التباعد
بقلم د ميسون حنا/الأردن

قفز هاجسي وزنّ في رأسي أن أتصالح مع الكلمة بعد جفاء دام أسبوعا أو يزيد، فأمسكت قلمي وشرعت أبحث عن كلمات مناسبة تقال لتخفف وطأة الظرف الذي يمر بنا، ويقحمنا لنندمج معه ليس دعما وإنما انقيادا وتبعية، فنحن نخضع له مستسلمين وطائعين، يأمرنا أن نمكث في بيوتنا، ونعطل أعمالنا، ونغلق مؤسساتنا، وأن نقطع صلة التواصل مع أقربائنا وذوينا وأصدقائنا وخلاننا، والمسافة بيننا وبين محدثينا تؤكد سلوكنا الذي فُرض علينا، والهلع يجعلنا نرضى بقيودنا، ولكن عدونا يتربص بنا ولا يحيا إلاّ عندما يحتل أجسادنا لتغدو مرتعا له لينمو ويتكاثر وينتشر، أما إذا حاصرناه بتباعدنا فلا نتيح له فرصة انتهاك أجسادنا فانه يفنى، فالتباعد هو خير وسيلة للقضاء عليه، وعلينا أن نمارسه بصبر وأناة، وبالرغم من الخسائر المعنوية والمادية إلا أننا سنحقق نصرنا عليه ولن نكون تابعين له كما تخيلنا في البداية بل سنقوده إلى حتفه بعزم وثبات، سنقضي عليه بتجاهلنا له، ولكن ماذا عن فيروسات أخرى تعيش حولنا ومعنامثل فيروسات الحقد والكراهية وغيرها؟ فنحن ننسى أننا لو وضعنا رقابة على أنفسنا، وكبحنا جماح غضبنا إزاء توافه الأمور التي غالبا ما تكون سببا لعراك أو مشادة بين خصمين وهميين، وتكرار هذه المشادات سيحيلهما إلى عدويين حقيقيين، عندها ستتراكم الأحقاد، وتوغر الصدور، وتنمو الكراهية، ويحدث التنافر، ومع مرور الزمن سيصبح التغلب على هذه الشحنات يكاد يكون عقيما فيحدث الفراق … قد نتساءل: هل علينا أن نكون متبلدي الشعور أمام الاستفزاز الذي قد نتعرض له؟ وماذا نفعل مع أعدائنا، ومع من يتعدى على حريتنا، ويغتال حلمنا؟ علينا حينئذ أن نصب جام غضبنا عليه على ألا نستنزف قوانا في الصراخ والشتائم، إنما لنعد أنفسنا لمواجهة ترتقي بنا وترفع من شأننا فنترفع عن توافه الأمور، ونواجه الظلم بالحجة، ونتسلح بالعلم والمعرفة والفضيلة، فلا يستطيع عدونا اختراقنا، ونكون قد حققنا ذلك بصقل أحاسيسنالتكون ميالة للتسامح وسعة الصدر، أما العدو الشرس فننأى عنه، وسننجح كما نجحنا في مقاومتنا للفيروس بالتباعد، علينا كذلك أن نبتعد عن فيروس الحقد بأن نحجزه خلف مدارات تفكيرنا، وهكذا سننجح في أسرنا ومحيطنا، ولكن هل سننجح أمام مغتصبينا ومحتلي أراضينا؟ هذا السؤال المحير الذي يجعلنا نهدم ما كنا بنيناه بالحكمة والتسامح والمحبة، فعدونا يتسلح بالحديد والنار، ومواجهته تتطلب الحزم والإقدام، ولكننا لن ننجح ما دمنا نتلفع بدثارات جهلنا وقلة ثقافتنا، فلن يشتد عودنا إلا إذا أصلحنا أنفسنا من الداخل، وصقلنا شخصياتنا، وبنينا مجتمعاتنا بالعمل الدؤوب، وإلى أن يتحقق ذلك ستمر عقود، حينها سنكون جاهزين لمواجهة أعدائنا الحقيقيين، والله ولي التوفيق .

****

شاهد أيضاً

كورنة القيم.
عبدالله علي شبلي- المغرب

من وجهة نظر ابستيمية خالصة تبتغي تحصيل المعرفة كونها ارتقاء بالجنس البشري ونيلا ونبلا. بعيدا …

فاروق مصطفى: موشي بولص و عدنان ابو اندلس / من يضيء موشور غرائبياتهما؟

ملتقى الزمن للثقافة و الفنون مكتبة تتعاطى بيع الكتب الجديدة ، و في نفس الوقت …

ورد ورماد : رسائل الصداقة والاعتراف بين الأدباء
بقلم: أحمد شحيمط

التقيت محمد شكري في صيف 1972 بشارع باستور بطنجة، يروي الروائي المغربي محمد برادة عن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *