كمال عبد الرحمن: فضاءات مجروحة
تأملات في نص (هل من معير القلب جناحا) للشاعر عبد الجبار الجبوري

هل يصبو الشاعر عبد الجبار الجبوري في هذا النص إلى مماهاة عنقود من أفعال المضي، استلت من مسألة الوحشة أو فعل الحزن ،بتيسير من فراديس معطلة ، يصرخ من خلالها في رحاب الفضاءات المجروحة ، من أجل ان يكون هذا المفهوم الازلي للصراخ ، مجرد حاسة ملتهبة تنطوي عليها قيامة الاسى :
( عسعس/ تلجلج/ ماج/ أنادمه/ سئمت/ رحت/ تظن/ بؤانسني/ أبحث/أجد/ ينام، يجثو..الخ)، ، يستقصد الناص الجبوري من خلال كينونة الافعال ( المتراصة ، المتوثبة ) ، توكيد استعراض ( سيرة زمنية ) لفراديس يابسة ، يخرجها الاسى ، الى معاجمه المشفرة بانماط واُطُر دلالية ، قادرة على إنتاج فضاءات تتسع على تقرير البوح بما هو مألوف أو غير مألوف ، وحين يتقعر الاسى بدلالات الخراب في فراديس القحط ، فان السياق الشعري يخرج من جادته المعجمية المألوفة ليتجذر في مستوى جمالي ينبع من داخل الذات ، هاتكا أزمنة من جدلية ( التمني / الواقع ) في التجارب الشعورية ، وسابرا ابعاد هذا الخراب بترويضه لمفردة الزمن ، ومتأملا في انزياحاتها التي تكسر اعراف اللغة المشاكسة في خضم حركة تهتك حجب الامكنة المطوقة بالمألوف ، وتتجه صوب تأسيسات اولية لفراديس اخرى لا تتقن العطل :
((ذكرتُها،وقَد عَسّعَسَ الليّلُ ،وتَلجّلجَ القلبُ، وماجَ نجمٌ في الدجُّى،ومالَ غبَيطُها نحو السَّرى، وما دَرى الرُّكبانُ أينَ ألله ،فكانَ اللهُ في عينِ المَدى،نشيدُ كونٍ،وهَدْي قوافلُ،لمْ يَكنْ في السَّرى غيرُ السُّراة،وهي تجلسُ في هودجَ قلبي،تظنُّ أنَّ السّرى راحلٌ، وليسَ راحلُ،سئمتُ النَّوّى ووجعَ النوَّى،وُرحتُ أبحثُ عن خٍلٍ أنادِمهُ بوحشةِ الليلِ،فلمْ أجدْ غيرَ ظِلٍ لها ،ظلَّ يؤانسُني، ينامُ على أسرّة الحرفِ،ولاقمرٌيجثوعلى ركبتيه بسمائها الآن، غيرُ نجمٍ آفلٍ، وغيمةٍ مهاجرةٍ ))
ويمنح التضاد بيئة هذا النص ، عنفوان احتدامه ، فيتجلى في مستويين :
الأول : عبر عناقيد الأسئلة التي تتشكل من خلال رؤى ملونة ، تدور في الزمن الجميل ، رؤى تحريضية فاعلة لها القدرة على وصف الماضي بآلة التمني التي لاقدرة لها سوى على التصور والتخيل السلبي ولاقدرة لها أيضاً على صنع تكوينات الحاضروتشكيلهِ الواقع بفلسفاته وارهاصاته ومعاجمه التأويلية .
والثاني : فهو يشتغل على تفصيل الجدليات بين ( الأنا ) و ( الآخر ) في مسافة لا تبتعد كثيرا عن الحلم ، ولا تقترب كثيرا من الواقع المر.. الواقع العلقم:
((إني أرى طَيفاً لَها يحوم في سمائي، ينامُ على وسادتي،يمشيْ مَعي، يُصلِّي ركعةَ عِشقٍ لقامتِها معي،هَمستُ في أذْنهِ، أبلّغْها ِمنِّي السّلامَ، وقُلْ لَها، إبيضّتْ عيَناهُ من البكا، وشابَ شَعرُ القصيدةِ ،وإحمرّتْ وجْنتّاهُ مِن القُبَلِ،طالَ النوّى، فَلا خِلٌّ يؤانسُه، ولا نارٌ للقِرى تَدنو ،آويتُ نارَ الغَضا، ولكنَّ الغضا ليس بنأءٍ،وبكى بَعْضيَ بَعضي،تَعالَي وقرّبي مَرّبطَ شفتيّكِ من شفتي))
اما إيقاعات الاسى التي شاكسها الشاعر عبد الجبار الجبوري في قصيدته هذه، فقد ارتكزت على تفاعلات وتضادات ( داخلية / خارجية ) ذات صدى قوي في تشكيل غالبية القصيدة ، ويتواشج طرفا هذه الثنائية المتضادة في نسج حركة متصارعة تبقى مهمشة خارج إطار الذات المغتبطة بحبر الأذى ( الأسى ) والاحزان.
وفوق هذا فالشاعر يتقمص شخوصه التي تنتشر داخل بقاع النص وعلى مدى الأسى في مدائن قصيدته ، وذلك يبدو واضحا من القشرة المتطامنة على سطح النص ، وهو في الأعماق يرسم سيرته الإنسانية التي صاغها ببراعة عبر لحظة انزياح جهة تلك العوالم التي سكنتهُ فردّها الى فضاءات النص بأسلوبية تتشكل على هيئة أسئلة رائحة غادية بين أزل الحزن وأبده :
((جَفَّ دمع قلمي، حين دَنا منه، مِيقاتُ السَّرى، وذابَ في الكَرى ليلٌ ونشيدُ ،وما جرى في مقلتيكِ غيردمعٌ بل جرى وجعُ النّحيبُ،يا وّيحَ قَلبي، هل مِن مُعيره ُجَناحاً ليطيرَ))
ويرسم الشاعر صرخاته الصامتة بين مسارات الصدى وانكسارات السُدى ، تلك المسارات التي لا تتفق على جهة ما ، بل تبقى دائرة في غيابة الحزن التي تطارد الشاعر من أسى إلى أسى :
((كنتُ أرنو الى شالٍ يَلوُحُ في الأُفق البَعيد، ولكنْ لم أرَ، سوى السَّراب الذي أحسُبهُ يباباً، ونارَ القُرَى تؤوب،))
ان من شأن قراءة متأنية لقصيدة (هل مِنْ مُعير القلبَ جَناحاً..؟))
للشاعر عبد الجبار الجبوري أن تضع المتلقي في سلسلة من المشاهد السرمدية الغائمة بالأسئلة ، تنبعث منها غيبوبات ملونة ، تشي بذلك الاشتعال النفساني لدى الناص ، ذلك الذي فجّر ينابيع الأسى ترجمات من لغة الجمر إلى واقع ضائع في غواشي( التبصر/ الانغلاق)، وحتى لو فرضنا جدلاً أن ثمة تشابهات في موجات الصراخ التي يطلقها الشاعر بين دهاليز النص ـــ لكن لكل صرخة هوية ومذاق مختلف :
((ولكنَّ القلبَ ماضٍ في السرّى وقد يتوبُ، ولايتوبُ،يقولُ للقمِر المُضيءِ ( إييه غيبك عني الليله دي ياقمر، ولاكيتْ لينا بنفس المَعاد المنُتظر)،))
هكذا تتجسد هندسة الألم في سرابيل الكارثة الذاتية ، حيث يقف الشاعر في مهب النيران مقتحما سعيرها ، فاضحا ممالك الرماد التي تضيء خرافات من جمر روحها، واشتعالات كابية تخبو هناك ، لتحيا هنا من جديد .
يعاني النّاص الجبوري على طول القصيدة من رهاب انسحاق الايام الجميلة والالتجاء إلى الحزن كحلّ غير ودي لكن واقع لا محالة هذا الحزن الذي لاينتهي الا ليبدأ من جديد ، وعلى الرغم من كل ذلك ، فهو يصرخ في فضاء الجمر آملا أو متخيلا ان تصل اخر تموجات صوته إلى من لم يعد يهتم بالأمر ولو كان صراخه نثار غبار من بكاء السنوات :
((وشابَ شَعرُ القصيدةِ ،وإحمرّتْ وجْنتّاهُ مِن القُبَلِ،طالَ النوّى، فَلا خِلٌّ يؤانسُه، ولا نارٌ للقِرى تَدنو ،آويتُ نارَ الغَضا، ولكنَّ الغضا ليس بنأءٍ،وبكى بَعْضيَ بَعضي،))
وتشتغل ايضا قصيدة الشاعر عبد الجبار الجبوري هذه على بلورة الغائص من التأزم الانساني في فضاءات مغلقة تحت وابل القهر العظيم ، إلى اخرى مشرقة بإعادة التشكيل من أطُر خربة إلى رؤى يمكن إحياؤها واخراجها من دياجير السياسات ( الانسانية / الزمنية ) المقعرة إلى بشائر تتلألأ في جبين الابيض من الايدلوجي الانساني ، هذا الذي خرج توا من محرقة الاسى الى مشاريع الصفاء . لكن هذا الصفاء لايعلن على رؤوس الاشهاد دائما ، بل يظل معلقا على باصرة الامل ( البعيد / القريب ) في استعراض ( امجاد الماضي ايام تلألأت وكانت … ) :
((ولكنَّ القلبَ ماضٍ في السرّى وقد يتوبُ، ولايتوبُ،يقولُ للقمِر المُضيءِ ( إييه غيبك عني الليله دي ياقمر، ولاكيتْ لينا بنفس المَعاد المنُتظر)، صليّتُ عند عتبةِ دارها عشراً ثم عشرا، ،وواحدةً أُخْرى ،وأُخْرى وأُخْرى ، وكنتُ القَتيلا))
ويخلق التناظر الواضح بين الضمير ( الظاهر ـ البارز ) ـ انا ـ والضمير المستتر ( انت ) صورة كنائية تشير الى الاتساق بين ( أنا ) الشاعرة و ( أنا ) الرمز بوصفهما كيانين منفصلين في حين ان هذا التناظر يتلاشى في خاتمة النص إذ ْيشتغل ذلك الرمز على تكرارية ( الظهور ) و ( الاستتار ) على طول جسد القصيدة دون أن يجد له ملجأً في نهاية المطاف :
((وُرحتُ أبحثُ عن خٍلٍ أنادِمهُ بوحشةِ الليلِ،فلمْ أجدْ غيرَ ظِلٍ لها ،ظلَّ يؤانسُني، ينامُ على أسرّة الحرفِ،ولاقمرٌيجثوعلى ركبتيه بسمائها الآن))
ويكثر القول في قصيدة ( هل مِنْ مُعير القلبَ جَناحاً..؟
للشاعر عبد الجبار الجبوري ، ففيها تعدد قراءات ، وفيها تأويلات لغوية ، وفيها جدلية الانسنة والشيئنة ، لكننا نختصر فنقول ان هذه القصيدة تصطبغ بإحساس المبدع الذي له القدرة على انسنة فراديس اخرى لاتتقن الاسى ولاتمارس العطب ، فراديس نتمنى ان تجد لها نافذة أمل بعد ان خنقها الحزن الذي تشرنق مسامات جسدها من اول الجمر الى اخر النار ، وتلاقحت مسارات معاجمها بترياق الصدى ، ذلك الهلام الذي ما يزال يركض وراء الصوت منذ الاف السنين ولايجد اليه سبيلا .مِن مُعير القلب جناحاَ-..

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| هاتف بشبوش : رماح بوبو، شجرٌ لاذقيٌ ، طالِعٌ من الشِعر ..جزءٌ ثانٍ .

في السجن كان الحلم يأتي كمالايريد قلبي ولاالسجان شفافاًوأبيض رأيت رفاقي يحملون دفاترا وأزهاراً ثم …

حــصـــــرياً بـمـوقـعــنـــــا
| هيثم محسن الجاسم : منظور الوطنية عند الروائي أحمد الجنديل في رواية ” الرمــــاد ” دراسة ذرائعية علمية (2/2) .

ب-موقفه من نوع هذا الواقع: بالتأكيد لا نأتي لتلك الحقبة جزافاً من دون راو ذكي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.