أحمد الشطري: مقاربة فنية وتقنية في المجموعة القصصية (جوان) للقاص حسن مروح

تتألف مجموعة جوان القصصية للقاص حسن مروح والصادرة عن دار زيدون في 2019 من خمس عشرة قصة، تتخذ في غالبها الواقعية منهجا واسلوبا لها، وقد تكون سمات الواقعية النقدية والواقعية الاجتماعية هي السمات الغالبة عليها.
وهو منهج ربما شكل سمة غالبة في روايات وقصص الكاتب، كما يمكننا أن نلحظ ونحن نقرأ قصص هذه المجموعة ان القاص حسن مروح لم يقتصر في مجموعته هذه على تقنية واحدة في نقل وقائع قصصه؛ بل اعتمد تقنيتي الرؤية من الداخل، والرؤية من الخارج بشكل يكاد أن يكون متساويا. ومن المعروف أن لكل تقنية من هاتين التقنيتين أثرها المنعكس على طريقة السرد، والوصول بالحدث الى ذروته، وأسلوب التعامل مع مجريات الأحداث، وما يحمله النص من افكار ورؤى، إذ غالبا ما نلاحظ لدى الكثير من الروائيين والقصاصين، ومنهم القاص حسن مروح إن رواياتهم وقصصهم التي تعتمد الرؤية من الداخل يهيمن عليها الحوار الداخلي (المنولوج monologue)، والوصف العميق للانفعالات والتفاعلات النفسية، فهذه التقنية تظهر الراوي” ملتحما بالحدث، كما يكون الحديث منصبا عليه في مجمل فصول الرواية (أو القصة) عن طريق الإضاءة، واقناع المتلقي مستعملا جميع قدراته في الحكي عن ذاته بموضوعية مزعومة، وعن الآخرين في إبراز أهم شيء يربطهم بالحدث عن طريق بنائهم النفسي والعقلي” وفقا لشعيب خليفي. بينما نلحظ ان القصص التي تعتمد الرؤية من الخارج غالبا ما يهيمن عليها الوصف الخارجي للأحداث والشخوص، ويشكل الحوار الخارجي (الديلوج dialogue) سمة بارزة لحوار شخوصها، وهي ظاهرا توحي بحيادية الراوي في سرده للحدث، ولن يكون لآرائه ومتبنياته الفكرية، أو انفعالاته وتفاعلاته النفسية، ايَّ أثر ظاهر في مجريات العملية السردية.
ومن بين الملاحظات المهمة التي تظهر بشكل بارز أمام القارئ لهذه المجموعة، أن أغلب قصصها تعكس الآثار المترسبة في أعماق القاص والروائي حسن مروح لمآسي الحرب وأهوالها، فهي تكاد أن تهيمن على موضوعاته، بل لا تكاد تخلو أيُّ قصة من قصصها من صورة، أو إشارة للحرب، سواء ظاهرة جلية، أم مختبئة بين السطور، وهذا ما يفسر لنا ربما هيمنة الفضاءات المعتمة على اجواء الأحداث ظاهريا وباطنيا، اذ غالبا ما يكون شخوص القصص وخاصة الرئيسيين، شخوصا متعبين نفسيا واجتماعيا واقتصاديا.
ويمكننا أن نتلمس بشكل جلي كلّ أو جلَّ ما أشرنا اليه من ملاحظات من خلال قراءتنا وتحليلنا للقصة التي تحمل عنوان (فاسيلي) كنموذج من نماذج قصص هذه المجموعة.
فقد أعتمد القاص حسن مروح في هذه القصة تقنية الرؤية من الداخل، وهي التقنية التي يكون فيها الراوي مشاركاً بشكل فاعل في مجريات الأحداث باعتباره جزءاً رئيسا، وهو ما مكن الراوي باعتباره مهيمنا على عملية السرد من التعبير بحرية وصدق أكثر عن الانثيالات العاطفية والنفسية للشخصية الرئيسة في القصة، وربما ساهم بنسبة ما بنقل رؤية وافكار القاص أيضا.
تدور فكرة القصة حول التداعيات الفكرية والنفسية لأحد الجنود العراقيين المشاركين في حرب الثمان سنوات بين العراق وايران، وقد اتخذ القاص من قصة القناص السوفيتي (فاسيلي زايتسيف) الذي شارك في الحرب العالمية الثانية فضاء تنطلق من خلاله تداعيات مشاعر واحاسيس ذلك الجندي العراقي، اذ نرى ان الراوي يحاول أن يعقد مقارنة بين ظروفه ومشاعره التي عاشها في تلك الحرب وبين ما يقترحه من مشاعر واحاسيس لذلك الجندي السوفيتي، ثم يعقد مقارنة أخرى بين الأوسمة التي حصل عليها وتلك الأوسمة التي حصل عليها ( فاسيلي)، ولاشك ان مثل تلك المقارنة تخضع بشكل جلي لمتحول فكري او متبنى راسخ لدى القاص سيشكل الميزان الذي سيرجح كفة احد الطرفين ان كان ثمة ترجيح، وبغض النظر عن ذلك الا اننا نستطيع ان نلحظ قدرة القاص على ادارة أحداث قصته بتمكن، وانسيابية عالية، ورصانة في خلق توازن في عملية التنقل بين الحوار الداخلي (monologue)، وبين الحوار الخارجي (الديلوج (dialogue من جهة، وبين الوصف الخارجي للأبعاد المكانية والزمانية من جهة أخرى. كما يمكننا أن نلحظ أيضا أن القاص يمتاز برصانة لغته، وقدرته على الاستطراد في وصف ما يحيط بالحدث بسلاسة وتمكن واضح، رغم التجائه في بعض الأحيان الى استخدام مفردات قاموسية لا تتماشى مع لغة العصر.
ورغم أن هذه المجموعة هي المجموعة القصصية الأولى الصادرة للقاص بصورة منفردة اذ سبقتها رواية ومجموعة مشتركة مع القاص محمود يعقوب، إلا إنها تعكس بشكل جلي – كما نعتقد- نضوج التجربة السردية للقاص وتمكنه من أدواته الابداعية في معظم جوانبها التقنية والفكرية واللغوية والجمالية.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| جمعة عبدالله :  التناسل في  ملحمة كلكامش في رواية ” كلكامش … عودة الثلث الأخير ” للأديب واثق الجلبي .

يطرح المتن الروائي منصات متعددة في الصياغة الفنية  والرؤية الفكرية والفلسفية ,  من رحم  ملحمة …

| فراس حج محمد : السيطرة والذكورية وانعدام الخصوصية في كتاب “رسائل من القدس وإليها” .

    تندرج الرسائل ضمن ما يعرف بالأدب الشخصي، وهو الأدب القائم على البوح والحديث …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.