الرئيسية » نقد » ادب » حسين سرمك حسن: لؤي حمزة عباس .. إغماض العينين المميت (دراسة اسلوبية) (2)

حسين سرمك حسن: لؤي حمزة عباس .. إغماض العينين المميت (دراسة اسلوبية) (2)

( هذا أنت :                                                                               
من المني إلى المنية )                                       
                                ( توفيق صايغ )

في قصة : ” الباب الشرقي ” يضعنا القاص في مركز الاستثارة والهواجس المتوترة منذ السطر الأول من استهلال القصة ، وهذا ” تكتيك ” يتبعه لؤي بصورة متواترة في نصوصه جعلته سمة بارزة من سماته الأسلوبية . خذ أمثلة في هذه المجموعة :                        – “كان شعور ما غريب ، يعتمل في صدره منذ أول النهار ، أحسّه يتصاعد مع أنفاسه وينتشر حوله حتى ليكاد يكون بالنسبة له مرئيا – ص 15 – قصة “إتصال” . – ” من لحظة صادمة ، كثيفة ولانهائية ، يتولّد إحساسه بالجسد ، وهو يدخل منفصلا عنه إلى غرف الفنادق ، يتعرّى في حمام الماريوت – ص17 – قصة ” قطرة دم لاكتشاف الجسد ” .                                                                     – ” أسبوعان مرّا قضاهما متنقلا من بيت لبيت ، لم يكن ينام خلالهما ، كان يقع مغشيا عليه من أول الليل إلى أول النهار ، ولما يصحو يحس نفسه مجهدا ، بلا ساقين – ص 45 – قصة ” عينا رجل المترو ” .                                                – ” لا يتذكر على نحو دقيق متى فكّر بمواجهة خوفه  ، لكنه يذكر أن شيئا ما استفزه ودفعه لمعايشته والإنصات لصوته الخفيض – ص 79 – قصة ” إلق ما في فمك ” ” .                                                                                              – ” رسالتان قبل هذه ، ولا من مجيب ، كانت رسالتك تحمل نذر المغادرة والسفر ،

هل تحقق شيء من هذا ؟ وإذا لم تكن هذه الرسالة الآن بين يديك أنت ، فيا تُرى من الذي يقرؤها نيابة عنك ؟ – ص 92 – قصة ” لا زيارات للغرباء ” .                                                       عبر الاستهلال يشغّل القاص منظومة التلقي الإدراكية التي يؤرقها أن لا تُغلق دائرتها حسب ” مبدأ الإغلاق – closure principle ” ، وأن تبقى عينها مفتوحة على لوعة التساؤلات والشكوك . ومن الاستهلال المربك – الحجر الذي يلقيه على صفحة بحيرة إدراكنا الهادئة – تتسع موجات مركبة – وهذه سمة أسلوبية أخرى لدى لؤي – من الإجابات الجزئية وانزياحات التساؤلات إلى مناطق مواربة جديدة لتشكّل نصّا لا يمنح نفسه بيسر لكنه ليس عصيا على القراءة التحليلية الدقيقة . وحتى الخاتمة تبقى هناك كوة في وعينا القرائي – وحتى النقدي أحيانا – تطل على الملغز والمجهول . فقصة لؤي لا يقينية منذ استهلالها – وهذه سمة أسلوبية ثالثة – حنى نهايتها وفي هذا يتجلى الفهم الحاد للكيفية التي يستثمر فيها الكاتب محمولات الاستهلال المشحونة . ففي هذه القصة ” الباب الشرقي ” يأتي التقرير بنبرة عادية لكن مباغتة :( مات صديقه ، قبل حوالي شهر ، اتصل بلا تخطيط ببغداد ووجد نفسه ينشج حال سماعه الخبر – ص 63 ) .                                                                  
وإذا كان حدث الفقدان ماضيا ” مات ” فإن إغماض العينين الدفاعي للتخلص من شواهد تقريره كواقعة مستمر ككفاح دائب :                                                       ( أغمض عينيه تحت شعوره أن ظلّا يقاسمه الغرفة ثم فتحهما ملتفتا إلى النافذة حيث كانت الستارة نصف مسحوبة – ص 63) .                                              ومن عادة القاص أن يشغّل كل مكونات بيئة الحدث لخدمة المناخ النفسي الخاص لبطله . يحصل هذا في جميع نصوص لؤي – وهذه سمة أسلوبية مضافة – ، فهو يوظف الموجودات الجامدة ، يحييها ؛ يؤنسنها ويشخصنها ، ويجعلها تتحرك وتنفعل بصورة إما أن تكون موازية للحركة الانفعالية للشخصية فتضاعفها وتزيد من تأثيرها ، أو أنها تلتحم بها فتلهب الإيقاع الإنفعالي وتمنحه درجة عالية من الاحتدام . وكون الستارة نصف مسحوبة يتطابق مع ” نظرة ” الواقع النفسي نصف المفتوحة على الفجيعة ، المنكسرة وهي تتقلب على جمر الإنتقال إلى التسليم بالهشاشة الوجودية المحطمة . وحتى الضوء الأصفر الخفيف وقد بلله مطر ليل كانون يوائم شحوب تأثيرات هذه الليلة التي يمضيها الشخص المثكول وحيدا في فندق ليالي طيبة في الميدان مطلا على مبنى وزارة الدفاع الخالي . وضمن إطار هذا التشكيل المكاني يستذكر الرجل صديقه الراحل ، وفي العادة تلح ذكريات الحضور على الذهن لمدة قد تفوق السنة أحيانا ، مقاومة شبح النسيان ، وتناسب مع

شدة إنكار اللاشعور بانخلاع الصديق المحبوب من أناه الشخصي حيث استدخله بعمق :                                                                                       ( كان يتصور صديقه يسير في شوارع بغداد بمعطفه الطويل كحلي الصوف ، إنتظر أن تقوده خطواته تحت نافذة الغرفة ، ربما توقف قليلا ليرفع راسه وينظر إليه قبل أن يواصل سيره تحت المطر – ص 63 ) .                                       إنها دفاعات النفس البشرية المستميتة للإذعان لضغوطات الوحشة التي يخلّفها غياب صديق ، وحشة تغلف ما يحيط به ومع ” حركة ” الغياب وبموازاتها تتناسل وتتواشج أو تتوازى حركات أخرى ، حركة منظفة الفندق تتحدث بصوت عال كأنما ” تعلن ” عن نفسها ، وحركة ظلال الخسران اللزجة التي :                               ( يتحسس ظلالها على ما حوله ، وينظر إلى وجهه ، من دون أن يراه ، وقد غيّبه البخار من مرآة الحمام – ص 63 ) ، وكأن ” غياب ” وجه الرجل وسط سحابة الغبار هي ” نصف ” غياب مشوّش تترافق مع نصف الستارة المسحوبة المطلة على صفرة الشارع البليلة ، وحركة غياب جديدة مضاعفة يواجهها الرجل المثكول – وهو في “حرارة ” ثكلانه – وذلك من خلال الاستعداد لتوديع صديقه ” حيدر ” الذي أنهى معاملة السفر وتسلّم الجواز . وهنا ندرك الدافع وراء انتقاء مفردة ” غياب ” للصديق الراحل وليس مفردة ” موت ” ، وذلك لكي تتطابق وتتصاعد تاثيرات موجتي الخسران ولا تخفف مفردة الغياب اللاحقة لهجرة حيدر من مفردة موت السابقة لوفاة الصديق الأول . وهنا تبرز سمة أسلوبية شديدة الأهمية وتتجلى في الجهد المضني الذي يبذله المبدع لتصوير صخب لواعجه لغويا . لا يكتفي لؤي بصب اللباس اللغوي المطابق لجسد الحدث حسب بل – وهذه صفة أسلوبية أخرى – تكون عينه ، وهو يضع المفردة المطلوبة في الموضع الراهن ، على ما يتطلبه الحدث في تناميه اللاحق في موضع ثان وثالث .. وهكذا . ولهذا استخدم وحشة ” غياب ” صديق لوصف موت صديقه الأول ، ليتعزز ويتلازم بوحشة ” غياب ” صديقه الثاني ” حيدر التي تجري الاستعدادات لها الآن على قدم وساق . ولكن أي استعدادات ؟! . هي عملية الغياب نفسها مضمونا إذا تذكرنا القول المأثور الذي يرى ” أن الرحيل يعني قليلا من الموت ” ، ولكن القاص يوغل في أذى عملية الغياب في نفس شخص المثكول بتلاحق الخسارات وفي نفوسنا عبر اللعب على ” شكل ” العملية ذاته . فإذا كان الرجل قد تصوّر ، في حلّ تخديري مؤقت يشبع رغبة الحضور ، أن صديقه الذي يدور في شوارع بغداد سيقترب من النافذة نصف المسحوبة وتحت الظلال الشاحبة ليرفع رأسه وينظر إليه وهو بمعطفه كحلي الصوف ، فإن الرجل وصديقه حيدر يفتشان وسط ركام الألبسة الأجنبية المستعملة

عن ” معطف ” للأخير يواجه به برد عمّان التي لم يغب عن أعماقهما أطياف عراقيين قضوا متجمدين فيها . أينما تولي وجهك فثمة وجه الموت . كانا يغرقان نفسيهما في البحث وكأنهما يحاولان ” إغماض عيني ” وعيهما عن إدراك خسارتهما الموجعة التي تحاصرهما من كل جانب :                                             ( تحدثا ، وتفحصا ، خلال الجولة كأنما ليتناسيا وجه صديقهما ، وجه صديقهما وقد استحال قناعا معروضا بين أكوام البضاعة على الأرصفة ، أو معلقا يتأرجح بين الثياب ، يواصل النظر في حركته ، بعينين مجوفتين ، نحوهما – ص 64 ) .     إنهما يحاولان إغماض عيني وعيهما عن إدراك رحيل صديقهما بلا رجاء ، فقد تيقظ لاشعورهما الذي كان آمنا يرفل بموجات خلوده على اقتراب خطى المثكل الثقيلة المنذرة ، فتح عينيه ، وبات يتخيل وجه الفقيد العزيز كقناع معلق بين المعروضات كدفاع مستميت في الوقت الذي يغرق وعي الصديقين رأسه كالنعامة وسط الأجساد المتزاحمة والألبسة الداخلية المنشورة والجوارب المكوّرة والدمى والقمصان والدكاكين العميقة شبه المعتمة والعربات والبسطات والمعاطف ، ولكن بلا جدوى . ولؤي يسعى دائما – وهذه سمة أسلوبية مقتدرة – إلى تأثيث مسرح مكاني عملي يوحي بالمكان المتخيّل الذي لا يصرّح به ولكننا نشعر به مستترا خلف أستار الحركات السردية والحوارات . فإذا كان مكان الفقدان الذي يتمرأى في أذهاننا ، ومنذ الاستهلال ، هو المقبرة أو ” العالم الآخر ” ، فإن سوق الملابس المستعملة يثير إيحاءات قريبة تستقبلها بدقة مدارك الفرد الآسي الذي تفتحت عيون مكبوتاته على حقيقة قابلية وجوده على الإنجراح . فهو يميل إلى تأويل مصدر هذه الملابس وكأنه بقايا الموتى . بالنسبة للاشعور يمثل الثوب الجسد ، والملابس المستهلكة تعبر عن استهلاك الجسد . الملابس تموت وتندثر مثلما يندثر جسد من كان يستخدمها . سوق الملابس المستعملة هو ” مقبرة ” الملابس و ” عالمها الآخر ” . وفي مقبرة الملابس حسب يمكن أن تبزغ وجوه الموتى/ أقنعتهم متأرجحة أمام عيني اللاشعور . وهذا وحده ما يبرر خوف الرجل الذي لا تسنده القرائن العملية من بالات الملابس العظيمة المركونة :                                                                                   ( كنت أخشى أن تمتد منها يدٌ عليلة أو ساق فأتشاغل بالنظر إلى حيدر يخلع معطفا ويرتدي آخر – ص 65 ) .                                                                        ولو كان الوعي قد أغمض عينيه ، وصار هو الذي يحدّد ردود أفعال الرجل بحسابات منطقية لما استمر الرجل يشاهد قناع صديقه الراحل يواصل تأرجحه في عتمة الدكاكين رغم أنه يجلس الآن مع زوجته في البصرة ، ولما اشترى ربطتي عنق ملونتين من ” مقبرة ” الملابس وعاد بهما إلى البصرة مرتديا إحداهما على

البدلة الرصاصية التي كانت تمنحه شعورا رياضيا نادرا يخفي ألم عظام ساقيه ومذاق كبسولات ” البيبلكس ” وهو يتصاعد مرا إلى بلعومه كلما تجشأ ويملأ فمه بريح نتنة . إن جسم صاحبنا معطوب أصلا ، وكل حركة ” غياب ” لشخص محبوب تقرع في أعماقه نواقيس الهشاشة وتذكّره بأن يفتح عينيه على الحقيقة السوداء التي يحاول إغماض عينيه عنها . إنها ” رقية ” ضد الموت يستعين بها على مواجهة المصير المحتوم . هي الآلية نفسها التي تقف وراء ممارسة الإنسان البدائي حين يحمل جمجمة عدوه في بيته أو يعلق جمجمة صغيرة في رقبته . لقد انفتحت عينا لاشعور الرجل على الحقيقة العارية وها هو يحاول التحصّن بكل شيء مهما كان ضئيل القيمة ماديا . وهنا تتجلى خاصية أسلوبية فريدة لدى القاص ، وتتمثل في الصعود بما هو مادي مبتذل إلى مرتبة ما هو معنوي ذي قيمة رمزية كبرى ، وإسقاط ظلال الصراعات العاتية الدفينة على الموجودات البسيطة المحيطة بنا ليحملها معان وجودية حساسة . وتنجز هذه المهمة عادة من خلال الفعل ” التبصصي ” الذي تقوم به – في الواقع – عين اللاشعور اللائبة – وهو ما أشبعناه تحليلا في دراستنا عن قصة لؤي ” عين كبيرة لامعة ” – والتي فتحتها على مصراعيها صدمة الخسارة الدائمة ، وإلا فما هي قيمة السن الجديدة التي في مقدمة الفك العلوي لحيدر كي يركز عليها طويلا ويحوّلها – ومن ورائه القاص – إلى موضوعة سردية تشغله وتشغل القاص وتشغل المتلقين ؟ . وتتكشف معاني حركة المشاغلة المراوغة من خلال دهشة حيدر من سؤال صديقه عن متى يركب السن الثانية حيث يضحك ويقول : ( أسألك عن المعطف فتسألني عن السن ؟ ) . وفي جواب الرجل على دهشة صديقه حيدر يؤسس لؤي لفنطازيا جديدة – وهذه سمة أسلوبية حاسمة ومتفردة تطبع المنجز القصصي للقاص بأكمله – فنطازيا تلتصق أطرافها بشدة بأرض الواقع في حين اعتدنا أن تكون خيالات اليقظة محلّقة ومدوّخة . هي فنطازيا ملتحمة بنسيج الحوادث الواقعي ، تحافظ على استمراريته ولا تشكل انقطاعا في مساره ، بل على العكس تعزز لحمته بخلاف ما هو متوقع عادة . ولعل السبب الأكبر يعود – كما سنرى كثيرا لاحقا – أن الكاتب يؤمن – كما نعتقد – بأن الحفر في الواقع وليس الصعود فوق وقائعه هو الذي يكشف محتواه السوريالي من ناحية ، وأن الواقع العراقي – بطبيعته ومنذ الثمانينات – يعيش مرحلة ما بعد السوريالية من ناحية ثانية . ولكنها ليست السوريالية التي تفتح أبواب اللاشعور لتنفلت محتوياته الجامحة خصوصا عن تغييب الوعي ؛ إنها سوريالية يتحكم فيها المبدع بحركة تلك المحتويات ويقعدها ضمن بنية النص ” الواقعية ” . ووفق ذلك فإن دهشة حيدر من تساؤل صديقه عن موعد تركيب سنه الصناعية الثانية ، في

حين كان يسأله عن رأيه في المعطف الذي كان يقيسه ، تصبح أكثر حدّة حين يجيبه صديقه بجواب أكثر إثارة للغرابة :                                                                  ( ربّما وجدنا ، إذا أطلنا البحث ، عقدا من أسنان طبيعية ، أو فكا صناعيا مستعملا – ص 65 ) .                                                                                   وهنا لا نشعر بوخز لامعقولية الاستنتاج ، ولا خروجه عن السياق المألوف أبدا ، فالمكان هو سوق للألبسة المستعملة ، ولا يمكن أن يتوقع احد منا أن نجد فيها أسنانا طبيعية أو أطقم أسنان صناعية مستعملة إلا إذا كنا نعدها ” مقبرة ” ، أو مكان تعرض فيه ممتلكات الموتى التي تُخلع قبيل دفنهم . ولأن الشعور بطبيعته – وكما يقول معلم فيينا – هو وكالة حسّية فقيرة ليس من واجبها ولا من قدراتها أن تتوغل إلى الخطوط الثانية أو الثالثة من خطوط التأويل الرمزي ، وأنها تتوقف عند الخط الأول المباشر في أفضل الأحوال ، إن أفلحت ، وخصوصا عندما تكون في حالة إغماض العينين ، فإن موجة الدهشة التي كان يجب أن تنفلت وتحلق في سماء الفنطازيا ظلت مستقرة على أرضية الحدث ، بغرابة لا تستفز القاريء ، وذلك عبر التصافق اللاشعوري بين الصديقين والذي تباركه حفزاتنا الدفينة المشتركة ، هذه المشاركة التي تحققت من خلال عملية الاستدراج المسمومة التي قام بها الكاتب . ولهذا نجد حيدر لا يستمر في استنكاره استنتاج صديقه الغريب في إمكانية العثور على عقد من أسنان طبيعية أو فك اصطناعي مستعمل في سوق الملابس المستعملة ، ولكنه يتصرف الآن بصورة تتسق مع ذلك الاستنتاج الغريب :                                        ( أخذ ينظر إلى المرآة ، بجد هذه المرّة ، فتح فمه ومسّ بطرف لسانه السن ثم أغلق فمه وخلع المعطف – ص 65 ) .                                                                       لقد أغمض كل منهما عيني وعيه عن مصداقية ما يتباحثان بشأنه وغائيته ، وتفتحت عينا لاشعورهما تترصد أي منفذ – حتى لو كان لامعقولا جدا – يفرج من خلاله عن ضغوطات الفقدان المهدد التي تراكمت طويلا ، فأوصلهما إلى مرحلة مثل هذا الحوار ” الجنوني ” . لكن للواقع أحكامه ، وله صخرة حقائقه الصادمة التي سرعان ما ستتكفل بإعادتهما إلى الواقع؛ تفتح عيني وعيهما المغيّب الذي تلاعبت به رائحة نفّاذة لا تربك أنف الوجود وتزكمه ولكنها تتلاعب بالعقول خصوصا العقول المثكولة :                                                                                      ( اقتربت منه ورأيتني داخل المرآة أعتذر بصوت واطيء ، قلت إنني مندهش فحسب لكل هذه الأشياء ، وربما أذهلتني رائحة الثياب قليلا . قال : لا تهتم ، يبدو أن الرائحة لعبت بعقلي كذلك – ص 65 ) .                                                والقاص المبدع لا يدخل في شروحات ولا يفسّر ، إنه يصور ، ولؤي ” يعني ” كلّ

حركة مهما كانت بسيطة ، وهذه من سماته الأسلوبية المركزية أيضا ، فحركة الشخوص عنده ” خطاب ” مكثّف يغني عن مسافة سردية أو مقطع حواري ، ولهذا تكون أغلب قصص لؤي القصيرة ” قصيرة ” قعلا . وإذا اتسعت مساحتها فسيشعر القاريء أنها مركزة وكان من الممكن أن تكون أطول بكثير ، قصة لؤي تأتي رشيقة ، بلا ترهلات سردية ولا استطالات وصفية ، ودخول الرجل الذي أصبح راويا الآن إلى المرآة في الحركة الختامية ، هي حركة ذات دلالات عميقة على مستوى الإنتقال من ” أسفل ” اللاشعور المضبّب إلى أعلى صفاء الشعور رغم آلام الإذعان الباهضة . وحين أقول أصبح الرجل راويا ، فلأن من سمات لؤي اللعب الحاذق والمدروس على الضمائر . فقد سار في سرد وقائع قصته بضمير الغائب – وأعود للتأكيد أنني لا أعرف كيف يكون غائبا وهو تام الحضور على خشبة النص – حتى ربعها الأخير حيث قام بنقلة ذكية غير محسوسة وهادئة من ضمير الغائب إلى ضمير المتكلم ، نقلة منسابة مندغمة في حديث الرجل الذي أجاب به زوجته التي سألته مستغربة عن وجود ملابس داخلية في سوق الملابس المستعملة حيث قال : ( كل شيء ، حتى خفت أن أنظر إلى البالات العظيمة المركونة . كنت أخشى أن تمتد منها يدٌ أو ساق فأتشاغل بالنظر إلى حيدر يخلع معطفا ويرتدي آخر ، ينظر إلى صورته في مرايا الدكاكين ثم يستدير ليسألني كيف أبدو ( …. ) وحتى ختام القصة حيث يقول : قلت إنني مندهش فحسب لكل هذه الأشياء ، وربما أذهلتني رائحة الثياب قليلا ، قال : لا تهتم ، يبدو أن الرائحة لعبت بعقلي كذلك ) . أي أن الغائب قد دخل بذاته ساردا فعليا حل محل السارد / القاص الفعلي . وقد تم ذلك ببراعة ألغت حدود التحول الذي كان من الممكن أن يكون صارخا بين ضميري الغائب والمتكلم . وقد اختار القاص هذا التغيير الذي هو جذري لكنه غير واضح المعالم لأنه يدرك أن حرارة التجربة الأخيرة التي هي شديدة الطابع الذاتي ، لا تكتسب تأثيرها الناجز في نفس المتلقي وهي تُسرد عن بعد وعبر المراقبة ، وأن أفضل من يحكيها هو صاحبها الممتحن .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *