سرير الرمل لسلام إبراهيم
قصص تجعل القارئ يتقمص شخوصها
زهير كاظم عبود (ملف/31)

إشارة:
مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي “سلام ابراهيم” نصوصه بدم التجربة الذاتية ولهيبها. وفي اتفاق مع إشارة خطيرة للباحث الأناسي العراقي البارع د. علاء جواد كاظم الذي اعتبر روايات وقصص سلام إبراهيم من مصادر الدراسة الأنثروبولوجية الناجعة في العراق نرى أن نصوص سلام يمكن أن تكون مفاتيح لدراسة الشخصية الوطنية مثلما استُخدمت نصوص ياسانوري كاواباتا لدراسة الشخصية اليابانية ونجيب محفوظ لدراسة الشخصية المصرية مثلا. الفن السردي لسلام ابراهيم هو من عيون السرد العربي الذي يجب الاحتفاء به من خلال الدراسة الأكاديمية والنقدية العميقة. تحية للروائي المبدع سلام ابراهيم.

مسكون بالمكان رغم رحلة عذاباته وغربته. وفي كل قصصه تشعر بمقدار الحزن المتراكم داخل روح الطفل الذي كبر بسرعة فتلمس قدسية الزقاق وهالة المدينة وطعم التراب في أزقة المحلة الكبيرة، لكلمات سلام إبراهيم طعم تراب الديوانية ولقصصه أجنحة تنقلك إلى عوالمها الحقيقية يكون فيها سلام دليلا ومرشدا، ففي سرير الرمل يطفو فوق طفولتنا الموحشة ونستغرب من قدرة الكاتب على استلاب مشاعرنا وأسرارنا وهو يرويها لنا ملقيا كل كلماته دفعة واحدة في أحضاننا في أغوار الفجر مع تغريد البلابل.
يعجن الكلمات بالأحاسيس الخاصة جدا حتى يبان لك عارياً، ويرش الكلمات فوق أحلامنا لتستحيل رؤى وخواطر عبرناها خلسة، وسلام إبراهيم الذي يتعرض للتشظي الحاد لأيام الديوانية المدينة القابعة على طرف الصحراء يلتقط منها ما يستطيع من الحكايا التي نشتاق لها كل يوم بلهفة ونشم منها عبق الأيام التي كانت، ففي “جنية الأحلام” يعبر بأقتدار عال حقيقة المشاعر الإنسانية وما يشتعل في الروح وما يرجف القلب والأطراف وما يعتري الهواجس من أوهام مشبوبة عنيفة يخلط المكان من خلال احتواء الزمن فيربط الديوانية بكردستان بالدنمارك ماسكا بكف الجنية يصرخ كالمجنون. وأجمل ما في قصص سلام إبراهيم ما تجده يلوذ به من مفردات شعبية باللغة المحكية ليطرز بها قصصه كما في جورية الجيران التي نشرها في ملحق ( السفير الثقافي) عام 1997 وفي (الاغتراب الأدبي) عام 1999 ثم عاد ليلحقها بمجموعته القصصية الأخيرة (سرير الرمل). أما في قصة (اختطاف) التي نشم فيها رائحة الأقمشة والزعفران والمسك والبخور وتبهرنا مخاريط الضوء المنهمر من ثقوب أحشاء سقف السوق، من البلاط المبقع بدوائر الشمس، من الأغبرة المتراقصة وهي تعفره أثناء مروره أكاد أشم كل عبق المكان والروائح والأضواء وأجدني أبحث عن سلام إبراهيم لعله يدلني على مكان أخر ورائحة أخرى فيرشدنا إلى دكان النجار الذي كان والده والمعلم الذي تعلم منه كثيراً، لكن سلام يتركنا نتأمل تقاسيم “عبد سوادي” البهية، نبحث عنه فنجده ماسكاً طاسة الماء ويقرع أبوابا مقفلة وهو يكتب على خشبها في ذلك الزقاق الفقير.
تفصيلات أشبه باعترافات قديس تحاصره الحقيقة فلا يملك إلا أن يبثها لنا في محراب المجموعة “جرح الحمامة” عطب روحي ومشاعر تعج بالضياء والمشاعر في مكان موحش يفتقد للضحكة العميقة ويفتقد للأمان. “نخلة في غرفة” و “أخيلة العيون” و “رؤيا الحفيد” صرخة في سكون، غير أنه يحتوينا بحذر يعود ليذكرنا بمحمد حازم مرتضى الذي التفت عليه عقارب الرعب في أقبية السلطة المظلمة، فانهت طفولته واختزلت عمره المكتوب على ورق جوري، التفت حول عنقه على عجل لتنزع روحه بكلتا يديها فيبقى أسمه الجميل رمزاً يحوم في سماء المدينة الصغيرة.
وبقدرة المبدع المتمكن يستدرجنا للوقوف معه في ساحة العرضات يوهمنا بأن شجرة الكالبتوس من معارفه وهو الذي أدمن الحياة في غرف الطين والكهوف والمغارات كالعصفور الذي كان يحلم به في بيت أهله، يعود للمكان يؤكد قدسيته وأهميته في كل كلماته، ففي “حصار يوسف” المنشورة في مجلة “الثقافة الجديدة” يعود سلام إبراهيم ليكشف لنا دفقات الألم المترسب في أعماق أرواحنا بنقل خواطر النفس في حرمانها وهو في أرياف السليمانية حينما كان يقاتل في كردستان.
ومن حيث مساحة القصص التي تحتويها المجموعة واللغة التي ما فارقت سلام إبراهيم نجد أن المجموعة تستحق الانحناء، فسلام إبراهيم كما قيل مزدحم بالمرارة لكنه قادر على توظيف هذه المرارة، وإذا كنا نريد من سلام إبراهيم مناخا لسرد قصصي واقعي أو لا واقعي نكون قد سلبناه حقه كثيرا فهو يسرد بتلقائية عما يختفي في أعماقه من رغبات وأحاسيس ومشاعر تجعل لغته ذات تقنية تكاد تميزه عن غيره من كتاب القصة.
حينما كنت أقرأ مجموعته القصصية الأخيرة “سرير الرمل” لم أشعر بنفسي إلا وأنا في المكان المحدد الذي أراده سلام وعبثاً حاولت التملص أو التخيل لكنه قيدني بالمكان المهيب ولاحقني بكل تفاصيل الأمكنة الصغيرة.
بمهارة ومعرفة يسرد سلام إبراهيم قصصه وهو بذلك يؤكد في مقابلة صحفية منشورة في “رؤى” الملحق الثقافي لصحيفة “الأيام” البحرانية إخلاص نصوصه لأمكنة وروح مدينته التي نشأ فيها، فيقول معترفاً بأن الديوانية تشكل أحشاء تجربته وانسحاق طفولته وشبابه مؤكداً أن علاقة نصوصه بالمكان علاقة شديدة التعقيد ليخلص إلى القول “أن الديوانية تشكل أحشاء نصوصي بكل لبناتها”.
وأنا أقرأ كنت أتقمص الشخصيات القائمة من قصص سلام إبراهيم وهو يطرق عليّ أركان زمني الذي غادر المكان، فبقى سلام شاهداً.

شاهد أيضاً

رحلة الكينونة المعذبة من منظور أخر
الإرسي: سيرة الذات وعناء الآخر في التجربة الإنسانية
د.علاء جواد كاظم* (ملف/109)

إشارة: مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي …

الدكتور زهير شليبه: حوار قديم مع الشاعر الدانماركي بني أندرسن أجراه الدكتور زهير شليبه (ملف/2)

بمناسبة رحيل الشاعر بني أندرسن يوم الخميس في السادس عشر من آب 2018 مقدمة لا …

قصة قصيدة وطن رائية العرب.. قصة المشروع
فكرة القصيدة ومطلعها وخاتمتها الدكتور صالح الطائي(ملف/13)

إشارة: يسرّ أسرة موقع الناقد العراقي أن تفتتح هذا الملف عن “قصيدة وطن- رائية العرب” …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *