تحسين علي كريدي: عيد الخالة

كان الشبه بيني وبين مروان كبيراً لدرجة أن من ينظر إلينا، يتصورنا توأماً. أما من ناحيتي، فهو ابن خالتي وجاري وشريكي في اللعب.
كنا نمضي معظم الوقت سوية، نرتجل قواعد لعبنا في أخيلتنا الطفولية وننغمس فيها لدرجة تجعلنا ننفصل عما حولنا ولا يعيدنا إلى الواقع سوى صوت يتوعدنا بالعقاب إن علت أصواتنا كرة أخرى.
وعندما حان موعد الدراسة في المرحلة الابتدائية ، رفضنا دخول الصف في أول يوم لنا، بعد أن فرَّقَنا معاون المدرسة على شعبتين مختلفتين وفقاً لتسلسل الحروف الأبجدية الأولى من أسماء التلاميذ. ولم نباشر بالدخول إلا بعد أن تدارك المعاون الموضوع وجمعنا في شعبة واحدة ورَحْلة واحدة. وعلى غرار اللعب كنا ندرس سوية، كذلك.
كان عيد الفطر على الأبواب، ولحسن حظنا فقد استلم الموظفون رواتبهم قبله بأيام قليلة، فذهبت مع مروان بصحبة والدتي وخالتي إلى السوق (المزكوف) لشراء بذلتين لنا، ثم عرجتا بنا إلى شارع التربية لشراء حذائين لنا من محل(ساسكو). وكانت بذلتينا وحذائينا متطابقين تماماً.
تلك الليلة نمت معانقاً الحذاء والبِذلة التي لا ينبغي ارتداءهما قبل حلول العيد لأن العيد (سـ…. عليَّ) إن فعلت ذلك، ثم وبعد انتظار بدا لي وكأنه دهر من الزمن، جاء التلفزيون بالبشرى بعد أن عرض أغنية (يا ليلة العيد آنستينا) لأم كلثوم.
صبيحة اليوم التالي استيقظت مبكراً وهممت بارتداء ملابسي الجديدة، ولكن والدتي منعتني قائلة:
– العيد غداً.
لم يتمكن عقلي الصغير إدراك تلك الكلمة وانتابتني موجة من الغضب والبكاء، ولكن دون أن ألقى آذان صاغية لاحتجاجي. في تلك الأثناء، دخل علينا مروان وهو يرتدي ملابسه الجديدة. فتهللت أساريري وقلت لأمي وأنا أشير إليه.
– أرأيتِ ! اليوم عيد!
فردت علي بشكل قاطع:
– اليوم عيد الحكومة.
مكث مروان ربع ساعة ثم انصرف محبطاً بعد أن يئس من انضمامي للخروج معه، ويئس كذلك من تلقيَ عيديته من والدتي.
بعد مغادرته بلحظات طرقت أسماعي صيحات صِبْيةٍ وهم يرددون ( هَي ، هَي … عليك العيد).
مضت سنوات على تلك الحادثة قبل أن أُدرك ماذا يعني(عيد الحكومة) ، وأن ثمة أموراً كثيرة أخرى تحاول تفريقنا، غير الحروف الأبجدية وعيد الحكومة.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| هاني متي : ستيف الكندي النزق الذي اهدر ليلتي الساجية .

  في هذا المساء الرائق الذي تجلى أمامي نظيفًا مغسولًا بعبق الصيف المنعش . . …

| د. ميسون حنا : سقوط الهالة .

فتح عينيه، هو في الحقيقة لم يكن نائما، بل هو لم يستطع النوم إطلاقا ليلة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *