علي الامارة: قراءة في ديوان جواد الحطاب .. اكليل موسيقى (ملف/53)

إشارة :
ببساطة .. لإحساس عميق وقناعة راسخة لدى أسرة موقع الناقد العراقي بأن الشاعر المبدع “جواد الحطاب” هو “ظاهرة” فذّة في الشعر العراقي المعاصر لا يمكن إلّا الوقوف عندها طويلا وتأملها ودراستها بعمق ، تفتتح أسرة موقع الناقد العراقي ملفها عن تجربته الإبداعية المهمة ؛ شعرا ونثرا ، متمنية على الأحبّة الكتّاب والقرّاء إثراء هذا الملف بالدراسات والمقالات والصور والوثائق.

قصيدة جواد الحطاب واثقة ,, ووثيقة توثق لزمن او مرحلة تاريخية وشعرية ايضا …
وقصيدة جواد الحطاب وثيقة من ناحية التماسك والشحنة العضوية التي تكتنفها او تنظوي عليها .. أي وثيقة العرى ..
وكل هذه الصفات يتطلب وقفة ومقاربة نقدية او قرائية لتجربة الحطاب الشعرية المتنامية فنا وتكثيفا ووعيا بالشعر ودوره ..
ولكنني ساقف هنا من ثقة القصيدة بنفسها واكتمال الجملة الشعرية عنده لانها صفة بنائية ودلالية تستحق الوقفة والاضاءة والتمعن ..
ان الجملة الشعرية المكتملة في رايي – واحدة من اهم سمات الشعرية ومحاورها التي تضيء الجانب البلاغي والدلالي والمجازي وبالتالي توسع من افق الفن الشعري في القصيدة ..
ولكن ما هو الاكتمال في الجملة الشعرية …؟
هذا موضوع يراودني منذ اجيال شعرية وكنت ارى القدرة على اكتمال الجملة الشعرية مقياسا للفن الشعري ومحكا للتجربة الانسانية التي تقف وراء هذا الفن ..
اذن فالاكتمال هنا يشكل محورين مهمين متضامنين هما الفن والتجربة ..
انه الفن المجرد من كل زوائد الترهل والحشو وكذلك الادعاء والتطفل على الشعر .
.اما التجربة فهي القضية الانسانية الصافية مثل دمعة تغري الفن الشعري بان يبكيها او يسقطها من جفونه ..
ان الفن وعاء التجربة والتجربة يمكن ان تكون وعاء الفن في علاقة جدلية مستمرة بين الحدث والقول بين الانسان وخطابه وبين الشاعر و تجلياته ..
ان قوة هذه الجدلية وتمظهراتها الفنية تبدو واضحة ومهيمنة في اكتمال الجملة الشعرية وبالتالي في وثوقها من افقها الخطابي الممتد حتى اخر التلقي ..
في تجربة جواد الحطاب في ديوانه الشعري – اكليل موسيقى على جثة بيانو – الصادر عن دار الساقي 2008 لمست هذا الاكتمال في الجملة الشعرية جليا بعيدا عن الحشو والتزويق اللفظي والتغميض والتعتيم والتعمية وما الى ذلك من فنون الشعر الكاذبة .. ان البساطة في القول الشعري فن بحد ذاته بل ان كثيرا من التجارب الشعرية المهمة لم تصل الى هذه البساطة الا بعد مخاضات ومشاوير طويلة في درب الشعر الوعر ..
لكنها بساطة الماس وسهولته وشفافيته وحدّته ودقته في آن ..
ان هذه الصفة الماسية للشعر وللقصيدة وليدة هذين المحورين الجدليين الشعر والتجربة وبالتالي الاكتمال والثقة ….
اشتغل جواد كثيرا على تشذيب جملته الشعرية ليرفعها الى مرتبة الماس من الشفافية والحدة .. فاحيانا تجد ان القصيدة مقلمة تقليما جائرا ومضحية بكثير من تفاصيلها من اجل خاصيتها الماسية تلك …
ان هذا كد شعري وتحطيب في غابة اللغة لكي تصل الى المتلقي عارية من كل شيء الا من كونها قصيدة ..

ادفعوا عني ابو غريب قليلا
اريد ان امدد قلبي

ان اطروحتنا القرائية هنا عن اكتمال الجملة الشعرية وثقتها تنطوي على سؤال ينبثق من فضاء القصيدة ويحيط بتجربتها .. وهو .. ما هي ادوات اكتمال هذه الجملة الشعرية .. ادواتها الفنية التجريبية المغامراتية الدالة عليها .. لكن السؤال ما يلبث ان يدور في فضاء القصيدة حتى يعود الى نفسه ليجيب عليها .. انها فنون الشعرية الممسوكة بدقة وثقة ومعالجة شاملة للنص الشعري .. وهكذا نبقى ندور في فلك السؤال .. ولكن لا باس فان الاجابة تكمن في هذا الدوران ..
ان معالجات جواد الحطاب في تجربته – اكليل موسيقى على جثة بيانو .. – تعتمد كثيرا على وجوه الانزياح والمجاز :

الشمس
سحبت الغيمات من ياقتها
فانفلت فجر اشعث
ملطخا ثيابه بالازهار
وساحبا وراءه غابة متحمسة للركض

او من خلال التكثيف :

كما في استغاثة الاعزل :

اقتل
اينما كنت
فلابد ان يكون هناك غراب
في سمائنا

او الاستبدال الشعري :

بتويج الخمر
ابصر :
كهلا
يجلس اسفل ايامي
ويرتق ثوب العمر

او المفارقة الشعرية :

لا تستغربوا
مع هذا العدد الهائل من الاعياد
شعب له كل هذا الحزن

او في شعرية الحذف :

في جرائدنا قليلة الانتشار
…………………….
……………………….

او شعرية السؤال :

حجر تحت راسي وليس مخدة ريش
فلماذا تتقافزون طوال احلامي ..؟

او شعرية التشبيه والكناية :

في العشرين
كنت اهيء طقسي
.. كذبات بيضا
.. شموعا وكؤوس نبيذ
من خمسين سنة
وانا اركض مثل طريدة
والارض
كمائن تسترها الاغصان
………
…….

اذن كل فنون الشعر مهيأة لتحقيق اكتمال الجملة ولم يات الشاعر بفنون من خارج دائرة الشعر ما عدا الافادات السينمائية او المونتاجية او التشكيلية او السردية او التصويرية .. ولكنها تبقى ضمن اممكانيات الفن الشعري وامتداداته ..
اما الجانب الاخرالذي اكد في هذا الاكتمال فهو محور التجربة الصافية ..
ان قضية مثل القضية العراقية سواء ازاء الاحتلال او غيرها من الكوارث تحتاج الى صفاء الدمعة وصدقها في الطرح الشعري .. أي تحتاج الى وضوح الماس وحدته .. فما هو موقف الشاعر من همر امريكي يسير على اضلاع شارعه او يدوس على تاريخه المكاني والزماني والانساني لهذا يخصص الشاعر قصيدة بعنوان الهمرات :

حين تمر الهمرات امامي
اشد على قبضتي في جيبي
واحسد الديناميت ..

هذه مشاعر العراقي امام الهمر الاحتلالي .. ولكن هذه المشاعر بحاجة الى لغة شاعرة لتقولها .. وهذا هو موقف الشاعر من التاريخ ومن الوطن المحتل ومن التفجيرات التي تطال الانسان العراقي مثلما تطال رموزه التاريخية والدينية ..
الشاعر ليس مؤرخا لكننه يحلق فوق التاريخ ليقول كلمته فيه انه اشبه بالطائر ذي الجناحين الكبيرين الذي لا يجيد المشي بسبب كبر جناحيه لكنه بالتاكيد يجيد التحليق وهذ الذي حصل معنا هنا نحن اجيال الشعراء الذين ابتلينا بوطن اما مقاتل او محاصر او محتل او منهوب وطن زئبقي لا يمسك بيد لذلك نحاول ان نمسكه بقلوبنا او قصائدنا ..

لذلك نصيح مع الحطاب :

بلادي : بلادي
……
ولو ان الكون
قد جاء بجيش ملائكة
واحتل بلادي
قاتلت الكون
……….
بلادي بلادي
حتى لو كان لها فرع اخر
لن اتركها للامريكان

والان لنعود الى جدلية الوثوق والاكتمال في القصيدة لنجمع اطراف ما نثرناه من تصدير للمتن القرائي فنقول ان اكتمال الجملة الشعرية متات من مسكها بدقة شعرية من طرفيها الفني والتجاربي تحركها ذات شاعرة متطلعة واقفة على محور الكون .. كما يقول الشاعر الصيني القديم لوتشي ..

شاهد أيضاً

صباح هرمز: التناص والإيحاء في رواية (المنعطف) لحنون مجيد (ملف/12)

إشارة : يسرّ أسرة موقع الناقد العراقي أن تبدأ بنشر ملفها عن الروائي والقاص المبدع …

سلام إبراهيم: وجهة نظر (13) أدب السيرة الذاتية العراقي (ملف/68)

إشارة: مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي …

“رؤيا الغائب” للعراقي سلام إبراهيم رحلة في الجحيم العراقي
عبد الحسين إبراهيم (ملف/67)

إشارة: مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *