سرد الصحراء، والعبور إلى الذات
د. رضا الأبيض. تونس (ملف/21)

تقف الصحراءُ، شاسعة كانت أو ضيّقةً، أرضًا قفرا بين أرضين عامرتين بشرا وماءً. ولذلك فإنّ العبور من هذه إلى تلك عبر الصحراء غالبا ما كان رحلة موت. ولذلك أيضا سمّاها من خبر أهوالها مفازة أملا في النجاة حين عبورها. بيد أنّ الصحراء كانت أيضا المكان الذي تعبر فيه الذات إلى نفسها.
ففي الصحراءِ نجرّب موتنا حقيقة، ونحتفل بولادتنا الحقيقيّة، الولادة التي ننحتها ، والتي ليست كتلك التي مُنحت إلينا.
في الصحراء حيث الموتُ من وراء ومن قدّام، الموتُ عطشًا أو تيها أو غدرا أو افتراسا، تتجلّى النفسُ لنفسِها عارية، فينفذ البصرُ وتقوى البصيرة.
على هذا النحو تصبح الصحراء معبرنا إلى ذواتنا، تعرية وحفرا. فيها يفقد أغلبنا كلَّ شيء. ولكن فيها أيضا قد يستعيد البعض منّا كلّ شيء. يستعيد ذاته التي لم يكن يعرفها وحلمه المؤجّل.
ذلك ما بدا لنا ونحن نقرأ قصّة حامد في” ما تبقى لكم” لغسان كنفاني (منشورات الرمال، ط2، 2014)، يعبر الصحراء من غزّة إلى الأردن.
***
1- اللقاء:
في بداية الرواية يرسم لنا الراوي مشهدَ الشمس تغوصُ معلنةً نهاية النهار وبداية الليل.
في لحظة اختفاء النور هذه، تظهر الصحراءُ، ويلفّ ” حامد” سوادُ الليل .
يقول الراوي: ” وفجأة جاءت الصحراء. رآها لأول مرّة مخلوقا يتنفس على امتداد البصر، غامضا ومريعا وأليفا في وقت واحد، يتقلّب في تموّج الضوء الذي أخذ يرمّد منسحبا خطوة خطوة أمام نزول السماء السوداء من فوق” (ص9)
في هذه اللحظة المنتقاة بعناية يتصل حامد بالصحراء بصرا ولمسا.
يقول : ” رآها […] على امتداد البصر” (ص9)
ويقول: وفجأة انتابه الدوار وهو يغوّص فيها” (ص9)
وإذا كانت الرؤية قد حدثت زمنيا في نهاية النهار والصحراء على مسافة، فإنّ التغويصَ فيها كان في الوقتِ الذي أطبق فيه السوادُ.
في هذا الوقت تكون المدينة قد ” تراجعت حتّى استحالت إلى نقطة سوداء في نهاية الأفق” ( ص10)
المدينة وضوء النهار إذن وراء حامد، والصحراءُ تحته وأمامه.
فهل ستكون الصحراءُ مقامَه الجديد، أم هي ليست أكثر من مكانِ عبورٍ إلى آخر؟
إلى أين يسير البطل؟ وهل سيعود إلى مدينته؟ وكيف ستكون رحلته في الصحراء؟
بعضُ أسئلة لا شكّ تخطر على قارئ استهلال الرواية .
يقول الراوي حين انبثقت نجوم ذات لمعان قاس”عرف حامد أنه لن يعود “(ص10) إلى مدينته وإلى بيته ومدرستِه. لقد غاب كلُّ شيء تركه وراءه في ظلمة هذا الليل. والآن، ليس غير جسدِ صحراء تحت قدميْ حامدٍ ” يتنفس بصوت مسموع” (ص9) و” نجوم ذات لمعان قاس”(ص10) تشقّ حجاب الليل، وصوتِ خطى تضربُ في الرمل وفي الليل هروبًا وأمنياتٍ.
2- ممّ الهروب؟
يقول الراوي: ” وأخذ يغوص في الليل، مثل كرةٍ من خيوط الصوف مربوط أوّلها إلى بيته في غزّة، طوال ستة عشر عاما لفُّوا فوقه خِيطان الصوف حتّى تحّول إلى كرة، وهو الآن يفكّها تاركا نفسه يتدحرج في الليل” (ص 10)
هكذا يبدو عبورُ الصحراء محاولة لفكّ خيوط الكرة، التي لفّت حامدا، والفكاك من سجنها. إذ بقدر ما سيتقدّم في الليلِ وفي الصحراءِ سيترك الخيطَ وراءه، على أمل الشفاء من جرحِ الفضيحة والخداع.
– لقد قررت أن أترك غزّة
وابتسمت فبدا فمها الملطّخ بالحمرة جرحا داميا انفتح فجأة تحت أنفها:
– أين ستذهب؟
قالتها وتركت فمها مفتوحا كأنها تريد أن تقول له إنه لا يستطيع
– سأذهب إلى الأردن، عن طريق الصحراء
– تهرب منّي؟
وهزّ رأسه:
– لقد كنت كلّ شيء، وأنت ملطخة وأنا مخدوع.. لو كانت أمّك هنا. (ص11)
يكشف لنا هذا المقطع الحواريُّ بين حامد وأخته مريم عن دوافع الرحيل ومساره: لقد قرر حامد أنْ يهرب من فضيحة أخته مع زكرياء، إلى الأردن عبر الصحراء.
فيتضح لنا، بدءا، أنّ الصحراء لن تكون غير فضاءِ عبور من مدينة إلى أخرى.
هل سيكون العبور سهلا؟
في ومضات استرجاعية ومن خلال الحوار الذي جرى بين حامد وأخته وصهره نتبيّن ثلاثة مواقف:
 حامد: الإصرار على عبور الصحراء.
 صهره زكريا: يعتبر قرار حامد من قبيل المزاح أو التهديد لأن الصحراء مقبرة.
قال: ” تبتلع عشرة من أمثاله في ليلة واحدة” ( ص15)
 مريم: لم يبدر منها، أوّل الأمر، ما يفيد خوفها على أخيها من هول الصحراء.
قال الراوي: ” وأراد وهو يهبط السلّم، أن يستمع إلى أي نداء، أن يلحقه صوت مريم: عد يا حامد! أن تصيح، أن تقول شيئا، ولكنه لم يسمع إلا أصوات خطواته وهي تخفق على السلّم. وقبل أن يصل الرصيف صُفِق البابُ وراءه، دون أية كلمة، وساد الصمت” (ص16)
كأننا بحامد يعيد صياغة قول زوجة صدر بعل، المشهور: النار ولا العار، ليقول: الموت في الصحراء ولا العار.
ويخرج غير عابئ بتحذيراتِ صهره الذي ” كان ضئيلا بشعا كالقرد” (ص14) ، حزينا بسبب لامبالاة أخته “الساقطة”، إلى صحراء ” الميتات” (ص15) على أمل الوصولِ إلى الأردن.
في الصحراء يلفّه الظلامُ ويخزه ريحٌ بارد. ويظل مقداما رغم بعض الخوفِ. فممّ الخوفُ وقد ذاب في الصحراء وذابت فيه!
2- العناق:
يقول الراوي: ” وغرس كفّيه في جيبيه الكبيرين. وفجأة ذاب الخوف وسقط، ولم يعد ثمة إلاّ هو والمخلوق الموجود معه، تحته، وفيه، يتنفس بصفير مسموع، ويسبح بجلال في بحر من العتمة المرصّعة..” ( ص16)
لم تكن الصحراء إذن مجرّد معبرٍ. لقد استحالت جسدا حيّا يتنفّس ويتكلّم ويشعر. أو هكذا أحسّ بها حامد في ليل رحلتِه. التحم بها فاحتضنته احتضان أمّ لرضيعها، تضع رأسه على صدرها تسمع شكواه، فيسمعُ خفقان قلبها.
لقد اتحدا اتحاد عاشقٍ بمعشوقه، وصوفيّ بمعبودِه، فنسجا معا لوحات ذاتِ إيقاع رومانسيٍّ حنينًا إلى أم بعيدة ( ص46) ، واستفضاعا للخطيئة والخيانة.
بدت له الصحراءُ أنثى ” يعلو ويهبط بدنُه فوق صدرها” (ص10)، فإذا استلقى عليها ناعمةً دافئة ” أحس بها تحته ترتعش كعذراء” ( ص17) ، وسمع نفسها واستمعت إلى وجعِه.
يقول الراوي:” فغرس أصابعه في لحم الأرضِ وذاق حرارته تسيل إلى جسده، وبدا له أنها تنفست في وجهه فلفح لهاثُها المستثار وجنتيه، وشدّ إليها فمه وأنفه فاشتدّ الوجيب الغامضُ” (ص17)
تصبح الصحراء، فضاءَ التيه والموت، ” حيث لا تلة ولا علامة ولا طريق” (ص22) حببيتَه وأنيسته في رحلته إلى الأردن، بعد أن لطّخته مريم عارا مع “النتن” الذي وشى بسالم في المعتقل ( ص26).
فهل سيقطع حامد هذه المهلكة التي سماها القدامى مفازة تفاؤلا بالفوز أم إنه سيموتُ فيها وحدَه، أم سيعود إلى عزّة راضيا بأنْ يموت تافها بين الخائنين؟
لقد دارت هذه الأسئلة في خلد مريم التي كانت في الرواية عينا تراقبُ أخاها من بعيدٍ وتعدّ خطوه وتنتظرُ أخباره.
وهي بعضٌ من الأسئلة التي دارت في خلد حامد، كشفت عنها عينُ راو عليمٍ ظل يراقب حامدًا من قريبٍ، ويصف وقعَ خطوه على الرمل مرّة وتوقفَه يفكّر في ما حدث وما سيحدث، مرّةً أخرى.
لقد ذهب حامد إلى الصحراء، معبرا، حين التفت حوله خيوطُ الخيانة والغدر. كان يمكن أنْ يجد عذرا لأخته لو سقطت في أحضان شخص آخر. ولكن أنْ يزرع في رحمها خائنُ رفاقه جنينا حراما سيكون بعد أشهر خالا له، فذلك ما لم يقدر حامد على أن يتحمّله.
لذلك اختار الرحيلَ بطلا يائسا مهزوما، ولكنه كان ثابتا غير خائف فالموت في الصحراء أهونُ عنده من العار.
في الصحراء نزع الخيوط التي التفّت حول جسده وحول روحِه، ورضيَ أن يكون هيكلاً قدّدته الشمسُ وعلامة طريق لا ترشد إلاّ لضياع (ص55).
في رمل الصحراء كان يرسم آثاره، وبأشعة شمسِها الحارقة كان يغسلُ العار. فلم يعد للزمن عنده معنى( ص64) ، لأنّ الكارثة حصلت.
أمّا أخته فقد ظلت تراقب عقاربَ الساعة تنتظر خبر نجاته.
في هذا الوقت يتحرك شخصٌ جديدٌ معلنا عن قرب مجيئه، المولود الذي ستسميه مريم حامدا.
حامدان، كلاهما في صحراء. صحراء الرملِ وصحراء الرّحم معبرا إلى حياة أخرى. يقاوم الأول مفاجآت الطريقِ هروبا من ماض عرفه، وتنتظر الثاني أحزانُ ماض سيعرفه حين يكبر.
إنها غريزة البقاء، الغريزةُ التي جعلت صحراء مريم تستقبل ماء زكريا العفن. ولسان حالها يقول: ماء عفن خير من عطش.
وهي الغريزة التي دفعت حامدًا إلى الموت عطشا، بديلا عن ماء حياة ذليلة.
وهي الغريزة التي جعلت فتحية، زوجة زكريا الأولى، تدافع عن بيتها وعن صورتها أمام الجيران.
الكلُّ يعبر صحراءَ لم يخترها، ويقاوم. لذلك تشابكت المصائر وتفرّقت، في آن.
كلّهم مقذوفون في صحاري وجودٍ ” غريبٍ ومتوحش وخشن”(ص60)، عازمون على البقاء حتّى النهاية.
يقول الراوي: ” وأورثه الصمت الثقيل خوفا جديدا فأخذ يتلفت حوله، لقد تحوّل انتظاره إلى مستنقع بلا قرار، واضحى الزمن خصما فيما بدا حامد جامدا عاقدا العزم على البقاء ها هنا حتّى النهاية..” (ص65)
3- النهاية؟
كيف ستكون النهاية التي اختارها المؤلفُ لشخصياته؟
يتضح من المقتبسِ السابق أنّ الصراع لم يكن ضدّ المكان فحسبُ، إذ لا وجود للمكان ولا معنى له في غياب الزمن. هو صراع ضد المكان والزمان.
ذلك ما لفتت إليه الرواية الانتباه حين أخبرتنا مريم عن قصّة ساعة الحائط المعلقة في الغرفة والتي كانت “تدق خطواتها الباردة كصوت عكاز مفرد بلا توقف” (ص19)
على إيقاع هذه الساعة المعلّقة في “نعشها الخشبيّ” جرى السّردُ عنيفا وباردًا يتابع خُطى حامد ويصف هواجسَ مريم. أما زكريا فقد كان خارج المكان وخارج الزمان. لقد اختار له الراوي، سخرية منه ، النوم يغطّ فيه ( ص21، ص55) قبل أن يستيقظ على نهايته التي فقد فيها رجولته وحياته.
تقول مريم متشبثة بما بقي لها: ” ليس باستطاعتك أن تكرهني يا زكري، ليس باستطاعتك أن تفعل ذلك، فأنت كل ما تبقى لي، أمّا هو فقد مضى وامّحى من هذه الغرف، ولم يبق منه إلاّ أصوات خطوات معدنيّة تدقّ على الجدار بلا نهاية مثل عكاز فقد اتّجاهه. ولم يبق لي ما أفعله إلاّ عدّها. وأنت مستغرق في النوم على بعد شبر واحد منّي. بعيد ..كالموت” (ص21)
هل ستظل القصة بلا نهاية، كدقّ الساعة، والرحلة خبطَ عشواء بلا اتّجاه، والمصائرُ مجهولةً يتربّص بها الموت؟
هل سيتيه حامد صوتا في القفر؟ وهل سيكون الموتُ نهايته، وقد اختاره معبرا إلى حياة أخرى؟
لقد هدّد الفراغُ رحلة الكائن. عشّش في قلبها وأطبقَ على حافاتها. فالمحتلّ قتل أبا حامد، وهجّر عائلته وحامد فقد أمّه، وخانه ورفاقَه صهرُه الجديد، ووألبسته مريم عارا لا يمحى. ولم يبق لمريم التي عبر على جسدها زكرياء، شيءٌ، فسقطت في مهوى سحيقٍ.
في هذا الفراغ الذي تناسلت فيه الأوهامُ والأشباحُ ظلّ حامد يقاوم حتفه بما غرس فيه سالم من وعيٍ ورجولة.
سمّى صهره ” النتن” وكان صهره يسمّيه “الصغير” ( ص70) . وهو الآن في الصحراء يكبر الصغير. في حين ظلّ النتنُ نتنا.
أكره أخته على أنْ تتزوج زكريا ليمحو بعضًا من العار على من كان يتخبط في أحشائها. وأكره نفسَه على أنْ يضربَ في الصحراء وحيدا ليمحو بعضًا من العار الذي لحقه. فكانت الصحراء اختبارا، وكانت مطهرة.
ولكنّ الصحراءَ مدى لا ينتهي، بعيدٌ وقويٌّ وصامد يحيط بالكائن من كلّ جانب (ص72) على الحقيقة وعلى المجاز.
فمريم تائهة في صحراء الهواجس والكوابيس والأمنيات، وحامد يخوّضُ في صحراء الطبيعة ظلاما دامسا ورملا حارقا ومفاجئات غير متوقّعة ..
لم تغادر مريم، في تِيهها ، غرفتَها، فكانت رحلتها زمنيّة استعاداتٍ وانتظارات. ولكنها لم تكفّ عن تخيل وقع أقدام حامد تضربُ في الرمل..
– لا أشتطيع، لا أستطيع.. خطواته تملأ رأسي وتدقّ
– خطوات من؟
– خطواته، حامد، لقد نسيته
– مجنونة! تستمعين إلى خطواته؟
– خطواته.. مع كلّ دقة من دقات الساعة يخطو خطوة واحدة.. (ص74)
والاستماع إلى وقع حامد الجنينِ تأتي من بعيد..
” وتوقفت لحظة: كان ينظر إليّ، ما يزال مدهوشا، ولم استطع التوقف، فأشرت إلى بطني وأغمضت عيني، ومضيت أكمل:
– إنما هو أيضا يدقّ هنا” (ص75)
أما حامد فكانت رحلته مكانيّة صعودا وهبوطا، دون أن يكفّ عن نزال الوقت.
في الغرفة كانت مريم تخوضُ معركتها ضد نفسِها و زوج ينعتها بأنها ساقطة، وساعة لا تكفّ عن الدقّ. وفي الصحراء كان حامد يخُوض معركته ضدّ نفسِه و رجل “شبح” ورياح رمل قاسية.
كلاهما يحاول أنْ يقطع المسافة المبسوطة المترامية وزمنًا يمتدّ ويتطاولُ، في ما يشبه مشهدٍ مسرحيّ يحيطُ به الفراغُ والصمتُ، ينتظر المتفرجون عليه النهايةَ.
وفي اللحظة التي بدأت فيها تباشير يومٍ جديدٍ تضيء كان حامد ما يزال يقاوم الرجل الشبح، وكان نصل مريم ينغرس، انتقاما، بين فخذيْ زكريا ( صص86-87).
تثأر مريم” الساقطة” لنفسها وأخيها ، أما حامد فيظل صوتا قاسيا يدق في جسدها صغيرا مطرودا قال إنه لن يعود، وجنينًا يستعدّ إلى النزول.
4- “ما تبقى لكم”. وما تبقى لنا؟
أخ وأخت لا تضيء الرواية كثيرا من ماضيهما، شرفٌ مهدور، طيفُ أم يلاحق الإبن، خيانة القضّية، هروبٌ عبر الصحراء، ثأر .. تلك أهمّ الموضوعات التي أثارتها رواية كنفاني القصيرة التي نشرها أوّل مرة سنة 1966، والتي اختار لها عنوانا حاملا لوجوه من الدلالة تتعدّد بتعدّدِ طريقة نطقه، إخبارا واستفهامًا وتعجّبا ونفيا..
العنوان جملة وردت على لسانِ مريم وحامد وأمّ سالم.. مهما قلّبتها ظلت تفصِح عن المعاناة قضيّةً أخلاقيّة وسياسيّة ووجوديّة.
جملة تشترك وجوه قراءتها في الدلالة على أنّ القضّية هي قضيّة مسافة. المسافة بما هي قدرنا الذي يجب نقطعه لنعرف ما خسرنا وما ربحنا أمس وما سنخسر وما سنربح غدا.
لقد كان الوقتُ مسافة قطعتها كلّ الشخصياتِ. وكانت الصحراءُ المسافة التي قطعها البطلُ الصغير، في رحلة تراجيديّة ظلت نهايتها مجهولة، رغم تباشير الولادة الجديدة في نهاية الرواية.
سيولد حامد الجديد مضمّخا بدم أبيه الخائن وبدم أمّه الثائرة. ومكلّلا بشرف المحاولة ينتهي حامد الصغير. وبين الحامدين مسافة بحجم الصحراء يقطعها الوطنُ نحو الحرّية.
ماذا تبقى للكائن ؟
لا شيء غير أنْ ينفض الكائن عنه ” لو .. ولو ..” وأن يتيه في “صحراء الوجود”. ففي الصحراء يلتقي بذاته، ويبدأ الفعل. ذلك ما قاله سالم لحامد ذات مرّة يحرضه على الانتقام لأبيه الذي قتله الإسرائليون:
” لقد قتلوا أباك، كما أعلم، وأغلب الظنّ أنّك عشت تعلك أسنانك وتتوعّد وتقول لو..حسنا” ووقف فجأة وغاصت الإبتسامة في وجنتيه المرتفعتين وضاقت عيناه: لدينا كل شيء فهل تأتي؟” (ص53)
يومها كبر حامد الصغير، وأتى. دخل المعتقلَ وعاش نهاية سالم البطوليّة. وها هو الآن يعبر الصحراء اختبارًا جديدا في معركة بدأت منذ زمن.
ماذا تبقى للقارئ؟ لا شيء غير أنْ يتيه في “سرد الصحراء” ليقطف شيئا من ثمار جنّة الأدبِ.

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

سلام إبراهيم: وجهة نظر (18)قليلا من الفكاهة تنعش القلب
نماذج من نقاد العراق الآن (1 و2) (ملف/149)

نماذج من نقاد العراق الآن -1- يكثر في العراق الآن ويشيع أنصاف المثقفين يكتبون مقالات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *