طلال حسن: عصر الديناصورات (قصص للأطفال) (13)

الديناصور ترودون

1
ــــــــــــــ
كبر الديناصور ” تودور ” ، وصار مؤهلا لعالم الغابة ، هذا ما يراه ، وحين أرادت أمه الخروج من الوكر اليوم ، صاح تودور : ماما .
ونظرت اﻷم إليه مبتسمة ، إنها تعرف ما يريده ، فدار أمامها بخفة ، وقال : ما رأيك ؟
فردت اﻷم : صرت فتيا .
وتوقف أمامها ، ودار حول نفسه ،ثم قال : سأخرج إلى الغابة وحدي اليوم إذن .
فقالت اﻷم : هذا من حقك .
وقال : وسأختار لي رفيقا .
وقالت أمه تجاريه : أو رفيقة .
ولاذ بالصمت لحظة ، ثم قال : أو رفيقة .
فقالت أمه ، وهي تخرج من الوكر : مهما يكن ، فكن حذرا فعالم الغابة عالم خطر .
وقبل أن تبتعد ، سمعته يهتف فرحا : اطمئني يا ماما ، لم أعد صغيراً ، صرت فتيا .
وسرعان ما خرج هو اﻵخر من الوكر ، وانطلق وحيدا في عالم الغابة .

2
ــــــــــــ
انطلق الديناصور الفتي ترودون ، يتجول بين أشجار الغابة ، وراح يراقب ما حوله من كائنات حية ، حيوانات ونباتات مختلفة ، وأشجار يرتفع بعضها كثيراً ، في أعالي السماء .
رأى طيورا مختلفة ، تطير بين اﻷشجار ، أو تجلس في أعشاشها ، ورأى أن بعضها ، تخاف من طيور تبدو جارحة مفترسة ، وتلوذ منها بالفرار .
ورأى أيضا غزلانا جميلة ، تتراكض مرحة في الفسحة المعشبة بين اﻷشجار ، كما رأى أرانب صغيرة وجميلة ، وتبدو لذيذة ، لكنها جبانة ، ما إن تراه ، حتى تطلق سيقانها للريح ، وتهرب .
وحوالي منتصف النهار ، رأى ديناصورا ، بدا له ضخما ، وإن كان رأسه صغيرا ، لا يناسب جسمه الضخم ، وفكر إن هذا الديناصور الغريب الشكل ، يمكن أن يكون له صديقاً مناسباً .
فاقترب منه وهتف بشيء من المرح : طاب يومك أيها الديناصور .
ورفع الديناصور رأسه الصغير ، وحدق فيه ملياً ، ثم تساءل : من أنت ؟
فرد الديناصور الفتي : ديناصور مثلك .
وعاد الديناصور ، ذو الرأس الصغير ، إلى قضم اﻷعشاب ، وهو يقول : لست ديناصورا ، اذهب من هنا ، أنت كذاب .
ولاذ الديناصور ترودون بالصمت ، ثم مضى مبتعدا ، فمثل هذا الديناصور برأسه الصغير ، والأشواك التي على ذيله ، لا يريده صديقاً له .

3
ــــــــــ
في أجمة منعزلة ، كثيفة اﻷشجار ، رأى الديناصور الفتي ، ديناصورا ضخماً ، ضخماً جداً ، له عنق طويل ، بحيث كان يأكل اﻷوراق من أعلى اﻷشجار .
واقترب منه مذهولا ، وصاح : طاب يومك أيها الديناصور .
ومن علٍ ، أمال الديناصور رأسه ، باحثا عن مصدر الصوت ، وابتسم حين وقعت عيناه على الديناصور الفتي ، الذي رآه قزما جدا أمام جسد العملاق ، ورد قائلا : أهلا بك ، أيها الديناصور الصغير .
وحاول الديناصور الفتي أن يتطاول ، وقال : لست صغيرا ، إنني .. إنني فتي .
وضحك الديناصور العملاق ، وقال : مهما يكن ، فالمهم عندي أنك ديناصور ، وكذلك ما تأكله في غذائك .
وأدرك الديناصور الفتي بذكائه ما يقصده الديناصور العملاق ، فتابع الديناصور العملاق قائلا : طبعا أنت تأكل اﻷعشاب .
فنظر الديناصور الفتي إليه صامتاً ، فقال الديناصور العملاق : نحن الديناصورات الذين نأكل العشب ، مهما كان حجمنا ، طيبون ومسالمون .
وصمت لحظة ، ثم قال : صارحني أيها الديناصور الصغير ، ماذا تأكل ؟
فرد الديناصور الفتي قائلا : صحيح أنني آكل العشب مثلك ..
وصمت محرجا ، فقال الديناصور العملاق : فقط ؟
فهز رأسه ، وقال : نعم ، أنا آكل العشب ، لكني آكل أيضا .. اللحم .
وعاد الديناصور إلى تناول أوراق اﻷشجار ، من الأغصان العالية ، دون أن يتفوه بكلمة ، فاستدار الديناصور الفتي ، ومضى مبتعدا .

4
ــــــــــ
لم يبتعد الديناصور الفتي كثيرا ، حين التقى ، في فسحة مكشوفة بين اﻷشجار ، بديناصور ضخم آخر أقل ضخامة من الديناصور ، الذي التقى به مؤخرا ، لكنه يتميز بفم واسع ، مليء بأسنان قاتلة كالخناجر .
وﻷنه شعر ببعض الخوف منه ، توقف على مسافة آمنة منه ، وهتف بأعلى صوته : طاب يومك .
والتفت الديناصور إليه ، وعيناه تشعان قسوة وغضبا ، ونظر إليه بازدراء ، وقال : من أنت ؟ تكلم ، لكن لا تقل لي أنك ديناصور .
فقال الديناصور الفتي : لكن ، يا سيدي ، أنا ديناصور .
وحرك الديناصور رأسه الضخم بغضب ، وقال : في هذه الغابة ، هناك الكثيرون يدعون بأنهم ديناصورات ، وهم لاشيء ، وخاصة الذين يأكلون اﻷعشاب .
ولاذ الديناصور الفتي بالصمت ، فقال الديناصور الضخم : أنا تي ـ ركس ، و لا آكل غير اللحوم ، وأنت أيها القزم ، ماذا تأكل ؟
فرد الديناصور الفتي مترددا : أنا أحيانا يا سيدي ، آكل اللحوم .
وحدق الديناصور فيه غاضبا ، وقال : أحيانا ، ولعلك تأكل أحيانا أخرى العشب ؟
وهزّ الديناصور الفتيّ رأسه ، وقال والشرر ينبعث من عينيه الرهيبتين : لو كنت تستحق اﻷكل ﻷكلتك لمجرد أنك تدعي بأنك ديناصور .
ثم صرخ فيه : اذهب قبل أن أغير رأيي ، وأفترسك .
وعلى الفور ، انتفض الديناصور الفتي مرعوبا ، وأطلق سيقانه للريح ، ولاذ بالفرار .

5
ـــــــــــ
عند حوالي العصر ، توقف الديناصور الفتي منكسرا ، هذا يومه اﻷول في الغابة ، ولم يجد فيها ما يسره ، وخاصة من الديناصورات ، كان يأمل أن يجد رفيقا ، أو حتى رفيقة ، دون جدوى .
واستدار محبطا ، ومضى بخطوات بطيئة ، حزينة إلى الوكر ، لا بد أن أمه قد عادت اﻵن ، وهي تنتظره لتعرف يومه اﻷول في الغابة ، ربما ستحزن لحزنه ، أو تقول له مشجعة على طريقتها ، هذا يومك اﻷول ، وأمامك أياما طويلة أخرى ، تحقق فيها ما تريده .
ومرق من بين اﻷشجار ، على مسافة غير بعيدة عنه ، جسم رشيق ، ضعيف ، صغير ، كجسمه ، وسرعان ما توقف هذا الجسم ، وعاد أدراجه وتوقف قبالته ، وفتح عينيه على سعتها ، إنها ديناصورة من نوعه ، وفي عمره تقريبا فابتسمت له ، وقالت : طاب يومك .
فرد قائلا : أهلا ومرحبا .
واقتربت منه أكثر ، وقالت هذه أول مرة أخرج منها من الوكر وحدي .
فقال الديناصور الفتيّ : وكذلك أنا ، وكان أملي أن أرى من أرافقه .
فقالت الديناصورة الفتية ضاحكة : وها قد لقيتني وأنا سعيدة بلقائك .
فقال الديناصور الفتي : سأعود اﻵن إلى الوكر ، إذا أحببت سنلتقي غدا .
فقالت وهي تتنطط فرحا : غدا وفي كل يوم .
وسكتت لحظة ، ثم قالت : الوقت ما زال مبكرا ، لنتجول معا ، حتى غروب الشمس .
ومعاً ، فرحين ، انطلقا يتراكضان بين أشجار الغابة ، يلاحقان الأرانب والفراشات والغزلان ، ومن أعالي اﻷشجار ، كانت الطيور تراقبهما مطمئنة فرحة .

شاهد أيضاً

حوارات مع أديب الأطفال المبدع الكبير “طلال حسن” (1)

إشارة: بين وقت وآخر يتحفنا المبدع الكبير “طلال حسن” بنتاج إبداعي جديد في مجال أدب …

النملة ورفيقتها
قصة للأطفال
بقلم د ميسون حنا

قالت نملة لرفيقتها : منذ الصباح ونحن نجوب أرجاء هذا البيت ولا نعثر على شيء …

طلال حسن: إنسان دلمون (إلى الأديب خزعل الماجدي)
(مسرحية للفتيان)

شخصيات المسرحية ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 1 ـ كنكالا 2 ـ ليم 3 ـ أم ليم 4 ـ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *