غانم العقيدي: كنا في مقهى محمود (3)

زواج رياض
في اتصال هاتفي عن طريق المدرسة مع امي قالت خالتي نسيمة:
ان رياض وعروسته قد توجها الى الموصل لقضاء شهر العسل ولزيارتنا ايضاً، وبينت خالتي ان رياض لم يدعونا لحضور زواجه قائلا:
بانه سيزورنا وعروسته في الموصل وليس هناك من داعٍ لدعوتنا وتجشمهم مشقة الطريق.
كان رياض قد سرب لي من قبل بانه ينوي الزواج من احدى زميلات ليلى في الجامعة والعمل وصديقتها واسمها آمال وقد توثقت علاقته بها، عندما كان يوصلها بسيارته يومياً الى الدائرة مع ليلى لان بيتها على الطريق ، وكان يتواصل معها عبر قصاصات الاوراق المتبادلة بينهما بالسيارة سراً من وراء المقعد حيت تكون ليلى جالسة في الامام، وانه قد خرج معها مرتين او ثلاث بدون علم ليلى واخيراً اتفقا على الزواج، وقد اسند دور الخطوبة لليلى كي لايشعرها بانه على علاقة بصديقتها، ويبدو ان الامور سارت على ما يرام حسبما اخبرت خالتي نسيمة امي ان زوجة رياض صديقة ليلى واسمها آمال.
فرحت امي كثيرا بزيارة رياض وعروسه لنا وباركت لهما زواجهما وقبلت العروس واحتضنتها وكانت امي قد اعدت عشاء فاخرا للعروسين ومكاناً لنوم رياض وزوجته الا انه اعتذر قائلا:
ساذهب انا وحسن بعد تناول العشاء، لحجز غرفة في فندق المحطة القريب، لكننا سنزوركم قبل سفرنا الى مصيف سرسنك لقضاء بضعة ايام هناك ومن ثم العودة.
قالت امي اذن:
سيكون غداؤكم غداء العرسان الخاص عندنا غدا.ً
وافق رياض على دعوة امي قائلاً :
وهو كذلك وسننتهز الفرصة لزيارة اسواق الموصل، والسرجخانة وغيرها من الاماكن قبل سفرنا.
آمال شابة رقيقة جداً سمراء فاتنه وقد كان رياض قد وفق باختياره الرائع لزوجته. ومن حسن الصدف ان تكون آمال عازفة للبيانو.
انهمكت انا بتحضير المواد التي طلبتها امي لدعوة الغداء، ومضطراً بين الحين والآخر اذهب لجلب بعض اللوازم التي تتذكرها امي.
قالت امي:
لا استطيع اكمال تحضير الغداء لوحدي وسادعو نهلة الى مساعدتي خوفاً من ان يدركنا الوقت ، ومن ثم ارسلتني مرة أخرى لشراء بعض الحاجات.
كنت احلم ان ارى نهلة، فقد اشتقت اليها كثيرا والايام التي كانت تمرق لم تعن لي شيئاً دون ان ارى نهلة التي لم أرها منذ ليلة اللمبة.
دخلت البيت بعد اكمالي شراء الحاجيات، ووضعتها في المطبخ حيث كانت نهلة تقف مع امي وهما يتبادلان الحديث عن اعداد الغداء،ارتعدت فرائصي واصابتني الحشرجة وتلعثمت، عندما رايت نهلة واي نهلة ! انها قطعة ابدعها الخالق سبحانه وتعالى، وكانها الشمس التي لا تستطيع مجاراتها في النظر: كانت نهلة قد نزعت عباءتها وهي ترتدي قميص ابيض مع تنورة نيلية، وقد نثرت شعرها الشفقي على اكتافها ووضعت شيئاً خفيفاً من الميك اب الذي زادها جمالا واشراقا واعتقد انها سعت الى ظهورها بهذا المظهر الرائع، لاستقبال العروس التي ستحضر لتناول الغداء الذي تعده من اجلها.
سلمت على نهلة سلاماً حاراً ، وبادلتني التحية بابتسامة وفيها الف معنى ومعنى واستطعت ان استعيد توازني وغادرت المطبخ الى غرفتي، لاخذ استراحة بعد العناء من ذهابي وايابي عدة مرات، عندما لاحظت امي تدخل غرفتها لعمل شيئٍ ما، فلم اتردد، وخرجت مسرعا الى المطبخ، حيث نهلة كانت منهمكة على المغسل تغسل بعض خضراوات السلاطة، ودون ان تلتفت تقدمت اليها، وطوقتها من الخلف، وطبعت على جيدها قبلة، وانا فاقد لتوازني، فدفعتني الى الخلف وهي تقول:
هل جننت ما بك؟
قلت: احبك وأريد ان اتزوجك.
قالت:
اخرج والا صحت خالتي ثم بدأت تصيح امي فخرجت من المطبخ وبقيت واقفاَ ببابه.
اجابت امي:
نعم
قالت نهلة:
هل أ ضع السمن الحيواني على الرز؟
ابتسمت ونظرت الى نهلة وهي تبتسم وارسلت لي قبلة في الهواء.
جلست انا بين رياض وامي وجلست نهلة بجانب امي والعروس، كان غداءً شهياً وممتعاً، وتكلمت آمال عن انطباعها عما رأته بالمدينة واعجبت بأسواقها ورخص اسعارها وجودة بضائعها وهدوئها نسبة الى بغداد الصاخبة، وقارنت بين السرجخانة المختصة بالملابس والحاجات النسائية، وشارع النهر قائلةً:
ان بضاعة بغداد اشمل، وكثير من الموديلات الحديثة المعروضة في شارع النهر، لا اثر لها في السرجخانة، وعللت ذلك الى طابع المدينة من خلال ما رأته من التزام النساء في الموصل بالعباءة النسائية.
دعت امي آمال ونهلة للدخول الى غرفتها لإطلاعهما على البيانو، ودخلت انا ورياض معهما وقالت آمال:
انها ذات العلامة التي في بيتنا، ذات 88 مفتاحاً من نوع القائم لكن أرجلها تختلف قليلاً، جلست امال على المقعد بعد دعوة امي لها لتعزف ونحن وقوف لنستمع ثم بدأت بعزف سيمفونية بحيرة البجع الشهيرة لتشايكوفسكي، وفي الحقيقة كان عزفاً رائعاً استمتعنا به وصفقنا لها كثيراً وخاصة انا وبحماسة وقلت لها:
احسنت لقد اجدت العزف.
قالت شكراً:
انا مذ كنت صغيرة وانا متعلقة بهذه الالة التي اعدها صديقتي الملازمة لي، واسعى دائماً عبر ابي الى شراء المقطوعات الموسيقية من اسطوانات جقماقجي الكائنة في مدخل شارع الرشيد من الباب الشرقي.
جلست امي الرائعة التي افتخر بها تعزف على آلتها ورفيقتها فبدأت تعزف بعض الطقطوقات المركبة وتنتقل من حالة الى حالة ثم بدات بعزف السيمفونية الرائعة ضوء القمر لبيتهوفن، وبعد الانتهاء من العزف وامي سيدة العازفين بدأنا بالتصفيق وانحنت آمال بتقبيل امي، في الوقت الذي وقفت فيه نهلة بجانبي شاردة واعتقد انها كانت بعيدة عما تسمعه، واذكر مرة كنت ارافق امي في منتدى ثقافي اقيم في بغداد، وبدأت بعزف سيمفونية ضوء القمرالحزينة، وقف احد الأدباء على الميكرفون للتعليق على عزف امي وسط التصفيق الحاد قائلاً:
أنت سيدتي يا من ملكتِ ذلك القلب الكبير، يا من ملكتِ ضوء القمر في قلبك، رجاءً لا تطفئي ولا تجعلي سود الليالي تخفيه لأن هناك أناس مثلي يسترشدون بضوء قلبك، في تلك الصحراء القاحلة بين جثث القلوب البالية.
جاء دوري بالعزف، واردت ان اسمع آمال كل مهارتي واحاكي نهلة التي بقيت حائرة مما يجري امامها، عن مدى عمق وثقافة وهدوء بيتنا، وسط الوسط المفعم بالضجيج التافه الذي يحيطنا.
جلست للعزف ولم اشأ ان أكون صغيراً او بعيداً عن الثقافة الموسيقية او بعيداً عن نوع العزف الذي قدموه ، وكنت قد درست من قبل السمفونية التاسعة لبيتهوفن وعظمتها وتداخلها بين تشيلر مؤلف كلماتها، وبيتهوفن الذي اضاف الى السمفونية من عنده نصوص شعرية في المقدمة ومما زاد في حماسي لأن اتقنها، اختيار البرلمان الاوربي في ستراسبورج السنة الماضية هذه المقطوعة الخالدة لإعتمادها نشيداً وطنياً لأوربا الموحدة.
امتدحني كل من رياض وآمال، واعتقد بأني أجدت العزف وعلقت امي قائلةً:
فرخ البط عوام وامتدحني الجميع.
أستأذنت نهلة بالذهاب الى بيتها متعللة بحاجة امها وابيها اليها، واعتقد انها كانت تشعر بعدم الراحة ن لكونها بعيدة عن عالم الموسيقى وبعد ان سلمت على العروس وتبادلتا القبل ودعتها آمال الى زيارة بغداد فنظرت الي وتبسمت قائلةً:
ان شاء الله.
غادر رياض وزوجته بيتنا قبل غروب الشمس بقليل متوجهين الى الفندق، على ان يسافرا في اليوم الثاني الى سرسنك في شمال العراق، وقد ودعناهما انا وامي وعانقت آمال امي واحتضنتها ، وقد شعرتً بانها قد انجذبت الى امي كثيرا.

*****

المفاوضــــات
مقهى محمود الملقب بابو شكيرة هو ملتقى شباب المحلة وخاصة المثقفين منهم من طلاب الجامعة والمعاهد والاعداديات المهنيه، وقسم منهم قد اجتاز تلك المراحل الى الوظائف المختلفة في التدريس او في دوائر الدولة ومنهم لايزال يتحين الفرص للحصول على وظيفة بعد تخرجه وأنا وحمدي منهم وتكاد الجريدة الوحيدة التي يؤتى بها من المكتبة تمرعلى اغلب رواد المقهى ومنهم الخريجون بما فيهم انا وحمدي الذين يتابعوا صفحة الإعلانات للبحث عن اعلان يتعلق بطلب وظيفة او اعلان من مجلس الخدمة العامة يطلب فيها وظائف لدوائر الدولة. ويكاد المقهى ان يكون منقسماً الى مجموعات موحدة التوجهات في تجمعاتها على بعضها الا ان جميعها تشترك في متابعة ونقاش ما يجري في العراق والوطن العربي وخاصة مفاوضات العراق مع شركات النفط الاجنبية العاملة في العراق كانت على اشدها وتصميم العراق على انتزاع حقوقه من الشركات، الموقف الذي يكاد الجميع ان يتفق مع الحكومة في مفاوضتها وكذلك يدور الجدال والنقاش حول القضيه الفلسطينيه، ومساراتها واعمال المقاومة البطولية في الارض المحتلة، ضد العدو الصهيوني، وبالرغم من اختلاف بعض وجهات النظر حول حركات المقاومة الفلسطينية، إلا ان تلك الآراء تتفق في النتيجة على ان المنظمات وجدت وتاسست لمقاومة الاحتلال الصهيوني البغيض في الأخير وخاصةً بعد نكسة حزيران عام 1967 .
كانت الاحداث انذاك حبلى بالاخبار في الداخل والخارج ، وكانت السجالات في المقهى بين روادها وخاصة من الشباب على اشدها في نظرتها واستقرائها للاحداث طبعاً مع اختلاف الاراء والتوجهات، وكانت المحاور التي يثار فيها الجدال عن مفاوضات الحكومة الجادة مع شركة نفط العراق، ومتابعة الشارع العراقي لما ستسفر عنه تلك المفاوضات وخاصةً عندما احس العراقيون بجدية الحكومة العراقية في انتزاع حق العراق من شركات النفط العاملة ، واللجوء الى تاميم النفط والتخلص من الشركات النفطية الاحتكارية .
كان من اشد المتحمسين في المقهى تاييدا للمفاوضات التي يخوضها العراق، هو الحاج عامر ومجموعة من رواد المقهى الذين يؤيدون العراق في تاميم نفطه ، اذا ما قرر ذلك وكان الحماس على اشده بالدفع باتجاه التاميم وطرد الشركات النفطية الاجنبية العاملة في العراق، واناطة ادارة انتاج وتسويق النفط بشركة نفط وطنية.
لم يكن الخمسيني ابوسامية المفرط بالتدخين عادةً، وهو من رواد المقهى ان يشترك بالاحاديث والسجال الذي يجري في المقهى، ويؤثر ان يجلس وحيداً بعيداً عن الصخب والضوضاء التي يثيرها رواد المقهى ، مكتفياً بمطالعة جريدة المقهى ومشهود له بانه مثقف من الطراز الاول، ولكل سؤال يسأل به لديه جواب ويرجع اليه اغلب رواد المقهى لاخذ رايه في شتى المجالات، وكان يحضى باحترام الجميع لشخصيته المتوازنه وحكمته.
فاجأ ابو سامية الجميع عندما عارض حاج عامر ومجموعته قائلا:
ان الدفع بتاميم النفط عملية خطيرة جداً، ويترتب عليها ما لا يحمد عقباه، انه لعب بالنار لن تسكت عليه اوربا لانه سيضر بمصالحها الستراتيجية، وان اللجوء الى المفاوضات لزيادة حصة العراق من الايرادات 10 او 15 % فوق حصته ان تحقق هواضمن لعدم خلق جو مشحون لا تحمد نتائجه.
رد الحاج عامر على ابي سامية قائلا:
كيف لنا ان نحقق التنمية، وندفع عجلتها الى الأمام، من دون موارد مالية كافية ومواردنا الفعلية قليلة وهي بأيدي شركات النفط الاجنبية برأي ان لا مفر للعراق الا بالسيطرة الكاملة على اقتصاده وانتزاع حقه الطبيعي في استقلال مواردها ان العلاقة التي تحكم العراق بشركات النفط اشبه ما تكون بعلاقة الموظف الذي يتسلم راتبه الشهري من رئيسه، منتظراً زيادته السنوية المعتمدة على حسن سلوكه.
ان تخفيض الانتاج يخفض ايراد الدولة تماماً، مثل تخفيض الراتب ولابد للعراق ان يضع حداً لهذا الامر وإن العراق يعني ما يقول واعتقد انه سيطبق ما يقول.
قال ابو سامية :
ليس للضعيف ان يفرض أرادته على القوي، وأن مصالح الشركات تعني مصالح دولها وانت وانا ندرك ان فرنسا وبريطانبا هما من الدول القوية التي ليس للعراق القدرة على مواجهتها، ومتى ما ادركت ان مصالحها مهددة، لن تتوانى عن ردة فعل لا يحمد عقباها على أنها قد لا تتخذ موقفها دون حنكة وتخطيط بعيد.
استغرقت المفاوضات بين الحكومة العراقية وشركات النفط رسمياً اكثر من خمسة اشهر دون التوصل الى نتيجة وقد لجأ ت الحكومة العراقية الى اجراء تعديلات وزارية شاملة، دخلها وزيران من الحزب الشيوعي، ووزيران من القوميين العرب، علق عليها الحاج عامر قائلاً:
انها دعوة من الحكومة لعناصر الجبهة الوطنية لدعم العراق في مفاوضاته مع شركات النفط.
بعد ان لجأت الحكومة العراقية الى اجراءات تقشفية بالغاء مشاريع المنهاج الاستثماري غير المباشر بها لعام 72 و73 ، وفرض التقشف بصرف العملات الأجنبية وبعد انتهاء مدة الاسبوعين التي حددتها الحكومة العراقية لشركات النفط للرد على مطالبها، لم ترد الشركات على مطالب العراق الذي كان متحفزاً ومستعداً لتاميم النفط بعد اتخاذه سلسلة من الاجراءات الاحترازية ومنها التقشف.
أذاع رئيس الجمهورية احمد حسن البكر في الاول من حزيران72، قرار تاميم عمليات شركة نفط العراق واعتبره نافذ المفعول من واحد حزيران، وانشأ طبقا لذلك شركة حكومية سميت الشركة العراقية للعمليات النفطية.
في الوقت الذي عمت فيه الفرحة العارمة العاصمة بغداد، والمدن العراقية تأييداً لقرار الحكومة بتاميم النفط، قام الحاج عامر ذلك اليوم بالايعاز الى ابي شكرية، بتوزيع المشروبات الغازية على جميع رواد المقهى وعلى حسابه الخاص، لم يكن ابو سامية في المقهى ذلك الوقت ، عندما افتقده الحاج عامر الذي قال معلقا:
ربما لم يرق لأبي سامية قرار التأميم فاعتكف اليوم في داره.

*****

انا وحمدي
لم يتاثر مشروع ايصال الكهرباء الى الحي الشعبي بسياسة التقشف ، لكونه مشروعاً قد بوشرفيه قبل اعلان التوقف بالمشاريع غير المباشر بها واوعزت دائرة كهرباء الموصل في شهر تموز لمن يرغب من المواطنين بايصال الكهرباء الى داره بالتقدم بطلب لذلك، تقدم معظم المواطنين الى دائرة الكهرباء لهذا الغرض وكان على المواطن الذي يروم ايصال الكهرباء الى بيته ان يقوم بتاسيس اسلاكه ونقاطه من الداخل، وبعد الانتهاء من التأسيس يتقدم بطلب الى دائرة الكهرباء يطلب فيه ربط التيار الكهربائي الى منزله او دكانه.
انهالت الطلبات على حمدي، لغرض تاسيس الدور التي يروم ساكنيها التزود بالكهرباء، وقد عرض حمدي عليّ العمل بمعيته، ومعاونته بحكم العلاقة القوية بيننا، فضلاً عن كوني عاطلاً عن العمل وقد اخبر حمدي اخاه بانه سيتخلى عن العمل ببيع العوامة لمدة غيرمحددة واخبرت انا امي بذلك فلم تعلق: واكتفت بالقول بأن عليّ الانتباه والحرص.
كان عملي مع حمدي عملاً مسلياً، وقد لا نستغرق بالبيت الواحد اكثر من يوم واحد، هذا اذا كان البيت يحوي على غرف وممرات كثيرة، وقد لا يتعدى البيت الواحد في أي حال من الاحوال اكثر من ستة مصابيح وبعض التقاسيم وفي اغلب الاحيان كنا ننجز في اليوم الواحد اكثر من دارين، وكان العمل المناط بي ان احمل السلم الخشبي من مكان الى آخر كلما اراد حمدي ان يتحول من مكان الى آخر فضلاً عن مناولته ما يطلبه مني من مستلزمات وادوات العمل كالأسلاك ومسامير التثبيت وغيرها وللحقيقة اقول ان اغلب الدور التي عملنا بها كانوا اهلها كرماء معنا، واحسنوا ضيافتنا واثنوا على عملنا.
لم تكن لدي بالحقيقة فكرة عن اسلاك الكهرباء المستخدمة في تأسيس الدوروعن كيفية استخدامها؟ والمادة المصنوعة منها بدايةً فسأ لت حمدي باعتباره متخرجا من اعدادية الصناعة ومن قسم الكهرباء؟
اجاب حمدي:
من المعلوم ان المادة المستخدمة في توليد الكهرباء ونقلها وتوزيعها هي من النحاس الذي يعتبر هو المعدن المفضل من بين جميع فئات الاسلاك الكهربائية تقريباً، لذا تعد الاسلاك الكهربائية التي نمدها نحن الان في هذه الدور هي من النحاس ايضاً، وحسب ما تعلمناه فإن نصف انتاج النحاس يستخدم في صناعة الاسلاك الكهربائية، باعتباره مقياس الجودة لتوصيل الشحنة الكهربائية.
كان حمدي يعطيني اجري في نهاية كل اسبوع وحسب الدور التي اشتغلنا بها، وكنت اتقاضى عن كل بيت ننجزه وحسب نقاطه مبلغا لا بأس به مع اني لم اكن بحاجة الى المال، لكن العمل اكسبني خبرة في اختلاطي بالعائلات التي دخلت بيوتها، وتعرفت على طرق معيشتها واغلب تلك العائلات كانت تعرفني من خلال ابي العسكري وامي المعلمة.
تعرفت من خلال عملي مع حمدي على شخصيته عن قرب واكتشفت اشياءً عنه لم الاحظها فيه من قبل، ومع ان اغلب الشباب يكون مزاحهم عن الفتيات وعن الجمال والعلاقة وغيرها من الامور الطبيعية في تطلعات وافكار الشباب، حول انجذابهم الى الجنس الآخر إلا أني لاحظت ان حمدي قناص بنظراته الحادة الى بعض الفتيات اللواتي كنا ندخل بيوتهن وفي احد المرات لم يعطنِ اجري عن بيت احدى النساء التي عملنا في بيتها بحجة عدم استلامه الاجر وكانت مستأجرة حسبما أوضحت وأنها قد اتففقت مع صاحب البيت على تأسيس الكهرباء على ان تقطع كلفة التنصيب من مبلغ ايجار الدار، وعادت بي الذكرى الى تلك السيدة التي قدمت لنا قدحين من الشاي وهي ترتدي ملابس خفبفة، وتتحدث عن زوجها بصيغة فهمت منها انها لا تريده، وان الزمن قد فرضه عليها واضافت بانه يعمل عامل نظافة في البلدية ويكمل عمله عاملاً في مطعم، ومع ان الوقت كان في شهر اب لكني قلت في نفسي:
ان هذه السيدة لم تتحسب منا بلبسها الخفيف هذا فإما تكون على سجيتها، اوتستصغرنا او ترمي الى شيء آخر، وقد لاحظت كذلك انها وحمدي يتمازحان وكلما كنت اذهب لجلب حاجة ما للعمل يطلبها حمدي مني واعود يوقفان حديثهما، وسالت السيدة حمدي بجرأة:
من اين لك هذا الشاب الحلو؟ هل هو من حينا؟
أجاب حمدي :
انه من اعز اصدقائي وانه يسكن الحي العسكري القريب. ثم بادرت الى سؤالي مباشرة قائلة:
ابن من انت ياحلو؟
قلت لها:
انا ابن عقيد فاضل وامي المعلمة الست ولاء.
قالت:
حبيبي انت لست بحاجة للعمل في هذا الحر اللاهب، بل انت يجب ان لاتراك الشمس لو كنت عندي لا ادعك تخرج من البيت ابداً خوفاً عليك ولأتمتع بجمالك الأخّاذ هذا.
كانت عيناي الخضراوتان الواسعتان ولوني الحنطي المشوب بالحمرة الخفيفة وخداي المنتفخان وشعري الكستنائي الكث الذي يتدلى على رقبتي سمتي المميزة، وكنت برجوازيا جميلاً وواثقاً من نفسي وقد احسست ان السيدة، ربما اكون قد وقعت في نفسها، او انها تستدرجني الى امر ما، وكانت امي قد حذرتني سابقا وانا اصغرسنا من الآن، بأن احذر واحترس من بعض النساء اللواتي يجذبّني اليهن بحديث، به نوع من الغزل او يتكلمن معي بطريقة قليلة التهذيب، أو غير مهذبة فأجبت السيدة:
صحيح انا لست بحاجة لهذا النوع من العمل لكن ابي علمني ان اعمل على مواجهة صعاب الحياة وطريقها الطويل المتقلب.
تدخل حمدي قائلا:
ان حسن لا يعمل في مكان ما عند احد ولا حاجة له به ، لكنه رأى ان يعمل بمعيتي ليرافقني كصديق له ويتعلم، تواصل الحديث بين حمدي وبين المرأة وكان حمدي منشرحاً وهو يكلمها وكان يلتهمها بنظراته التي عهدته بها من قبل.
انسحبت السيدة الى غرفتها وتوقف حمدي فجأةً عن العمل وبيده علبة الكلبسات المثبته للسلك قائلاً:
حسن لم يعد لدي كلبسات مثبتة السلك سوى اربعة او خمس لذا ارجوك ان تجلب لي علبة من حقيبة الادوات ودعنا ننجز العمل في هذا البيت.
ذهبت الى الحقيبة وفتحتها وفتشتها لكني لم اجد العلبة في الحقيقة، وقد استغربت ذلك! وعدت الى حمدي قائلا:
لم اعثر على علبة الكلبسات في الحقيبة مع اعتقادي اننا قد جلبنا واحدة احتياط معنا.
اجابني حمدي دون التأثر:
ربما نكون قد نسينا ان نجلب احتياطي معنا.
قلت له:
ما العمل الآن؟ هل نتوقف؟
قال:
لا لن نتوقف اذهب انت لشراء الكلبسات وسانتظرك، ودعنا لنكمل هذا البيت.
كان الوقت بعد الظهر بقليل وكانت حرارة آب تلهب، وكان علي ان اذهب الى منطقة باب الجديد اقرب مكان يمكن ان اصله في خمسة عشر دقيقة لعدم وجود محل لبيع لوازم الكهربائيات في منطقتنا.
مجبراً مع عدم قناعتي بطرح حمدي لكني لم استطع الرفض مضطراً للسير الى منطقة باب الجديد في ذلك الجو اللاهب.
في طريق العودة وقد اخذ الحر مني ما اخذ وانا أتصبب عرقاً تذكرت جيداً انني في الصباح قد وضعت علبة الكلبس الأحتياطي بيدي في حقيبة الادوات وصلت بيت السيدة وكانت المفاجأة اني رأيت حمدي يكمل العمل وهو مرتقي السلم وعنده علبة الكلبسات.
قال حمدي:
انك لم تفتش الحقيبة جيداً عند ذهابك وقد عثرت على العلبة في زاوية الحقيبة.
أُسقط من يدي في الحقيقة وذهلت من ادعاء حمدي، ومع اني متأكد اني قد فتشت الحقيبة جيداً أخذت افكاري منحىً جديدأ واحسست اني ربما كنت ضحيةً وكان القصد من ارسالي هو مؤامرة يراد منها ابعادي ليخلو الجو بين حمدي والسيدة.
عادت كلمات ابي ووصيته لي بأن لا ادع احداً يتفوق عليّ أو يخدعني ترن في اذني، وقد استشاط غضبي الذي كتمته مرغماً.
لا ادري بالحقيقة ان كان حمدي قد قبض الثمن عينياً أم لا ؟.
لكن الوساوس بدأت تراودني، بعد ان اكتشفت في حمدي اشياءً، كانت بعيدة تماماً عن الصورة التي كونتها في ذهني عنه سابقاً، وبدأت انحى بتفكيري الى نهلة، واسترجعت ما قالته نهلة لي عندما همت بالخروج تلك الليلة التي جلبت لنا فيها العشاء، بأن حمدي عندهم في البيت، ومع ان حمدي ابن عمتها لكن هذا لا يعصمه ان يغازلها او يتحرش بها.

*****

….. يتبع

شاهد أيضاً

ابتسام ابراهيم الاسدي: اشياء اعرفها….

اعرف ان في وجهي اشياءً تـُشبهك وأخرى لم اكـَتشفها بـعد اعرف ان الــَّيم مـَّد في …

السعادة تكمن في البساطة
الشاعر اليوناني (أيليتيس اوديسيوس Ελυτης Οδυσσεα) ترجمة: جمعة عبد الله

السعادة تكمن في البساطة أستطيع أن اكون سعيداً في أبسط الاشياء واصغر الاشياء اليومية وعلى …

لوحتان
شعر د. وليد العرفي

لوحتان طفلٌ رسم الّسكّينَ على القلب وقال : بدايةْ طفلٌ آخر رسم القلبَ على السّكّينِ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *