مهند طلال الاخرس: نهاوند رواية لمحمد جميل خضر

تقع رواية “نهاوند” على متن ٢٠٧ وهي من القطع المتوسط ومن اصدارات إبييدي مصر ٢٠١٩.

نهاوند، اسم لرواية جميلة انيقة مفعمة بالحب والامل والانسانية وبالموسيقى ايضا، واذا جاز لنا تسميتها او تبويبها فهي تقع ضمن الروايات الموسيقية الاكثر جذبا ومعرفة واكثرها التصاقا بالنفس، لما تحتويه من قيم معرفية وتاريخية تتعلق بالمكان والاديان وكل صنوف المعرفة التي تتعلق بالانسان، اضافة لكونها تتضمن لكثير من الصور الانسانية المؤلمة التي لامسناها في السنوات الاخيرة واستحالة ان تغادر المخيلة الانسامية مثل صورة الطفل السوري غيلان الملقى على احد شواطىء بحر ايجة وقد فارق الحياة وبجانبه دميته المبتلة.

الرواية تتناول احداثها سيرة تسعة اشخاص عرب تغربوا عن اوطانهم وتجمعوا في المنفى بغية تأسيس فرقة موسيقية. يدور بينهم نقاش سلس وديمقراطي عن الاسم الذي يجب ان تحمله الفرقة، فيختاروا بالتصويت اسم نهاوند لهذه الفرقة، طبعا بالنقاش الذي يسمح لنا بسبر انواع المقامات ويتيح لنا ذلك الحوار التعرف على الموسيقى وادواتها بصيغة اكثر قربا واكثر معرفة، واثناء الحوار والتعارف بين اعضاء الفرقة يتبين للبعض ان الاسم نهاوند فارسي وهو اسم غير محبب لاسباب تتعلق بطائفية ايران ومشاركتها للمجرم بشار الاسد في ذبح الشعب السوري الاعزل وللحوار امتداداته وتداعياته، لكن المعترضة ما تلبث ان تنصاع للامر لانه اختيار ديمقراطي لم تمارسه منذ ان كانت في وطنها.

في الغربة يلتقي كل من منى واحسان وعادل وهاني وكاميليا وابراهيم ومحسن وعبير وحنان وكل منهم من بلد ويتفقوا على تأسيس الفرقة، ويحدد كل منهم سبب انتمائه لتلك الفرقة وسبب اختياره للموسيقى والغناء كحرفة او موهبة او طريقا للاحتجاج او وسيلة للحب…طبعا تتعدد الاسباب عبر صفحات الرواية لكنها معظم تلك الاسباب تنجح بملامسة شغاف القلب وتزداد المتعة.

يمارس كل من ابطال الرواية امرين اساسيين، اولهما: البوح المتجرد من اي تحفظ عن تلك المعاناة التي واجهها كل منهم حتى وصل الى هذه اللحظة مع الاشارة الى ذلك الترابط العضوي الحاصل لكل منهم والذي تسببت فيه الموسيقى والتي كانت سببا ليخرج كل منهم من معضلته التي كان يعيش فيها، فكانت الموسيقى بهذا المفهوم دواء لكل منهم وبحيث نجحت الموسيقى بحفظ القلوب من الانكسار وكانت لغة انسانية عالمية سامية متعالية على الجراح وعلى كل ما يسيء للانسان والانسانية، فكانت لغة التخاطب الوحيدة الصالحة بين الشعوب عندما غابت وعجزت كل اللغات عن مخاطبة الانسانية بلغة تفهم روحها وتستطيع ان تخرج اجمل ما فيها.

والامر الاساسي الآخر في الرواية والذي يمثل اجمل محطاتها تلك التي تدور على لسان ابطالها جميعا، فتجول على كثير من البلدان وتزور التاريخ وتبحث في حكاياته واصالته، ولن تقف الاديان (خاصة اديان الاقليات) على الحياد اذ لا تترك النص على عذوبته دون ان تسهم بذلك، فتدلوا بدلوها فيزداد النص تشويقا ويصبح اكثر متعة من ذي قبل.

في الرواية تجول في ايطاليا وكندا ومصر وعكا وحيفا والبصرة ولبنان وكردستان وسوريا والقامشلي وحي الشاغور، هذه الجولة تزودك بمعارف وعلوم وتاريخ وحضارة قد لا تتوفر لك في مصادر عدة، في الرواية تجد نفسك امام كاتب مجد وباحث مجتهد وموسيقي بارع ومصور فذ، احسن صنعا محمد جميل خضر بتقديم خلاصة كل تلك التجارب والمعارف في سيمفونية واحدة اسمها نهاوند.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| سعد الساعدي : التاريخ الذي تكتبه القصيدة.. الكواز مؤرِّخاً .

إنَّ الناقد اليوم بحاجة لشيء جديد وطريقة اشتغالية جديدة، كمنهج يتماشى مع ما يجده أمامه، …

| الكبير الداديسي : بين التجريب وتبئير المشروع في روايات شعيب حليفي من “زمن الشاوية” حتى “لا تنس ما تقول” 1 .

بقدر سعادتنا بمثل هذه الملتقيات التي نجدد فيها الوصل بأصدقاء نعزهم ونحمل لهم في قلوبنا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *