بولص آدم: اللون يؤدي اليه (1) (ملف/10)

بولص آدم عام 2001

إشارة :
“ومضيتُ، فكرتُ بنفسي كالمتسوّل، لعلّ أحدا ما يضع في يدي وطني”.
يهمّ أسرة موقع الناقد العراقي أن تقدّم هذا الملف عن تجربة الأديب العراقي “بولص آدم” مبتدئة بنشر نصوص كتابيه: “ضراوة الحياة اللامتوقعة” و”اللون يؤدي إليه” اللذين وضع لنصوصهما جنساً هو “الواقعية المتوحّشة”، وهذا امتيازه الفذّ في ابتكار جنس من رحم الأهوال العراقية، فقد أدرك أنّ النصّ العراقي يجب أن يُكتب بطريقة تكوي أصابع من يقرأه وقد يشتعل بين يديه. وهي ليست نصوصا “مفتوحة” بل الرؤية التي ينبغي أن يُكتب وفقها النص العراقي الحقيقي. بلاد تُجمع فيها الأشلاء المجهولة لأجساد أبنائها المُقطّعة بالمفخخات في “بابل” في “طشت الخردة” لا يمكن لنصوصها أن تُكتب إلا بطريقة بولص آدم “المتوحشة”. وبهذا المعنى فهي أيضا درس في أن أدب الحرب الكبير يُكتب بعد الحرب. حرب العراقي لم تنته. لقد بدأت الآن خلف سواتر الذاكرة المؤرِّقة الشعواء لتخرّب حياتنا إلى الأبد نحن جيل الخسارات الابدية: “حياتي ضراوة لامتوقعة- لاتسألني رجاءً عن باقي النص”. تحية للمبدع العراقي بولص آدم ودعوة للنقد العراقي لدراسة نصوص قد تمهّد لمدرسة.

مدخل
بقلم: جوزيف حنا يشوع

كل شي هنا..يربطني بالعراق
شرفي أيضا
بولص…
(من أحد نصوص المجموعة)

ليست هذه نصوصا لتقرأ…ولا هي نصوص ليكتب عنها..انها نصوص وجدت لتبهر..هذه نصوص الانبهار..الانبهار بالجمال..والتعجب من اللعنة..الانبهار بالأسى ..والتوجع بالاستصراخ.
من بعيد..من هناك…من النمسا الباردة يطلق بولص صرخاته ويرمي بها في وجه الواقع الأعور..واقع التجربة العراقية المرة في كل تفصيل من تفاصيلها الصغيرة والكبيرة..يستنجد في نصوصه وينادي الكثيرين..مروان ياسين الدليمي..سركون بولص..سجن ابي غريب..الدواسة..كراج العلاوي..لوثر ايشو آدم..و…
(نعشقك يا بغداد الشهداء)
صراخات يطحن فؤادها الغضب والرفض واللااعتراف واستنزاف للروح في مناجاتها الخلاص لهذا الوطن المحزون.
ولكن..يا ترى..هل كان لوثر شقيقا لبولص؟او كان صديقا لنا؟او كان استاذا علم الاجيال الفن؟
ما كان لوثر فنانا..ذاك المنحدر من نسل الاقليات الموعودة ابدا وازلا بالتهجير..والمهددة يوميا بترك اعشاشها في خضم الربيع وقت استقرار الحلم في الرأس..تلك الاقليات التي لم تعرف الربيع يوما ومضت تهاجر من خريف الى خريف تلبس العري كما الجواهري في رائعته(ارح ركابك):
ويا اخا الطير في ورد وفي صدر في كل يوم له عش على شجر
عريان يحمل منقارا واجنحة اخف ما لم من زاد اخو سفر
ما كان فنانا ولا كان لوثر استاذا..كان عراقيا موقورا بسرف الأسى المطبوعة على شوارع تاريخنا وازقته الطينية من عقود طوااااااال.
(لوثر يا عيوني)
يصرخ بولص في(ضراوة الموت اللامتوقعة).
ليست النصوص مكتوبة للشقيق لوثر..هي اغنيات نظمت ولحنت لتغنى على قبر اسد عراقي غاف تحت شجرة على قمة جبل تعود وادمن ان يطوي تحت ترابه الأشياء الثمينة..والامور الجسام.
سابقا..اما اليوم فكل متر مربع يطوي الامور الجسام..انها بلادنا..بلاد الامور الجسام..ف..
الدبابة التي ظهرت على جسر الجمهورية
دمرت مقامنا وبعثرت أوصال النغم
سمعنا نشاز العازف على اوتار الحرية
حتى موعد ربطها بسلسلة في المتحف
ظلت الدبابة دبابة ولم تتغير
نحن ايضا لم نتغير
نحن..حمقى
لم نتعلم

جوزيف حنا يشوع

نصوص الواقعية الوحشية

مقطع من نص نشرته في كانون الثاني قبل أن يرحل أخي لوثر في حزيران التالي من ذلك العام :
… فما بالك يا لوثر.. عند رسم كلمة الحرية تحت ضوء آخر شمعة قبل التحليق؟
أرجو الأتصال بنا، لضخك بما لا يتوفر هناك من الألوان. نريد ايضاً.. ان تكون لنا.. صورة.. أو جنازة للكلمات !
مُنحنياً أمام روح أخي الفنان الراحل لوثر إيشو آدم، أُهدي هذا الكتاب الذي يتضمن مختارات من نصوص تُكمل مابدأت به في كتابي/ ضراوة الحياة اللآمتوقعة/ لتشكل الجزء الثاني منها .يستمر مشروعي في كتابة نصوص الواقعية الوحشية، هي أفق جمالي مادته الواقع، نصوص حرة، وأنحياز غير مشروط للحقيقة، يقول الفيلسوف النمساوي لودفيك ويتغينشتاين ( الشعر في العالم أكثر من العدالة ) أعتقد بأن السبب يكمن في بيئة العدالة وليس في الشعر، مع أنني بقدر ما يفرض علي الشعر نفسه، فأنني أجده مُرهقاً! فالشاعر ينتحر مع كل نص يكتبه ولذلك، رَبّيتُ نصوصي تربية قائمة على الصداقة الكاملة مع السرد والفنون الأخرى، لكي أحيا بأكثر من رئة وأعيش عن طريق الفن حيوات بديلة عن حياة ضارية لامتوقعة. نصوص حرة تطغى عليها واقعيتي الوحشية، لطالما بقي العدل على حاله!
بولص إيشو آدم، رجُل عمره ، ثلاثون عاما في العراق وعشرون سنة تالية في النمسا، ولأنني طفلٌ الأبداع، فالعالم كله بلدي وكل إنسانٍ لم ينتهك الكرامات ولم يَقتل، هو صديقي .
………….
………….
حياتي ضراوة لامتوقعة
لاتسألني رجاءاَ عن باقي النص
ففي المقدمات ، حصاد الزفة
مقابر مثقلة بالحقيقة
و في عمق الكادر، قامات مغشوشة !
……………….

بولص آدم

يوم لوثر الثالث

أردت كتابة قصيدة عن قصيدة ،
كتبت قصيدة عن لوثر..
حكومة لوثر التي خططت ورسمت لوحة آدم،
ألحقت الهزيمة بالأرهاب
الله وهب لوثر شيئين من مشيئته
الحياة والموت
ثالثهما النص البصري
جرده من كنز الضوء في الموصل
جرده من امه واخوته
وهبه الحياة في محبتنا..
من تلقاء نفسها انزلت سارية الموت علمها فوق مستشفى المبدعين الكائن في شارع الخيال الممتد من قلب لوثر الى قلبي وعندما حطت الدموع اوزارها،
رأيت الصواري العارية في قعر الموت!
رأيت كهوف قرية ديري الصلعاء تمشط شعر الحمام على صخورها..
مشيت على كتل قوية في بحيرة الألوان تنقلني من الجانب الأيمن الى الأيسر لمدينة لوثر الفاضلة ، مدينة اللوحة ..
سألت الموهبة في البنك الوطني للجمال عن زيتية للوثر
كتبت لي ارقاما لحسابه الخاص.. نقرت تلك الأرقام على وجه اللوحة
ظهر رصيده كاملا.. قلت في نفسي، رصيده ليس سرا من الأسرار!
من تلقاء نفسها تشمعت عيون الماء في قرية ديري وأختارت حبال مائها ان تكون خيوطا في الشموع التي لن تصمت تحت الشجرة التي اعرفها من صمغها الدامي في حزيران ،
ياما عرفت قبر ابي من بعيد عند النظر في عينيها ولوثر سيرضع اللون الى الأبد من جذورها .
20/6/2011

نُزهة أبدية

الى روح أخي الفنان الراحل لوثر إيشو آدم

مُنهكُ بأحلامي
أستأجرت لنفسها غرفة في رأسي
عصية على الأستبدال
تحصّنت هناك ورفضت الأستسلام
تلك الأحلام ستشاركني قبري
في حياتي الثانية،
سوف أختار سكنا في رأس الحلم
فالأحلام تصبح أوهاما
لكنها لا تموت
في حياتي الثالثة
أٌزاوج أحلامي وتكبُرُ ذُرية الرؤى
وتمخُر أساطيل الفَنِّ مياه الإنسان
سأطُلّ عليكُم من نافذتي في رأس العالم
في حياتي الأخيرة،
تنتظرني غرفة رأسي
لأنقذ وحشتها بالأحلام
19/11/2012

ضراوة الموت اللا متوقعة

الى/ روح أخي الفنان الراحل لوثر إيشو آدم

في السنة الأولى لسكتة اللوحة المكتوبة
أصبح للشوق مجلدات
قاعات العرض، تُعلّق فيها الأماني
بالغَ الزَّمَنُ في وعود الأنتظار
طيورك حتى آخر ريشةٍ من الرفيف
تنام في أحلامنا كالعرائس الحزينة
تتوسل اليك دفئاً لونياً ولمسة صديق
لوثر، يا عيوني
في صالة العالم، شاشةٌ للخوفِ ثُلاثيةُ الأبعاد
حيواتٌ تعيش القصص الرخيصة
سفاهة الدفوف الهرِمة، مناقب
أوتار القيثارة الحبيسة، أسلاكٌ لشنق حروف الحرية
المنصاتُ المكتظة باللاقطات، تنضحُ بقطرات العار
تحت ضوء اللهب النشاز، حدسُ الأطفال حولَ قسمات الخائفين
أصدقاؤنا، عند باب بيتنا في المحطة ينتظرون، الظهيرة قَلِقة، علينا تعجيل الزمن على ممشى الحديقة، نهرع لفتح قلوبنا لهم..عند الباب ابتسمنا، وحدك من صافحهم بقلبه فقط، كان جسدك من لحظتها في طريق الراحة الأبدية تحت شجرة البلوط .. نبحثُ عنكَ في غرفنا التي تهطل من شقوق سقوفها قطرات المطر، هل نسألُ عنكَ لوحتكَ الأخيرة ؟
إنتظرناك ألف عام في الرماد
في متاهة المرايا العمياء،
كل لحظة يتمرأى فيها شبحٌ جديد، الا الروح،
تُصرف مع المياه الثقيلة
الأطارُ الخالي، نبوءةُ الغزاة
كل شئ خارج قصص الجريمة تأخر
الأطفالُ الذين قابلتهم لآخرمرةٍ، ينتظرون رسم الشمس المبتسمة
التراب الوردي حول الدير ، يحتضن أعشاب الأدوية
روح مُستلبة لفنان برئ
حياتهُ صمت حكيم وأنين هامس
كالدير الخربان، لاحق الزمن معالمه
روح في انتظار الحرية تفننت خلودها
تمرُّ موضوعا متدفقاً، أَنصَرِفُ متأملا فيك
لو كنتَ مازلتَ وأنتَ كُنت، لما تأسفنا السكون
في موت الموضوع، الأبديةُ صافحت يدك الملونة
في السماء نورٌ أسطوري يُضئُ طريقك، لوِّح لنا بمناديل الفنون
لكي نبرأ من الحزن، ونجسم سعادة النص، لا نتجرأ محو الألم.

حزيران 2012

شاهد أيضاً

صانع المفاجآت
شعر/ ليث الصندوق (ملف/1)

( إلى قيس مجيد المولى شاعراً ) بهدوءٍ سحبتَ الجسرَ من تحت قدميك طويته في …

كريم عبدالله: إلى روح الشاعر العظيم قيس مجيد المولى (ملف/2)

الأوتوبيوغرافيا في مَزاغل قيس مجيد المولى سياحةٌ في ديوان ( مَزاعل للعُتمةِ .. وخفايا للأنباء …

صلاح جياد.. بضربات فرشاة متقاطعة وقوية رسم ملامح هوية عراقية
إعداد- سماح عادل (ملف/4)

“صلاح جياد” فنان تشكيلي عراقي، من مواليد البصرة 1947 وتخرج من معهد الفنون الجميلة عام …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *