د. قيس كاظم الجنابي: التاريخ والمجتمع في فكر علي الوردي
[فصل من كتابي: سرديات النهضة الفكرية العربية] (ملف/22)

توطئة:
لما كتبه علي الوردي (1913-1995م)، أهمية خاصة في قراءة المجتمع العراقي بشكل حقيقي، وبالذات في مؤلفاته:( دراسة في طبيعة المجتمع العراقي)،و( شخصية الفرد العراقي)، و( وعاظ السلاطين)،و( خوارق اللاشعور)،و( الأحلام بين العلم والعقيدة)،و(أسطورة الأدب الرفيع)،و مؤلفه الموسوعي( لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث).. وغيرها. والتي حظيت باهتمام كبير من القراء وواجهت الكثير من الاعتراضات والسجالات؛ وخصوصاً من رجال الدين، وذلك لأنه” كتب في حقل حساس يهم المواطن الاعتيادي الى جانب المثقف والأكاديمي والسياسي بلغة سلسة وواضحة يمكن أن يفهمها حتى أولئك الذين لم يتبحروا كثيراً في دنيا الفكر والفلسفة. فضلاً عن امتلاكه لجرأة قلّ نظيرها في تشخيص الأمراض والاختلالات والتناشزات الاجتماعية والنفسية عند شرائح المجتمع العراقي ، متخطياً بهذا بعض الخطوط الحمر، في تحدٍ واضح لموضوعات وقناعات متجردة وراسخة”.(1)
مقدمات:
في كتبه التي صدرت في الخمسينات ، مثل (وعاظ السلاطين)،و(مهزلة العقل البشري)،,(أسطورة الأدب الرفيع) تظهر شخصيته كباحث واضحة بشكل صريح ؛ ففي كتابه (الأحلام بين العلم والعقيدة)الذي صدر عام 1959م، كشف طبيعة “الشخصية الاجتماعية ودوافعها وغرائزها وما تبطن من أسرار بين الذاتي والموضوعي، دلَّ تحليل الوردي على أهميتها وتناقضها في تفسير الأحلام الشخصية الاجتماعية وعقيدتها في هذه الأحلام”.(2)
وهو يصف نفسه بالقول:” انني بشر كسائر الناس، أعيش في قوقعتي الذاتية، ولكنني مع ذلك كاتب اجتماعي سلكت طريق النقد الشديد لبعض المعتقدات الموروثة وعاداتهم، وهو لا يحبون من ينقدها ،ولا بدّ أنهم يذمونه وينسبون اليه التهم الشنعاء”.(3)
ويقتفي الوردي خطى ابن خلدون في دراسته الشخصية العربية ، فيرى” أنّ ابن خلدون كان أول مفكر اجتماعي درس التفاعل والصراع بين البداوة والحضارة. ولكن خطأ ابن خلدون أنه اعتبر هذا الصراع موجوداً في جميع مناطق العالم، وفي جميع شعوبه. ومن الممكن القول أنّ هذا الخطأ جاء من كون ابن خلدون قد انغمس بتفكيره في المجتمع العربي . ولم يعرف غيره، فظن أن الدنيا كلها تسير على هذا المنوال الذي يسير عليه المجتمع العربي.
كررت في كثير و محاضراتي دائماً، وأعيد القول هنا: أننا لا نستطيع أن نفهم طبيعة المجتمع العربي في ضوء علم الاجتماع الغربي، أو علم الاجتماع الشرقي، بل أننا يجب أن ننشئ علم اجتماع خاصاً بنا ونابعاً من طبيعة هذا المجتمع الذي نعيش فيه. أنّ مجتمعنا يختلف عن غيره ،ويجب أن يكون علمنا الاجتماعي مختلفاً أيضاً”.(4)
وتتراوح فلسفة الوردي بين التبسيط والموضوعية، حتى أنّ منهجه قام على هذه (الموضوعية) التي أراد لها أن تكون ( موضوعية منزهة) فان تحدث عن ثورة العشرين التي يجلها الشعب العراقي، بصفتها ظاهرة من ظاهرات النباهة الوطنية ، يذكرها بين زاويتين: سلبها وايجابها، والسلب طفح فيها، والايجاب عمق الشهامة في ثوارها.(5) فهو في هذا خاضع لصراع قيم الخير والشر ؛ ولعل هذا الموقف له علاقة بازدواج الشخصية التي يعيشها الانسان العراقي بشكل خاص، وهي ناتجة عن ” وجود نظامين متناقضين من القيم الاجتماعية فيه. فالفرد الذي ينشأ في مثل هذا المجتمع يتلقى منذ الطفولة نوعين من الايحاء الاجتماعي ، أحدهما يدفعه نحو تقدير أخلاق معينة ،والآخر يدفعه نحو تقدير أخلاق مناقضة لها”.(6)
وفي حوار معه يرى بانّ ازدواج الشخصية ” هو لا شعوري في الغالب، وقد يغضب الانسان المزدوج حين ينبهه أحد الى التناقض الذي يظهر بين موقفين له في الحياة، ان هذا الازدواج ينشأ من جراء وقع الانسان تحت وطأة نظامين مختلفين من القيم الاجتماعية ،وترى الانسان به يتقمص شخصية معينة تارة، ثم يتحوّل الى شخصية ثانية تارة أخرى”.(7) ويرى الباحث فالح عبدالجبار بأن الوردي ” يعيد انتاج صراع البداوة /الحضارة الخلدوني بصورة تناشز اجتماعي بين حضارة حديثة، وحضارة تقليدية لكن هذا التناشز لم يعد، حسب رأيه هو ، نتاج انقسام المجتمع الى بدو وحضر، بل ثمرة احتكاك المجتمع كله بالحضارة الغربية.
كان المجتمع الخلدوني يقف في المركز، ليس وراءه سوى التوحش السابق للعمران ،وليس أمامه سوى صورته الذاتية.
أما المجتمع الجديد الذي يعيد الوردي انتاجه خلدونياً، فيقف حائراً بين حضارته الذاتية ،التقليدية، التي تتمزق وحضارة الآخر، الحديثة التي تخترق الأسوار. معالجة هذا المُرَكب الفريد تمت بقران منهجي، جمع فيه الوردي مفاهيم علم الاجتماع الخلدوني ، بمفاهيم علم الاجتماع الحديث الغربي ،وبالتحديد علم النفس الاجتماعي ونظرية التحديث”.(8)
ابن خلدون:
يعد ابن خلدون من المصادر المهمة التي استقى منها علي الوردي، قراءته للمجتمع العراقي، والذي تركزت جهوده حوله، وهو في كتابه (منطق ابن خلدون) يحاول أن يكشف عن أهمية مقدمة ابن خلدون، وفلسفته في تأسيس علم الاجتماع العربي، وان كان يقلل في نهاية الكتاب من أهمية نظرية ابن خلدون لأسباب لها علاقة بنرجسية علي الوردي ، واعتداده بنفسه، وهذا من حقه، لأنه عاش بعد ابن خلدون بنحو أربعة قرون، وظهر علماء كبار في علم الاجتماع ،ولكن يبقى كتابه هذا ذا أهمية كبيرة لموضوعية الوردي، وطريقته في عرض آراء ابن خلدون على وفق التطور التاريخي للتراث العربي منذ اخوان الصفا حتى عصر ابن خلدون ،وقد كانت آراؤه حول شخصية ابن خلدون وحبه للسلطة والجاه واحدة من الهنات التي يرى أنها من عيوب ابن خلدون ،وهي جزء من النزعات الذاتية وحب الترف والمكانة الاجتماعية والسياسية، ولكن هذا الأمر لا يقلل من أهمية دوره في تنمية الثقافة العربية ، ورؤيته في قراءة المجتمع العربي وقيام الدول ونظريات الحكم في والذي يعتقد بأنه يقوم على مبدأ (العصبية)؛ ويحاول الوردي أن يتفرد في مواقف وآرائه التي تتباين مع مواقف طه حسين وساطع الحصري، ذلك لأنه يعتقد بأن ” نظرية ابن خلدون تدور حول موضوع هو أوسع نطاقاً وأكثر شمولاً من موضوع العصبية أو موضوع الدولة. أنها حسبما أظن تدور حول البداوة والحضارة وما يقع بينهما من صراع”.(9) وذلك لنه يعتقد بأن لها جانبين :
الأول، سكوني .
والثاني، حركي.
فالجانب السكوني منه يتمثل في تعيين خصائص البداوة والحضارة ،وكيف تظهر هذه الخصائص في كل منهما على حدة. اما الجانب الحركي من النظرية فيتمثل في دراسة التفاعل والتصارع بين البداوة والحضارة وما ينتج عن ذلك من ظواهر اجتماعية مختلفة.(10)
والوردي ، يعترف ، بأهمية ابن خلدون ،ولكنه كموضوعي ،يؤمن بسيرورة حركة الزمن، وهو يشير الى أنه لا يتوقع من ابن خلدون أن يأتي بتقسيمه بشكل واضح متقن على منوال ما فعل العلماء المحدثون، لذي يرى بأنه ” يصح أن نقول أن ابن خلدون لم يكن واعياً لهذا التقسيم أو مدركاً له ادراكاً واضحاً، انما هو قد جرى فيه على رسله وانسياقه بديهته، فجاءت نظريته وقد ظهر فيها الجانب الحركي والجانب السكوني بشكل غير مقصود. ولو اتيح لابن خلدون أن يعيش في مثل المرحلة العلمية التي عاش فيها أولئك العلماء لربما توصل في نظريته الى مثل ما توصلوا اليه من التقسيم والتوضيح”.(11)
والتفسير القبلي لرؤية ابن خلدون للمجتمع العربي توضح حول أهمية (العصبية)، حيث الصراع بين البداوة والحضارة (العمران)، وخضوع الدولة للدور الاجتماعية المحتومة، بحيث تحاكي تطور دورة حياة الانسان من الطفولة حتى الشيخوخة، وفي حالة وجود عوامل طارئة يتعرقل تتابع الدورة أحياناً، مما يطيل عمر الدولة ،ولكنها لا تقف ،ولا بدّ للدولة ، مهما كانت ، من نهاية تموت فيها كما يموت الفرد؛ مما يجعل (العصبية) لدى ابن خلدون هي رابطة اجتماعية ،وهي أقوى من غيرها من الروابط في حالة البداوة. ولكنها تسبب الكثير من النزاعات بين القبائل، ثم تتجه قوتها الى تأسيس الدولة الجديدة ،ويعد انغماس أصحابها في ترف الحضارة نوعاً من تفكك تلك العصبية.
لقد انتقد منهج الوردي في كتابه (منطق ابن خلدون)، بعض الباحثين وبيّن عيوبه ووصف منهجه بانه منهج لا يتلاءم مع المنهج العلمي الحديث ، حيث اعتاد أصحاب المنهج العقلاني أن يعشوا بتفكيرهم الاجتماعي في أبراج عاجية وينظرون الى المجتمع نظرة مثالية وعظية، وهي النظرة التي سيطرت على المفكرين والفلاسفة قديماً، باستثناء ابنة خلدون ، عالم الاجتماع العربي المعروف، وقلة من أمثاله. وهو تراث مستمد من الفلسفة الأغريقية القديمة التي كانت تثق بالعقل البشري ثقة مطلقة وترجع كل فساد اليه. ومعنى ذلك أنّ المشاكل الاجتماعية هي مشاكل “عقلية” بالدرجة الأولى ولا دخل للظروف والقيم الاجتماعية بها.(12)
فاذا كان ثمة من يرى بأن نظرية ابن خلدون ، تشير الى طفرة فكرية، من الضمر والسكينة الى التألق ؛ لهذا راح يبحث عن أسباب هذه الطفرة، ولعل واحدة من أسبابها هو شخصية ابن خلدون نفسه ، فبالرغم من حبه للمال والجاه ، فعلي الوردي يرى بأنّ ابن خلدون بأنه أتباع المذهب المالكي السني الاتجاه، لكنه في ” ثنايا سطور مقدمته شيئاً من أثر التشيع. ولعل هذا أتاه عن طريق استاذه الآبلي على وجه من الوجوه”(13) وذلك لدفاعه عن نسب الأدارسة، وان كنت أرى أن دفاعه عنهم جاء بسبب تعصبه للمكان المغربي، لأن غالب حياته قضاها في بلاد المغرب، وان كنات نشأته أندلسية ،وخاتمة حياته بمصر.
ومع ذلك فإن الوردي يؤيد ساطع الحصري في كون عبقرية ابن خلدون كانت من جراء ” تدفق فجائي”، وبفعل “حدس باطني “،و” اختمار لا شعوري”، كما يلاحظ ذلك علماء النفس ، فيرى بأنّ ابن خلدون” أثناء انهماكه المفاجئ في كتابه المقدمة كان المخترع الذي تومض في رأسه فكرة خاطفة فينكب على اختراعه وهو يسأل نفسه متعجباً: لماذا لم تطرأ بباله تلك الفكرة من قبل”.(14)
وربما جاءت هذه القناعة بفعل خفي يرى بأنّ ابن خلدون يعيش حاله من ” حدس اللحظة”، وهذا الأمر يمكن أن ينطبق على الشعراء، بوصف الشعر إلهاماً أكثر منه صناعة، كما هي حال صناعة النثر التي كانت مهنة ابن خلدون كاتباً في دوائر الدولة أو وزيراً يشرف على ادارة شؤونها ومخاطبات سلاطينها. ولكنه في نثره وبحثه، واستطاعته أن يؤسس علمين عربيين غير معروفين قبل زمانه، هما علم الاجتماع، وفلسفة التاريخ؛ ذلك أنه كان يجري الكثير من المتغيرات على اقتباساته من غيره، عبر التغيير والتحوير ، لكي يتلاءم قالب النظرية الجديدة ،وهذا ما دعا الوردي الى القول” أن ابن خلدون ذو منطق خاص به. وهذا المنطق لا يسمح للأفكار القديمة أن تمرّ به دون أن تنطبع بطابعه الخاص”.(15)
ويعتقد الوردي أن ابن خلدون قد استمد فكرته عن الدورة الاجتماعية عند اخوان الصفا، وطورها وأخضعها لمنطقه الجديد ،ويرى بأنه تميز عمن سبقه لأن الذين سبقوه ممن كانوا مشغولين بأفكارهم المثالية العالية التي تستنكف من النزول الى واقع الحياة لتدرسه، وجاء ابن خلدون ثائراً على هذا النمط من التفكير . لكنه في نزعته الواقعية بمثل ما تطرف القدامى في نزعتهم المثالية” ونحن اليوم في حاجة الى أن نتخذ النمرقة الوسطى بين هاتين النزعتين المتطرفتين ، فندرك في كل منهما ما لها من جانب حسن وجانب سيء”.(16)
لقد شبّه الوردي ابن خلدون مثل مهندس بارع” وضع أساساً لعمارة ذات تصميم جديد. ثم يموت فلا يظهر بعد من يشيد تلك العمارة. وبهذا يبقى الأساس في الأرض مهملاً منسياً.(17) ثم يتوصل من خلال مقارنته مع “أوكست كونت” بأن الأساس الذي وضعه ابن خلدون” أصح وأمتن من الأساس الذي وضعه كونت، وفيه من الأصالة ما يندر فيه الجو الفكري في حاجة ماسة الى علم الاجتماع ، فلقيت صيحته في هذا السبيل أذناً صاغية ،وأخذ علم الاجتماع ينمو بعده ويتطور حتى وصل الى هذا الوضع الذي نشهده اليوم في مدارسنا الحديثة”.(18)
الفرد والمجتمع:
لقد ركز علي الوردي جهوده في دراسة طبيعة المجتمع الانساني والعربي من خلال دراسته للمجتمع العراقي ، في حياته وتاريخه وعاداته وتناقضاته المختلفة، فكان متأثراً بابن خلدون في هذه القراءة من خلال نظريته حول الحضارة والبداوة، حينما وصفه تحت ظل رؤية معاصرة ، تمتد نحو آفاق المستقبل ، حيث قال في مقدمات كتابه (دراسة في طبيعة المجتمع العراقي):” المتوقع في مثل هذه الحالة أن يعاني الشعب صراعاً اجتماعياً ونفسياً على توالي الأجيال. فهو من ناحية لا يستطيع أن يطمئن الى قيمه الحضروية زمناً طويلاً ،لأن الصحراء تمدّه بين كل آونة وأخرى بالموجات التي تعلق عليه طمأنينة الاجتماعية . وهو من الناحية الأخرى لا يستطيع أن يكون بدوياً كابن الصحراء لأن الحضارة المنبعثة من وفرة مياهه وخصوبة أرضه تضطره الى تغيير القيم البدوية الوافدة اليه لكي يجعلها ملائمة لظروفه الخاصة”.(19)
وهذا يؤكد بأن الوردي كان طموحاً لتأسيس مدرسة عراقية وعلم اجتماع عربي، طالباً من الباحثين العرب أن يتعاونوا فيما بينهم لإنشاء علم اجتماع خاص بهم، من خلال الأساسيات التي طرحها ابن خلدون ومن خلال ما تلقاه من دراسة في الولايات المتحدة الأمريكية، لهذا حاول تعريف البداوة ، من وجهة نظره كعالم اجتماع ، ومن وجهة نظر الانسان الاعتيادي، فجعلها تمثل الجانب المناهض للحضارة والثقافة، ذلك أنها معاكسة للبداوة، ولأنه يعتقد بان الثقافة البدوية لم تدرس حتى الآن، دراسة علمية في ضوء البحوث الاجتماعية الحديثة؛ مشيرا الى أن مركبات الثقافة البدوية ترتكز على ثلاث:
1- العصبية.
2- الغزو.
3- المروءة.
معلقاً بذلك على ” أن طابع “التغالب” موجود في جميع هذه المركبات الثلاثة. فالفرد البدوي يريد أن يغلب بقوة قبيلته أولاً، وبقوة الشخصية ثانياً، وبمروءته أي بتفضله على الغير ثالثاً”.(20)
ولم يفته أن يعرج على آراء علماء الاجتماع الذين كان لهم الفضل في معرفة طبيعة المجتمع البدوي ، من أجل ربط الصلة بينة ما يعتق به، وما هو عليه المجتمع العربي بشكل عام ،والعراقي بشكل خاص.
وقد وجه الوردي من خلال نظرية ابن خلدون في صراع البداوة والحضارة، انتقادات جريئة ولاذعة مشوبة بالسخرية الى العادات والتقاليد والطقوس الدينية لأنه دخل ميداناً لم يألفه العراقيون من قبل. وقد بدأ الهجوم عليه منذ صدور كتابه(وعاظ السلاطين) عام 1954م،ثم في كتبه التالية مثل (أسطورة الأدب الرفيع)،و( خوارق اللاشعور )،و(مهزلة العقل البشري).. وغيرها.(21)
والوردي من خلال دراسته للمجتمع العراقي يعرج على دراسة شخصية الفرد ،مشيراً الى أن الشخصية ، بمعناها العلمي هي ” عبارة عن تركيب نفسي يتألق من صفات مختلفة ،وهو يميل نحو الانسجام والتوافق مع الثقافة الاجتماعية السائدة. فكل انسان يملك شخصية خاصة به تميزه عن غيره من الناس”.(22)
وتعد مواقف علي الوردي من الدين والطقوس الدينية ،ورجال الدين مثار جدل عنيف، وتعبير عن سخط واضح من سلوكهم وأساليبهم الملتوية في السيطرة على مشاعر البسطاء، من المجتمع، فكشف عن أبعاد شخصية رجل الدين ومنهجه النفعي في تجهيل الناس ،والاستحواذ على عقولهم وأموالهم لمصلحته الخاصة ؛ منوهاً الى أن دين الاسلام هو دين الفطرة، وليس فيه مثل هذه التعقيدات العقائدية والطقوسية التي نلاحظها الآن سائدة في شتى أقطار العالم الاسلامي.(23) ومن هنا كان يرى بأن الطقوس والعقائد الدينية الموجودة في المجتمع البدوي ،هي أنها ما تزال قريبة من الفطرة، فهي تكاد تتجاوز الايمان بالله ورسوله، والقيام بالصوم والصلاة والحج، على طريقة لا تختلف كثيراً عن تلك التي كان عليها (الأسلاف) في صدر الاسلام. أما من حيث الأخلاق العملية ، فالبدو لا يختلفون أيضاً عن أسلافهم، اذ هم لا يزالون يتمسكون بقيم العصبية والثأر وما أشبه ،وهم يحسبون أنهم فيها لا يخالفون أمر الله ورسوله.(24)
وهو يرى أن الاختلاف بين المذاهب ، سببه المصالح الشخصية، لأنه يعتقد ” أنّ من العوامل التي أدت الى زيادة الفجوة والاختلاف بين التشيع والتسنن هو مورد الرزق الذي يعيش عليه رجال الدين في كلّ منهما. فرجل الدين السني يعتمد في رزقه على الحكومة، بينما زميله الشيعي يعتمد عل العامة. وهذا جعل كلاً منهما ينظر الى الحياة بمنظار يختلف عن منظار الآخر”.(25) بمعنى أن نزعة الطاعة للحكومة تغلب على رجل الدين السني ،لهذا يعتقد أن السلطان هو ظل الله على الأرض؛ بينما ينظر رجل الدين الشيعي الى الحكومة نظرة انتقاد واحتقار، لأنه الشيعة يلتزمون (التقية) اتجاهها، فلا يحبون التقرب منها ،أو قبول عطاياها ؛ بسبب تراثهم الثوري الذي يريدون فيه الحكم في عدله وزهده مثل علي بن أبي طالب.(26)
***
وفي كتابه (شخصية الفرد العراقي) يعود الى طروحات ابن خلدون في الصراع بين قيم البداوة وقيم الحضارة، وعدّ أن يكون في الحضارة الاسلامية أن يكون لها مفكر مثل ابن خلدون، أمراً خطيراً، والذي وجد “أن البدو كانوا موسومين في ذلك العهد بالتخريب والنفرة من العلم والصناعة، فقام مدافعاً عنهم بأسوب يقرب من أسلوب علماء الاجتماع الحديث”.(27) ومعلومات هذا الكتاب موجزة ،وهو عبارة عن محاضرة ألقاها الوردي، قبل تأليفه لكتابه السابق (دراسة في طبيعة المجتمع العراقي)،ولكنها تسد ثغرات كبيرة في مشرعه.
لقد ناقش الوردي ظواهر مختلفة ، في الحياة الانسانية في الحضر والبادية، محاولاً المقارنة بين الجانبين ، كالتدين وزيارة المراقد، ودفن الموتى في المدن المقدسة، وظواهر أخرى مهمة كالصراع الثقافي ، وظاهرة الضيافة وبعض الأمراض الاجتماعية والنفسية كاللواط والبغاء. لهذا رد على منتقدي كتابه ( شخصية الفرد العراقي) الذي صدر أول مرة عام 1951م، مشيراً الى أنه اتبع المنهج العلمي الذي لا يعرف القطع والجزم والتأكيد، بل هو يميل الى التشكيك والظن والترجيح عند ابداء رأي من الآراء”.(28)
وقد تركزت دراسته في هذا الكتاب حو الازدواج في الشخصية العراقية، مشيراً الى أنّ بعض الناس لا يحس عياناً بهذا الازدواج ، فيعلل ذلك بأنه أحياناً يكون قليلاً ، كما أنه ” ظاهرة عامة توجد بشكل مخفف في كل انسان حيث وجد الانسان، ولكني أؤكد لكم بأنّ الازدواج فينا مركز ومتغلغل في أعماق نفوسنا . ان العراقي ، سامحه الله، أكثر من غيره هياماً بالمثل العليا ودعوة اليها من خطاباته ولكنه في نفس الوقت من أكثر الناس انحرافاً من هذا المثل في واقع حياته”.(29)
مع التاريخ:
يعتقد بعض الباحثين أن الوردي في كتبه، أو في نتائج أبحاثه يتطفل على التاريخ ، حينما يروي روايات تاريخية ويستفيد من الوثائق، ولكنهم يظلمون علمه ؛ فهذه الوثائق والروايات التي تمتزج امتزاجاً في مؤلفاته، ويظن القارئ أنها تاريخ ،هي في الحقيقة مجرد أدلة تعينه في تفسير الظواهر الاجتماعية ،وليست أدلة تاريخية كما يفعل المؤرخ ،لأن ثمة عدم انسجام بين المؤرخ وعلم الاجتماع، فعالم الاجتماع يتصيّد ما لا يتصيّده المؤرخ ،والمؤرخ يسجل ما لا يسجله عالم الاجتماع ،والمسافة بينهما، هي المسافة بين الكل والجزء، فالكل حصة المؤرخ من التاريخ، بينما الجزء حصة الباحث في ظواهر المجتمع ،والكل هو الكليات في التاريخ والجزء هو الشيء الخفي في هذه الكليات، فقد كتب الوردي عن تاريخ المماليك في العراق، وهم الذين حكموا العراق 82 عاماً، بين عام 1749 وعام 1831م، وحين نقارن بين هذا الذي كتبه الوردي عنهم وما كتبه أحد المؤرخين في كتاب خاص بهم ، نجد فرقاً كبيراً؛ فالمؤرخ يدرس الأحداث لذاتها، أما عالم الاجتماع فدرسها لما فيها من تصوير للواقع الاجتماعي ، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى أن المؤرخ يركز اهتمامه على دراسة الأحداث والشخصيات الكبيرة ،ولا يعير اهتماماً الى الأحداث الصغيرة منها؛ بينما يفعل عامل الاجتماع بالعكس من ذلك.(30)
***
يشير علي الوردي في مقدمته لكتابه ( لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث)، الى علاقة علم الاجتماع بالتاريخ، لكي يكشف عن المسافة بين التاريخ وعلم الاجتماع، فيقول:” ان هذا الكتاب على أي حال يشبه كتاب تاريخ بيد أنه يختلف عن كتب التاريخ المعتادة بكونه لا يهتم بالأحداث الماضية لذاتها على منوال ما يفعل المؤرخون بل هو يهتم في الدرجة الأولى بما تنطوي عليه الأحداث من دلالة فكرية واجتماعية ،أما الاستقراء التاريخي فيأتي في أهميته بالدرجة الثانية.
اني لست مؤرخاً انما اعتمد فيما أكتبه على المؤرخين ،وقد عانيت في ذلك صعوبة غير قليلة اذ أن تاريخ العراق في العهد العثماني لا يزال يكتنفه الغموض من بعض نواحيه، ولا بدّ للباحث من التحري في الكثير من المراجع لكي يعثر على حادثة لها دلالاتها الاجتماعية أو الفكرية”.(31)
لقد أبرز الوردي لمحات من الحياة الاجتماعية في العراق من خلال الصراع الطائفي ، بعد نشأة الدولة الصفوية في بلاد فارس، وتبنيها للمذهب الشيعي منهجاً، وما في ذلك من صراع بينها وبين الدولة العثمانية التي تتبنى المذهب السني(الحنفي: نسبة الى أبي حنيفة)، فحاول تفسير بعض الظواهر الاجتماعية المتعلقة بهذا الصراع. مستنيراً بنظرية ابن خلدون في صراع البداوة والحضارة، من خلال لاوجود المد البدوي الذي كان مهيمناً على حياة المجتمع العراقي، والذي ” كان أشد وطأة من جميع عهوده السابقة اذ لم يشهد المجمع عير تاريخه الطويل حقبة سيطرت فيها القيم البدوية كتلك الحقبة”.(32)
معللاً ذلك بجملة من الأسباب منها التمسك بالقيم العشائرية في الريف والمدينة، وظاهرة الشفاعة في المدينة من خلال قيام بعض الجماعات بفرض الأتاوات (الخاوات) على الأغنياء مميزاً بين شقاوات بغداد في العهد العثماني، وظاهرة العيارين واللصوص في العصر العباسي الثاني، مفسراً ذلك بأن العيارين وأضرابهم نشأوا في محيط متحضر ويمثلون ثورة الفقراء على الأغنياء، أي أنهم ظهروا من جراء التمايز الطبقي الذي كان المجتمع البغدادي يزخر به في ذلك الحين حيث يعيش الأمراء والأغنياء في أقصى درجات الترف ويعيش الفقراء الكسبة في أقصى درجات الحرمان.(33)
وهذه القراءة للأحداث السياسية المتعلقة بحياة الناس البسطاء (الطبقات الشعبية)، هي قراءة بعيدة عن الارتباط بالحاكم ،ومنها اتجه الى طبيعة بناء السلطة في العهد العثماني ،وخصوصاً ، في العراق كالجيش الانكشاري ،وفتح بغداد ، وظهور الدولة الصفوية ،والصراع بين الجانبين، وقد كشف عن هذا الصراع من خلال ثقافة المحتلين الفرس والأتراك، وكيفية النظر الى الحياة الدينية ، فقد قام الصفويون بهدم قبر أبي حنيفة ، بينما أعاد العثمانيون بناءه.(34)
***
ومن خلال قراءته لتاريخ العراق حاول الوردي أن يتتبع طبيعة الصراع الطائفي ،ومتابعة أبرز العلماء في تلك المرحلة، فأشار الى الشيخ البهائي ، ومحمد باقر المجلسي ، مشككاً في كتاب الثاني (بحار الأنوار)، بالقول: والمظنون أنه لم يكتب كل ذلك بيده بل كان لديه كتّاب كثيرون فهو يرشدهم الى ما يريد نقله من المراجع، ومما أعانه على تأليف كتابه ( بحار الأنوار) أنه كان جَمَّاعاً لكتب مولعاً باقتنائها وكانت الدولة تساعده على ذلك ، مما رسخ الشكوك أنه كتب مؤلفاته باللغة الفارسية، بينما انفرد بتأليف كتاب( بحار الأنوار) باللغة العربية ، معلقاً على منجزات هذا الرجل، بأنه ” أساء الى التشيع بهذا الكتاب أكثر مما نفعه ، فهو قد جمع فيه كل ما عثر عليه من الأخبار والقصص والأساطير – لا فرق بين الغث والسمين منها – ثم وضعها في متناول كل من يريد الإغتراف منها، وجاء بعدئذ قراء “العزية” وخطباء المنابر فصاروا يأخذون منه ما يروق لهم وبذا ملأوا أذهان العامة بالغلو والخرافة وجعلوهم يحلّقون في عالم الأوهام لا صلة له بعالم الواقع الذين يعيشون فيه”.(35)
أما الخرافات التي انبثقت بعد الفتح العثماني للعراق ، فأبرزها تقديس (طوب أبو خرامة)، حيث شاعت الأساطير حول كرامات هذا المدفع حتى صارت النساء يتبركن به، ولم يترك أهل بغداد التبرك بهذا المدفع الا بعد نقله الى المتحف الحربي.(36)وكذلك تقديس قبر (كنج عثمان).
وكما يبدو أن الصراع الطائفي كان وسيلة من وسائل الدولتين الصفوية والعثمانية، لتكريس نفوذهما، والاستيلاء على أفئدة الناس، وكسب ودّهم ، ومع ذلك فثمة العديد من الثورات التي قادها رجال من السنة ضد الدولة العثمانية ، مثل ثورة الأمير سعدون شيخ المنتفج عام 1738م.(37)
وكان من مظاهر ذلك الصراع، محاولات للتقريب بين السنة والشيعة لاستثماره لصالح هاتين الدولتين (الصفوية والعثمانية) حيث أثمر ذلك عن مؤتمر النجف ، فكانت من نتيجة ذلك وجود حلّ وسط للنزاع المستفحل بين الشيعة وأهل السنة.(38) ولكنهما في حقيقة الأمر لم يتوصلا الى حلّ بالمعنى الحقيقي ،وبعد ذلك كان الغزو الوهابي للعراق عودة الى الخلف، لإثارة النزاع واستمراره؛ وهو في حقيقته صراع نفوذ للاستحواذ على خيرات العراق، لما فيه من مياه وأنهار وأراضي خصبة، وتنوع في المناخ والمزروعات والفواكه، لأن الجانب المادي مهم جداً في أي حركة سياسية أو دينية، وان تمظهرت بمظاهر الدين والعقيدة الاسلامية ،وضرورة الحفاظ عليها.
ويعد اهتمام الوردي بالمؤثرات الخارجية، نوعاً من القراءة الناجحة، لما كانت عليه الأحداث، ذلك أن النهضة العربية هي جزء من مؤثرات داخلية وخارجية ؛ لهذا عدّ الحملة الفرنسية على مصر عام 1798م، من أهم الأحداث التي وقعت للدولة العثمانية في العصر الحديث وهزتها هزاً عنيفاً.(39)لأن لهذه الحملة أثرها البالغ على المجتمع المصري، ومن الممكن مقارنته من حيث تأثيره الاجتماعي بالاحتلال البريطاني للعراق أثناء الحرب العالمية الأولى، فقد كان الاحتلال الفرنسي لمصر سبباً لظهور تغيير اجتماعي سريع فيها وكان بداية لانتقالها من حياة العصور الوسطى الى حياة العصر الحديث.(40)
***
اذا كان الصراع الطائفي يحتل مكانة بارزة في قراءة طبيعة المجتمع العراقي، فإن له أصابع خفية ، في استمرار التمسك بالماضي/ القديم، بحيث يمكن أن نعد الصراع بين القدم والحداثة ،صورة من مظاهر الحياة الاجتماعية ،لوجود جيلين ؛ واحد منساق خلف الحداثة والآخر متمسك بالقدم(المحافظة)، وخصوصاً وان السواد الأعظم من الناس متمسك بالتراث القديم، وهذا ما دعا الدكتور الوردي الى الاهتمام بهذا الصراع في ظل الدولة العثمانية وصراعها مع جيرانها ،ومع الغرب الأوربي. وكانت ولاية مدحت باشا على العراق ، بمثابة متغير مهم نحو تجديد الحياة ،وظهور الصحافة العراقية من خلال (جريدة الزوراء)،مما دفع الصراع بين الحداثة والقدم أكثر وضوحاً.
وكان دور المدن الدينية الشيعية واضحاً، في الوقوف في وجه العثمانيين ، كما حصل في ثورة كربلاء (في 13/ كانون الثاني/ 1842م)، في اليوم الثاني من عيد الأضحى، فضربت المدينة بالمدافع، فكان من نتائجها خضوع الدولة العثمانية الى لجنة تحقيق دولية ، ثم ابرام معاهدة (أرض روم)، فانتهى المؤتمر في عام 1847م، حيث تنازلت بموجبها الدولة العثمانية عن اقليم الأحواز الى ايران مقابل تنازلها عن منطقة السليمانية ،وتقسيم منطقة (زهاو) الى قسمين.(41)
وقد تنبه الوردي الى ظهور الفرق والجماعات الدينية والطائفية ، كالشيخية والبهائية، وما لها من مصالح واهتمام بالعتبات الشيعية المقدسة، واستخدام عقيدة ظهور المهدي المنتظر وسيلة لظهور قادة وأولياء ، لهم مواقف خاصة، فقد كان ظهور البابية منطلقاً لظهور البهائية فيما بعد، وهذه الجماعات لها تأثير اجتماعي على الحياة العامة؛ فقد كانت شخصية (قرة العين) والتي تميزت بجمالها المفرط ،واحدة من دعاة البابية والبهائية ، والتي يعتقد أنها ” اعتنقت الدعوة البابية يوم كان الباب لا يزال في شيراز يدعو الى نفسه سرّاً”.(42)
ثم كان اتصالها بالشيخ محمود شكري الآلوسي ، شيخ الحنفية في بغداد؛ فحصل نوع من الانشقاق في هذه الجماعة ، وقد أثار هذا الانشقاق ووجودها ودعوتها الغريبة ، لغطاً كبيراً ؛ مما ادى الى اخراجها من العراق ، بعد أن جاءت وزوجها بكامل رغبتها . وبسبب ذلك قام بعض البابيين بمحاولة اغتيال شاه ايران.(43)
وقد حاول الوردي ، رصد الصراع بين الحداثة والقدم ، من خلال ظهور (طبقة الأفندية)،وهم فئة متعلمة متأثرة بالحضارة الغربية ،وخصوصاً بعد ظهور التلغراف والهاتف ،والمخترعات الحديثة كالباخرة والمصانع وغيرها ،وظهور مصطلحات جديدة ، كالجاذبية وكروية الأرض ، فيشير الى أنه كان للأفندية” أثر اجتماعي .خر هو من حيث ميلهم الى التجديد في الملبس والمسكن وما أشبه. فهم أوّل من استعمل الملابس الافرنجية والطربوش ، كما أنهم أوّل من استعمل الأثاث الحديدي كالكرسي والمنضدة، واتخذوا الملعقة والسكين والشوكة في تناول الطعام، وقرأوا الجرائد والمجلات، وحلقوا لحاهم”.(44)
وكان لأحداث الدستور في ايران وصدور الدستور العثماني سنة 1908م، وعزل السلطان عبدالحميد، الأثر على قناعات المجتمع العراقي الذي يميل الى السكينة ، وتحركه النزعات العشائرية والطائفية، وهو ما له صلة بالصراع بين الثوابت والمتغيرات، وكان الشاعر جميل صدقي الزهاوي قد نشر مقالة في جريدة المؤيد المصرية في عددها الصادر في 7/آب/ 1910م، وبعنوان ( المرأة والدفاع عنها)، فلما استطاعت مجلة (تنوير الأفكار) البغدادية ،وهي مجلة دينية على نسخة من المقال، فنقلته عن المؤيد ، فما كادت المجلة تخرج الى الأسواق في بغداد حتى قامت ضجة كبرى فيها، وسارت مظاهرة من الجمهور نحو السراي تطالب بإنزال العقوبة الرادعة بالكاتب “الزنديق”.(45)
ولم تفته، الاشارة الى النهضة العربية وظهور حركة الوعي العربي، وتأثيرها في الشارع العراقي، مستعيناً بكتاب ساطع الحصري (نشوء الفكرة القومية)، الصادر في بيروت عام 1956م، والذي يشير الى جهود الشاميين المسيحيين ، في النهضة لاتصالهم بأوربا، وكان انتقال هذه الحركة بتأثير هجرة هؤلاء الى مصر.(46) وكذلك لم تفته الاشارة الى تأثير الكثير من المستحدثات الجدية مثل ظهور الصحافة والبريد والعربات والبرق والباخرة والمصانع والمعامل والمكائن والملاهي وأماكن الترف والطرب والمسرح والفوتغراف والمدارس الحديثة ،وموقف الشيعة من التعليم الرسمي ؛ فقد كانوا ” من جانبهم يحرمون المدارس ويعدونها مفسدة للدين والاخلاق”.(47)
***
وحين يبلغ علي الوردي ثورة 1920م، التي حصلت في 30 حزيران ، من هذا العام ، وانتفاض العشائر العراقية ضد المحتلين البريطانيين ، يشير الى أن ما نسب الى الاحتلال من مثالب ” كالحجر على الأفكار وتقييد الحريات العامة والمصادرة والنهب واستنزاف جهود الفلاحين والسخرة واذلال العراقيين واضطهادهم”.(48) يرد عليه الوردي مستهلا كلامه أن لا يريد الدفاع عن عهد الاحتلال ،” فهو لم يكن خالياً من المظالم والمثالب – كما سنأتي اليه – ولكن الذي أعرفه معرفة وثيقة أن الأتراك هم الذين لجأوا الى المصادرة والنهب، أما الانكليز فكانوا على العكس من ذلك يشترون الحبوب وغيرها من المواد المحلية بأسعارها السائدة في السوق ويدفعون أثمانها نقداً، وقد أدى ذلك الى ظهور تضخم نقدي هائل لم يشهد العراق مثله من قبل”.(49)
ولكن الوردي يقيم ثورة العشرين بأنها “أول حدث في تاريخ العراق يشترك فيه العراقيون بمختلف فئاتهم وطبقاتهم، فقد شوهدت فيها العمامة الى جانب الطربوش ،والكشيدة الى جانب اللفة القلعية، والعقال الى جانب الكلاو ،وكلهم يهتفون: ” يحيى الوطن!”..”.(50)
ومع أن البريطانيين كانوا يمثلون الحداثة والمعاصرة، ويحملون معهم طموحات مغرية في التجديد ونقل البلاد من التخلف الى التقدم ، الاّ أن الأفندية ،وهم فئة من المتنورين كانت تتابع الصحافة العربية والعالمية وتتحرى الأخبار من كل جانب” فيوصلون تلك الأخبار الى الملائية ،ويقوم الملائية من جانبهم بنشرها في أوساط الجماهير بغية اثارتهم على الأنكليز”.(51) الا أن هذا التعاون بين الجانبين لم يدم طويلاً، فما ان تأسست الحكومة العراقية حتى انخرط الأفندية فيها، فباتوا يطلبون من الملائية ترك ذلك، وقد شمل هذا التقلب الشعراء ،وبعض الأدباء، وهذا خاضع لطبيعة المزاج العراقي الذي ميل الى التغيير بسرعه ،وعدم الركون الى الثبات.
وكان تقارب السنة والشيعة نوعاً من الرد على أسلوب البريطانيين في استخدام ورقة الصراع الطائفي للتوغل في السيطرة على العراق بشتى أطيافه، ولكنه كما يبدو لي أن مؤثرات الحركة القومية الفتية كانت تسبغ على مثل هذه التصرفات نوعاً من الرضا والقبول، فقد كان ابن الشيرازي “علاوة على نشاطه الوطني مؤيداً للقومية العربية. ولم يكن هذا الأمر الغريب لأن القوميين والمتدينين كانوا في تلك الأيام يشعرون بانهم جبهة واحدة تجاه عدو مشترك”.(52) ثم سيزداد الشعور القومي بفعل الثورة العربية التي قام بها الشريف حسين ،وبفعل دعاتها ، ثم بزوغ نجم الملك فيصل كمرشح لعرش العراق ؛ كذلك أن الكثير من القناعات التي كانت تمتلكها العشائر العربية في العراق لها أسبابها القومية، لأنها تؤمن برابطة الدم ،وهي ذاتها ركن أساسي من أركان الانتماء القومي.
***
ويخطئ من يظن أن شرارة الثورة في الرميثة، كان حدثاً آنياً ، قائماً بذاته، لأن لها أسبابها ومقدماتها، مثل ثورة تلعفر وثورة دير الزور، وحركات أخرى، فقد بعث أهل دير الزور رسولاً من قبلهم الى الفرات الأوسط لتوحيد الجهود.(53) ومن هنا يمكن ان نعزي ثورات كربلاء والنجف والحلة وغيرها لتأثير فتاوي العلماء الشيعة الذين ضاقوا ذرعاً بالمحتل الجديد، بعد أن كانوا يتوقعون أن يكون من نصيبهم تشكيل حكومة يديرها رجال الدين الشيعة وكانت لإيران مؤثراتها في هذا الجانب؛ وهذا ما فات الوردي الاشارة اليه، لأنه مسكون بالصراع الحضاري بين البداوة والعمران ،وكذلك كان للمطامع الشخصية لكبار ملاكي الأرض الذين كانوا متنفذين في العهد العثماني، فصاروا يخشون ضياع امتيازاتهم وأملاكهم.
وكان من أسباب فشل الثورة، القسوة المتناهية التي استخدمها المحتلون في معاقبة الثوار ، ولكن الملك فيصل بعد توليه عرش العراق اتسم بالحكمة والروية ،وتحاول التوفيق بين طموحات العراقيين المتنافرة ، فحاول مكافأة الشيوخ على خلاف ما كان الانكليز يفعلون ،ولا سيما في الفرات الأوسط، لكن جهوده كانت محدودة، فكان ينجح فيها تارة ويخفق تارة أخرى.(54)
ويرصد الوردي فئة الأفندية بعد نشأة الحكم الملكي في العراق، الذين يتقلبون في مواقفهم السياسية، مرة معارضون متحمسون ، يتهمون الحكام بالظلم وخيانة الوطن، ولكنهم ما أن يتسنمون كراسي الحكم حتى ينسوا ما قالوه ويسيروا سيرة من كانوا ينتقدونهم بالأمس.(55) وثمة العديد من الاشارات الى تناقضات المزاج العراق وتصرف العراقي على وفق ازدواجية معيارية واضحة ،كما في صراع الحداثة والقدم بين الأفندية والملائية، أو بين التيار المحافظ والتيار والمتحرر في قضايا مهمة مثل التعليم وقراءة الجريدة والسفور وحلق اللحية واستعمال الملعقة وتعلم اللغة الانكليزية وطروحات التيار المحافظ في شأن الهاتف والبرق والدراجة والطائرة.(56)
شرفات:
كتب علي الوردي الكثير من الدراسات والبحوث ، حول طبيعة المجتمعات الانسانية، فكانت أقرب الى الشرفات التي يطل منها لتحليل طبيعة الشخصية الانسانية ، منها الشخصية العراقية، كما في مصنفاته المختلفة، منها كتاب( الأخلاق)،و(وعاظ السلاطين)،و(الأحلام)،و(خوارق اللاشعور ،)و(مهزلة العقل البشري)،و (أسطورة الأدب الرفيع).. وغيرها.
لقد كان كتابه (وعاظ السلاطين) بداية الاشتباك مع رجال الدين، حينما تناول الصراع بين البداوة والحضارة، ومنها حجاب المرأة في الاسلام ،اذا أن الوعاظ أيدوا الحجاب بأدلة عقلية ونقلية ،ولكن الوردي يعتقد أنهم – لا شعورياً- أرادوا ” أن ينذروا الفقراء بالويل والثبور ويمنعوهم من التطلع الى ما في داخل القصور الشامخة من بيض حسان”.(57) وهذا ما أورث الصراع النفسي داخل أذهان هؤلاء، وأدى بهم الى أن يتقمصوا شخصيتين مختلفتين ، وقد ركز جهوده حول طبيعة المجتمع العراقي حيث (النزاع بين قيم البداوة والاسلام) الى أقصى الحدود.(58) ومن هنا توصل الى ازدواجية شخصية الواعظ ،وقد تدرج في ذلك منذ بداية الفتح الاسلامي واضعاً نصب عينية ، المتغيرات التي حدثت في العراق، لكونهم ركزوا جهودهم على مكافحة الغزاة، ولكنهم في الوقت نفسه كانوا يتقربون اليهم.
كما كان كتابه (مهزلة العقل البشري) بمثابة استكمال لكتابه (وعاظ السلاطين) ، ولهذا يؤكد في مقدمته له بأن المفاهيم الحديثة التي تأتي بها الحضارة الغربية آتية لا ريب فيها وقد آن الأوان لكي نفهم هذه الحقيقة قبل فوات الأوان.(59)
ويعزو ذلك العناد لدى هؤلاء الناس بأن الانسان يؤمن بعقيدته التي ورثها عن آبائه أولاً ، ثم يبدأ بالتفكير فيها أخيراً. وتفكيره يدور غالباً حول تأييد تلك العقيدة. ومن النادر أن نجد شخصاً بدّل عقيدته من جراء تفكيره المجرد وحده. فلا بدّ أن يكون هناك عوامل أخرى، نفسية واجتماعية ، تدفعه الى ذلك من حيث يدري أو لا يدري.(60)
وكان الوردي ينتقي موضوعات الصراع، ويبحث عن طبيعة الاختلاف في وجهات النظر المتعددة، ثم يبني عليها نتائجه، بمعنى أنه كاتب تجريبي ، حاله حال الطبيب الذي يعتمد اعتماداً كلياً على نتائج التحليلات والكشوفات التي تقدمها له الأجهزة المختلفة؛ وهو لا يمتلك نظرية خاصة له، وانما يستقي ذلك من مقولات ابن خلدون في صراع البداوة والحضارة(العمران)؛ ولكنه يطِّعِّم هذه الآراء بمواقف وأفكار باحثين غربيين لكي تبدو قراءته معاصرة وجديدة، وهو يغلفها بنوع من المفارقة الساخرة والتندر.
أما كتابه (أسطورة الأدب الرفيع) فهو عبارة عن مجموعة مقالات كتبها الوردي في مناقشة لآراء الدكتور عبدالرزاق محيي الدين، حول الأدب شخّص بها الوضع الاقتصادي للجمهور العراقي ، مشيراً الى أنّ الدعاية للحكومة لا تقيد، وأن الحكومة تحاول” اجتذاب طائفة من الكتاب والأدباء الى جانبها لكي يعينوها على تنوير الشعب وعلى سدّ هذه الفجوة الخبيثة الموجودة بينها وبين رعاياها”. (61) كما يوصي الحكام بان لا يصدقوا المتحذلقين من أصحاب الأدب “الرفيع” فهؤلاء سائرون حتماً في طريق الفناء.(62)
أما كتابه (خوارق اللاشعور ،أو أسرار الشخصية الناجحة) فإنه يرى فيه” أن الخطابة الارتجالية أو المحاضرة أو المناظرة أو ما أشبه تحتاج الى استلهام اللاشعور أكثر مما تحتاج الى أي شيء آخر”.(63) فيشير الى أن العقل الباطن هو عقل الايمان والعقيدة الراسخة، بينما العقل الظاهر هو عقل التفكير والشك والتفلسف.(64) ذلك لأنه يعتقد أن العقيدة هي ليست بيد الانسان ،وهو لا يستطيع ان يحصل عليها او يتركها كما يريد ذلك “انها قناعة لا شعورية تأتي نتيجة الايمان القوي والمراس الطويل والانغمار الذي لا يخامره شك أبداً”.(65)
وهو يشير في كتابه ( الأحلام بين العلم والعقيدة) الى أن ” الأمة الاسلامية هي أكثر الأمم القديمة اهتماماً بالأحلام وتقديسها لها”.(66) ويرى أن أثرها في الاحكام الشرعية عبر تأويلها تأويلا خاصاً، جعل أهميتها في العقيدة الاسلامية كبيراً، ولكن بعض الشعوب تلجأ الى الأحلام للتنفيس عن همومها على منوال ما يلجأ اليها الأفراد تقريباً.(67)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- روافد النهضة والتنوير ، مرويات فكرية: سعد محمد رحيم، دار الشؤون الثقافية العامة (بغداد، 2015م)، ص 75-76.
2- علي الوردي يدافع عن نفسه : حميد المطبعي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر – المكتبة العالمية ، الشركة العراقية للطباعة الفنية المحدودة ( بغداد، 1987م)، ص 19.
3- علي الوردي يدافع عن نفسه، ص 25.
4- علي الوردي يدافع عن نفسه، ص157.
5- علي الوردي يدافع عن نفسه، ص43.
6- من وحي الثمانين ، د. علي الوردي: [ جمع وتعليق] سلام الشماع ، مؤسسة البلاغ ( بيروت، 1428هـ/ 2007م)، ص 108.
7- خفايا حياة علي الوردي: سلام الشماع، الدار العربية للعلوم – ناشرون(بيروت، 1436هـ/ 2015م).ص 111.
8- علي الوردي ، منظورات متنوعة: لاهاي عبدالحسين ومحمود عبدالواحد [تحرير]، دار الرافدين ودار أوما (بيروت – بغداد، 2016م)، ص 15.
9- منطق ابن خلدون : علي الوردي، دار ومكتبة دجلة والفرات ، ط2(بيروت، 1431هـ /2010م)،ص 74.
10- منطق ابن خلدون، ص 74.
11- منطق ابن خلدون، ص 75.
12- علي الوردي: ابراهيم الحيدري ،دار الجمل( كولونيا – بغداد، 2006م)، ص 83.
13- منطق ابن خلدون، ص 125.
14- منطق ابن خلدون، ص 142.
15- منطق ابن خلدون، ص154.
16- منطق ابن خلدون، ص 221.
17- منطق ابن خلدون، ص 236.
18- منطق ابن خلدون، ص 236.
19- دراسة في طبيعة المجتمع العراقي: علي الوردي، دار الوراق (لندن – بيروت، 2008م)، ص 28.
20- دراسة في طبيعة المجتمع، ص 55.
21- علي الوردي ( ابراهيم الحيدري)، ص 273.
22- دراسة في طبيعة المجتمع، ص 217.
23- دراسة في طبيعة المجتمع، ص 248.
24- دراسة في طبيعة المجتمع، ص 249.
25- دراسة في طبيعة المجتمع، ص 254.
26- دراسة في طبيعة المجتمع ، ص 254.
27- شخصية الفرد العراقي : علي الوردي، دار الوراق (لندن، 2007م) ، ص 14.
28- دراسة في طبيعة المجتمع ، ص 312.
29- شخصية الفرد العراقي، ص 45.
30- ينظر: علي الوردي يدافع عن نفسه، ص77- 78.
31- لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث: علي الوردي ، دار الرائد ، ط2(بيروت، 1416هـ/ 2005م)، 1/ 6.
32- لمحات اجتماعية، 1/ 20.
33- لمحات اجتماعية،1/ 29.
34- لمحات اجتماعية، 1/ 57.
35- لمحات اجتماعية، 1/79.
36- لمحات اجتماعية، 1/ 88-89.
37- لمحات اجتماعية، 1/ 119.
38- لمحات اجتماعية، 1/ 138.
39- لمحات اجتماعية، 2/ 15. ينظر: 2/ 281-308.
40- لمحات اجتماعية، 2/ 17.
41- لمحات اجتماعية، 2/ 137.
42- لمحات اجتماعية، 2/ 165.
43- لمحات اجتماعية، 2/ 216.
44- لمحات اجتماعية، 3/ 10.
45- لمحات اجتماعية، 3/ 202.
46- لمحات اجتماعية، 3/ 221، 224.
47- لمحات اجتماعية، 3/ 292.
48- لمحات اجتماعية، ج5 ق1/ 14.
49- لمحات اجتماعية، ج5 ق1/ 14.
50- لمحات اجتماعية، ج5 ق1/ 17.
51- لمحات اجتماعية، ج5ق1/ 44.
52- لمحات اجتماعية، ج5 ق1/ 214.
53- لمحات اجتماعية، ج5 ق1/ 316.
54- لمحات اجتماعية، ج5 ق2/ 227.
55- لمحات اجتماعية، ج6 ق1/ 321.
56- لمحات اجتماعية، ج6 ق2، 364-365.
57- وعاظ السلاطين: علي الوردي، دار كوفان ، ط2( لندن، 1995م)، ص10.
58- وعاظ السلاطين، ص 31.
59- مهزلة العقل البشري: علي الوردي، دار كوفان (لندن، 1994م)، ص 18.
60- مهزلة العقل البشري، ص 43.
61- أسطورة الأدب الرفيع: علي الوردي، دار كوفان ، ط2( لندن، 1994م)، ص 309.
62- أسطورة الدب الرفيع، ص 310.
63- خوارق اللاشعور ،أو أسرار الشخصية الناجحة: علي الوردي، دار الوراق ، ط2( لندن، 1996م)، ص 102.
64- خوارق اللاشعور، ص 174.
65- خوارق اللاشعور، ص 184.
66- الأحلام بين العلم والعقيدة: علي الوردي، دار كوفان، ط2(لندن، 1994م)، ص 37.
67- الاحلام بين العلم والعقيدة، ص 138.

شاهد أيضاً

دفاتر قديمة
في رحاب الترجمة
ناطق خلوصي

يمكن القول بأن الترجمة ، وأعني هنا ترجمة النصوص الثقافية ،على صلة مباشرة بالموهبة. فلولا …

جان ميلييه ينحاز إلى الإنسانيّة
مادونا عسكر/ لبنان

الإنسان عقل يفكر ويرتقي وقلب يحبّ، يدفع العقل للسّلوك بضمير حيّ وإرادة حرّة بمعزلٍ عن …

نـجيـب طــلال: باب ما جـــاء في احتفاليـــة “كــورونـــا” (01)

عــتــبة التـحَـول : كما يقال” إذا عمت المصيبة هانت ” ومصيبتنا في وباء كورونا الذي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *