د. قيس كاظم الجنابي: التراث والمعاصرة [فصل من كتابي: سرديات النهضة الفكرية العربية]

توطئة:
كانت ولادة الدكتور محمد عابد الجابري (1936-2010م) في بلاد المغرب، ثم أكمل دراسته في حقل الفلسفة ،وبقي يزاول عمله في الجامعة بالرباط ،وهي واحدة من عواصم الامارات التي نشأت في بلاد المغرب العربي (شمال أفريقيا)؛وهو كمغاربي متأثر بمناهج البحث العلمي في فرنسا بشكل خاص، لما للاستعمار الفرنسي من مؤثرات كبيرة عليها، ولكنه تميز عن غالب المغاربة بأنّ ثقافته عربية ،ونزعته قومية، وأن معظم دراسته كانت في الرباط ذات النكهة الصوفية، وهو الاخر متأثر بابن خلدون ونظريته حول صراع البداوة والعمران، كما طرح ذلك في كتابه(فكر ابن خلدون ، العصبة والدولة).
كتب محمد عابد الجابري ، شبه سيرة ذاتية، تحاكي بطريقة ما كتبه طه حسين في كتابه (الأيام)،وجعلها بعنوان (حفريات في الذاكرة ، من بعيد)،وأصدرها عام 1997م، مشيراً الى أنّ مشروع هذه “الحفريات” يطمح الى التحقيق كاملاً في ثلاثة أجزاء، أولها هذا الذي بين يدي القارئ، وهو يغطي – بل “يعري”، التيارين الاركولوجي تعرية – مرحلة ما قبل انقسام المسار الى التيارين المذكورين : مرحلة الصبا والمراهقة وأوائل الشباب. وهو يعترف بصريح العبارة بأنها ” لا تمتلك الا هويتها الوجودية .. أما ما عدا ذلك فهو قراءة تحاول استنطاق معنى ما كان له معنى ،واعطاء نوع من المعنى لما كان يقدم نفسه بلا معنى.. تماماً كما يفعل عالم الآثار. ومن هنا جاء اصطلاح ” الحفريات” و”الحفر الاركولوجي” وما في معنى هذه العبارات”.(1)
وقد شغلته (اشكالية المعاصرة والتراث)،وكيفية الجمع بين الموروث والأخذ بالحداثة، وهذه هي واحدة من أهم معضلات الثقافة العربية التي تحاول السير بركب الحضارة الوافدة من الغرب، وعدم التخلي عن التراث والحضارة العربية والاسلامية، فاذا كانت الذاكرة عودة ومراجعة واستلهام وتوظيف واستدعاء، وهذا ما يحدث في غالب البلدان، فإن الجابري يقتفي مسيرة ابن خلدون في نظرية العمران والبداوة، لأن الشرق يضرب أطنابه في عمق الذاكرة. والذاكرة هي ليست الماضي المحنط، وانما هي فعل حي متطور يوصل تفاعل أعماق الانسان مع مشاعره وأحاسيسه التي تستكين الى الهدوء.(2)
التراث والمعاصرة:
لقد جاء كتاب الجابري ( نحن والتراث: قراءات معاصرة في تراثنا القومي)، الذي صدر عام 1980م، وكتبت معظم فصوله في السبعينات؛ بمثابة محاولة جدية لقراءة التراث ،وليس بيانا للتخلي عنه، بعد أن توغلت الحضارة الغربية في ثقافة وحياة العرب، وبمثابة قراءة متفردة خاصة تختلف عما طرحه جمال الدين الأفغاني في قراءته (السلفية الدينية)؛ أي أنه يحاول توجيه فكر النهضة الذي طرح مفرداته الأفغاني أولاً، توجيهاً جديداً، وهو مؤمن تمام الايمان بموقف الثوري والقومي ، لكي يتصل القارئ بالمقروء ، بعيداً عن الاشكاليات المطروحة أمامه، ولأنه مفكر وباحث في اطار هذا الفكر ، فإنه يحاول أن يقرأ الفضاء الحضاري للثقافة العربية ، من خلال ذلك؛ مشيراً الى (صدام الحضارات ) الذي طرحه “صموئيل هنتنغون” والذي وصفه بأنه صراع ” مصالح” يشتد حيناً ويخفت حيناً، وهو كما وصفه ليس صراعاً، وانما هو (تداخل الثقافات)،وان ذلك هو الذي يطبع الفضاء الحضاري في الشرق الأقصى، وهو تداخل وتمازج ثقافي وروحي بين الكونوشيوسة والبوذية وما تفرع عنهما تماماً، ذلك أن ما طبع الفضاء الحضاري في حوض البحر الأبيض المتوسط هو التداخل والأخذ والعطاء بين الحضارات التي تتموج داخل هذا الفضاء.(3)
وقد تعرّض الجابري للفكر العربي منذ بواكيره الأولى محاولاً قراءة ذلك ،متوقفاً وقفات طويلة مع فكر ابن خلدون عبر الفصلين (السادس والسابع)، من هذا الكتاب. فكانت “الخلدونية” بالنسبة له هي المشروع النهضوي الذي طرحته (مقدمة ابن خلدون)، مشيراً الى اشكالية مازالت معاصرة.(4)
ويحاول الجابري تكوين رؤية موحدة عن العلاقة بين الماضي/ التراث والحداثة/ المعاصرة، محاولاً ايجاد تعريف لها، من القرآن الكريم، والمعجمات اللغوية، من خلال العودة الى جذر كلمة (ورث)، مشيراً الى أن التراث يعني الموروث الثقافي والفكري والديني والأدبي والفني، وهو المضمون الذي تحمله هذه الكلمة داخل خطابنا العرب المعاصر، ملفوفاً في بطانة وجدانية أيديولوجية. وهذه الفكرة الأساسية التي اعتمدها الجابري في قراءة التراث العربي الفلسفي من كل جوانبه السياسية والاجتماعية والأخلاقية، وفي قراءة تكوين العقل العربية وبنيته ، مشيراً الى أنّ فهم التراث ، غالباً ما يأخذ الجانب الذاتي لأن حضوره كمفهوم أيديولوجي ، في الفضاء الثقافي العربي، نابعٌ من حاجة ذاتية أو عقل معاصر، يريد أن يتماشى مع الحاضر، ولا يريد أن يتخلى عن ماضيه ، مهما تنوعت المناهج في قراءة التراث، محولاً بيان المقصود بالتراث بشكل واضح دقيق، في أنه من نتاج مرحلة زمنية تقع في الماضي وتفصلها عن الحاضر، مسافة زمنية ما تشكلت خلالها هوة حضارة فصلتنا وما زالت تفصلنا عن الحضارة المعاصرة، الحضارة الغربية الحديثة؛ مما يشكل لدينا فكرة مفادها أن (التراث) هو ” مجموعة عقائد ومعارف وتشريعات ورؤى بالإضافة الى اللغة التي تحملها وتؤطرها ، تجسد إطارها المرجعي التاريخي والأبستمولوجي [المعرفي] في عصر التدين (في القرنين الثاني والثالث للهجرة) وامتداداته التي توقفت تموجاتها مع قيام الامبراطورية العثمانية في القرن العاشر للهجرة (السادس عشر للميلاد)،أي مع انطلاقة النهضة الأوربية”.(5)
وهذا ما يفسر لنا على أنه انتاج فكري وانتاج قيم روحية ودينية وأخلاقية وجمالية، وفي حالة قراءة هذا التراث بوصفه معيناً للنهضة الفكرية العربية الجديدة، بحيث توصل الجابري الى مقولة مهمة حول حضور التراث، كمفهوم نهضوي ، في الساحة الأيديولوجية العربية المعاصرة، بأنه يحكمه التناقض مع مكوناته الذاتوية ومكوناته الموضوعية داخل الوعي العربي الراهن.(6)
ولهذا يحاول جاهداً الوصول الى رؤية جديدة عن التراث ، في ضوء لمتغيرات المهمة على الساحة الثقافية ، ليقرر بالتالي أن هذه الرؤية تزاوج بين المنهج البنيوي والمنهج التاريخي والطرح الأيديولوجي – الوعي – والتي يُحاول اعتمادها في معالجة أزمة العربي المعاصر.(7)
المثقف:
محمد عابد الجابري، عربي، يحاول أن يقرأ التراث العربي على طريقته الخاصة، مع اهتمامه الواضح بالدراسات الاستشراقية القريبة منه ،حول التراث العربي، وخصوصاً الجانب الفلسفي منه، لهذا يقترح أن نكون واعية في ذات الوقت، لأن المستشرقون يدرسون التراث العربي على مستوى التحقيق والبحث ليس من أجل العرب والمسلمين بل من أجل مصالحهم.(8)
ولعل هذا السبب كان وراء قراءة الجابري لعلاقة المثقف بالسلطة في التراث العربي ، من خلال محنة ابن حنبل ونكبة ابن رشد، مشيراً الى أنّ ثمة جنساً أدبياً بات ينمو ويتوسع في الخيال على مرّ العصور هو (أدب المحن)، من العلماء خاصة ،وقد عده من ادب الملاحم والبطولات.(9)وبطل هذه الملاحم هو المثقف ، الانسان الواعي الباحث ، الذي يمتلك وجهة نظر خاصة به، لا تنسجم مع السلطة وتطلعاتها، مؤكداً الى أن الأسباب التي تدفع الحاكم / السلطان للاضطهاد المثقف / العالم هي سياسية في الأغلب والأعم، وفي الغالب ما تكون هنالك فتوى أو موقف عملي اتخذه العالم ضد الحاكم.(10)
وكان من أسباب محنة ابن حنبل ، أن الحاكم(المأمون) يعد نفسه من العلماء، فاستخدم سلطته لإجبار العلماء على تبني وجهة نظره حول موضوع (خلق القرآن)،وكان المأمون يستخدم الدين وسيلة لأحكام سلطته ، مشيراً الى أن الذين يرفضون فكرة (خلق القرآن) التي أدرجها في أصل (التوحيد) بأنه يضاهي النصارى في القول ان عيسى كلمة الله القديمة، فيكون العالم (ابن حنبل) شريكاً لله في القدم. وكان من نتائج ذلك تعميم المأمون امتحن العلماء على أصحاب المناصب في دولته ،وامتحان من هم دونهم من القضاة والعدول والشهود.(11)
أما نكبة المثقف (الفيلسوف) ابن رشد، فكانت بسبب ما نسب اليه من أمور ذات طبيعة سياسية ، مثل ما ورد في كتابه ( جوامع سياسة أفلاطون) من انتقادات للأوضاع في الأندلس ،وهي انتقادات كان لا بدّ أن تثير الشكوك حول علاقته بأبي يحي أخي المنصور ،وعلاقته بـ( الأعيان الفضلاء) الذين نكبوا معه؛ مما يشير الى أنّ أعيان أشبيلية قد تقدموا الى المنصور بشهاداتهم على أن ابن رشد كان (على غير ما نسب اليه) – من التواطؤ مع أبي يحيى.(12)
خطاب النهضة:
ويحاول الجابري في كتابه (الخطاب العربي المعاصر: دراسة تحليلية نقدية) الصادر عام 1982م، بيان طبيعة مشروع النهضة العربية، مشيراً الى وجود ثلاثة أطراف تحدد تصور العرب لها:(13)
الأول، النموذج الأوربي.
الثاني، النموذج العربي – الاسلامي.
الثالث، الانحطاط.
مستعرضاً آفاق الباحثين حول النهضة، ومنهم غالي شكري في كتابه ( النهضة والسقوط في الفكر المصري الحديث) والذي ركز بحثه على النهضة المصرية ،أي من جانب قطري، فقط، وها يشير بلا شك ،أنّ وجود قصدية واضحة، هي أنه قرن النهضة بالسقوط ،أو بالانحطاط ، كما يفعل الآخرون.
وهذا ما يعود به نحو موضوع أثير لديه هو (اشكالية الأصالة والمعاصرة) في الفكر العربي الحديث، ومنها اشكالية الماركسية العربية والليبرالية العربية والسلفية العربية، وذلك لأن الماركسية هي فكر معاصر، لا يمكن من خلاله أن نقرأ التراث العربي بطريقة إسقاطية، وكذلك لا يمكن أن نقرأ التراث العربي بطريقة سلفية تعود به الى عدة قرون الى الوراء ،أما الليبرالية، فإنها نظام سياسي اجتماعي يصلح لهذا العصر ،ولا يمكن أن نعود به الى الخلف، ولكن من الممكن الاستئناس بالماركسية والليبرالية ؛ وذلك أن خطاب النهضة العربي، كما يرى الجابري ، هو خطاب توفيقي متناقض، محكوم بـ( سلف)،لأنه يعتقد بأن الخطاب، أي خطاب، المحكوم بـ( سلف) معناه أنه خطاب لا يرى الواقع كما هو ،ولا يعبر عنه ولا يعرّف به، وبالتالي لا يرى المستقبل الا من خلال (التمثال) الذي يقيمه في ذهنه (السلف) الذي يستكين اليه، بل يستسلم له، فهو اذن “خطاب وعي مستلب”.(14)
ومن هنا ولج محمد عابد الجابري فكرة ( اشكاليات الفكر العربي المعاصر) وهي:
1- اشكالية الأصالة والمعاصرة.
2- اشكالية التراث والحضارة.
3- اشكالية النهضة والتخلف.
لهذا يرى أن اشكالية الأصالة والمعاصرة، هي اشكالية مفروضة، مع معرفة أن (الآخر) له دور مزدوج في التعامل مع النهضة؛ وذلك لأن النهضة العربية الحديثة ، كانت منذ البدء ،وليدة صدمة حصلت بفعل التدخل الخارجي، عبر مؤثرات الاستعمار الغربي.(15) وبالذات بتأثير الحملة الفرنسية على مصر وما تلاها من متغيرات.
***
ومن هذه الاشكاليات انطلق الجابري ،في كتابه( قضايا في الفكر المعاصر) الذي صدر عام 1997م، في التعامل مع موضوعات مهمة، مثل(العلولمة)، و(صراع الحضارات)، و(العودة الى الأخلاق)،و(التسامح الديمقراطي ونظام القيم)..وغيرها. فولج أولاً موضوع (الفلسفة والمدنية) مشيراً الى ان العودة الى الفلسفة (اليوم) ضرورة يفرضها فشل التدبير الذي تم بدون حكمة فأدى الى الأزمة.(16)
ومنة خلال اهتمامه بكتاب (صدام الحضارات) لمؤلفه (صموئيل هنتنغتون) الذي نشر جزءاً منه بصفة دراسة صيف عام 1993م، مشيراً الى أنّ الحضارة هي هوية ثقافية ،والهدف من ذلك هو الوصول الى تصنيف البشرية الى ثلاث مجموعات تمثل أوسع المجموعات الحضارية بحيث لا يمكن جمعها في أي كيان حضاري أعلى.(17)
ينبه (هنتنغتون) الى أن التاريخ البشري هو تاريخ الحضارات، وأنه لمن المستحيل أن نفكر في أي شكل من أشكال تطور البشرية ، ومن خلال التاريخ زوّدت الحضارات بأوسع نطاق هويات الشعوب ،وكنتيجة لذلك فإن أسباب انبثاق وصعود ،وتفاعلات ،وانجازات ،وضعف ،وسقوط الحضارات كان موضوع دراسات استكشافية مستفيضة من طرف مؤرخي وعلماء اجتماع وأنثروبولجيين بارزين.(18)
ويرى أن كلاً من الحضارة والثقافة يشيران الى نمط الحياة العام للبشر ،وما يتضمنان” القيم، والمبادئ ،والمؤسسات وأنماط التفكير والتي تعطي لها الأجيال المتعاقبة في مجتمع ما أهمية أولية”.
الحضارة ، بالنسبة لبرودل :” فضاء”، و”مساحة ثقافية” ،”إنها توليف من خصائص وظواهر ثقافية”. ويعرفها والرشتاين بأنها متميزة من العادات والبنيات والثقافة ذات الذيوع الواسع (الثقافة بشقيها المادي والمعنوي) والتي تشكل نوعاً من الكيان التاريخي والذي يتعايش في آن واحد ( إن لم يكن دائماً طبيعياً) مع مظاهر أخرى متنوعة من هذه الظاهرة.(19)
ثم يتوصل (هنتنغتون) الى رأي مفاده أن الحضارة هي ” أعلى تجمع ثقافي للبشر وأوسع مستوى من الهوية الثقافية يكاد يكون شعب ما قد وصل اليها والتي تميز بني البشر عن الأنواع الأخرى. الحضارة يمكن التحديد بها من خلال كل من العناصر الموضوعية المشتركة، مثل اللغة ،التاريخ، الديانة، العادات ، المؤسسات، والتعريف بالكيان الذاتي للشعب”.(20)
الحاجة الى الاصلاح:
اذا كان علي الوردي ، في كتابه (منطق ابن خلدون) يرى بأنّ ابن خلدون، كان متأثرا بمنطق أرسطو؛ فإنه من المحتمل أن يكون الجابري ، في مشروعه النهضوي في قراءة الفكر العربي المعاصر، قد تأثر بإفلاطون وابن رشد، بابن خلدون، حيث كان تحليله لمختصر كتاب (السياسة ) لإفلاطون الذي اختصره ابن رشد ،ونقله عن العبرية الى العربية (الدكتور أحمد شحلان)، وقدم له مقدمة تحليلية وافية، حيث الانتقال من (يوتوبيا) المدينة الفاضلة الى الحلم العربي في الوحدة العربية، وتأسيس الكيان العربي المنتظر؛ فقد جاء في هذا المختصر ما يشير الى ان الانسان ” مدني بالطبع”.(21)
وفي هذا الكتاب تتجلى مثالية افلاطون بوضوح حين يشير اليها ابن رشد بالقول:” وينبغي أن يُحَث الحفظة على الصدق وان يحرصوا عليه. ذلك لأن الكذب لا يليق بالصالحين ولا بالملوك ولا بالجمهور”.(22)
***
وقد ناقش الجابري في كتابه (وجهة نظر : نحو اعادة بناء قضايا الفكر العربي المعاصر) الصادر في طبعته الأولى عام 1992م، قضية الهوية، وبالذات قضية العروبة والاسلام، وعلاقتهما بالمرجعية التراثية، وموضوعة (العرب والعروبة في المرجعية النهضوية)؛ فرأى أن ” من المشاكل الفكرية التي نعاني منها ، نحن العرب ، اليوم تعدد المرجعيات في ثقافتنا “المعاصرة”. وسنكون مخطئين اذا نحن اكتفينا بالتمييز بين مرجعيتين فقط في هذه الثقافة : مرجعية تراثية ، عربية اسلامية ،ومرجعية عصرية أوربية الأصل والهوية. ذلك لأنه بالإضافة الى هاتين المرجعيتين تقدمان كلتاهما على التعدد (مرجعية الفكر الشيعي تختلف عن مرجعية الفكر السني ، مثلما أن مرجعية الفكر الفرنسي مثلاً تختلف عن مرجعية الفكر الانكلوسكسوني…) التراثية والأوربية ،وهي المرجعية التي أصبح يشكلها فكر ما نسميه اليوم بعصر النهضة العربية الحديثة”.(23)
وتطرق لعلاقة الدين بالدولة، والكثير من القضايا التي تسوقها علاقة الحداثة والتراث ، ثم تناول موضوعة (الوظيفة التاريخية للثقافة العربية)، و(الثقافة القومية) العربية، وكذلك (المسألة القومية)؛ وهو بوصفه باحثاً عربياً، يميل الى كشف اشكاليات الثقافة المعاصرة الضائعة بين الحداثة والدين/ التراث ، يرى بأن المثقفين ينقسمون الى تيارين ( عصريين وتقليديين)، وهذا يعبر عن وجود صراع مضمر واضح، تثبته ضرورات التطور الزمني ،والانتماء التاريخي، وهي تصطدم أحياناً بثقافات الإثنيات الأخرى ( دينية أو لغوية)، فيرى بأنه لن يكون ثمة حل قومي ، حقيقي ” الا بتوسيع دائرة الثقافة العربية القومية كيما تضم بين جنباتها الثقافات الأقوامية تلك”.(24)
وفي كتابه( في نقد الحاجة الى الاصلاح) الصادر عام 2005م،يحاول الجابري دراسة المتغيرات الجديدة، كالديمقراطية وحقوق الانسان، منطلقاً من فكرة الاصلاح في لمرجعية التراثية ، منذ جمال الدين الأفغاني، محاولاً تعريف (الاصلاح)، على وفق ما تطرحه مرجعيات التراث الفكري العربي، مشيراً الى أنّ ” مفهوم (الاصلاح) في المرجعية الأوربية يرتبط بتغيير الصورة . واذا اعتبرنا ” الدولة” صورة لمجموعة من السكان هم ” المادة” لها – حسب هذا الاصطلاح – فإن الاصلاح في أيّ مجتمع يجب أن يتجه أولاً وقبل كلّ شيء الى الدولة. أنا في المرجعية العربية الاسلامية فـ”الاصلاح” لا يطرح فيها كل هذا الشكل”.(25)
وعلى الصعيد العربي، فإن فكرة الاصلاح التي طرحها جمال الدين الأفغاني، تعني رجوع الأمة الى القواعد الأولى لدينها، وأنه وظف الدين توظيفاً سياسياً لمناهضة الغرب وأبعاده، وبهذا ابتعد في مشروعه هذا من النهضة الحقيقية، التي تعني بالإصلاح التجديد، رافضاً الديمقراطية الغربية ومجالسها النيابية؛ لهذا يرى أن الأفغاني قد فشل في دعوته هذه ” في تحقيق ما كان” يطمح اليه لأنه كان ” يرفض فصل الدين عن السياسة مؤمناً بأنّ أقرب طريق الى التعبئة السياسية للأمة الاسلامية هو توظيف الدين فيها ،وفي الوقت نفسه كان يرفض الوطنية والفكرة القومية”.(26) معولاً على الجامعة الدينية أو التي سماها بالجامعة الاسلامية.
العقل العربي:
صنّف الجابري أربعة كتب مهمة تحت عنوان( نقد العقل العربي)، هي:( تكوين العقل العربي)،و( بنية العقل العربي)،و( العقل السياسي العربي)،و( العقل الأخلاقي العربي)؛ وكان كتابه (تكوين العقل العربي) بمثابة مقدمة تنظيرية مصحوبة بتطبيقات عملية لتأسيس رؤية جديدة لقراءة الفكر العربي المعاصر، مشيراً الى أنه كان من الممكن استعمال كلمة (فكر) مكان كلمة ( عقل)؛ وذلك أن كلمة (فكرة) وخصوصاً عندما تقترن بوصف يربطها بشعب معين مثل (الفكر العربي) أو(الفكر الفرنسي)، تعني فيما تعنيه في الاستعمال الشائع اليوم، مضمون هذا الفكر ومحتواه، أي جملة الآراء والأفكار التي يعبر عنها، ومن خلالها ؛ ذلك الشعب عن اهتمامه ومشاغله ،وأيضاً عن مُثله الأخلاقية ومعتقداته المذهبية وطموحاته السياسية والاجتماعية . لكن كلمة (فكر) تعني أيضاً (الأيديولوجيا).(27) وهذا ما يثير نوعاً من البلبلة في ذهن المتلقي.
لقد حاول ربط العقل ،أو الفكر بالثقافة، لأنه يعتقد بأنّ الحديث عن (العقل العربي) أو (الثقافة العربية)، فإنه يعبر عن “موقف يسلم بوجود ” عقل” و” ثقافة” أو ” عقول” و”ثقافات” أخرى يتحدد بالمقارنة معها العقل والثقافة اللذين نتحدث عنهما.(28)
ثم حاول أن يلج المرحليات الزمنية ، للوصول الى مرحلة النهضة العربية في القرن التاسع عشر، بدءاً من العصر الجاهلي؛ وبهذا وضع مسحاً شاملاً لتصوير ونمو العقل العربي، مشيراً الى أنّ الفكر هو نتاج مساجلات ومحاورات ومناظرات ،وربما أسمار ومجالس ، شفاهية، ارتقت فيما بعد عبر التدوين لتكون تراثاً أدبياً مدوناً يمثل ثقافة الأمة. محاولاً أن يقنع القارئ بأن مفهومه للثقافة العربية ، بوصفها الاطار المرجعي للعقل العربي، ويعتبرها ذات زمن واحد منذ أن تشكلت الى اليوم، لأنها تشكلت ككيان ثٌبتت أركانه وتعينت حدوده واتجاهاته خلال الفترة المعروفة في تاريخ هذه الثقافة.(29)
يحاول الجابري الكشف ع العلوم المؤسسة للفكر(العقل) العربي كالنحو واللغة والفقه .. وغيرها من العلوم. فقد كانت الصراعات الفكرية بين القديم والجديد، وبين الفرق والمذاهب فلسفياً وفقهياً، لهذا كان يرى بأن ” الخلافات المذهبية داخل الفقه لم تكن تخضع دوماً للخلافات الكلامية، العقدية السياسية، بل بالعكس لقد كان المعتزلة والأشاعرة والماتريدية و”السلفيون” منتشرين داخل المذاهب الفقهية بشكل جعل المذهب الفقهي يعلو على كلّ المذاهب الأخرى”.(30) فلعله يرى بأنّ الفقه كان سبباً في ظهور الاختلافات الكلامية، أو الفلسفية، كما كان مبدإ القياس الذي اعتمده أبو حنيفة ، أحد الفقهاء الذين عاشوا في الكوفة مخالفاً لتوجه الفقه الشيعي الذي يرى أنّ القياس بدعة ، ثم تصاعد الصراع بالتدريج بتأثير منطق أرسطو وظهور الفكر المعتزلي، ثم الأشعري ،وقيادته الدفة فيما بعد.
ثم ظهرت حركة الزندقة كحركة فكرية، وثقافية مهمة ،فاتخذتها الدولة العباسية ذريعة للقضاء على التيارات الفكرية الجديدة، والمناوئة لها، بحيث أصبحت تهمة جاهرة. وقد شغلت الفقهاء في الرد عليها ، كما فعل أحمد بن حنبل (162-241هـ)والذي حاكى الشافعي في قواعده المنهجية التي قررها في خلافه مع الأشاعرة أتباع أبي الحسن الأشعري( 260-324هـ/873-935م) في التوجه نحو القواعد العقدية ،والذي ” قوامه الانطلاق من النص القرآني ومحاولة فهمه داخل حقله التداولي ،أي داخل الحقل المعرفي البياني الذي كان يتحرك فيه العقل العربي على عهد النبي والصحابة”.(31)والجابري في هذا البحث يتأسف على ضياع كتب المعتزلة الأوائل ،ويرى بانّ فقدانها كان ” خسارة لحقت بالتراث العربي الاسلامي على مرّ العصور”.(32)
وهو يرى بأن الاسرائيليات التي تسربت الى كتب التفسير وغيرها من التصانيف الاسلامية، والتي تضمنت ” – وهي على العموم أخبار الغيب والجنة والنار المستقاة من التوراة والتلمود – الى الثقافة العربية الاسلامية بشكل واسع والى داخل دائرة “المعقول” الديني العربي ذاته، ولكنها كانت تقبل ، حين تقبل ، على أنها تنتمي الى “النقل” وليس الى “العقل” وبالتالي على أنها تفصيل لما جاء مجملاً في القرآن”.(33)
والى جانب الاسرائيليات هذه تسربت الكثير من الرؤى والأفكار المانوية، والزرادشتية (المجوسية)، والتي كانت لبّ طروحات الزنادقة، وهي تعود في أصولها الى الفلسفة اليونانية، وأتباع ديانة عبادة الكواكب والنجوم، لأن هذه الديانة كانت ديانة زراعية تحتاج في عملها الى حركة ودوران الكواكب في توالي الليل والنهار، فكان تأثيرها ، من باب الارتباط المصلحي أو النفعي بي الدي والعمل؛ ثم كان ارتباطها بالعرفان الصوفي مؤثراً جعلها تحتل مكانة مركزية فيه، في الفناء ،وفي التناسخ والحلول، وفي عقد الصلات بين علم التصوف وعلم الكيمياء وأسرار الصنعة، فعن طريق جهود خالد بن يزيد بن معاوية (ت85هـ،704م) أول المشتغلين بعلم الكيمياء، جرى نقل الفلسفة اليونانية وعلوم الأوائل، التي كانت من العلوم الهرمسية (السّريّة) السحرية؛ ولهذا كان موقف المسلمين سلبياً منها، لأنها ربطوها بالسحر الذي يخالف عقيدة الاسلام، ثم جاء دور جابر بن حيان في ترسيخ علم الكيمياء وتطورها فيما بعد.
وكان للديانة الصابئة صلات ما بالهرمسية واعتقاداتها، فقد كانت الكوفة مركزاً لها، من خلال لغة الاتصال بين الهرمسية والفكر الشيعي ، فكان الشيعة أول م تهرمس في الاسلام؛ وتسرب ذلك الى طروحات الغلاة منهم، من أمثل بيان بن سمعان(قتل 119هـ/637م) ،والمغيرة البجلي أو العجلي(قتل 119هـ/637م)، والجهم بن صفوان (ت 128هـ)، وانتقلت تلك الآراء الى التصوف بفعل أبي هاشم الكوفي (ت 150هـ/767م)،ثم انتقلت بدورها الى معروف الكرخي (ت 200هـ/815م)،وكل هذه الأفكار اخترقت العقل العربي بشكل أو بآخر وتجسدت في حصول صراع فكري عنيف بين الوافد والقديم.
***
تبدو العروض الفكرية التي قدمها محمد عابد الجابري، أقرب الى مسح شامل لحركة تكوين العقل العربي، ثم سيكملها في كتابه التالي ( بنية العقل العربي)؛ لهذا يرى بأن الغزالي في كتابه(جواهر القرآن) قد قدّم قراءة هرمسية للقرآن وعلومه للغوية والدينية ،وهي ” قراءة هرمسية بمعنى الكلمة يوظف فيها المفاهيم “الكيميائية” أو الدينية الهرمسية”.(34)
لقد تناول الجابري الفرق الباطنية ،والفرق الشيعية كالإسماعيلية وما تمخضت عنها من أفكار عبر الدولة الفاطمية ، ثم تناول المذهب الظاهري في الفقه الذي أسسه داود الاصبهاني(220-270هـ/835- 883م)، والذي يعد أول شافعي انصرف الى طلب الحديث وتخلى عن القياس الذي كان أتباع الشافعي يسرفون في الاعتماد عليه في الأحكام.(35)والذي كان ابن حزم الأندلسي (384-456هـ/994-1063م) واحداً من كبار رجاله، والموجه بشكل مباشر ضد القائلين بـ”الباطن” من شيعة ومتصوفة.(36)
بينما كان فقهاء المرابطين ، في بلاد المغرب، يعتمدون القياس الغائب على الشاهد فأوقعوا الناس ،وأوقعوا أنفسهم ودولتهم ، في التشبيه والتجسيم على مستوى العقيدة لقياسهم الله على الانسان، كما كرسوا “التقليد” على مستوى الشريعة لوضعهم الفروع مكان الأصول فابتعدوا ع الكتاب والسنة.(37)
ثم كان اقصاء العرفان والفصل بين البيان والبرهان، لدى اب رشد (520-595هـ/1126-1198م)، الذي استعاد مشروع ابن حزم الأندلسي ، عبر ابن تومرت وبن باجة، ولكن على مستوى آخر أغنى وأعمق،، كما كان ابن طفيل(ت 506-595هـ/1112-1198م)، صديقاً لابن رشد، وطبيباً وموظفاً في دولة الموحدين منذ تأسيسها على يد عبد المؤمن بن علي اليمني، وهو اليد اليمنى للمهدي بن تومرت، والذي لم يترك لنا سوى رسالة (حي بن يقظان) التي كتبها في قالب شيق على وفق طروحات الفلسفة المشرقية.(38)
وفي ختام جولته مع (تكوين العقل العربي) يقول في الخاتمة” لقد أردنا فقط تتبع ” مراحل” تكوين العقل العربي داخل الثقافة العربية “العالَمِة” أعني التي دونت وصنفت وأعيد بناؤها خلال عصر التدوين وامتداداته”.(39)
***
وفي كتابه (بنية العقل العربي، دراسة تحليلية نقدية لنظم المعرفة في الثقافة العربية) الصادر عام 1986م، ينتقل من العرض الى التحليل والنقد، مشيراً الى كتابه السابق (تكوين العقل العربي)، والذي طرحه بصفة مدخل أو شبه مدخل، لهذا الكتاب(بنية العقل العربي)؛ فكا القسم الأول منه بعنوان( البيان) والذي استهله بمدخل جاء بصفة سؤال:( ما البيان؟)، ذلك لأنه جعل بنية العقل العربية تستد الى أربعة أقسام: البيان، الذي يستند على موضوع البلاغة ،والتي هي أس ثقافة العرب، ثم العرفان، ثم البرهان. وجعل القسم الرابع بعنوان (تفكك النظم.. ومشروع اعادة التأسيس)، فاذا كان العرب أمة بيان، وانّ القرآن الكريم نزل عليهم لتوكيد هذه الصفة، فإنهم انشغلوا بهذا البيان ،وفي صراع الحداثة والقدم، واللفظ والمعنى، والآصل والنوع؛ مما يعني أ الفكر العربي يستند على فضاء كلامي خاص، هو فضاء الكلمة وتأويلها ، لهذا تمازجت علوم البلاغة مع العلوم ذات الطبيعة المعرفية التي طرحها المعتزلة.
ويخلص الجابري، في كيفية بيان (بنية العقل العربي)، في أنه ” لا يمكن مناقشة نظام معرفي ككل الا من خارجه ،أي بالاستناد الى معطيات نظام معرفي آخر، بصورة صريحة أو ضمنية. وربما أننا لم نعرف بعد نظام معرفي آخر غير النظام البياني(…)،وذلك بالرجوع به الى” ما قبل تاريخه”، الى البنية المعرفية الابتدائية اللاشعورية التي تؤسسه وتحكمه من الداخل. وهنا لابدّ من سلوك طريق عكسية: لقد انطلقنا في تحليل البيان ” العالم” من المنهج ثم انتقلنا الى الرؤية عندما يتعلق الأمر بالصورة الابتدائية “العامية” ، فالعكس ، في الغالب، هو الصحيح: الرؤية هي التي تؤسس المنهج”.(40)
أما العرفان الصوفي أو غيره، فقد خصص له القسم الثاني من الكتاب، وهو الذي قاده نحو الهرمسية، أو نحو التأويل، م خلال الانتقال من ظاهر الكلام الى باطنه، ويشترك في ذلك التصوف والعرفان الشيعي؛ مشيراً الى أن الرؤية العرفانية الاسلامية للعالم، وللكون والانسان والزمان والتاريخ، كانت تتخذ من الزوج النبوة /الولاية، اطاراً لها لأن المادة الموظفة داخل هذه الاطار هي عناصر تنتمي مباشرة ،وفي أحيان كثيرة علناً وصراحة، الى التراث الهرمسي، تماماً مثلما أن منهج التأويل العرفاني في الاسلام، اذا كان قد اتخذ الزوج الظاهر / الباطن اطاراً له فإن أساسه المبدإ الذي اعتمده هو المماثلة التي تقيمها الهرمسية بين العالم كانسان كبير والانسان كعالم صغير.(41)
والجابري يعتقد بأنّ المتصوفة أسسوا علمهم في الولاية من خلال الارتباط المباشر بأئمة الشيعة، بل لقد ذهبوا أبعد من ذلك فاقتبسوا من الإمامة الشيعية هيكلها العام، بل استنسخوه استنساخاً.(42) وذلك بتأثير العالم النوراني للمانوية، وبتأثير الكثير من زعمائهم الذين تشبعت ثقافتهم بالهرمسية وتجلياتها المختلفة، وخصوصاً الديصانية والصابئية التي لها صلات بالرؤية السحرية للعالم ، حيث يتوصل الى موقف واضح بشأن النظرية العرفانية ، بمختلف صياغاتها في أنها” تكرّس رؤية للعالم صميمة”.(43)
وفي القسم الثالث من الكتاب (البرهان) والذي يعرفه لغة بأنه ” الحجة الفاصلة البينة”.(44) والمستمد أساساً من منطق أرسطو والمقولات اليونانية لدى افلاطون، يشير الى أن البرهان ، كمنهج ، قد انتهى به الأمر في الثقافة العربية الاسلامية، الى أن أصبح مع الغزالي مجرد آلية ذهنية ، شكليّة هي الأخرى، آلية الاستدلال بالشاهد على الغائب، مما أفقده وظيفته الأصلية التي أرادها له أرسطو ،وظيفة “التحليل” و”البرهان”.(45)
ومن خلال تحليله للنظم المعرفية الثلاثة: (البيان، العرفان، البرهان)؛كلاّ على حدة، ليتوصل من خلال تلك البنية، الى محلصة نهائية دعاها بـ(البنية المحصلة)، فوصفها بالنية الأم، فأرجعها الى ثلاث سلطات رئيسة ، هي:( سلطة اللفظ، سلطة الأصل، سلطة التجويز) التي تشكل بالنسبة اليه بنية واحدة/ محصلة، من النظم المعرفية المؤسسة للثقافة العربية الاسلامية، وهي بالتالي بنية العقل المكوّن داخل هذه الثقافة.(46)
***
أما كتابه الثالث ( العقل السياسي العربي ،محدداته وتجلياته)، فأنه يتكون من قسمين: المحددات والتجليات؛ وفيه يشير الى أنّ ” العقل السياسي هو قبل كل شيء “عقل” ، فهو اذن يرتبط ضرورة بنظام معرفي . ولكن بما أنه “سياسي” فهو لا يتقيّد بنظام معرفي واحد ولا بمبادئ ولا بآليات هذا النظام أو ذاك، بل هو يمارس “السياسة” في هذا المجال فيوظف ما يناسب قضيته ويخدم قناعاته: يوظف البيان (التشبيه والاستعارة والتمثيل والتورية والقياس) ويوظف العرفان (المماثلة…) كما يوظف الاستقراء الاستنتاج ، في نفس الوقت يعمل بمبدإ ” لكل مقام مقال”، هدفه اقناع الغير، ومن خلال سعيه لإقناع الغير يزداد هو نفسه قناعة وإيماناً بقضيته”.(47)
وهو لا يني ، أن يعود مجدداً الى ابن خلدون في تجربته بقراءة التراث العربي، ومن خلال تجربته السياسية ، حينما يحاول أن يكشف (مفاتيح الماضي)، ماضي ابن خلدون وماضيه ، مشيراً الى العصبية في انشاء الدولة والدعوة الدينية ،لإقامة الدول والحضارات ، لكي يقدم للقارئ (المفاتيح)أو(المحددات) التي اشتمل عليها الكتاب والتي يقترح من خلالها قراءة التاريخ السياسي العربي، فيرى بأنه من المناسب أن يطلق عليها ثلاثة مسميات (القبيلة ، الغنيمة، العقيدة)(48)؛ بمعنى أنّ العصبة تتكون من القبيلة ،ولكنها لا تحقق قوتها الا عبر الجانب الاقتصادي ،وهو الحصول على الغنيمة، ولا بدّ للدولة أو الجماعة من عقيدة دينية تقنع بها سواد الناس ، حتى يضحوا بأنفسهم من أجل اقامة الدولة ، ثم الحضارة.
لقد انطلقت المحددات لديه (من الدعوة الى الدولة: العقيدة) حينما بدأت الرسالة الدينية والاقتصادية ؛ كما جاء في الفصل الأول، أما الفصل الثاني ، فكانت المحددات (من الدعوة الى الدولة: القبيلة) حيث قامت الدولة الاسلامية في يثرب (المدينة)، على أساس المناصرة القبلية، ثم كان الفصل الثالث (من الدعوة الى الدولة : الغنية)، مشيراً الى “أن الأصنام لم تكن بالنسبة لقريش ذلك “المقدس” الذي يتمسك به الناس ويموتون من أجله لأنه مقدس، ولا كانت ” معبودات قومية” يثور الناس للدفاع عنها والإستماتة دونها عندما تواجه من طرف “الآخر” الذي له معبوداته القومية الخاصة . كلا، ان أصنام العرب وآلهتها كانت، قبل كل شيء ، مصدراً للثروة وأساساً للاقتصاد: كانت مكة لآلهة القبائل العربية وأصنامها، تحج اليها وتهدي لها وتقيم أسوقاً حولها أو قريباً منها، تبيع فيها وتشتري، فكانت مكة بذلك مركزاً تجارياً أيضاً، للعرب جميعاً”.(49) هذا فضلاً عن العوامل الجغرافية ، بسبب كونها مركزاً دينياً يستقطب القبائل العربية ، لأنها كانت في الوقت نفسه محطة رئيسية في طريق التجارة الدولية بي الشمال والجنوب والغرب والشرق.(50)
أما الفصل الخامس ، فكان بعنوان( من الرّدّة الى الفتنة: القبيلة)، بحيث أصبحت خلافة النبي على أساس القرابة(الأئمة من قريش)،وذلك لأنهم جعلوا القرشية من شروط الأهلية للخلافة، استناداً الى الحديث المذكور، بحيث جرى التأكيد على مكانة قريش والاحتجاج بأحقية المهاجرين في خلافة نبيهم القرشي.(51) لأن الغنيمة ، هي منطق (القبيلة)؛ حيث التنازع بين المكانة الدينية والوراثة القبلية.
أما الفصل الخامس المعنون( من الرّدة الى الفتنة : الغنيمة)، حيث تحولت الخلافة الى ملك في عهد الأمويين، حينما نجح معاوية بن أبي سفيان في ذلك؛ بينما رفض أبو بكر الحل الوسط في احداث الردة ، حول دفع الزكاة، فكانت الزكاة(المال) تعني الغاء (السيادة)بطريقة أو بأخرى.(52)
أما الفصل السادس، فكان عنوانه ( من الرّدة الى الفتنة: العقيدة)، مشيراً فيه الى حركات الرّدة في الاسلام، بوجود الأحناف والنصارى ،وعقيدة مسيلمة متنبئ اليمامة، وسجاح التميمية، حيث بقايا الصراع بين عرب مضر (قوم النبي)، وعرب اليمن( عرب الجنوب)، لهذا كانت كندة تعتقد بظهور (القحطاني) الذي يعيد اليهم ملكهم الذي فقدوه ،وهو تصور يوازي عقيدة الشيعة في “المهدي المنتظر”.(53) ومن هنا بقي أهل اليمن ، عموماً، ينتظرون ظهور (القحطاني)، وذلك بعد احتلال الفرس لبلادهم.(54) ثم يتحوّل نحو عقيدة الوصي الذي أحدثه، فيما يقال ابن سبأ، فيرى بأنه شخصية حقيقية.(55)
أما القسم الثاني من الكتاب، والمعنون (التجليات)، فيبدأ فيه في الفصل السابع مع (دولة ” الملك السياسي”)،وهو ما أحدثته الدولة الأموية في اتباع النظام الوراثي محاكاة للأكاسرة والروم والأحباش من الأنظمة الملكية، فتخلوا عن الشورى ،وهو نظام قبلي عربية جاهلي، ولكن هذه الدولة عادت بالعرب الى سابق عهدهم قبل الاسلام في اثارة الصراعات القبلية ، كما في صراع قبائل مضر مع حمير، حتى تستطيع أن تفرض سيطرتها؛ لهذا يرى الجابري، بأن هذا الصراع ، تأسس في العصر الأموي وتأجج على عنصرين رئيسيين:
الأول، القبلية ،أي على المخيال القبلي.
الثاني، الغنيمة.
وهذا الصراع يستند أيضاً الى انتظار (القحطاني)،ومضاهاة الكعبة (اليمانية) لكعبة (قريش)(56)؛ فلما استولى معاوية على الملك، حقق التوافق بين (القبيلة) الشرعية القرشية ،و(الغنيمة) باعتماد مبدا المواكلة والمشاربة ، وبين (العقيدة) باعتماد الجبر القبلي.(57)
وفي الفصل الثامن تحدث عن( ميثولوجيا الإمامة)، حيث نهضة الشيعة ومطالبتهم بالإمامة، وحركة المختار الثقفي، مشيراً الى الأفكار التي تعرضها كتب الفرق والتي تشكل البنية الأساسية التي تقوم عليها ميثولوجيا الإمامة عند غلاة والشيعة، أو غالبيتهم، ثم التوكيد على موضوع الوصية والعلم السري / النبوة، والبداءة من جهة والمهدوية والغيبة والرجعة من جهة أخرى، بوصفها عناصر مهمة في بنية نظرية الإمامة ومنطقها الداخلي الذي لا يخلو من تماسك منطق يلتمس الصدق على وفق المنظور العرفاني.(58)
كما يرصد الجابري الحركة التنويرية ، التي قام بها المعتزلة، في الفصل التاسع ؛ فيرى أنها حركة سياسية معارضة بالدرجة الأولى، ثم استطاعت أن تجد لها طريقاً مع المأمون، من خلال فكرة خلق القرآن، فكان رجال (القدرية)،و( الجهمية)،و( المعتزلة)، أسهموا في تطوير الفكر السياسي والديني والفكري، في العصر الأموي، وذلك لأنهم قاوموا أيديولوجيا الجبر وأيديولوجيا التكفير وميثولوجيا الإمامة، والتيارات المانوية والغنوصية، فكانوا بذلك رجال تنوير حقيقيين.(59)
أما الفصل العاشر، فكان بعنوان ( الأيديولوجيا السلطانية ،وفقه السياسة)، استنتج فيه أنّ ما بقي من الفكر السياسي (السنّي) هو الأيديولوجيا السلطانية ، فقد انتهت سجالات المتكلمين وتكييفات الفقهاء الى الاعتراف بشرعية الأمر الواقع.(60)
***
يعد كتاب الجابري الرابع والأخير من مشروع (نقد العقل العربي) وهو كتاب ( العقل الأخلاقي العربي، دراسة تحليلية نقدية لنظم القيم في الثقافة العربية)، خاتمة التعبير الفكري لديه لقراءة الفكر العربي بشكل متكامل، من خلال تناول المسألة الأخلاقية ومنظومة القيم وعلاقتها بالحضارات والقيم المجاورة لها كالفارسية واليونانية والحبشية، ثم انتقل في الباب الثالث وما بعده الى (الموروث الصوفي) ،كما تناول (الموروث العربي الخالص، أخلاق المروءة) ثم انتهى في الباب الخامس عند ( الموروث الاسلامي في البحث عن أخلاق اسلامية)، فقد كتب هذا الباب بعد مرور نحو عشرين عاماً من ظهور الجزء الأول منه، وقد صدر هذا القسم عام 2001م.
وهو كعادته يهتم بالمقدمات وتحديد المفاهيم ،لكي ينطلق منها نحو الجانب التحليلي والنقدي، وهذا ما دعاه الى التوكيد في نهاية الفصل الأول من الكتاب الى أنّ (الأخلاق) في الثقافة العربية ترتبط بما هو حسن وقبيح.(61) أو خير وشرّ، أي أن الجانب الأخلاقي يعود في جوهره الى فكرة الشيطان والرحمن، في الفكر الديني، في محاولة لدراسة منظومة القيم اخلاقية ،أو الآداب العامة ،وتطبيقاتها وطبيعتها في الفكر الفلسفي ، من خلال التراث الفكري العربي والعالمي، مشيراً الى أنّ الاسلام كان في اول أمره انقلاباً على حقل القيم الجاهلية السائدة، ذلك أن الأخلاق ترتبط أولاً بالمنظومة الفكرية المتعارف عليها، وطبيعة الحرية المتاحة للأشخاص أو للمجتمع؛ وبما أن الحرية هي مفهوم فلسفي بالدرجة الأساس، فإنّ الاسلام حاول من خلال طروحات القرآن والحديث والسنة النبوية الهيمنة على الأخلاق ، ثم جاء الفلاسفة والمصلحون والفقهاء، فأعطوها طابعها الخاص بها، وكان من نتيجة ذلك ظهور حركة العقل العربي ، متمثلة بالمعتزلة.
وبما أنّ الأخلاق ترتبط بالشهوات ،وحبّ المتعة، واباحة الجسد، فإنها لقيت اهتماماً كبيراً، وتدخلاً من الفقهاء ،وفي الاحكام الشرعية وآدابها ؛ مما جعل أمر الحكم الأخلاقي خاضعاً لمؤثرات مختلفة، من خلال بيان حاجة (البدن) وحاجة(النفس)، لهذا توصل الجابري الى مواقف مؤاده، بأنّ الاعتراف بـ” العقل” كأساس للأخلاق في الثقافة العربية قائم بما يشبه الاجماع.(62)
لقد كان الاسلام في نسخته الأولى غيره، في نسخته الثانية بعد الفتح الاسلامي، حيث اختلط المسلمون مع أهل البلدان المفتوحة، واطلعوا على عاداتهم وأخلاقهم، وخصوصاً الفرس، ثم اطلعوا فيما بعد على الحضارة اليونانية وثقافتهم عبر الترجمة، والاحتكاك، ومن خلال فتح الأندلس ؛ وهو ما يسمى بالقيم(الكسروية) التي صاحبت نشأة الدولة الأموية ،وتبنيها النظام الوراثي في الخلافة الاسلامية.
وقد لعب أدباء ومثقفون دوراً كبيراً ، في اشاعة القيم الفارسية ، من الموالي، الذين كانت لهم اليد الطولى في العمل في دواوين الدولة مثل ابن المقفع وما كان يترجمه بعض النصارى من اللغة اليونانية الى السريانية فالعربية؛ وهذا ما كان له تأثيره في تأسيس علم للأخلاق عند العرب المسلمين، ومن هنا كانت أفكار الغزالي والفارابي حول المدينة الفاضلة ،والتي تحاكي جمهورية افلاطون، هذا فضلاً عن آراء أرسطو وجالينوس ،وقد حصل فعلاً” الجمع بين آراء افلاطون وآراء أرسطو في الأخلاق كما في مجالات أخرى، وحصل الجمع بين آراء هذين وبين آراء جالينوس ،ومع ذلك فالتمييز في الفكر الأخلاقي العربي، ذي الأصول اليونانية ، بين نزعات ثلاث أمر ضروري”.(63) وهي النزعة العلمية عن جالينوس ،والفلسفية عن افلاطون وأرسطو، ونزعة تلفيقية تقتبس من المرجعيات الثلاث ، وكثير منها لا يميز بين الصحيح والمنحول.(64)
أما التصوف، فإنه كان تعبيراً عن فلسفة اسلامية ، لها أبعادها وآثارها، مازالت قائمة لحد الآن، وكان انتقال الموروث الصوفي الفارسي الى الثقافة العربية، من خراسان ، حيث بدأت الرحلة مع ابراهيم بن أدهم (ت161هـ/777م) الى الأمصار الاسلامية، وكان فكره مشبعاً ببقايا الفكر الديني في الديانات السابقة في بلاد فارس وبلاد الهند، ومن خلال شخصية الحسن البصري وما توحيه من اهتمام جلي بزهد الصحابة والتابعين، ثم تنامى هذا الشعور الى سلوك عملي فاعل ومنهج في طريق الحياة وفي اداء الطقوس الدينية، كما كانت أفكار الحارث المحاسبي البذرة المهمة في نشأة علم الأخلاق الذي يدعم أفكار كبار الأئمة.(65)
لقد ركز محمد عابد الجابري على (فناء الأخلاق) بالدرجة الأساس، وهو نوع من الاندماج الروحي بالذات العليا، ولكن ابن عربي مثّل أكبر تحدٍ يواجه التصوف ،ويواجه الاسلام ، من خلال تذويبه العرفان الهرمسي في الفكر الاسلامي، وهذا ما يسميه الجابري بأخلاق اللا عمل ،وترك التدبير ،وعدم التفكير في المستقبل!.(66) وهو الاستسلام الى القدر، ولعل هذا كان واحداً من المؤثرات السيئة التي توقف الانسان عن البحث عن الحرية ،والمطالبة بحقوقه وحاجاته.
ولأنه يحمل معه تفكير القومي النهضوي، فإنه وظف (العقل الأخلاقي) لتوكيد جوانب مهمة من أخلاقيات العرب، التي ترجع في أصولها الى ثقافة الصحراء في العصر الجاهلي ، مثل اكرام الضيف ، وحماية الدخيل واعانة الضعيف ،والتي سماها بـ(المروءة) والعفة.. في ظل المتغيرات التقنية والسياسية ،والاحتكاك بالغرب، لأن الأخلاق تعيش أزمة حقيقية ، بين الموروث والوافد، مثلما كان الصراع قائماً بين التراث الاسلامي والتراث اليوناني الوافد والفارسي، حيث كانت اليد العليا للغزالي في كتابه(إحياء علوم الدين) في تأسيس علم الأخلاق عند المسلمين ،ولكن الجابري يرى فيه انحرافاً عن الأخلاق الاسلامية الحقيقية، لهذا كان أبعد ما يكون عن تلك الأخلاق.(67)
ثم يتوصل في نهاية الكتاب الى قناعة بأن” ربط الفكر الأخلاقي في الفلسفة وحدها ، في الثقافة العربية ، ينطوي على نوع من التحجيم لهذا الفكر غير مشروع. ذلك أن الفلسفة في ثقافتنا لم تكن هي “أم العلوم” كما كان الحال عند اليونان وفي أوربا عصر النهضة ، بل هي وعلومها صنفاً واحداً من العلوم، وبالتالي كانت هناك مجالات أخرى للخطاب الأخلاقي خارج الفلسفة”.(68)
وينتهي كتابه بقناعة يجعلها أشبه بلحظة التنوير في القصة القصيرة، تقول:” لم ينهض العرب والمسلمون بعد، ولا ايران ولا غيرها من بلاد الاسلام، النهضة المطلوبة . والسبب عندي أنهم لم يدفنوا بعد في أنفسهم “أباهم” : أردشير!”.(69)
مؤشرات:
وهكذا بدأ الجابري مع اشكالية التراث والمعاصرة، وانتهى مع محاكمة (العقل العربي) من كل جوانبه؛ حتى تكتمل دورة البحث، بحيث تغطي كل الجوانب، في قراءة الموروث الفكري والعربي ،وعلاقته بالحاضر، وكيفية تقويمه واعادة انتاجه؛ وهذا ما أثار حفيظة معاصريه، وتنديدهم بطروحاته ،ولكنه في حقيقة الأمر غير ميال للإحاطة الشاملة بكل التيارات والفرق والمذاهب ، لسبب بسيط ، أنه يمتلك رؤية قومية ، لا تنسجم مع الجزئيات ،وانما تتعامل مع الكليات لأن ذلك يحقق لمنهجه الرصانة والقوة ويبعده عن التشتت.
لقد حاول جورج طرابيشي، قراءة مشروع محمد عابد الجابري، قراءة حرفية ،وليست موضوعاتية (مضمونية) عامة، حينما أشار في مقدمة كتابه (نقد نقد العقل العربي، اشكاليات العقل العربي)، بعد صدور كتاب الجابري ( تكوين العقل العربي)، فوصف ذلك بأنه التزم مبدا ” حذو النعل بالنعل”؛ مشيراً الى أنه يضطر أحياناً الى التحويم حيث كان يمكن لغيره أن يتعالى على الاسفاف.(70)
وهذا بدوره يحرم الباحث من الخلاصة بنتائج واضحة ،وانما بتعقيبات تحاكم النص، أولاً بأول؛ وقد قسمه الى ثلاثة أقسام:
1- اشكالية الاطار المرجعي للعقل العربي (عصر التنوير).
2- اشكالية اللغة والعقل.
3- اشكالية البنية اللاشعورية للعقل العربي.
اذ يطرح مجموعة تساؤلات ،أو اعتراضات تخص (عصر التدوين) كاطار مرجعي ، يشير فيه الى أن الجابري فوّت الفرصة مثلثة؛ وهي:(71)
1- أنه صدق الأسطورة عن نقلة فجائية “للعلم” من صدور الرجال الى خزائن الكتب بدون مرحلة تدوينية وسيطة ،أي فوّت فرصة ثمينة لقراءة ما حدث في أدمغة الرجال الذين كانوا وراء الانتاج التضخمي للحديث.
2- أنه استبعد من حقل الوعي اللاهوتي الضرورة النهضوية لإعادة بناء المعقولية القرآنية، والحاجة التنويرية الى تحرير “الرسالة” من عبء “التاريخ”.
3- أنه حجب عن الوعي الابستمولوجي امكانية قراءة جدلية ثنائية الطور للحضارة العربية الاسلامية، من القرن الأول الى القرن الثالث.
وفي القسم الثاني، من الكتاب، يشير الى أن استراتيجية الجابري، كانت القفز على الواقعة القرآنية، من أجل محاصرة العقل العربي بين فكي كماشة (اللغة العربية)و(عصر التدوين).(72)
وفي القسم الثالث، يشير طرابيشي، الى وجود علاقة تبعية أقامها الجابري، بين اللغة واللاشعور، عن طريق سوء تأويل مطبق لمفهوم ( بياجيه) عن اللاشعور المعرفي، لا تلغي فقط وظيفة اللغة من حيث هي عضو الوعي، بل تدمر أيضاً مفهوم اللاشعور.(73) مشيراً الى أنّه ينسف بشخطه قلم عمارته التي أسسها الجابري في كتاباته تلك.(74)
والحقيقة أن جورج طرابيشي يتسلح بطروحات علم النفس في قراءة الشخصية العربية، وفي قراءة الفكر العربي المعاصر، كما فعل في كتابه( المثقفون العرب والتراث، التحليل النفسي لعصاب جماعي)، مستفيداً من ترجماته لأعمال (سيجموند فرويد)، ومنهج التحليل النفسي، وهو ما طرحه حول كتاب الجابري (الخطاب العربي المعاصر) حينما يطبق المنهج النفسي تطبيقاً قسرياً، وبشكل واضح للمقولات حينما يضعها في اطار جديد، مشيراً الى أن الخطاب العربي النهضوي والحديث ، قد ورث استعداداته المرضية ، منها ” ازدواجية مستعصية على الحل بين روح المنافحة وروح النقد، وهي الازدواجية التي أملتها على الخطاب النهضوي الحاجة الى تغيير الذات في مواجهة الغزوة الكولونيالية المنطلقة من قاعدة التفوق الحضاري الغربي، والحاجة الى تغيير الذات في الوقت نفسه للإقتدار على القيام بعيب تلك المواجهة. كما أن من موروثاته من الخطاب العربي الحديث، وتحديداً الخطاب الثوري الذي ساد الساحة الفكرية العربية في مرحلة الإستقلالات القطرية ابتداءً من نهاية الحرب العالمية الثانية، التضخم الإيديولوجي على حساب تقلص البُعد المعرفي”.(75)
ومن هنا يبدو أن ثمة نوعاً من الصراع بين رؤيتين، الأولى رؤية الجابري ذات التوجهات القومية ،ورؤية طرابيشي المناهضة لها، كما هي الحال في الصراع بين الفكر القومي والفكر الماركسي، حيث التباين في الطروحات والرؤى.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1- حفريات في الذاكرة ، من بعيد: د. محمد عابد الجابري، مركز دراسات الوحدة العربية ، ط2( بيروت، 2004م)، ص 8.
2- ينظر كتابنا : في الذاكرة الشعرية: قيس كاظم الجنابي، مط العاني( بغداد، 1988م)، ص9.
3- نحن والتراث ، قراءات معاصرة في تراثنا الفلسفي : د. محمد عابد الجابري، مركز دراسات الوحدة العربية ، طبعة مزيدة ومنقحة(بيروت، 2006م)، ص64-65.
4- نحن والتراث، ص378.
5- ينظر: التراث والحداثة ، دراسات .. ومناقشات : محمد عابد الجابري، مركز دراسات الوحدة العربية ، ط2(بيروت، 1990م)، ص30.
6- التراث والحداثة ،ص 31.
7- التراث والحداثة، ص 43.
8- التراث والحداثة، ص 94.
9- المثقفون في الحضارة العربية : محنة ابنة حنبل ونكبة ابن رشد: د. محمد عابد الجابري، مركز دراسات الوحدة العربية، ط3(بيروت، 2008م)، ص 65.
10- المثقفون في الحضارة العربية، ص 66.
11- المثقفون في الحضارة العربية، ص 76.
12- المثقفون في الحضارة العربية، ص 153.
13- الخطاب العربي المعاصر : دراسة تحليلية نقدية: د. محمد عابد الجابري، مركزات الوحدة العربية ، ط6(بيروت، 1999م)، ص24.
14- الخطاب العربي المعاصر: دراسة تحليلية، ص59.
15- ينظر: اشكاليات الفكر العربي المعاصر : د. محمد عابد الجابري، مركزات الوحدة العربية، ط5(بيروت، 2005م)، ص 26.
16- قضايا في الفكر المعاصر: د. محمد عابد الجابري، مركز دراسات الوحدة العربية، ط2(بيروت،2003م)، ص 16.
17- قضايا في الفكر المعاصر، ص 101.
18- صدام الحضارات واعادة بناء النظام العالمي : صموئيل هنتنغتون، ترجمة د. مالك عبيد أبو شهيوة و د.محمود محمد خلف ، الدار الجماهيرية للنشر ( بنغازي ، 1429هـ/ 1999م)، ص101.
19- صدام الحضارات، ص 103-104.
20- صدام الحضارات، ص106.
21- الضروري في السياسة ، مختصر كتاب السياسة لإفلاطون، ترجمه عن العبرية د. أحمد شحلان، مقدمة د. محمد عابد الجابري ، مركز دراسات الوحدة العربية(بيروت، 1998م)، ص 74.
22- الضروري بالسياسة، ص 91.
23- وجهة نظر: نحو اعادة بناء قضايا الفكر العربي المعاصر: د. محمد عابد الجابري، مركزات الوحدة العربية، ط3(بيروت، 2004م)، ص 24.
24- وجهة نظر، ص 175-176.
25- في نقد الحاجة الى الاصلاح: د. محمد عابد الجابري، مركز دراسات الوحدة العربية (بيروت، 2005م)، ص 19.
26- في نقد الحاجة الى الاصلاح، ص 43.
27- تكوين العقل العربي : د. محمد عابد الجابري، مركز دراسات الوحدة العربية ، ط9( بيروت، 2006م)، ص 11.
28- تكوين العقل العربي، ص17.
29- تكوين العقل العربي، ص70.
30- تكوين العقل العربي، ص 97.
31- تكوين العقل العربي، ص117.
32- تكوين العقل العربي، ص118.
33- تكوين العقل العربي، ص147.
34- تكوين العقل العربي، ص288.
35- تكوي العقل العربي، ص 302.
36- تكوين العقل العربي، ص 299.
37- تكوين العقل العربي، ص 311.
38- تكوين العقل العربي، ص 316.
39- تكوين العقل العربي، ص 332.
40- بنية العقل العربي، دراسة تحليلية نقدية لنظم المعرفة في الثقافة العربية: د. محمد عابد الجابري، مركز دراسات الوحدة العربية، ط7(بيروت، 2004م)، ص239.
41- بنية العقل العربي، ص138.
42- بنية العقل العربي، ص 346.
43- بنية العقل العربي، ص 379.
44- بنية العقل العربي، ص 383.
45- بنية العقل العربي، ص477.
46- بنية العقل العربي، ص 564.
47- العقل السياسي العربي ،محدداته وتجلياته: د. محمد عابد الجابري، مركز دراسات الوحدة العربية، ط5( بيروت، 2004م)، ص 16.
48- العقل السياسي العربي، ص 48.
49- العقل السياسي العربي، ص 99.
50- العقل السياسي العربي، ص 99.
51- ينظر: العقل السياسي العربي، ص135.
52- العقل السياسي العربي، ص 116.
53- العقل السياسي العربي، ص 208.
54- العقل السياسي العربي، ص 221.
55- العقل السياسي العربي، ص 214.
56- العقل السياسي العربي، ص 253.
57- العقل السياسي العربي، ص 261.
58- العقل السياسي العربي، ص280.
59- العقل السياسي العربي، ص 328.
60- العقل السياسي العربي، ص 362.
61- العقل الأخلاقي العربي، دراسة تحليلية ونقدية لنظم القيم في الثقافة العربية: د. محمد عابد الجابري، مركز دراسات الوحدة العربية(بيروت، 2001م)، ص 44.
62- العقل الأخلاقي العربي، ص 122.
63- العقل الأخلاقي العربي، ص 290.
64- العقل الأخلاقي العربي،ص290.
65- ينظر: رحلة التصوف في الأمصار الاسلامية: د. قيس كاظم الجنابي، مؤسسة الانتشار العربي(بيروت، 2017م)، ص 13 ، ص25.
66- العقل الأخلاقي العربي، ص 488.
67- العقل الأخلاقي العربي، ص 592.
68- العقل الأخلاقي العربي، ص 621.
69- العقل الأخلاقي العربي، ص630.
70- نقد نقد العقل العربي ، اشكاليات العقل العربي: جورج طرابيشي، دار الساقي، ط2(بيروت، 2002م)، ص 7.
71- نقد نقد العقل العربي، ص 69-70.
72- نقد نقد العقل العربي، ص276.
73- نقد نقد العقل العربي، ص 310.
74- نقد نقد العقل العربي، ص318.
75- المثقفون العرب والتراث، التحليل النفسي لعصاب جماعي: جورج طرابيشي، دار رياض الريس (لندن، 1991م)، ص 21.

شاهد أيضاً

دفاتر قديمة
في رحاب الترجمة
ناطق خلوصي

يمكن القول بأن الترجمة ، وأعني هنا ترجمة النصوص الثقافية ،على صلة مباشرة بالموهبة. فلولا …

جان ميلييه ينحاز إلى الإنسانيّة
مادونا عسكر/ لبنان

الإنسان عقل يفكر ويرتقي وقلب يحبّ، يدفع العقل للسّلوك بضمير حيّ وإرادة حرّة بمعزلٍ عن …

نـجيـب طــلال: باب ما جـــاء في احتفاليـــة “كــورونـــا” (01)

عــتــبة التـحَـول : كما يقال” إذا عمت المصيبة هانت ” ومصيبتنا في وباء كورونا الذي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *