المغفرة، فلعله يصطلي بنار جهنم الآن.

(تجري خلفها الأم وتمسك بها. تعنفها. تفلت منها. تجلس رملة في ركن وتبكي.)

رملة :(تشهق) لقد حبسني
الأم: (بحزن) بل حبسنا جميعا.
رملة :صرتِ عجوزاً ولا يهمك الحبس..أما أنا فإنني كوردة تسقط منها كل يوم بتلة.
الأم: بنت الكلبة.. أليس أخوك حبيساً مثلنا..يحرث ويزرع ويسقي كامل النهار ولا يخرج إلا في الليل ليصطاد لك زوجاً.
رملة :لقد إختار ذلك..أما أنا
الأم: (مقاطعة) لم يختر أحد..تلك وصية ابيك.
رملة:(غاضبة) ألا تسقط الوصية بعد الموت؟
الأم: وعدته بتنفيذها وهو يلفظ أنفاسه
رملة :(تقف وتواجهها) لم يمت بجانبك
الأم: (تقف وتجلسها) لا تصرخي هكذا في وجهي
رملة :(تشير إلى الخارج) أعرف أن لك ذراعين طويلتين وصلبتين.
الأم: إذاً لا فائدة لك من العصيان. أخوك يشقى من أجلك خارج البيت.
رملة :(ساخرة) كما كان أبي يشقى من أجلنا من ميناء لميناء.
الأم: انظري الى الخير الذي حولك، إنه جهد ابيك.
رملة :بيت في الخلاء
الأم: فيه كل شيء.
رملة :لن ينفعني
الأم: سيأتي من يعرف قيمته.
رملة :أخي لن يقسم شيئاً.
الأم: ما أطول لسانك..ما ادراك؟
(صمت)

الأم: كان بإمكانك أن تتزوجي ذلك الأجرب.
رملة :لكنه أجرب..عفتة ولم استطع الإقتراب منه.
الأم: الجرب ليس وراثياً..
رملة :ربما صاروا يبيعون الحيوانات المنوية في المدينة فيجنّبني ذلك شخير الحمير في فراشي.
الأم: المرأة إذا كانت في سنك بلا رجل تصير أفعى، تنفث سمومها في وجوه من أطعموها دون رحمة. لكنني وأخوك لك بالمرصاد وقد ندوسك دون ندم إذا ما إستفحل الداء بك.

(صمت)

الأم: كان بمقدورك أن تنجبي منه طفلين أو ثلاثة ثم تلقين به في البئر.
رملة:جريمة!
الأم: هذا المكان خارج السلطة ولا يأتيه أحد إلا ضائعاً ، والبئر عميقة وفي جوفها ماء متصل بالنهر.
رملة :لماذا لم تفعلي ذلك بأبي؟
الأم: (ترميها بحذاء) كنت أحبه..ثم إنه كان قوياً لا يقدر عليه ثلاثة رجال.
رملة: هل جرّبتِ السم؟
الأم: مرة واحدة..لكنه نام وشخر ثم أفاق ولم أكن قد جررته بعد الى باب البيت.
رملة :هل تفطن؟
الأم: ربما..كنا سعداء في البداية..تزوجنا عن حب حصّنّاه بمئات الكتب..اشترينا هذه الأرض وإكتنفنا بها. لم يكن يذهب الى المدينة إلا نادرا..اعطاني طفلين ثم بدأ يذبل..هكذا هم الرجال. ما إن تترجل امامهم حيواناتهم المنوية حتى يصيرون كأوراق الخريف تذريها الرياح كما تشاء..
رملة :ربما لم تسقه بما فيه الكفاية
الأم :لم أحرمه يوماً من معيني ولم أنضب ..لكن الرجال يتقيأون عندما يشبعون.
رملة :كل الرجال؟
الأم: معضلة النساء أنها لا تستريح لأشباه الرجال.
رملة :هل هجرك؟
الأم: حَرُد وقل درّه..ثم صار يمشي في نومه.. خشيت أن يسقط ذات يوم في النهر وهو تائه فقلت لنفسي البئر أولى به. لكنه كان يستعيد قواه عندما يشخر، بعيداً عني، وكأنه يحتفظ بها لحياة أخرى. لذلك لم يمت، بل قال لي بعد أن أفاق: سأسافر. وكانت حقيبته جاهزة في رأسه..كنتِ في الخامسة وأخوك في العاشرة.
رملة :لمَ لمْ تلحقي به؟
الأم: تعلمت أن الفراش يبحث عن رحيق الزهر.
رملة: ألم يعد؟
الأم: أبداً..صارا أخوك يلتقيه في المدينة من عام لآخر. يأخذ منه بعض المال ويسبه ويعود. ذات عام قالوا له مات واعطوه وصيتة.
رملة: ألم يكن يسأل عني؟
الأم: كان أخوك يعود دائما من سفرته حزيناً ولا يتكلم في شيء لأيام. وعندما عاد آخر مرة قرأ لي وصيتة التي تخصك.
رملة :أهملني ولم يسأل عني ويوصي بأن أتزوج أول رجل أراه.
الأم: أخوك من طينة ابيك ولن ينقض عهده.
هل كان أبي زاهداً ليُزهدني.
الأم :بل لعله صار في المدينة زير نساء..كان يسافر من ميناء لميناء ثم ستقر في المدينة لعدة اسابيع يلهو ويسكر ويفاجر..هكذا حدثني أخوك في البداية، ثم صمت ولم يعد يذكره..لعله رأى ما رأى.
رملة :وما ذنبي في كل هذا؟

(صمت)

الأم: ربما خشي أخوك أن تكون فيك بعض من طبيعة ابيك.
رملة :إنه على حق..سأترككم ذات يوم ولن أعود (تدخل في حالة هيستيرية) صرت أحب أبي الآن..أسمعه يناديني من حانة هناك، أو بيت بغاء هنا، أو من سوق الكلاب..يريد أن يبيعني ككلبة..أو لعله لا يطلب مالاً إذ يكفيه أن يتخلص مني. لعله كان يتخيلني في كل فاجر يضاجعها ولعل أخي قد تكشف عليه ذات مرة فقرر أن ينتقم من كل النساء ويلغي وجودي..في كل رجل شهريار..أفهم الآن..لذلك هو لم يتزوج.

(صمت)

الأم: (حزينة) لو لم يكن قدري أن أموت هنا لما بقيت لحظة واحدة منذ علمت بموته..كنت أعيش على أمل أن يعود، لكنه فضل أن يجود بروحه على بنات الهوى.
رملة :(تقترب منها) يمكننا أن نرحل..إن أخي في الحقل كامل اليوم ولن يتفطن قبل أن نصل المدينة.
الأم: وتدي مربوط إلى هذه الأرض كبغلة
رملة :حتى البغال يمكنها أن تطير
الأم: الأرض قبر البشر والسماء مرتع الطيور. لن تجدي هواءً كافيا هناك.
رملة: بل سأطير..لكأن العصافير نساء تحررت من قيودها.
الأم: (تمرر يدها على شعرها) الوردة لا تضيع أريجها حتى وإن كبرت في الزبالة..والثمرة ثمرة حتى وإن كانت مجففة..
رملة :(تبكي) لن أرضى بالزبالة..لا اتحمل النتونة..انني أذبل.

(صمت)

رملة :هل نفذ السم؟
الأم: (دون وعي) كلا..ما زلت احتفظ بالكثير منه (متراجعة) ولكنني القيت به في البئر.
رملة :ياللأسف.
الأم: (مرتابة) ممن تريدين التخلص؟
رملة :من الأجرب طبعا.
الأم: لن يعود.
رملة :لا شيء مستحيل.
الأم: الموتى لا يعودون.
رملة: (تضع يدها على فمها لكي لا تصرخ)..هل..
الأم: قتله أخوك.
رملة :البئر إذن..
الأم: تخبئ كل اسرارنا..تلك ضريبة من يراك.
رملة :من قرر ذلك؟
الأم: أخوك وأنا وافقته.
رملة :لن أقابل أحداً بعد الآن.
الأم: لا يمكن..أخوك في حاجة إلى من يساعده ولن ننتظر حتى يغطي الشيب شعرك.
رملة :هل أتزوج من مجهول؟
الأم: انهم يذبلون سريعاً هنا. ليكن لك طفل أو طفلان ثم نغلق الطنجرة.
ذلك ما يريده أخي.
الأم: وصية ابيك وأخوك يحرص على تنفيذها..

(تذهب الأم إلى النافذة ثم تعود مرتبكة)

الأم: إلى غرفتك..لقد عاد أخوك..
رملة :بطريدة؟
الأم: اخرسي..إلى غرفتك.

(تهرع الفتاة إلى غرفتها والأم إلى المطبخ
يدخل الأخ وخلفه شاب وسيم يحمل حقيبة ظهر)

الأخ: (منادياً) أمي..لنا ضيف هذه الليلة.
الأم: (تعود إلى الصالة. تصافح الشاب و تقلبه) مرحبا..مرحبا..
الشاب: (متحرجا) عفواً سيدتي..لقد فاجأني الليل ولم أعرف..
الأم: (مقاطعة) لا حرج..السماء قريبة من الأرض هنا، لذلك يجثم الليل علينا دون سابق إنذار
الأخ: ستنام عندنا هذه الليلة وغداً شأن آخر.
الشاب: لن أكون ثقيلاً عليكم..سأغادر باكرا.
الأم: لن تغادر..(يرمقها الأخ) لن تغادر قبل أن تستريح..سأعد لكما العشاء.
الشاب: لا..
الأخ: (مقاطعاً) هذه الغرفة للضيوف..يمكن أن تضع حقيبتك فيها ثم نتعشى

(يدخل الشاب الغرفة.
تظهر رملة و قد تزينت)

رملة :مهذب ولائق وخجول..
الأخ: (مفاجأً) عودي إلى غرفتك
الأم: هل كنت تتنصتين؟
رملة :كان صوته عذباً يستسلم له خشب الأبواب.
الأخ: اصمتي.
الأم: لا يجب أن يراك فقد تحكمين عليه بالموت.

(يرمق الأخ أمه بنظرة مهددة)

الأم: انها تعرف كل شيء..مثلها مثل السماء وجدران البيت..
رملة :دعوه يراني..ربما خفق قلبه لي..هل أنا قبيحة الى هذا الحد.
الأم: قلوب الرجال ليس لها قانون..انها كحجارة الجبل..أحيانا يعجز سيل جارف على أن يقلبها، وتدحرجها أحيانا قطرة ندى.
الأخ: (يرقب غرفة الشاب متوتراً) نحن لا نعرفه بعد..ربما كان تائها بدون قلب..أو ليس بشراً..قد يكون مجرماً هاربا من العدالة..(لأمه) اعطني سكيناً. (لرملة حازما) عودي إلى غرفتك وإنتظري أوامري.

(تهرع الفتاة إلى غرفتها.
تدخل الأم الى المطبخ وتعود بسكين يخبئه الأخ في ثيابه.
تدخل الأم المطبخ عدة مرات وتأتي بأطباق أكل تضعها على الطاولة.
تأخذ طبقاً وتمرره إلى بيت رملة.
يخرج الشاب وقد وضع ملابس خفيفة.)

الأم: (للشاب) تفضل..العشاء جاهز.

(يجلس الثلاثة الى الطاولة ويأكلون)

الشاب: بيتكم ناء جداً عن العمران.
الأخ: (متوتراً) هل يزعجك ذلك؟
الأم: هنا أكلُنا سليم وشرابُنا طاهر وهواؤنا نقي.
الشاب: لا أحب..كنت سأبدو كمن يسكن مقبرة.
الأخ: (منزعجاً) مقبرة؟
الأم: هل نحن أموات إذاً؟
الشاب: أبداً..لو كنتم أمواتاً لكانت رؤوسكم خضراء أو حمراء. (يضحك)

(ينظران إليه مندهشين)

الشاب: هكذا كانت تقول لي أمي..عندما يموت البشر تسير أجسادهم خضراء أو حمراء حسب أفعالهم في حياتهم. أما الخضراء فتنبت منها حقول غناءة وتسيل من شرايينها الأنهار العذبة، وأما الأجساد الحمراء فلا تنبت سوى الحجر والبراكين وماؤها أجاج. لكن هذه الأرض طيبة..أمواتها أيضا طيبون.
الأخ: هل كانت أمك مجنونة؟

(تركله الأم)

الشاب: ربما..ولكن عندما ماتت نبتت على قبرها خوخة..ثمارها حامضة بعض الشيء لكنها تروي..
الأم: هل ماتت؟ أنت يتيم إذن؟
الشاب: ماتت منذ ثلاث سنوات..لذلك لا يمكن أن أقول انني تيتّمْت..في مثل عمري يكون الموت مصيبة أو فاجعة أو حادثة لكنه ليس يتماً.
الأخ: (ملاحظاً تردد الشاب في الأكل) أنت لا تأكل بشهية. ألست جائعاً؟
الشاب: بلى بل، ولكنني نباتي..
الأخ: (بقرف) نباتي؟
الشاب: نباتي صرف.
الأم: ألا تأكلك سوى الخضراوات؟
الشاب: ذلك يكفي لتجديد القوى دون أن نستل سكاكيننا للفتك بالحيوانات البريئة ومن غير أن نلوث الطبيعة.
الأخ: لكنها ستفنى على كل حال، ومن الأفضل أن تستقر في بطني (يتحسس بطنه) وقد يساعد ذلك على تحديد نسلها عوض أن تغزونا.
الشاب: لكل فلسفته.
الأخ: لا وقت لنا للتفلسف..اننا نتبع ناموس الأجداد..وفي نواميسهم حِكَمً
ومعاني..هل كانت أمك من بلد بعيد؟
الشاب: أبداً. انها من هنا. لكنها لم تكن تاكل اللحم كثيرا لضيق الحال، لذلك لم يكن من الصعب علي التخلص منه مرة واحدة (للأم) السّلَطة لذيذة.
الأم: شكرا..لكنها لن تكفيك لساعة أو ساعتين (متأسفة) الجسد ينشط آخر الليل.

(ينهضون.
يجلس الأخ على الأريكة ويتبعه الشاب
تأخد الأم الصحون إلى المطبخ)

الشاب: (للأخ) أنت قلق.
الأخ: (مفاجأً) نعم..أبداً.
الشاب: لعلك تشتغل في الأرض.
الأخ: نعم..
الشاب: إذن أنت قلق..تفكر دائما في ما سيحدث غداً..هل ستمطر ويكون الموسم وفيرا أم تذهب ريح قوية بالصابة..هل ستتعفن الخضر بسبب حشرة مجهرية..هل ستكون في صحة جيدة لتحرث وتزرع وتسقي وتحصد..أم يذهب بعافيتك زكام لعين..هل سيستوردون..
الأخ: (مقاطعاً وقد ضاق ذرعاً) ربما..ربما..هي وجهة نظر..
الشاب: لذلك لن تتزوج..

(تعود الأم بفناجين القهوة)

الأم: من سيتزوج؟ لم يعرف هذا البيت زواجاً أو مأتما أبداً، لذلك بدأت جدرانه تتصدع..إن الفرح يطرّي النفوس وحتى الحجارة. أما الموت فيقوّي الأسس وركائز البيوت.
الشاب: (متشنجاً) بل إنه قد يسقط على رؤوسنا إن لم تسكتي.
(يتناولون القهوة)
الأم: ابني يشتغل منذ بزوغ الشمس حتى غروبها..العمل لا ينتهي هنا والأرض تفتح فمها دائما للمزيد حتى تبتلعنا.
الشاب: دعوها تستريح قليلا، فلن يتسبب ذلك في كارثة.
الأخ: لو كانت أرضاً بورا لاكتفينا بأن نجعلها تصير كل يوم أفضل وتشبعنا بما تجود به علينا..أما وهي ماهي فكلما تشققت يصيب الرأس صداع نصفي ، وكلما تكسر غصن في شجرة تألم عضو في الجسد.
الشاب: لا أطيق مثل هذه الحياة…أنتم تنامون إذن ورؤسكم مكتظة بما ستفعلون في الغد..كيف يمكن لكم أن تناموا؟
الأم: ألا تفكر في الغد؟
الشاب: أبداً…ولا في الأمس. أعيش أسير اللحظة الحاضرة. أعيشها بصدق واعطيها ما تستحق من طاقة حتى لا أُضيّع منها شيئاً حين تمضي وقد لا أوفي بكل ما تستحق..
الأم: سعداء هم من ينسون سريعاً.
الأخ: بل أغبياء وأنانيون هم من ينامون مرتاحي البال، شاغري العقول.. بلا حلم للغد. يعيشون من شقاء الآخرين ولا يتركون لهم سوى الفتات لأن لهم الوقت ليُعدّوا معاركهم ضدهم كما يجب، ويتحيلون على بساطتهم وحبهم للعمل.
الشاب: أبداً..أبداً..لا أفكر في شيء من هذا..ولا اخطط لحروب ضد البشر أو ضد طواحين الهواء..بل أعيش يومي كما لو كان الأخير، ولا أفكر في أن اكسب شيئاً. أملأ جسدي بما أراه وقد يشبعني ذلك. لا استحق لشيء كثير كي أحيا..
الأخ: لو كنت لا ترى سوى الخراب والحصى لترمّدت عيناك، وجف جسدك وخارت قواك و تخبطت في برازك.
الأم: (مهدئة الأخ) لا يستقر شيء على حال، حتى الشمس تشرق وتغيب. عندما تصير لك زوجة وأطفال لن تنام هادئ البال لأنهم لن يقتاتوا من الهواء..صحتك جيدة وعضلاتك مفتولة..لو تقدمت الى الجبل لتمنى أن تشقه فأسك ولو اقتربت من النهر لإشتهى أن تغرف مافيه. والأشجار لن تبخل عليك بثمارها لأن راحة يدك كريمة. أما امرأتك فستنتظرك كل يوم عند الباب لتمنحك نضارتها وتلبسك سرورها. وإن حرثتها بحب فإن أطفالك ستكون ثمارك الصالحة التي لن يشبعك شيء سواها.
الشاب: (مقهقهاً) بل أخاف أن استقر في مكان واحد فيترهل جسدي، ويستدير بطني، ويتبلّد عقلي، فتعافني زوجتي ويهرب مني أطفالي..
الأخ: الخوف..الخوف..الخوف..تخافون من التنفس ومن الأكل ومن الإرتباط وحتى من الحياة. تمنيتم لو لم تولدوا لكي لا تكون لكم مسؤوليات. ولانكم ولدتم رغم ارادتكم فإنكم تقضّون حياتكم في إحباط من وُلدوا بإرادتهم وفي دمائهم رائحة الأرض وغبارها، قمحها وشعيرها، زيتونها وتينها، خصها وفولها..يموتون على محراث، ديدنهم أن تستمر الحياة وأن لا ينقرض الإنسان..لقد رأيتكم في المدينة تلحسون الحيطان، وتتفننون في إذلال أجسادكم..تلعنون اجدادكم وتهينون تاريخكم وتأكلون دون شكر ما أشقى في حرثه وغرسه، وتحميره وسقيه وحصاده وفرزه وحمله الى السوق
الأم: (للشاب مندهشة لكلام ابنها) هل أنت منهم؟
الشاب: كلا يا سيدتي..كلا. فأنا لا آكل كثيراً ولا أتنفس كثيرا ولا أسبّ كثيراً.
الأم: الحمد لله..ما زال في البذرة أمل لكي تعطي ثمرة لذيذة. لو مددت يديك للتربة لجادت السماء بغيث نافع..ولو أهديت ابتسامتك لفتاة جميلة لرقصت الطيور بهجة على الأغصان..من يجود يجِدْ، ولن تعرف قلوبنا كم هي فقيرة حتى تملأ قلوب الآخرين.
الشاب: ربما..ربما
الأم: (للأخ) ألا ترى..ما زال هنالك أمل. ما زال هنالك أمل. (للشاب) ربما بقيت معنا أياماً لتنفض عنك غبار السفر.. فغباره يسد مسام الجسد، ويكدر الأفكار ويحرض علينا الكوابيس.
الشاب: أبقى هنا؟
الأخ: (حانقاً) ماله هنا؟ الشاب:
الشاب: لقد التقيتكم صدفة، وأنا سعيد بهذه الصدفة..أنتم كرماء وصالحون وتطفرون بالحياة..لكنني لن أكدر صدفة لقائنا بتخطيطات وبرامج وآمال وأحلام..غداً سأنهض باكرا..ذلك كل ما يقدر عقلي التخطيط له. وهو ليس في الحقيقة تخطيطاً بل حركة غريزية يتقنها جسدي منذ سنوات..
الأم: وإلى أين أنت ذاهب؟
الشاب: لا أعرف..ربما التقيت بأناس طيبين مثلكم وربما مت في العراء. وقد تصدمني سيارة، أو أتعثر في حجر ويخمد نفسي..من يعرف ما تحمل السماء..إن كانت شمساً حارقة تصهد الأجسام، أو مطراً جارفاً يأتي على الأخضر و اليابس، أو رعداً يرعب الأطفال والطيور..من يعرف..
الأخ: بل صاروا يعرفون ويتنبؤون ويتوقعون..
الشاب: لا أحد يعرف أثر الفراشة حين ترفّ أجنحتها..من سيسلَم ومن سيستسلم
الأخ: (يائساً) لا ينفع.
الأم: هنا الفراشات بألوان الورود والثمار وحتى العواطف..وهي مدجنة ومنصاعة.. وعندما تنفخ الريح ترتمي على صدورنا..سترى..لا أحد يستطيع أن يقاوم أثر الفراشة..لأنها زهور الأرض الطائرة..سترى وتسمع أناشيد الماء..سترى وتسمع وتتذوق الثمار في الهواء..وعندما تلمس جسد امرأتك في المساء تلمع ألف نجمة في السماء…سترى وتسمع وتتذوق وتلمس وحين تشتم رائحة أطفالك من بعيد يخفق قلبك في صدرك ويطول عمرك سنوات ..هنا روح الإنسان تحيا في كل شيء وفي كل مكان..
الشاب: لم أعد أومن بالجنة منذ أخرَجَنا منها آدم ورمانا في جحيم الأرض…
الأخ: لا ينفع..(ينهض الأخ) سأتفقد المواشي.

(يخرج.
يتأمل الشاب البيت)

الشاب: (للأم) بيتك جميل ومرتب..هل لك معينة منزلية..
الأم: (متلعثمة) كلا..بلى..لكنها في إجازة..
الشاب: (يمرر اصبعه على قطعة أثات ثم يتأمله) ليس منذ زمن بعيد إذن.
الأم: منذ هذا الصباح..لكنها لن تعود قبل مدة..قد مات أحد أقاربها..لن تقدر عجوز مثلي بمفردها على بيت كبير كهذا..
الشاب: ذلك هو جحيم الأرض..غبار وموت..(يضع يده على كتفها) لكنك مازلت بصحة جيدة..
الأم: (مبتعدة) الموت أعمى..إنه كالغبار..قد يحط على أجمل قطعة أثاث في البيت. يخرج روح صبية نشطة ليلة زفافها، ويعرض عن عجوز ضاق بحياته من كثرة الألم. فلنغرف ما أمكن من هذه الحياة قبل أن تُشلّ أيادينا وتتعطل حواسنا.
الشاب: أريد أن اغادر جسدي خفيفاً.

(يعود الأخ)

الشاب: هل هي بخير..قصدت الماشية.
الأخ: انها تجرش وتفكر في أكلة الغد..
الشاب: عند الأكل يلتقي الإنسان بالحيوان..
الأخ: (لأمه جانبا) ألا يستحي..
الشاب: يجب أن أنام..فأنا أنهض باكرا.
الأم: ألن تبقى؟
الأخ: لا ينفع
الشاب: (واضعاً يده على كتف الأم مرة اخرى) من يدري..يجب أن أنهض أولاً..
الأم: (للأخ بصوت خافت) ألا ترى..ما زال هنالك أمل.(للشاب) غرفتك مرتبة..معذرة إن كانت صغيرة بعض الشيء..لكن البيت يمكن توسيعه..قد نقوم بذلك في السنين القادمة..نحن نخطط دائما..إننا بشر ولا نستطيع منع أنفسنا عن ذلك. ونسعد عندما نتقاسم خطتنا مع من نحب ويرثون بعض ما نصنع بأيامنا..
الشاب: ربما لم أكن من البشر..ذلك ما جناه علي أبي..ولن اجني على أحد..
الأخ: لا ينفع..
الأم: (للشاب) الحمام هنالك..

(تأخذه إلى الحمام ثم تعود إلى الأخ وهو يردد: لا ينفع..لا ينفع.
يعود الشاب.)

الشاب: تصبحان على خير. لاتحرجا أنفسكما في الصباح..سأغادر دون ضجيج..لن استحق لشيء..يكفي ما ازعجتكم.
الأم: بل سأكون مستيقظة..لا بد أن أقوم بواجب الضيافة..

(يذهب الشاب إلى غرفة نومه.
تخرج رملة على أطراف الأصابع.
ينتبه إليها الأخ)

أنت؟ ماذا تفعلين..
الأخ: كنت استحم في البئر..
(كابحاً غضبه) اصمتي.
الأخ: (تجلس على كرسي حالمة) ياله من شاب متفرد.
الأم: لا تطمعي..لن يبقى.
رملة: قال من يدري..من يدري إن رآني..ربما تبدل
الأم: إنه حصان جامح
رملة: ليس من حصان لا يمكن ترويضه.
الأخ: لن ينفع..يداه طريتان.
رملة: هي أنفع للمرأة في الليل من خشونة الحصى.

(يهم الأخ بصفعها فتمنعه أمها)

الأم: (لرملة) وقحة.
رملة: سأتزوجه..
الأم: (متلطفة) قال لن يبقى..
رملة: سأتبعه..وليحملني أنى شاء.
الأخ: انه لا يقدر حتى على حمل ذكرياته..
رملة: أنا أخفّ من الذكرى.
الأم: أخوك في حاجة لمن يساعده..
رملة: فليتزوج..فليتزوج رجلا..(يرميها بحذائه. تهرب) لا بد أن يراني..
الأخ: لست مستعداً لقتل رجل آخر..
رملة: لكنك قتلت..ومازالت البئر عميقة..
الأخ: تلك وصية أبي ولن أحيد عنها..من رآك يتزوجك..
الأم: (شبه حالمة) إنه فتى يافع لا يستحق الموت..
رملة: بل سأهبه الحياة..
الأخ: لن يتم ذلك إلا بشروطي..
رملة: تريد رجلا يحرث أرضك وأريد رجلا يحرث جسدي.
الأم: استحي..أخوك يعرف مصلحتك..من سيعيل أطفالك..من أين ستأكلين..هذه الأرض قدرنا الذي لا نستطيع أن نهرب منه..ما زال في الطريق رجال.
رملة: قد تمتلئ البئر قبل أن تعثروا على دابة مطيعة.
الأخ: وقد ألقي بك فيها قبل أن تطيشي
رملة: (متهكمة) لا أحب معاشرة الجيفة..
الأخ: لا ينفع الحديث معك وقد لا ترين الصباح..
الأم: (للأخ) إهدأ، فقد نجد حلاً.
رملة: ليس من حل سوى أن يراني..سئمت الحياة في هذا البيت..ليحملني ولو بضع خطوات ثم ليرميني للكلاب..ذلك أفضل من الإنتظار..
الأخ: لن تغادري هذا البيت..فيه تعيشين وفيه تتزوجين وفيه تلدين وفيه تموتين.
رملة: تزوجني أنت إذن..ولو أنك حمار لا يصلح إلا للنهيق.

(يرتمي عليها الأخ ويجرها إلى غرفتها)

الأم: (تلطم وجهها) تجاوزت الحدود..سأرمي بنفسي في البئر..

(يعود الأخ)

الأخ: سأقتلها
الأم: ليس قبل أن يغادر ذلك الأحمق.

(صمت)

الأم: سأُعدّ الحليب.

(تذهب الأم الى المطبخ.
يدخل الأخ الى الحمام ثم الى غرفته.
تعود الأم بكأسي حليب على طبق. تضع فيها بعض العسل. تعود الى المطبخ.
تخرج رملة وفي يدها قنينة.
تضع بسرعة بعض القطرات في الحليب ثم تعود إلى غرفتها.
تعود الأم.
يعود الأخ.
يجلسان ويشربان الحليب صامتين.
ينامان في مكانهيما الواحد تلو الآخر.)

ظلام قصير

(نفس المشهد.
الأم والأخ ملقيان على الأريكة، جثتان هامدتان.
تدخل رملة بحمالة نقل بعجلات.
تدحرج جسد الأم وتضعه فوقها. تجره خارج البيت. بعد لحظات يسمع صوت سقوط رهيب.
تعود وتفعل نفس الشيء بجثة الأخ.
تعود وتقف وسط المسرح..)

رملة: (تنفض يديها) بئر عميقة جدا، مازال فيها متسع للخطيئة..ما كان أخي ليرضى أن أتزوج وهو عازب..ولربما كانت أمي تخشى زواجي أكثر من أخي.. فالحَجَر أم السيئات.

(تغيب في غرفتها ثم تخرج في فستان زفاف أبيض. تتوجه نحو مرآة وتسوي شعرها. تعود الى الغرفة.
يخرج الشاب ويدخل الحمام.
تخرج رملة وتضع بعض الماكياج على وجهها وقد صارت تشبه كثيرا أمها.
إبتداء من الآن يمكن للأم أن تقوم بدور رملة والعكس بالعكس. كذلك بالنسبة للشاب والأخ.
تتواصل لعبة الدخول والخروح عدة مرات حتى يصطدمان ويسقطان.

الشاب: (ينهض) عفوا..عفواً سيدتى (يقترب من رملة ثم يهرب فزعاً) من..انت؟ (يعاود الإقتراب منها ) هل أنت بخير (يبتعد مرتابا) أين أنا؟

(تنهض رملة. تسوي فستانها ثم تذهب الى المرآة وتسوي شعرها، بينما يظل الشاب يرقب حركاتها مذهولاً.
تعود رملة وتجلس وسط الأريكة كعروس)

رملة: ما لك ترتعد..هل أخفتك؟
الشاب: كلا..بلى..لست أدري..من أنت؟ تشبهين كثيرا..
رملة: من؟
الشاب: (متلعثماً) أبداً..أبداً..ربما اختلطت علي الأمور..لكن السيدة العجوز نائمة..وأنت شابة..لا أتذكر شيئاً..لا أحب التذكر..نسيت كل شيء ما إن أغمضت عيني..ثم نهضت باكرا..انها عادة عندي لا أكثر..لكنك هنا..ربما كنت أحلم..(يضرب خديه) أو قد أكون صحوت أبكر من اللزوم..قبل أن يكتمل حلمي..الأحلام تصير كوابيس إن بُترت..(يجلس في طرف الأريكة مرتابا) عفواً سيدتي..سأنام مجدداً..
رملة: (آمرة) لا تفعل..
الشاب: بلى.بلى..ادخلي في حلمي كما تشائين بعد ذلك فلن أكون مسؤولاً عنها.

(ينام ويشخر)

رملة: (حزينة) عدتَ إلى كهفك..تريدني أن أرتب أمورك وأنت نائم ثم تفيق وتنكر كل شيء..بعض الرجال تظنهم رجالا وهم فزاعات طيور. يتوهمون أنهم يحرسون المعبد لكنهم لا يأبهون بما يدور حولهم..وإن أُفرغ المعبد من كل رموزه وصلواته..وعندما يكتشفون فشلهم يهدمونه على من فيه. (تقلده بتهكم) ادخلي في حلمي..سأفعل..

(ترتمي عليه وتقبله دون أن يبدي حراكاً.
رملة: عندما تبتعد يفتح ذراعيه وكأنه يريد أن يحتضنها.
تلمحه فتعود إليه مسرعة لكنه يطبق ذراعيه على المخدة.)

رملة: (مبتعدة) خطان مستويان لا يلتقيان..(تجلس) خمسون بالمئة من العاشقين يطلقون..وأربعون بالمئة يواصلون الحياة لمنفعة أو لمصلحة أو لخوف.. والبقية ينتحرون حبًّا..جمًّا..الرجال لا ينصتون للمرأة الا وهم نائمون أو موتى..أما هذا الكركدن فهو أصم حتى وهو نائم.(تركله) لعله يحسبني الآن أمي..أو أمه..لم يستمع الي في غرفتي اناجيه وأشتهيه. كان يسدّ انفة كلما اقتربتْ منه رائحتي..لم يقشعر جسده وأنا أتشرب كلماته..لم يسرح وأنا أضمه كأغلى حبيب..(تنظر إليه حزينة) لكم انتظرتك..كانت أمي تقول لي: لا تيأسي..سيأتي من يشتم رائحتك من عشر كيلومترات.عمّري قلبك بالحب ..اقرئي..اقرئي..

(تدخل غرفتها وتعود برزمة كتب)

رملة: قرأت كل الكتب التي ابتلعتها أمي مع أبي قبل أن يلدانا..لم يتعلما شيئاً..تحولا الى صخرتين لا تدرّان سوى البغضاء..(تقلب الكتب وترمي بها على الشاب) طوق الحمامة في الألفة والألاف..أوفيد: فن الحب..سيمون دي بوفار..الكتاب الكبير للأشياء الصغيرة..غادة السمان..روزا لوكسنبورغ، أحلام مستغانمي.. نوال السعداوي (للشاب) ألا تفيق؟ لو كنت جبلا لحّولتْك كلماتي إلى نهر صاخب..

(تدخل غرفتها وتغلقها.
يستفيق الشاب شيئاً فشيئاً.)

الشاب: (ينظر حوله متكاسلاً) هل نمت في الصالون؟ أو لعلني سرنمت..يا للعار..(يتأمل الكتب) يقرؤن كثيراً..لا شك أنهم تعساء..(يجمع الكتب ويضعها في ركن..ينظر عبر النافذة) لقد طلع النهار منذ ساعات..ياله من كابوس..جميل..(يجلس متذكرا) تلك العجوز..شابة..في ثوب عرس أبيض..لعلني تكشفت على قلبها الكريم..وذلك الشاب..لم أره في منامي..لكنه شهم.. وإن كان غليظاً بعض الشيء..أين هما الآن؟

(يطرق أبواب الغرف )

الشاب: (مناديا عبر النافذة) هل من أحد.. لعلهم في الحقل..يحرثان ويسقيان..لهما واجبات يومية لا تنتظر..يعمران للأجيال القادمة..أما أنا فمجرد نبتة طفيلية بالنسبة اليهما.. حشرة تدهس بأسفل القدم دون أن يؤثر ذلك على دوران الأرض.. لا يهم..ذلك طريقي.سأمضي فيه دون ندم..ربما كنت حشرة لكن الحشرات أيضاً نافعة لتوازن الكون..أما السيدة فقد كانت كريمة.. وجميلة..بيتها مرتب وطعامها لذيذ..زارتني في منامي..لكنها لا تذكّرني بشيء..فأمي كانت هاملة، مهملة، وسخة..ليس لها بيت وليست لها كتب..وأنا مجرد لقيط.. لكنها طيبة..قالت لي ابحث عن ابيك..فقد يكون لك في شجرة نسبه دم يملأ عروقك التي لم تأخذ مني سوى ماء ملوثٍ.. ها أنا ابحث عنه..عرَضاً..فهو لا يستحق عناءً كبيرا..من تركني لا يستحق أن أجري خلفه.(يمسك برأسه) رأسي يوجعني..كفى تذكراً هذا اليوم..(يتحسس جسده ويخاطبه) لقد اعطيتك نصيب شهر من الذكريات، فلتجترها الآن دون أن تفزعني..(ينظر حوله) أين ذابا..(يذهب إلى النافذة وينادي) يا أهل البيت..هيه..(يعود) لقد تبخرا..الأرض لا ترحم، لذلك أمشي خفيفا كي لا تبتلعني..وستفعل ذات يوم.

(يدخل المطبخ.
تخرج رملة في ثوب جميل مزركش.
تنظر إلى الأريكة.)

رملة: (لنفسها) هل رحل؟

(يخرج الشاب من المطبخ يحمل طبقا بين يديه. يتفطن إلى وجود رملة فيُسقط الطبق..

(تهرع إليه رملة.)

الشاب: (مرتبكاً) عفواً سيدتي..آنستي..
رملة: لا بأس..(تتقدم منه.. تصافحه وتقبله على خديه)
الشاب:(يجلس منهارا) أنت لست العجوز..فقد أكون دفنتها في حلمي..ولست الخادم، فهي في إجازة. ولست الإبن، فهو فظ غليظ..إذاً من أنت..
رملة: رملة..رملة..أنت لا تذكرني طبعاً.
الشاب: طبعاً.
رملة: لم ترني أبداً.
الشاب: أبداً..
رملة: وقد حلمتَ بالعجوز في فستان عرس أبيض..
الشاب: (هائماً) لم تكن حقاً عجوزاً..حلم جميل..(منتبها) كيف عرفت؟
رملة: لا تأكل اللحوم..
الشاب: نباتي..كيف عرفت؟
رملة: ولا تتذكر.
الشاب: يُتعِبني ذلك..كيف عرفت؟
رملة: ولا تخطط.
الشاب: أمر تافه..كيف عرفت؟
رملة: أمك هاملة ومهملة ووسخة.
الشاب: لكنها طيبة..كيف عرفت؟
رملة: وأبوك نذل وفاسق.
الشاب: ربما، لم أعرفه..ولكن من أنت؟
رملة: (ترميه بكأس ماء) أَفقْ..
الشاب: (منتفضاً) لكنني لم أعد أعرف إن كنت صاحيا أو نائما..هذا البيت غريب..لكأنه بيت أشباح..أين..وأين..ولماذا نمت في الصالة..وأنت من تكونين وكيف عرفت كل هذه الأشياء عني.
رملة: كنت اتنصت اليكم في غرفتي (تشير إلى غرفتها) لقد حبسوني لكي لا أراك..
الشاب: من؟
رملة: أمي وأخي..
الشاب: هما إذاً ليسا هلوسة أو تهويم خيال.وهذا البيت حقيقي..وقد أتيت إليه صدفة..
رملة: بل كان كميناً، وأنت هنا لتتزوجني أو تُرمى في البئر بعد أن يجرعونك السم..أما الآن وقد رأيتني..
الشاب: (يضع يديه على عينيه) لم أر شيئاً.أنا أعمى..

(ينهض ويتحسس طريقة إلى رواق الخروج.
تهرع خلفه رملة.)

رملة: إجلس ولنتفهام.
الشاب: أريد محاميا..لا يمكن لك أن تحاكميني هكذا..
رملة: لقد أنقذتُ حياتك..وأنت الآن مدان لي..
الشاب: بماذا أدين لإمراة لا أعرفها..
رملة: بالحب..
الشاب: الحب أو الموت..هل تمزحين..لن أنافقك، فلم أخطط لا البارحة ولا هذا الصباح لا للحب ولا للموت.
رملة: هل لا بد من خطوط العرض والطول والدوائر والمثلثات ونقط التعجب والإستفهام والفواصل ليلتقي رجل وإمرأة..
الشاب: التقت أمي أبي في حانة فكنت أنا..لست ذميماً كما ترين، لكنني لست سعيداً..لا فرق بين بيتك وحانة الميناء..لحظة غفلة ويهتز توازن العالم ويُخرج من احشائه لقيطاً مثلي لا ينفع في شيء..
رملة: ربما ندمَتْ الطبيعة فأرادت إصلاح الأمور..
الشاب: لن يكون سوى ترقيع آخر..انها ترقعني منذ ولدت وقد بَلِيَتْ جلدتي الشاب: ولم تعد تطيق وخز الإبر..لذلك أهيم في الأرض علها تسقط مني..
رملة: لستَ أفعى
الشاب: من أدراك؟
رملة: إذن فلنقضم التفاحة.

(تقترب منه)

الشاب:) يبعدها) لا أخشى الخطيئة، لكن كل شيء بميزان عندي
رملة: وهل تزن كل شيء؟
الشاب: وقد لا أسلم.
رملة: لماذا الخوف؟
الشاب: بل لعلها الريبة..أنا نباتي كما تعلمين من تنصتك الشرير.. لن أموت إذا ما أكلتُ قطعة لحم، لكنني سأتعذب كثيرا..وقد تتعاطفين معي وتواسينني طويلا..لكنها لن تكون سوى شفقة تعذبني وتعطلني.
رملة: ربما صرت نباتية مثلك وآكل قطعة اللحم لأحس بما تحس وأتألم كما تتألم..
الشاب: عطاؤك أيضاً قد يشقيني..من يُعطى لا بد أن يعطي، وقد أكون عاجزاً عن ذلك، فتنضب بئر عطائك وتشقين بدورك.
رملة: بئري عميقة ومتصلة بنهر جارف..إتبع حدسك فقد نكون لبعضنا شفاء.
الشاب: (مهتاجاً) لست مريضا..ثم توقفي عن معاملتي كما لو كنت طفلا..يرهقني ذلك..لا أريد أن اشرب من حليبك ولا أن آكل من يديك..
رملة: (وقد نفذ صبرها) إذن فلتحسم أمرك..
الشاب: هكذا بدون تفكير مسبق..تريدين أن تدخلي حياتي وتعششي في معادلاتي دون إذن..

(صمت)

الشاب: لم أعرف من النساء سوى امرأتين، أمي وصبرة. أما أمي فقد أحبتني ما استطاعت لكنها لم تملأني. وأما صبرة فقد كانت النافذة التي أردت أن أدخل منها إلى العالم، لكنها تركتني عندما اكتشفنا أن عقلي من طين لين وعقلها من بلور قاطع.
رملة: هل عجنتك ثم بعثرتك؟
الشاب: بل ولجنا البحر ولم نكن نحسن السباحة، فكادت أن تغرق في دوامة.. كنت بعيدا عنها بضعة أمتار، فلم افقد هدوئي وهرعت إلى الشاطئ ابحث عن منقذ أو حبل أمده لها. لقد نجحت في تخطيطي وانقذتها. لكنها عندما استعادت انفاسها غضبت. فقد كانت تتمنى لو لم ابتعد عنها وغامرتُ لنجدتها حتى ولو متنا معا..ربما كانت تؤمن بالسمسرا والنيرفانا..واشتهت موتنا في تلك اللحظة..لكنني لم أكن مستعدا، ولم أؤمن يوماً بتناسخ الأرواح..
رملة: ربما كان ميزانك مُعَيّرا للخضراوات وأكياس الشعير، وحساسيته لا تزن أوقيات الذهب والمعادن النادرة..
الشاب: الندرة سبب الحروب .

(صمت حتى يكادا ينامان.
تقف رملة وتضع راحة يدها على جبينه)

رملة: بارد كالخيبة..
الشاب: كان أبي شبقاً لكنه لم يخلّف سوى الرماد..
رملة: وكانت أمي عاشقة وها أنا متسولة.
الشاب: هذا الزمن لم يعد زمن حب..لقد أتيتِ متأخرة ولست ساحرا لأعيدك إلى زمان جميل وبثينة، وقيس وليلى أو روميو وجولييت. لربما كان احتضانك لحجر أفضل لك مني، وانني سأعيش أتامل النجوم في السماء حتى لا تسقط السماء على رأسي..هكذا نحن نعيش في المدينة منذ زمن..نجلس متباعدين مترين أو ثلاثة، خوفاً من السيدا والكورونا او الإيبولا وحمى الخنازير والبقر والخفافيش والنشالين..لكل حَجَره ولكل نجمته.
رملة: انتظرتك طويلاً.
الشاب: وصلتك صدفة..بل ضحية كمين.
رملة: دعني اتبعك..لن اقترب منك كثيراً..لم أتعلم المشي وحدي..رائحتك ستحرك خطواتي.
الشاب: وبعد أن تتعلمي الطيران، تحلقين في الفضاء وتلقين علي بذرقك .
رملة: (حزينة) يقولون وراء كل رجل عظيم إمرأة، لكنني عندما أنظر خلفي لا أرى سوى الربع الخالي..
الشاب: تبحثين عمن يسندك، لكنني لا أنفع..جسدي مائل إلى السقوط.

(يأخذ حقيبته ويهم بالخروج.
تدفعه فيسقط على الأريكة)

رملة: (ببرودة) هل ترحل؟
الشاب: وهل لي من إختيار.
رملة: قتلتُ من أجلك، وقد صرت الآن وحيدة.
الشاب: تسرّعتِ.
رملة: كانوا سيقتلونك.
الشاب: إن رأيتك..ولم أكن ارغب في ذلك. قامرتِ وخسرتِ..ربما كان عليك أن تموتي مكاني.
رملة: كنت كنزَ حربهم.
الشاب: قد أعود ما إن أشفي غليلي..أقسمت على ذلك منذ وعيت الحياة. لا بد أن أجده..حياً أو ميتاً. لا أدري إن كنت سأحضنه أو أصفعه إن كان حياً..أبوس ثرى قبره أو أتبول عليه إن كان ميتاً..
رملة: كلنا يبحث عن أب..خذني معك.
الشاب: أنا ثقيل بما فيه الكفاية، ولا أدري أين اذهب. لا أملك سوى صورة قديمة له اعطتني اياها أمي، وقد سرقتها منه وهو يشخر بعد أن ضاجعها.

(يخرج الصورة من محفظة في الحقيبة وقد لفها عدة مرات في البلاستيك..يتأملها. تحاول رملة أن تفتكها لكنه ينجح في أن يعيدها الى الحقيبة.)

الشاب: لماذا لم تحاولي الهرب؟
رملة: من يترك بيتاً دافئاً لينطلق إلى المجهول.
الشاب: تركت كل شيء لأجل أن أعرفه.
رملة: أنت رجل.
الشاب: لم يترك لي ابي من الرجولة سوى مكان للشاربين..عشت انتظره كئيباً فنفرني أترابي وزادت هموم أمي..لم ينفعني ما تعلمت، بل ضاعف حزني..لم أعاشر إمرأة قط خشية أن أعاود جريمة أبي.
رملة: نعيش في الخوف ولذلك فنحن لا نعيش.
الشاب: يقولون أيضاً في التأني السلامة وفي العجلة الندامة. ثم انني لا أخاف، لكنني لا أغامر..كان أبي مغامرا فكبرت متعثراً في خطواته..بل أسأل نفسي أحيانا إن كنت سيد دربي.. ما الذي أتى بي إلى هنا..أقول الصدفة..لكنه قد يكون قدري.. قدري أن أراك وقدري أن أُختبر..لذلك فأنا أقاوم..أقاومك بما استطعت، فاسلحتي خفيفة..خفيفة جداً..وليس لي من خيار سوى أن تبتلعني البئر..أو أن أحيا معلولا إن تبعتك..لكن الأرض سترمي بشررها إن صاحبتك، وأبواب جهنم ستفتح شدقيها إن آنستك.
رملة: وقد أعيدك إلى الجنة إن رافقتك.
الشاب: لقد طردنا منها وأُوصِدت أبوابُها خلفنا الى الأبد، واننا على هذه الأرض ثمارها وسمادها.
رملة: لكأن في دمك كل ذنوب الأجداد..لا أشعر بأي ذنب. دمي نقي وطاهر..وأنا الآن خفيفة كريشة..أحلق أينما أشاء (تجرب الطيران) ألا ترى كيف أطير..(تسقط ثم تنهض) بل سأتعلم..تعالى ساعدني كي أطفو على الهواء..

(يقترب منها يائساً.
يمسك بحزامها.
تحاول أن تطير عدة مرات..ترتفع قليلا على الأرض ثم تسقط.)

الشاب: (مبتعداً) ألا ترين..لا أصلح لشيء.
رملة: بلى..بلى..لقد ارتفعت قليلاً..لكأنك خلصتني من جاذبية الأرض للحظات..انها البداية..وغداً نطير معاً.
الشاب: ليس هنالك من غد..أنت مجنونة..
رملة: لكنك لن تفلت من جنوني..

(يصمتان حزينين)

رملة: لو كان للمرأة أن تختار حبيبها لاختارته نائما ..فالرجال ملائكة عندما ينامون.
الشاب: بل سأختارها ميتة.بشرط ألا تتعفن
رملة: يمكنك أن تحنطّها
الشاب: لا أملك المعرفة.
رملة: تعلّم.
الشاب: أكره التعلم والحفظ والتركيز..هل تتعلم الدواب، ومع ذلك تبدو سعيدة..أنا دابة

(يمشي على أربع.
تركب رملة ظهره..
ينبح.)

رملة: سأعتني بكلبي.(يموء) سأدلل قطي.. (ينهق) وسأضرب حماري ضربا خفيفاً.

(ينهض فجأة ويسقطها)

الشاب: بل إجلديني
رملة: يبدو أنه لا خيار لي

(تأخذ حزاما وتجري خلفه)

الشاب: (صارخاً) توقفي..لن تسعد إمرأة مع نصف رجل.
رملة: هل أنت مخنث؟
الشاب: أبداً..لكن نصف الرجال أنصاف رجال..
رملة: وأغلب النساء لا نساء..
الشاب: ألا ترين..كأنه محكوم علينا ألا نلتقي من قبل أن نلتقي..كلما أدخلتك من ثقب في روحي خرجت من ثقب آخر..
رملة: ما أكثر ثقوبك…لكأنك قادم من حرب..

(صمت)

الشاب: لا أملك شيئاً كثيرا..لكن ما أملكه يكفيني..ولن أفرط فيه ولو من اجل صدفة مغرية..
رملة: ستظل كذلك الحمار الذي بقي أشهرا لم يأكل ولم يشرب، وعندما قدموا له التبن والماء إحتار بماذا يبدا، حتى مات.
الشاب: لست ذلك الحمار..فقد اخترت الموت دون التبن والماء.

(صمت طويل)

الشاب: (حازما) هل عندك مسدسات؟
رملة: ماذا ستفعل بها؟
الشاب: لنتبارز حتى الموت.. تقفين هناك

(يأخذها إلى آخر الصالة فتستغل قربه لتحضنه لكنه يتركها ويبتعد)

الشاب: سأقف بعيداً عنك عشرة أمتار، ثم نطلق الرصاص..طلقتان لكل واحد و ينتهي الأمر..طف..طف..طف..تموتين أو تحيين بعدي.
رملة: ليس لنا من شرف نثأر له..ثم ليس هنالك من حكم ليشهد أنك لن تغش..
الشاب: (يقبض عليها من رقبتها ويرجها منفعلا) أغش؟..أغش؟ هل أغشك لأحيا..بل أنت من تغشين..تقومين بذلك منذ البداية.. قتلتِ لأجل أن تحيين..
رملة: (ببرودة) من قال؟
الشاب: (متشككا) أنت..لقد اعترفتِ منذ حين..
رملة: (تمسك بخناقه) هل اعترف بجريمة لرجل مثلك؟
الشاب:(يفك نفسه..متلعثما) أمك وأخوك..
رملة: لم يوجدا الا في رأسك.
الشاب: (يجلس ويمسك برأسه) أكاد أجن.
رملة: هل من جريمة بدون جثة؟
الشاب: (مذهولاً) لا..
رملة: وهل يقدر جسدي الضعيف على إجترار جثة، بل جثتتن؟
الشاب: لا..
رملة: ثم أنك لم تسمع طلقات رصاص..
الشاب: لا..
رملة: ولا صياحاً ولا عراكاً ولا أصوات سقوط رؤوس.
الشاب: أبداً..
رملة: إذاً أنت مجنون أو محموم..(تضع كفها على جبينه) أو أنك تحلم.
الشاب: (منتفضاً) مرة أخرى..
رملة: أو لعلك لست هنا.
الشاب: (يتحسس جسده وأثاث البيت) هذا جسدي أليس كذلك..
رملة: جسد بدون روح
الشاب: أنت ماكرة.
رملة: بل لقد تبارزنا وانتهينا.
الشاب: معاً؟
رملة: إلى الأبد.
الشاب: (يتحسس جسده) بدون ثقوب؟
رملة: صوّبتُ بين عينيك..
الشاب: لكنني أرى
رملة: من ثقب آخر..لذلك لا ترى ما ترى..
الشاب: وأنت؟
رملة: صوّبْتَ في صدري وحرمتني من أنوثتي.
الشاب: لستِ في حاجة إليها وأنت ميتة.
رملة: أنت أحمق حياً وميتاً..من أين سأرضعك.
الشاب: أليس من بقر..
رملة: الحمقى والبقر يجيفون بعد الموت.
الشاب: ألا يجري ذلك على النساء؟
رملة: بل هن خالدات..
الشاب: كم أنت متواضعة.
رملة: اننا نعيش ميتات ونموت حيات..(تقترب منه وتتتشمه ) رائحتك نتنة.
الشاب: هل أشفى؟
رملة: لا يعطّر جسد الرجل الميت سوى ما أَحبّ في حياته..
الشاب: أعيديني إلى الحياة إذن..فقد أحبك.
رملة: حقاً؟
الشاب: إقتلعي هاتين الرصاصتين من عيني..
رملة: ورصاصتي
الشاب: سأفعل..
رملة: إبدأ..
الشاب: بل ابدئي أنت فقد تغدرين.
رملة: بداية جيدة للحب..سنسوي الأمر معاً..
الشاب: فكرة جيدة.

(يقتربان من بعضهما. تمرر أصابعها على عينيه ويمرر يديه على جسدها. يقتربان ويبتعدان. يرقصان. ينهكان فيسقطان. يتحسس عينيه وتتحسس صدرها.)

رملة: (تنهض) هل عدنا؟
الشاب: بعين واحدة..
رملة: وثدي يتيم
الشاب: هل سنعيش مشوهين؟
رملة: كأغلب البشر.
الشاب: لن احتمل..لن أراك بعين واحدة..أو ربما لم أر فيك سوى الجزء المشوه..أو الجزء المكتمل..أنت تغشين دائما.
رملة: سأكون حزينة بما يكفي لتثق بي، لأنني سأرضعك بثدي واحد..
الشاب: قد لا يكفيني..وقد أتقاسمه مع أطفالك.
رملة: عندي عصائر الدنيا.
الشاب: هل هي لذيذة؟
رملة: جرّب.
الشاب: لا تخلطيه بحليبك.
رملة: وهل أفعل..

(تجري إلى المطبخ.
يسمع صوت خلاّط.
تعود بطبق عليه كأس واحدة.
تضع الطبق على الطاولة. تأخذ قنينة السم وتصب في الكأس قطرات.
تضع أمامه الطبق.
يهم بأخذ الكأس فتفتكه منه.)

رملة: إنتظر..ما هكذا يشرب العصير..
الشاب: وهل هو إلا عصير
رملة: أعدّته يداي..
الشاب: بل الخلاّط.
رملة: (يائسة) خذه إذن.
الشاب: (آسفاً) لا أعرف كيف أدللك..لم أتعلم ذلك..
رملة: (تجذب الكأس) لم يفت الأوان..
الشاب: لو كنتِ أرضاً أحرثها لطمعت في خيرك..أما وأنت انسانة فانية مثلي، فقد تغورين قبل أن أشبع منك.
رملة: (بخيبة أمل) ألا بد من التخمة؟
الشاب: كلّي فراغ لن تقدر أن تملأه إمرأة واحدة.
رملة: ربما جلبت لك نساء أخريات..
الشاب: أنت كريمة.
رملة: (تدفع إليه الكأس) فالتملأ بطنك بالعصير أولا، وسأفكر في حشو الباقي..
الشاب: (يترشف العصير) لذيذ..
رملة: لا تغتر..فالنساء عذبات في البداية وبقرات حتى قبل النهاية..

(يرتخي جسده يسقط على الكنبة.
تحركه ولا يستجيب)

رملة: مات قبل أن يحيا.

(تنظر حولها..تلمح الحقيبة..تفتحها وتخرج الصورة..تتأملها..تهرع إلى درج في الخزانة وتخرج ألبوم صور وتتصفحه. تتوقف عند صفحة وتقارن الصور..تجري الى الشاب مذعورة.)

رملة: (تحركه ببرودة) أخي..(تتأكد من موته. تنفض يديه) قد أكون عرفت جيداً وجه أخي وها انني أتكشف الآن على قفاه.
تخرج وتعود بالحمالة. تدحرجه وتضعه عليها. تغيب ثم تعود. يسمع في الأثناء صوت سقوط ثقيل.
تدخل غرفتها ثم تخرج في فستان آخر جميل، تجر حقيبة صغيرة.

رملة: قد يتجدد الدم في الجسد، لكنه لا يتغير. وقد ملأوا جسدي بدمائهم حتى فاضت من عيني..لا يستحم المرء في نفس النهر مرتين، لكنه يتعفن في دمه.. كان أبي يحب البحر، لذلك سماني رملة. يغمرني الموج ثم يعبرني مصفى نظيفا ويمتد إلى قاع الأرض، ولا تبقى لي منه سوى اوساخه وعقده..ذلك ما انتظره من البحر كلما هاج..أوساخ أوساخ..تلطخ جسدي وتستفز روحي..سأقصد البحر وأحاسبه قبل أن أسير مستنقعاً نتنا.

(تخرج تجر حقيبتها.
تسمع صرخة حادة.)

ستار.

شاهد أيضاً

رحلة طائر الكاتبة
خلود الشاوي

ذاتَ يومٍ خرجَ طائرٌ عن سربِهِ لأنه كان منزعجا من قوانينِهِ الصارمةِ ،راحَ يُرفرفُ مسرورا …

لوحة ذالك الفلاح الذي اختار التحليق
محمد محجوبي / الجزائر

بين السمرة التي رسمت ملامح الفصول وبين وهج الطين الذي حفظ أنفاس الرجل تشابهت أوراق …

في ذكرى وفاة ميّ زيادة
كم مثلك يا ميّ من تخشى أن تبوح بأسرار قلبها
فراس حج محمد/ فلسطين

{الكلمة التي لا تموت تختبئ في قلوبنا، وكلما حاولنا أن نلفظها تبدلت أصواتنا، كأن الهواء …

تعليق واحد

  1. صالح الرزوق

    مع ان المسرحية طويلة على جلسة واحدة. لكن قرأتها بنفس واحد،
    رشيقة و دافئة وواضحة. و لا تخلو من اشارات جديدة لجدل الحياة و الموت..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *