مهدي شاكر العبيدي : (فاتنة بغداد) تاريخ عائم وسيرة غائبة، صوت يصدح بأسى في أحداث مفترضة

لعلَّ الأغرودة التي تستهَلُّ بها الحلقات اليومية المكوِّنة للمسلسل الدرامي ( فاتنة بغداد ) ، الذي عرضته قناة ( الشرقية ) الفضائية ، على عادتها الجارية في إمتاع مشاهديها بروايات واستذكارات من الماضي القريب ، علَّ الجيل الذي لم يعاصرها ويحط علما ً بالأحوال والأوضاع والماجريات التي اكتوى بها مَن سبقوهم إلى مراس تجاريب الحياة من الآباء والأجداد وكِبار السن من الأقارب والأغراب ، وقد يكون بعضهم ما يزال حيا ً وفي أرذل العمر ، ويلمُّ بكيفيَّة تصرُّفهم معها ومسايرتهم لطبيعتها على ما هو معهودٌ ومعروفٌ عن سذاجتهم وبساطة عيشهم ، لا سِيَّما إبَّان حقبة ثلاثينيات القرن المنصرم ، إذ كانتْ فترتهم دانية من زمن الارتباط بالسلطنة العثمانية والإذعان لتدابيرها وإجراءاتها في كلِّ أمر من الأمور ، وبذلك تعدٌّ الدولة العراقية حديثة العهد والتأسيس والنشأة في نظر مَن يؤرِّخ لعلاقاتها مع الدول الخارجية ، وتصرُّفات ساستها وحُكـَّامها حِيَال طوائف المجتمع الوارث لما لا يُحصَى من الرواسب والعصبيَّات والعنعنات ، فإذا أضفنا إلى ذلك تطلع الأوربيينَ للهيمنة على مرافق البلد بمجرَّد أنْ تنبَّهوا على ما يزخر به من خيرات وموارد ، هم كانوا أحوج ما يكونونَ إليها لإدامة ما باشروه ومضوا فيه قدما ً من التصنيع الآلي ، تلاقتْ الدواعي والأسباب لتفاقم مشكلاته ومحنه وتزايُد أسوائه ومعضلاته ، وتنامي سخط جميع مَن كتب الله لهم أنْ يحيوا في ربوعه من الآدميينَ إلى يوم الدين ، سخـطا ً ممزوجا ً ومشفوعا ً باللذع والمرارة والتشكي المستديم المتواصل من الهدر والانتهاك والاستباحة ، عبَّرَتْ عنه أو انطوَتْ عليه وكبتته طيَّ اللهاة آونة حناجر المنشدينَ من الفراتيينَ وباقي أخدانهم وقرنائهم أينما وجدوا وآثروا من هذه الربوع الفساح بالإقامة والسكن .قلتُ : بعد هذا التفصيل المسرف الذي يكاد يُنسِيكَ الهدف المنشود من وراء الأغرودة فاتحة دراما ( فاتنة بغداد ) ، من حيث أنـَّه بمثابة عصارة مستقطرة وخلاصة مركزة ونهائية لوقائعها وحوادثها ،

الفنانة إيناس طالب

إذ شهد العراق شروع ألمانيا بدءا ً من عام 1932م بمدِّ نفوذها في أنحائه وجهاته ، وتسريب فكرها وفلسفتها اللذين ِ تسترشد بهما وتستضيءُ بهديهما وتنهجهما في تسيير الأحكام وحمل بني أجيالها المتعاقبينَ على الانصياع لها والتقيُّد بموجباتها ودواعيها ، ليكونوا مثلا ً وقدوة يأتمُّ بها أبناء الشعوب الشرقية من المشمولة بتسريب ذينك الفكر والفلسفة ؛ فكان أنْ شغل الألماني ( فريتز غروبا ) منصب السفارة عن بلاده ، وكان ما كان عن امتيازه بشمائل وخصال وخصائص من توقد الفكر وخصوبة العقل وحيويَّة الذهن وفورة الوجدان ، ما أسفر عن استحقاقه إعجاب نفر غير قليل من العراقيينَ ، بعد ما تكشَّف عن تبسُّطه وتغلغله في أوساطهم وشهوده محافلهم وحضوره منتدياتهم ، ولعلَّ الوصف الشائق والمثير لِما غلب على بعض النفوس من الأطوار والمسالك ممَّا أتى عليه الكاتب ذنون أيوب في مواضع بعينها من روايته الفنية المكتملة ( الدكتور إبراهيم ) ، والممناة بشيءٍ غير قليل من الغبن والإجحاف والتناسي من لدن نقادنا ونقدتنا ونويقدينا ، هو المجترئ بصريح العبارة على استغوار الدخائل واستكناه الأعماق ، والإبانة بالتالي عمَّا تبدَّى عنها من سخفٍ وهدر للحرمات الشخصية ، من فرط الانسحار بهوى الأجنبي والتخلي عن كلِّ المقوِّمات الذاتية والذوبان فيه ، وهذا الحال كان البداية لشيوع تنابز العراقيينَ فيما بينهم بالعمالة لدولةٍ ما لقيَتْ مبادئها رواجا ً وذيوعا ً وتفشِّيا ً في ملتقياتهم وتجمُّعاتهم ، ثمَّ يحصل بعدها أنْ يتبادلوا الأدوار فيمنى جميعهم بالعمالة ؛ وقد شغل ( غروبا ) منصبه ببغداد للمدَّة بين عامي 1932ــ 1939م ، ثمَّ عاد لمدَّة وجيزة في مايو 1941م ، ورجع إلى بلاده ثانية لتولي الملفات العربية حتى انتهاء الحرب وخسران الألمان لها   ، وخدم أثناء مكوثه في العراق دولته بسعيه لزيادة النشاط الاقتصادي في بلاد النهرين ِ ومضاعفة صادراتها إليها ، وسط ما استغرقها من تحمُّس فتيتها واستهوائهم للأفكار النازية ورغبتهم في اعتناقها ، متعامينَ عن أنَّ عميد النازية في تصنيفه للأجناس والقوميات يضع العرب في مرتبةٍ دنيا لا تليق بهم ولا تشرِّفهم ، بل لا تتناسب هي وما حققوه للإنسانية من أمجاد باذخة على صعيد العمران والحضارة .

       وقد ركز مسلسل ( فاتنة بغداد ) الذي كتبه الأستاذ علي صبري ، منتهيا ً به أواخر عام 1936م ، أو عشية قيام الفريق بكر صدقي باشا

 

بحركته الانقلابية فجر الخميس 29 / 11 / 1936م ، عاكسا ً للجمهور المشاهد صورا ً نابضة بالحيوية عن الصراع المحتدِم بين ألمانيا وخصيمها اللدود بريطانيا للاستحواذ على ما يمتلكه العراق من ثروات وكنوز ، وما يختصُّ به موقعه من خارطة العالم الوسيع من أهميَّة في تسهيل شأن ما تبغيه تانك الدولتان المتصارعتان لأنحاءٍ مسعفة بأطماعهما ومصالحهما ، ولم يعدُهما إلى تناول مصرعه في نادي الضباط بالموصل ، وتلاه مباشرة من هجرة رئيس الحكومة المطوَّح بها إلى دمشق ــ ياسين الهاشمي ــ حيث أدركته المَنِيَّة فيها ، ودُفِنَ جوار المسجد الأموي ، ومن لياذ بعض أقطابها الآخرينَ بالقاهرة ، ومن استحالة حكم الفريق الذي لوَّح للناس بالمواعد أنْ سيستردُّوا حقوقهم المنتهكة ويتمتعوا بحريَّاتهم ويمارسوها بكلِّ أمان وبدون ضغط وخشية وحِجر لعقولهم ولجم لأفمامهم ، إلى حُكم فردي متعسِّفٍ كان النذير لهم لو وعوا عبر التاريخ واستقوا الدرس القاسي منها ، أنَّ هذا شأن ما سيتلوه من مبادراتٍ وفعالياتٍ يتولاها أنفار مؤهَّلونَ للذياد عن حدود البلاد الخارجية وصونها من التعدِّي والتوغل فيها ولو لمسافاتٍ قِصَار ! ، ولم يمرّ المسلسل كذلك بمشايعة جماعة الأهالي والتفاف روَّاد الأفكار اليسارية وتأميلهم تحقق المكاسب الشعبية في تلك الآونة بعاتق رجاله وقادته الميامين ، حيث المعيشة بسيطة وميسورة والأجور من الرخص والتدني والضآلة بحيث تستدعي الاستغراب والدهشة إذا قورنتْ بالأجور المتعارف عليها في يومنا الراهن ، لا سِيَّما أنَّ سكان العراق قد تضاعفوا بعض الشيء وتزايدوا من نحو مليونين أو ثلاثة عُقيْبَ ثورة العشرين إلى ما دون الخمسة ملايين في سنوات ما بعد سنة 1930م ، وأذكر من أيَّام طفولتي أنَّ عمَّال البناء كانوا يقفونَ صفا ً متراصَّا ً بعد انتهائهم من العمل طوال النهار ويوجِّه رئيسهم ــ ( الأسطة ) ــ بتحديد أجرهم اليومي بحسب الأعمار ، بين خمسين وسبعينَ فلسا ً ، والمسألة طبيعية وليس فيها افتيات إذا كان سعر كيلو الرز ستة فلوس ، وثمن الدار في محلتي : ( الشواكة والجعيفر ) ــ على مقربة من عيادات الأطباء والصيدليات ودوائر الحكومة ــ مائتي دينار ، لكن مَن يمتلك يومها هذه المائتي دينار ؟ .

       إذن كانتْ المناداة بالتغيير وممارسة النضال دونها بالانضمام والاندماج بالتشكيلات الحزبية مبرَّرة ومسوَّغة ، فلا غرو أنْ يزدهر الشعر والأدب الهادف لاجتثاث مخلفات القرون ومحو المتبقيات من آثار عهود الاستبداد والتنابذ بالنعرات الطائفية ، فنستجلي من جوسنا في هذه الأمور الجانبية المخيِّلة أنـَّها خارج السياق ، أنَّ حلقات المسلسل إذ اعتمدَتْ سيرة حياة الفنانة عفيفة اسكندر وما شاع عن هِيَام زعيم الانقلاب الذي كان يغشى الملاهي الليلية بزيِّه المدني إلى جانب مَن يلتقونَ فيه من الأجراء والكسبة ، وعيون السلطات وتبابعة الحكومات الأجنبية تلاحقه ، فلكي يجسِّد صراع المتنافسينَ والمتهالكينَ على التدخُّل بشؤون العراق ومعرفة أميال ساسته وأهوائهم ، معطيا ً لكلٍّ من القسمين ِ أو العنصرين ِ انصراف المطربة عفيفة اسكندر لممارسة الغناء وإسحار ألباب المشغوفينَ به من جهة ، ومزاولة الفريق بكر صدقي للسياسة والتدخُّل في شؤون الحكم ، والتأليف في الشؤون والاهتمامات والوجائب العسكرية من جهةٍ أخرى ، نصيبه وحصَّته من التصوير والتجسيد ؛ مقرنا ً ذلك بإعطاء قيمة لدور المختار في تصافي الأهالي ضمن حدود منطقة سكناه ، بحيث يبدو تردُّده على صاحب المقهى الحريص على سمعة مجاوريه ، وانتخاؤه لمعاونته وإسعافه أيَّام مرضه ، وما يتكشَّف عنه المختار هذا من سخاءٍ وأريحية بإزاء العامل في المقهى إذ قبل تزويجه ابنته ؛ لكن يتبيُّنُ لنا أنَّ كلَّ هذه المشاهد مقحمة إنْ لم تحُـفّ بها المبالغة والزيادة ، فـقـد فتحـنا عيوننا عـلى هؤلاء المختارينَ ــ ( المخاتير ) ــ وخبرنا أكثرهم أناسا ً مترفعينَ وفيهم شيءٌ من الكِبَر على الناس ، ويهمُّ بعضهم أنْ يمرِّر ختمه ــ ( طمغته ) ــ مصدِّقا ً على صحَّة المعلومة المدوَّنة في الورقة لا غير ، ويستحصل مقابلها ما يجود به حاملها ، سواء أ كان هذا المختار معيَّنا ً من قبل الحكومة أم ترشَّح بإجماع جمهور الأهالي على تكليفه بهذا الواجب والقطع بجدارته واستحقاقه ومروءته ؟ ، وإلا فأنا أحتفظ بذاكرتي غير طرفةٍ عن تعاملهم مع المستجيرينَ بهم من المواطنينَ في غير جهةٍ من البلاد  ، فمن المهازل التي وقعَتْ زمن عبد الكريم قاسم : إنَّ لفيفا ً من متخرِّجة دور المعلمينَ قصدوا دائرة الشرطة والأمن في منطقتهم ليستحصلوا منها تزكية بحسن سيرتهم وسلوكهم حسبما تطلبتهم به مديرية المعارف أو التربية لغرض تعيينهم ، فبحثوا عن مختار محلتهم فلم يجدوه لأنـَّه كان مسافرا ً ، ولتسهيل أمرهم طلب إليهم مسؤول الشرطة استدعـاء أيَّ مخـتار لـمحلةٍ أخـرى ، واسـتفسـر مـنـه بخصوصهم ، فـتـكـشَّـف عـن ( فرعون ) خبيثٍ وماكر ، بدلا ً من أنْ يكونَ عونا ً لهم ، واستطرد في كلام ٍ ولغو ٍ عن فترة الـ ( 59 ) ، وحكى عن تصفيقهم مع المصفقينَ ( وهسة خوش ناس ) ، وهنا انفرَجَتْ أسارير رجل الشرطة وتكشَّفتْ عن الدُعابة والسخرية والمرح ، أ هكذا يُفسَّر طلب التزكية زمن الحكومات الوطنية المفروضة على البلد إثر المغامرات والاقتحامات العسكرية ؟ .

       وقد أغنانا الأستاذ طارق حرب ــ قبلا ً ــ بملاحظاته الدقيقة عن الممثلينَ وطبيعة أدوارهم في المسلسل من حيث السنِّ خاصة بالنسبة للفنانة ( إيناس طالب ) المؤدِّية لدور عفيفة اسكندر بجدارة واقتدار ، وإنْ ناب عنها في تأدية الأغنيات صوتُ فنانة مغنية أخرى متخفية من وراء ستار ، وهي : ( أصيل هميم ) ابنة الملحن كريم هميم الذي لحَّن أغنية عنوان المسلسل ( التايتل ) ؛ لكنَّ المدهش هو الإتقان والبراعة في الدبلجة وتطابق صوتِ المغنية وتساوقه والحركات المستتبعة على الأغنيات بما فيها تلفظها بالأواخر من حروف الكلمات ممَّا يلمسه المشاهد لمسا ً ويشغفه ويستهويه ! .

       وإلا فقد كان بالوسع المدُّ في حوادث المسلسل كجزءٍ ثان ٍ إلى سنواتٍ تالية بعد انطواء صفحة الانقلاب وغِياب كثير من رجالاته العسكريينَ والمدنيينَ ، وإعراض الناس عن استذكار وقائعه المُحزنة ، لكنَّ الذي بقي هو هيام عفيفة اسكندر بفنـِّها واستئنافها إطراب رواد الملاهي بمَن فيهم رواد البحث والتأليف وهواة الشعر وعشَّاقه وسدنة الفكر والثقافة المنفتحينَ الذينَ لا يجدونَ تحرُّجا ً من الإلمام بالنوادي الليلية ، كالفهَّامة مصطفى جواد وعُشرائِه : جعفر الخليلي ، وعبد المجيد لطفي ، والمربِّي اللبناني ــ العامل في حقل التربية والتعليم في النجف ــ إسكندر حريق ، وعبود زلزلة ؛ في أحايين مختلفة ومتفاوتة من سني الأربعينيَّات وما بعدها إثر عودته من بعثته للدراسة في فرنسا .

      وللأستاذ جعفر الخليلي كتيِّب بعنوان ( تسواهن ) ، يحتوي سوانحَ عن الجمال والغناء والرقص العراقي ، علما ً أنَّ تسواهن اسمٌ لراقصة وفدَتْ إلى بغداد من بلد مجاور أعتقد أنـَّه سوريا أو لبنان ، وهي : بدرية هلال ؛ ولرائد القصة العراقية عبد المجيد لطفي كتابٌ مكرَّسٌ بتمامه لخلال عفيفة اسكندر ومزاياها ؛ مُنـِّيا إثر صدورهما في بداية الخمسينيات من القرن المنصرم بتعرُّض محرِّر مجلة ( الثقافة الجديدة ) في بداية ظهورها أواخر عام 1953م ، بلومه إيَّاهما على هذا الضرب من الكتابة حول موضوع غير ذي أهميَّة ، إنْ لم يعتدُّه من قبيل الإسفاف والإخلال بما عُهـِد عنهما من الاضطلاع بالرسالة الأدبية المحيطة بمشكلات مجتمعنا المستعصية وأسقامه الوبيلة ، فتصدَّى له المرحوم عبد المجيد لطفي بشيءٍ من الإبطال والتفنيد أنـَّه توخـَّى من تأليفه في موضوع عفيفة أنْ يُلفِتَ الأنظار إلى قطاعات وشرائح بشرية من مجتمعنا ، لعلها تربو في طيبتها وسوائيَّتها وصراحتها المحضة على أولاء اللاهجينَ بنفورهم من الرذائل والخسائس ، وتعلقهم بالمُثل العليا وسعيهم لإعمام مقوِّمات الشرف والاستقامة والتجرُّد والنزاهة ، وواقع حالهم يشي بما يشوب حياتهم من التدليس والنِفاق والكذب .

       وبالفعل فقد كانتْ عفيفة اسكندر محتفية ومبتهجة في استقبالها لهذه العِينة من الروَّاد المُبجَّلينَ ، ومن الذينَ حكى بعضهم عن اكتفائه أثناء هذه المُجَالسة لعفيفة ومحاورتها بشأن الشعر وما يصلح للغناء منه بتناول ( المزَّات ) من ( كرز وجاجيك ولبلبي ) ونحوها ، دونَ أنْ يعدوه إلى الانتشاء بكأس من البيرة المثلجة ، ولو في عزِّ الشتاء البارد القاسي .

       أمَّا ما ذاع وصار بحكم المُسَلـَّم به من أنَّ الكاتب تتألق كتابته ويزهو إبداعه ويجود بيانه وينصقل إنشاؤه كلـَّما نأى عن الديار وانبتـَّتْ آصرته بإلفه ، وهذا لا يعني منـَّا تحبيذا ً للاغتراب وإغراءً بغشيان بلاد الناس ، سوى أنْ توافرَتْ أسباب المعاناة وعواملها وشروطها وهي المحفز المنجد والمقتضي أنْ يرسل الأديب نفسه على سجيَّتها وأنْ يسحَّ بالكلام المرسل سحا ً بدون اضطرار لتنميقه وتحسينه ، مثلما حصل ذلك وأوفى عليه في غير بلاد الغربة من الطواعية والتلقائيَّة ونسيان النفس وغِيابها عن الوجدان ، طه حسين في تحبير قصَّة ( الأيام ) ، والقديس ( أوغسطين ) في تدوين اعترافاته ببيانه الطلياني ، كما أتى على ذكر ذلك المربِّي السوري المشهور والراحل عن هذه الدنيا الدكتور عبد الله عبد الدائم .

      قلتُ إزاء هذه الملاحظة بشأن دأب المبدعينَ والنشطاء من أرباب مهنة القلم ، ومنوالهم في الكتابة ، فالواجب أنْ نضاهيهم بأقرانهم ومقاسميهم ألوانا ً وصنوفا ً أخرى من الفنِّ والإبداع ، وأعني بهم جميع مَن أسهم بإنجاح هذا المسلسل الفريد ، ولو بتأديته دورا ً قصيرا ً منه ، ولا أدري مَن أذكر وأمتدح وعمَّن أغضي وأصدف منهم ، فحسبي أنْ أبعث تحياتي للجميع ، دون أنْ أغفل أو أسهو عن مخرجه الأستاذ ( علي أبو سيف ) ، وهو نفسه الأستاذ علي عبد الحسين ، وأظنـُّني عهدْته وعرفته بعض معرفةٍ من أيَّام اشتغاله مدرِّسا ً للتربية الفنية في ثانوية ( نبو خذ نصر ) للبنينَ ببغداد ، وممثلا ً لدور ( الشريف الرضي ) في تمثيلية ( المعري ) إلى جانب الفنان عبد الستار البصري الذي تقمَّص شخصية رهين المحبسين ِ ، وبذلك ينضاف دليلٌ على أهلية الفرد العراقي واستجماعه في كيانه الشخصي لعوامل العطاء والإبداع . 
هامش:
    1. مجلة ( المستقبل العربي ) ، عدد تشرين الثاني 2010م ، مقالة ( العالم العربي في وثائق سرية ألمانية 1937ــ 1941م ) بقلم الدكتور سمير عبد الرسول العبيدي ، ( بتصرُّف ) . 

********

MahdiShakerAlobadi@Yahoo.Com

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| جمعة عبدالله : معاناة الانسان المضطهد  في الديوان الشعري “ثلاث روايات” للشاعر عبد الستار  نور علي.

  تشير بوضوح قصائد الديوان الشعري في بدايات السبعينات القرن الماضي , الى ولادة ونبوغ …

| طالب عمران المعموري : بنية الاهداء في المجاميع الشعرية  للشاعر مهند عبد الجبار آل ابراهيم.

لمنتجي النّص الابداعي  في عموم نتاجاتهم الأدبية أسلوبهم   فيما يكتبون  وإن كثيراً لهم بصمةٍ مميزةٍ  …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.