سعيد بوخليط: صدمة كورونا.. عودة الوعي الإنساني

نعم على غرار صدمات؛النهضة، الحداثة، مابعد الحداثة، العولمة،الثورة الرقمية…، أضحى ممكنا بالنسبة لتاريخ الأفكار،أن يراكم منذئذ جملة سرديات تصب كلها في أدبيات كورونا الوباء من الناحية المادية، ثم اللحظة التاريخية المفصلية على المستوى المعنوي.
لكن بغض النظر،عن مجريات التشعب المفهومي التي ستأخذها السجالات والتراكمات النظرية على جميع المستويات،ستبرز بالتأكيد خاصية مهمة ومميزة جدا ،تضع نقلة الوباء في جهة؛ثم باقي الصدمات الأخرى عند الجهة المقابلة.
يكمن أُسُّ السياق الجديد؛في قدرة كورنا الخارقة على خلق هزة وجودية مغايرة لمختلف ماسلف؛ تجتازها الإنسانية في ذات اللحظة وبنفس ارتدادات الوقع ،حسيا وتجريدا على امتداد مكونات مختلف الجغرافيات والأجناس والأعراق والشرائح والطبقات والأعمار والأجيال والأعراق،باختبارها لشيء اسمه صدمة الوعي،حيال واقعة مادية،انتفت معها ”تماما” الفجوة بين الواقع ثم الوعي بهذا الواقع،وذابت ”جل” الثغرات بين اليومي وأسئلة محض ميتافيزيقية كالموت؛ الآخر؛ الجسد؛ النهاية؛اللانهاية؛ الطبيعة؛ العزلة؛ إلخ.
إذن، بخلاف الصدمات التاريخية الأخرى، التي ظلت في منحاها العام ”نخبوية” فكريا أو ”معزولة”مكانيا، أرخت لحضورها جماعة معينة، دون باقي الإنسانية، أو بلغة أخرى؛فمختلف التطورات الكونية النوعية،اختبرها أساسا الغرب تجريبيا بكيفية واعية، عبر ثورات متتالية شملت المجالات السياسية والفكرية والاجتماعية وصاحبتها قطائع مادية على مستوى الأنساق والأنظمة،في حين اكتفت العوالم الأخرى النامية والمتخلفة؛ بإعادة اجترار ذلك نظريا فقط ضمن تمثلات وعي نخبها،بينما يظل غالبا مسار واقعها تحت وطأة شرخ لاتاريخي بين النظري والواقعي.
في هذا الإطار،يحضرني التصور الكاريكاتوري الشهير،حين المقارنة بين الذي عاشه الغرب ”فعليا”عبر جدليات دائمة لممكنات فكر/ واقع على امتداد قرون طويلة،لكن بانتقالنا مثلا إلى مجالنا العربي؛ نكتشف اختزاله المبتسر لمراحل طويلة في سنوات قليلة،من هنا التفاوت التاريخي العقيم بين النظرية والواقع،الأمر الذي جعلنا ندرك ”مابعد الحداثة”على مستوى أدوات الاستهلاك الأداتي فقط ،لكن أساسا وفق مرجعية نظرية تحكمها ثقافات قروسطية؛ متخلفة جدا عن تمثل عميق ومتكامل للنسق الحضاري، في تكامله من خلال مرتكزاته السياسية والاقتصادية والثقافية.
ثم دقت ساعة كورونا، مدوية كإعصار دون سابق إنذار رسمي؛ بكل اللغات والإشارات والرموز، باعتبارها لحظة مفارقة بكل المقاييس، سيستمر ذكراها طويلا،عالقة بحدة بين تلابيب الذاكرة الجماعية لجيلين أو ثلاثة على الأقل؛محافظة نتيجة ارتداداتها المزلزلة،على طراوة مفعولها الذهني والنفسي والسلوكي.
إذن سمتان تميزان هزة الوباء،قياسا لمختلف الأحداث الكبرى السابقة،في إطار التماثل الذي أشرت إليه، بين الفكر والواقع :
*البعد الكوني للوباء وقد اكتسح وقعه الجميع؛دون استثناء يذكر،بحيث لم يكترث ترحاله بالحدود والهويات والجغرافيات والانتماءات العرقية والطبقية، بل جرف أمامه كل شيء من المقدس إلى المدنس؛ حسب التصنيف الأنثروبولوجي القائم المتفق عليه،وهزم الحاكمين والمحكومين والنخبة والغوغاء و الأثرياء و الفقراء والبيض والسود والحضريين والقرويين والشباب والكهول والأطفال والأقوياء والضعفاء….
*تداخله البنيوي مع حذافير اليومي،وتأثيره جذريا منذ الوهلة الأولى؛على روتين هذا اليومي،وقد أخرس العالم تماما،وأدخل الإنسانية نفق عزلة شاملة تختبر حيثيات معاني قسوتها للمرة الأولى.
بناء عليه،ربما أضفت معطيات وحدة القضية وكذا وقفة التأمل،ومنحت فرادة في غاية الخصوصية،لواقعة كورونا،سواء ماتعلق منه بطبيعة الانبثاق والتجلي أو ردة الفعل المصاحبة؛ ميزتها عن مختلف الإيديولوجيات الكبرى التي ارتطم بجدارها الاعتقاد البشري.لذلك فالخطب جلل، ولايمكنه أن يتأتى هكذا عبثا، بغير أن يخلق صدمة قوية تقض مضجع أركان الوعي الإنساني؛ مستفسرا بخصوص مآله : لماذا وقع ماوقع؟.
الجواب اليوم، ليس فقط فئويا مقتصرا على هواجس الأنتلجنسيا، مثلما جرى الشأن عموما بخصوص التطورات الانقلابية السابقة، بل صار مسألة محض فردية، ونقاشا شغل اهتمام البشرية قاطبة، بمختلف مكوناتها، لاسيما أن التطور التكنولوجي والإعلامي وقد اختزل مساحة القارات إلى مجرد لعبة واهية لأصابع اليد الواحدة، أمد الراهن الذي صادف كورونا بزخم تداولي غير قابل للتصور.
إنها حقا صدمة للوعي الإنساني، سيتبناها حتما كل شخص بكيفية معينة حسب مرجعياته الذاتية، لكن مهما تنوعت مستويات مقارباتها، و تباينت درجات إدراكها؛ فإنها تستعيد لامحالة ضمنيا تلك الأسئلة الوجودية الجوهرية بالنسبة للإنسان، التي بوسعها أن تجعله مستحقا لحياته ومتسيِّدا على موته؛عارفا دون تضليل بخريطة مصيره.
http://saidboukhlet.com/

 

شاهد أيضاً

سلام إبراهيم: وجهة نظر (18)قليلا من الفكاهة تنعش القلب
نماذج من نقاد العراق الآن (1 و2) (ملف/149)

نماذج من نقاد العراق الآن -1- يكثر في العراق الآن ويشيع أنصاف المثقفين يكتبون مقالات …

الحياة لحظة*
رواية سلام إبراهيم الرواية الوثيقة
كاظم الزيدي* (ملف/148)

إشارة: مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي …

قراءة الروائي المصري الراحل “فؤاد قنديل” لرواية “الحياة لحظة” لسلام إبراهيم (ملف/147)

إشارة: مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *