د. جودت هوشيار: ماذا حدث للأدب الروسي المعاصر؟

ألغيت الرقابة على المطبوعات في روسيا منذ حوالي ثلاثين عاما. وكان المتوقع أن يشهد هذا الأدب ازدهارا حقيقيا في أجواء الحرية والليبرالية، ولكن حدث العكس تماماً. حيث قلّ عدد القراء بشكل حاد، وعانت المجلات الأدبية (السميكة) المرموقة من انخفاض شديد في مبيعاتها، ولم تعد الأعمال الأدبية تنشر بعشرات أو مئات آلاف النسخ، كما كان الأمر في الحقبة السوفيتية، بل بعدة آلاف من النسخ في أفضل الأحوال .فما الذي حدث؟

يقول البعض ان السبب يعود الى شيوع الأنترنيت، ووسائل الترفيه الجديدة . وهذا صحيح الى حد كبير . ولكني أعتقد أن السبب الرئيسي يكمن في إلغاء دور النشر الحكومية الرصينة، وإنشاء دور النشر الخاصة التجارية في روسيا، والتي باتت تتحكم بكل ما يتعلق بطباعة الكتب ونشرها وتوزيعها وإشهارها. ولم تعد تنشر الا الكتب الرائجة تجاريا، وهي في معظمها كتب خفيفة لا تتسم بقيمة فكرية وفنية كبيرة، وتنتمي الى أدب الرعب والجريمة أو المغامرات، أو الروايات النسائية لتسلية ربات البيوت، او روايات الحب الرخيص ، التي تجد اقبالا من المراهقات . كتب تُقرأ مرة واحدة لقضاء الوقت ثم تُرمى غالبا في حاويات القمامة .

دور النشر الروسية اليوم حصرت الأدب في دائرة ضيقة من المؤلفين، وهي تقوم بتسليط الضؤ عليهم وإشهارهم بكل وسائل الدعاية المتاحة. وتلتف حول كل دار نشر كبيرة مجموعة من (النقاد) العاملين لصالحها، والذين يحاولون تلميع صور هؤلاء المؤلفين بكيل المديح عليهم وعلى اعمالهم . وهؤلاء النقاد بدورهم – كرؤساء أو أعضاء في لجان التحكيم – يتحكمون بآليات منح الجوائز الأدبية الى من تختارهم تلك الدور. ويوجد اليوم في روسيا عدد كبير من الجوائز الأدبية، يصعب حصرها ، منها جوائز مجزية مثل جوائز ( كتاب العام ، البوكر في نسختها الروسية ، الكتاب الأكثر مبيعا ) وأخرى معنوية ،وتحمل في العادة أسماء كبار الكتّاب الروس . وتمنح الجوائز في احيان كثيرة لكتب راكدة، من اجل زيادة مبيعاتها . أما جائزة البوكر الروسية ، فأنها تمنح في العادة لأي رواية تحاكي الاتجاهات الأدبية الغربية ، أو لا صلة لها بالتراث الأدبي الروسي العظيم ..

أما الأدباء الذين لا يكتبون للسوق (حسب الطلب) فقد أصبحوا على هامش المشهد الثقافي، مهما كانت مواهبهم عظيمة، وأعمالهم متفردة ورائدة . وهذا لا يعني عدم وجود دور نشر رصينة، تهتم بالأدب الرفيع، ولكنها دور نشر صغيرة ذات موارد وامكانيات شحيحة، وطرق الإشهار شبه موصدة أمامها. وبذلك أصبح الكتاب سلعة في السوق، وليس مصدرأ للثقافة والمعرفة والمتعة الجمالية الحقيقية ، كما كان الأمر في الماضي .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| هاتف بشبوش : رماح بوبو، شجرٌ لاذقيٌ ، طالِعٌ من الشِعر ..جزءٌ ثانٍ .

في السجن كان الحلم يأتي كمالايريد قلبي ولاالسجان شفافاًوأبيض رأيت رفاقي يحملون دفاترا وأزهاراً ثم …

حــصـــــرياً بـمـوقـعــنـــــا
| هيثم محسن الجاسم : منظور الوطنية عند الروائي أحمد الجنديل في رواية ” الرمــــاد ” دراسة ذرائعية علمية (2/2) .

ب-موقفه من نوع هذا الواقع: بالتأكيد لا نأتي لتلك الحقبة جزافاً من دون راو ذكي …

2 تعليقان

  1. صالح الرزوق

    لي هنا مداخلة باعتبار انني مهتم بالروسيات ( اقصد الابداع الذي تدعمه موسكو) من فترة مبكرة.
    تخلى الادب الروسي عن الرقابة في وقت متأخر. في منعطف الألفية الثالثة. ووجد نفسه مدفونا تحت ركام من ادب المهاجر. فالادب الروسي في الخارج لم يكن اقل اهمية عن الداخل.
    و هذا سبب ليحول الابصار من ادب الدولة الى ادب المعارضة الذي يصعب تدجينه و استيعابه.
    ثانيا. الانترنت سبب حقيقي يصل لدرجة الخطر. حتى ان عددا كبيرا من المطبوعات الغربية العريقة تخلت عن الطباعة و تحولت للنشر الرقمي. و منها الاندبندنت مثلا.
    ثالثا. عدد النسخ في الفترة السوفييتية لا يعكس حقيقة اهتمام الشارع بالادب و لكن سياسة الدولة التي تعتمد على البروباغاندا و تحشد لها ميزانية مرعبة. و هذا نعرفه في بلداننا. فكتب كيل المديح للرئاسة و القيادة و تبسيط الشعارات توزع بالمجان رغم خلوها من اي قيمة تربوية و فكرية. فهي مجرد حفلة رخيصة من اتباع منافقين همهم الأول شراء ضمير السلطة و تنويمها و مغازلتها.
    لا بوجد بروباغاندا صادقة و هابطة. هيدغر عاش مع انه عمل بخدمة هتلر. و و غوركي لا يزال ملهما للثقافة الغربية مع انه من الصف الغول للبلاشفة. المشكلة هي في المتسلقين و المتلونين.
    و حاليا مؤلفات شاروف و سوروكين تتصدر قوائم المنشورات في كل العالم. مثلها مثل فوكنر و بيرل باك و عيرهما.
    و لا انكر دور للازمة الروحية التي يعيشها الروس و الضغط الذي يعانون منه. اصدقانهم مثل الفترة السوفييتية اما من فقراء العالم او من اشقياء العالم و هذا يضاعف من الضغط على سياسة وواقع النشر.
    كل الامم تشكو من المطبوعات الاستهلاكية و عديمة القيمة. فالثقافة في محنة ابدية. و التهريج يلقى استحسان اعداد اكبر من الجمهور مقابل الكوميديا الجادة او الدراما الحقيقية.
    و شكرا

  2. جودت هوشيار

    الأستاذ صالح الرزوق المحترم

    احييك وابارك جهودك الأدبية . واشكرك على تعليقك القيّم . ولكن دعني أقول لك – وانت خير العارفين – ان رواج مؤلفات أي كاتب ليس دليلا على قيمتها الفنية والفكرية . كما ان روايات شاروف وسوروكين تتصدر قوائم المنشورات في كل العالم ، حسب البروباغاندا الروسية فقط، وليس في واقع الأمر . أرجو أن تقرأ مقالي ” هل مات الأدب الروسي ؟ ” .وهو موجود على النت . فقد شرحت بالتفصيل أن الأعمال الأدبية الروسية المعاصرة ، الصادرة بعد تفكك الاتحاد السوفيتي والمترجمة الى اللغات الاحنبية ، تطبع بنسخ محدودة ، ولا يقبل عليها القراء العاديون ، بل اساتذة وطلبة أقسام الآداب السلافية . وكما قلت فأن معهد الترجمة الروسي تكلف مترجمين غربيين لترجمة تلك الأعمال الى اللغات الانجليزية والفرنسية وغيرها ، وتتحمل نفقات الطباعة .
    حسنا فعلت بالاشارة الى اعمال شاروف وسوروكين . شاروف كاتب متوسط القيمة ، أما سوروكين فهو أشهر كاتب في روسيا . ولكن هل قرأت اعماله ؟ أنا اشعر بالتقزز عندما اقرأ رواياته ، واكاد أن أتقيأ . هل يعجبك مثلا ما يصفه في احدى أعماله ، كيف ان تلميذا كان يأكل براز معلمه . آسف للغاية لأنني اضطررت ان أشير الى هذا . ومثل هذا عند سوروكين لا يعد ولا يحصى . واليك ما جاء في كتاب حديث عن الأدب الروسي المعاصر ، وقد نشرته ضمن احدى مقالاتي .

    مائة صنف من السجق وفكرة واحدة
    اجرت الصحفية والمترجمة الفنلندية (كريستينا روتكيرش) – التي تكتب باللغتين السويدية والفنلندية – لقاءات صحفية مع احد عشر كاتبا روسيا مشهورا تحدثوا خلالها عن سيرهم الذاتية واعمالهم واساليبهم وتجاربهم في الكتابة (بوريس اكونين)، (يفجيني غريشكوفيتش)، (أدوارد ليمونوف)، (يوري ماملييف)، (فيكتور بيليفين)، (لودميلا بيتروشيفسكايا)، (نينا سادور)، (فلاديمير سوروكين)، (تاتيانا تولستايا)، (لودميلا اوليتسكايا)، (ميخائل شيشكين). وقد جمعت (روتكريش) نصوص هذه اللقاءات في كتاب صدر قبل بضع سنوات في ستوكهولم باللغة السويدية بعنوان ” لقاءات مع أحد عشر كاتبا روسياً “، ثم قامت بترجمة الكتاب الى اللغة الفنلندية ونشره تحت عنوان ” مائة صنف من السجق وفكرة واحدة “.
    ان عنوان هذا الكتاب هو (باروديا) أي محاكاة ساخرة وتهكم على روسيا، التي تسعى لبناء اقتصاد السوق. حيث تجد في متاجرها اليوم أصنافاً كثيرة من السجق، الذي كان شحيحاً في الحقبة السوفيتية. ولكن الأدب الروسي يعاني اليوم من ظاهرة الـ(غرافومانيا)، وشحة الأفكار الملهمة .. وبين احد عشر كاتبا لا يوجد من يكتب الأدب الحقيقي سوى (شيشكين)، و(اوليتسكايا)، التي يعرفها القاريء العربي بعد ترجمة روايتها الممتعة (سونيشكا) الى اللغة العربية. وهي روايتها الأولى التي نشرت في موسكو عام 1992 وترجمت الى العربية بعد حوالي ربع قرن..
    شحة الأفكار والبؤس الإبداعي لنجوم الأدب الأستهلاكي هي نتيجة طبيعية لأنعزالهم عن الواقع الأجتماعي. هذا الواقع الحافل بالتناقضات الحياتية والإنسانية التي يمكن أن يستمد منها الكاتب الروائي والقصصي آلاف الحبكات الممتعة. ولكن للسوق قوانينها، وهذا هو الحال في كل بلد يتحول فيه الأدب الى سلعة في السوق، ولا يقتصر الأمرعلى روسيا وحدها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.