“رفات القطيعة” مجموعة شعرية للشاعر مروان ياسين الدليمي:
المغني الجوَّال ووصيته الى الجحيم
قراءة نقدية: د.إياد آل عبـَّـار (7) (ملف/11)

الناقد الدكتور إياد آل عبّأر

إشارة:
بصمة أسلوبية فريدة ومميزة ومقترب نقدي مدهش وصادم يتناول به الناقد العراقي الراحل “د. إياد آل عبّار” مجموعة ثانية للشاعر المبدع “مروان ياسين الدليمي” “رفات القطيعة” من المؤكد أنها ستكون مصدر دهشة مُلذة وإمتاع معرفي عميق للقارىء. فتحية لروحه في عليين (رحل في تورنتو-إيطاليا عام 2013) وللشاعر المبدع مروان الدليمي.

اعتـــــــراف مُتـَـغـَضِّـــــن
الإعتراف: مصدر، إسم. مُتـَغـَضِّن: إسم فعل من الفعل غضن: الغـُضْنُ والغـَضَنُ: التكسر في الجلد والثوب والدرع وغيرها…والغضن العناء والمعانات وإطالتها…وغـَضَنـَه: حبسه… . والإعتراف المتغضن هو المتكسر والمتجعد والمتقطع والعابس العين والوجه والجبهة المتجعدة بسبب التشكك والغضب والمعانات! كلمة: عنوان، بصيغة عامة هي دلالة على تحديد مكان وزمان المعنون. وعنوان البيت والبريد والقصيدة والقصة وما أشبه يعطينا تحديدا لزمان ومكان ونوع وخصوصية المعنون وعنوان هذه القصيدة يعطينا شبه زمان ومكان ومحتوى ونوعية القصيدة وليس حقيقة ماتقع عليه من محتوى وشكل ومضمون مختفي وراء المعاني الظاهرة وبين الكلمات وما جاورها من “تغضُّن” وتكسر وتشعب في وحدتها العضوية. كل ذلك ينطبق على عنوان المجموعة كلها والقصائد التي تكونها.
كم يؤسفني أن لا يصلح هذا الوجه إلا َّ لقرع طبول الأعذار/ كم يلزمني من وقت حتى أخدش سماء النـّقر؟/ كم أتحصن بين مكائد نـُبلي حتى يُصبح كل رنين الأبواق رميم
وأمحو تأريخا يصطادُ نواميس الماء من إيقاع النار./سألتـُكِ أن لا تبكي.. حين الضوضاء تمدُّ بساطا من ودّ/ بين الخردلِ والشفتين.
بداية أول جرح ـ سطر ـ بيت، من هذا المقطع والطرف العضوي، هو السؤال عن الكمية وعدد المرات: من الأسف، مِنْ أن هذا الوجه؟ وجه مَنْ، الشاعر ـ الصعلوك؟ أم مَنْ؟ هذا ما أسميه شبه الحقيقة أو ظلها ! هذا الوجه لا يصلح إلا َّ لقرع الطبول وأيـَّة طبول؟ إنـَّها طبول الإعتذار! والإعتذار مِمَّنْ؟ وكم من الوقت يلزم الصعلوك ـ الشاعر ـ المغني الذي لايزال في تجواله أن يخدش سماء النقر؟ وما هي وما ترتيب عددها هذه السماء من السموات السّبع؟ ومرَّة ً أخرى كم أتحصن… وما مكائد النبل هذه؟ أهي مكائد فعلا ؟ والنبل إذا اتصف بالمكيدة فهل سيبقى نبلا أم سيتغير الى شيئ آخر؟ والتحصن هذا من صدى ورنين الأبواق؟ أهي أبواق الشقاء؟ وهل يتحول الرنين الى رميم؟ إنَّ من أحد خصاص الشعر الحديث المعاصر للقرنين الماضيين من الشرق والغرب عامة، هو إلـْصاق الصفات بالمواضيع التي لا ترادفها أو تطابقها ” وَضَرَبَ لـَنـَا مَثـَلا ً وَنـَسِيَ خـَلـْقـَهُ قـَالَ مَنْ يُحْيـِي العِظـَٰـامَ وَهْيَ رَمِيمٌ…” سورة يـٰـس 36 ـ الآية 78؛ هنا وكأننا نعاني من جديد ثقل وألم البحث عن مخرج آخر للتعبير عن يومنا هذا دون العودة الى تقليد الأولين والتجديد له خصائص كثيرة منها السلبية ومنها الإيجابية، منها ما يحذو حذو السطحية والرقاعة ويمزجهما بعظمة البساطة ورونقها الرجراج ومنها ما يتجه الى التعقيد الفارغ ذي الطريق العقيم المسدود والذي ينتهي لقتل نفسه لحظة ولادته ويخلطه بالعمق البلاغي ذو الرصانة بترابط المفردات وتناقضها معطيا دلالة صادقة تبعث في العقل والوجدان والروح عظمة الصورة المحكمة الترابط وذات الثقل الرزين في التعبير عن حالة مأساوية حقيقية ـ مثالية. في حالة اللاوعي والهذيان المصطنع نجدنا نواجه معظم ما يكتبه شعراء العصر الحديث وقد سقطوا في نوع السطحية والتعقيد الفارغ بدلا من البساطة وعظمتها والعمق البلاغي الرزين!

الشاعر مروان ياسين الدليمي

باعتقادي أن الشاعر ـ الصعلوك في هذيانه غير المصطنع قد سيطرت عليه ذهنيا وبصيغة لا إرادية صفتين تنتهيان بحرفين متقاربين باللفظ من الناحية الموسيقية، فالنون والميم هما حرفان ذا صوت أنفي الأول صادح ومفتوح والثاني مكتوم ومغلق ولكنه ذو صدى مخنوق وهو حرف الميم: الرنين بالنون الصائتة يعبر عن تردد الصوت والصوت مادة وجزيئات تسافر في الفضا وتبدأ إنطلاقها من موضع لتصل الى موضع آخر؛ أمَّا الرميم بالميم الأنفية المخنوقة فهي مادة واقفة لا تتحرك وتحركها مهما يكن فهو لا يزيد عن تحول مادتها من حال الى أخر من الشكل الصلب القوي المتماسك الى الشكل الهش المتناثر. العظام الى رميم والرنين الى رميم، موسيقية الحرفين النهائيين الأول هو حرف صائت صادح أنفي والثاني هو حرف صامت مكتوم ومخنوق ولكنه أنفي أيضا. الرنين يدل على وجود الشيئ وتردده وتواليه وتحركه من موضع الى آخر والرميم يدل على بقاء ذلك الوجود على ركوده وخموده وتحوله من حالة الى أخرى وهي الفناء. الشاعر لا إراديا عبر عن صورة بسيطة وعظيمة الرونق وعميقة الدلالة ورزينة المأساة. وأمحو، الواو عطف على “كم” للسؤال، إذن فهي وصل وامتداد لما قبلها. محو التأريخ شيئ صعب إذا لم يكن مستحيل، على عكس كتابة التأريخ فهو سهل جدا! التأريخ يصطاد نواميس المياه! أنا لا أدري هنا مايقصده الشاعر ـ المغني الجوال بـ”النواميس” فهل هي البعوض أم أن المعنى المراد هو شيئ آخر؟ ولنفرض أن المعنى المقصود هو البعوض والتاريخ يصطاد هذا البعوض من إيقاع النار به أم الأيقاع الموسيقي للنار؟ هناك مشكلة عويصة ويجب أن أسأل الشاعر ـ الصعلوك عنها؟!! بعد حديث سريع مع الصعلوك ـ الشاعر إتضح لي من أن النواميس هي الوباء أو الآثام والخطايا التي تـُطهر بالنار لتخلص طهارة الماء من ذاك النـَّجَس. في نفس المقطع وكأنَّ الصعلوك يتوقف عن هذيانه وغيابه في تلك العوالم البعيدة، يعود ليسأل ويطلب منها أللا َّ تبكي! مَنْ هي؟ أللا َّ تبكي حين الضوضاء التي تمتد بساطا من وِدٍّ، والود هو نوع من الحب والشعور بالصداقة والإلفة! بين الخردل والشفتين! والخردل هل هو النبتة ذات الحبوب السوداء التي لها طعم لاذع ؟ فإذا كان كذلك فالمعنى يتحدد بأنَّ الشفتين يلذعها طعم الخردل! وما علاقة الضوضاء التي تمتد بساطا بين …؟ من الخردل تـُصنَعُ سموم القنابل للقتل والتمزيق والإبادة الجماعية! هذه العلاقة الغريبة التي تبدو لأوَّل وهلة ولكنها علاقة مأسوية تحاول أن تصف ولكن تخفي وصفها خلف برقع شفاف وهو برقع “مايا”. هي علاقة مابين : أنا ـ التأريخ ـ النواميس ـ الماء ـ الضوضاء ـ الخردل ـ الشفتين. هي العلاقة مابين الشر والخير، علاقة وثيقة ما بين الأضداد. هي المأساة عندما يُمَزِّقُ الضِّدُّ ـ الخيرـ ضِدَّهُ والضِّدُّ ـ الشر ـ ضِدَّهُ!!
هل أعترف الآن؟/غامضٌ هذا الرحيل الدّاَشرُ / من تحت ثياب الطهر،/ لايحمل أجنحةً من عشقي للحرّ اللاهب/ عند حوار القدمين العاريتين فوق قلوع الإسفلت.
هل: السؤال من جديد، أعترف الآن؟ الإعتراف يكون على أشكال ومراحل وألوان كثيرة والإعتراف الذي يحكي عنه الصعلوك ـ الشاعر ـ المغني الجوال هو إعترافٌ لا شكَّ مأساويٌّ يتاخم جروحه الظاهرة والمختفية على الطاولة المضطربة. الرحيل مهما يكون من سببه ولونه وزمانه ومكانه فهو غامض أبدا ً الرحيل ليس كما السفر، الرحيل هو النأيُ والذهاب بعيدا ً محملا بالمرارة والعذاب والتشرد. “الرحيل”: تعبير حزين مأساوي ليس له علاقة على الإطلاق بالسفر! الرحيل هو كل شيئ يرحل حتى الروح إذ تمضي والنهر إذ يرحل والعمر إذ يرحل و…و… الرحيل الداشر!: دشر ودشَّرَ أي ترك وعاف وهجر وأطلق وسابَ…و… هو تعبير، كلمة عربية فصيحة وكثيرا ما تستخدم باللهجة المحلية العراقية. الرحيل الداشر من تحت ثياب الطهر والعفة والبراءة، هذا الرحيل الغامض لا يحمل أجنحة من عشق الصعلوك ـ الشاعر للحَرِّ والإحتراق في حوار القدمين العاريتين فوق الإسفلت الملتهب وقلوعه الشامخة كتلك الأخطاء الشامخة!
وسيعٌ حُلمُنا في حلكة الجهات/ طويلٌ ليلُ ارتباكنا/ في شرائع الأسوار.
حلم واسع ووسيع والحلكة هي قسوة الظلام وعمق سواده أمّا الجهات فليست محددة لكثرتها فهي كل الجهات ما ظهر منها وما بَطـُنَ والليل طوله يكون ممتدا على كل مسافات الشرائع والأسوار والأسلاك الشائكة التي تحاول جهدها احتواء ذلك الإرتباك والإضطراب. شرائع وقوانين مختل من المختلين الخطرين الذين قد مزَّقوا قميص القيد ليُلـْبـِسُوهُ غيرهم من الزاحفين تحت الظلم والهلاك.
أأشيّعُ الشفتينِ في حزن قمصاني المُتـَـغـَضِّنةِ/ وصيفُ التزييف يتسكَّعُ فوق أرصفة المدن المُتهدلة؟
والسؤال مستمر: أأشيِّعُ… التشييع أمرٌ جللٌ في وقت الرحيل! التشييع هو المشي بين عامة الناس والأشياء بالجهر والخفاء، فتشييع الشفاه في تغضن القمصان اي بين طياتها وتكسراتها هو تشييعٌ مُجْهَرٌ به ومَخـْفِيٌ في نفس الوقت الذي يستمر به تزييف الصيف الذي يتسكع هنا وهناك فوق أرصفة المدن المُتهدلة، فوق ثنايا أجساد النساء ـ المدن المُتهدِّلة والتي قد انتهكتْ وجرِّدتْ من كل ما كان لها! أأشيِّعْ… أأفعلْ أم لا؟!
على مضض ٍ أقفل شرائعَ نائية/ وأرتجف ذاهبا/ أقرع طَلَلَ أنهار ٍ خاصمتني/ ثم أنتبهت وشاطرتني غربتي.
المضض: صفة. ويالها من صفة!إنـَّها تفوق التمييز والمفعول لأجله والمفعول المطلق بمرارتها ومأساتها، بل هي التسامي بحد ذاته الى أقصى ما يمكن أن يتصوره المرء من المأساة والألم. هذه الصفة لا أعتقد أنَّ هناك مايضاهيها في كل لغات الأرض قاطبة ً. على مضض ٍ أي بمرارة وعدم الرغبة، بحزن عميق ملؤه الحنضل وكل سموم الأرض أن أفعل هذا الذي لا أريدُ فعله. …أقفل شرائِعَ “فعائِلَ”، جمع شريعة من المستحيل الهروب منها مهما تكن نائية. والإرتجاف هو حالة تستدعيها المرارة والحزن يؤكدها. ذاهبا فعل معاصر ومتاخم للمضض وأقرع فعل ثالث معاصر ومتاخم أيضا؛ طلل الأنهار هو ماتبقى منها فقد دهتها السنين التي مرت بها وأيْبَسَتـْها ولم يبق منها إلا َّ أطلالا ـ بُرَكا ً هنا وهناك وهي التي تخاصمه لسبب ارتياءها بأنه هو السبب لما حدث! ومن ثم انتبهت فعادت وشاطرته غربته. هو وأطلال الأنهار غرباء كغربة ” صالح ٍ” في ثمود!
قالت: رأيتـُك تمشي، فوق نعاس الأجراس الملقاة في حضن الشاطئ،/ فهل ستعود أم تبقى؟/ يا حبيبي، أنت منذ الغد/ لست سوى ظلٍ مسفوحٍ تحت العجلات.
قالت: …مَنْ؟ هي… ومَنْ هي؟ هي التي… في كل زمان ومكان وهي العلة والمعلول معا ً…هي.
رأيتـُكَ تمشي، نعم هو يمشي وربما مُطأطِئُ الرأس فوق نعاس الأجراس ـ ربما قد سمع الشاعر ـ الصعلوك ـ المغني الجوال أجراس الكنائس البعيدة، هناك في أعماق وأقاصي سيبيريا المتجمدة، أو أنه قد سمعها في العراق ولمَ لا؟! نعاس الأجراس والشاطئ يحتضنه! وتسألُ، هي: هل ستعود أم تبقى؟ والإجابة لا فائدة منها فهو منذ الغد ( الماضي ـ المستقبل متداخلان في الحاضر الغائب) لست سِوى = “إلا َّ” أدات إستثناء واقعية ٌ في مثاليتها!، ظل مسفوح ـ ممدود، مستلق ٍ ـ مطروح ـ مسكوب، تحت العجلات! الصعلوك هنا توقف قلبه … يحتاج الى صعقة أو أثنتين من الكهرباء!
إصعقوه فلربما يستفيق من مأساته!
القصيدة السريالية لا تختلف كثيرا عن غيرها في مواجهة الواقع بسلاح أخر. ربما هذا السلاح هو أقوى من سلاح خصمها أو أنه أضعف، ففي كلا الحالتين تكون المواجهة مأساوية وغير متكافئة من الطرفين. هنا تدخل الواقعية بتأكيد: أنه من الواقع جدا أن يكون أحدهم هو المنتصر والأخر هو المُنـْتـَصَرُ عليه. أمّا الرومانسية فهي لا تعطي أيَّة قيمة لذلك بل تبالغ بأحاسيس المتبارزين رافعة الرايات ومُهَلـِّلـَة ً بأنَّ البطل في كلا الحالتين سوف يحوز على كأسه والكثير من باقات الورد. والدموع ستذرف من أجله ما شاء التأريخ الذي يصطاد نواميس الماء من إيقاع النار. أما الرمزية فهي ستذهب أبعد من ذلك قائلة: الموضوع بحد ذاته لايهمنا بل مايرمز إليه هو المهم!
مهما يكن من أمر ومن المدارس النقدية كلها فإنَّ الصعلوك ـ المغني الجوال ـ الشاعر لا يزال مضطجعا على الطاولة المضطربة! سنحاول أنعاشه ليكمل المعانات!
أكاذيـــــــــــب المنــــــــــفى
في ســـــــــــــــوح الكــــــــــــــلام..؟
“ما أكذبَ مَنْ اغـْتـَرَب”! هذا مثل صادق واقعي بمثاليته. ولكن أليس من حق الشاعر ـ الصعلوك أن يكذب؟ وكذبه هذا أليس صورة واقعية لهذيان سببه الألم ـ المأساة التي يعيشها، وهل هذا الكذب هو كذب فعلا؟ أم أنه صدق مابعده صدق مُغـَلـَّفٌ بالكذب والهلوثة في سوح الكلام وترحاله فالكلام أصله بدويا والبدو هم الرُّحَّلُ؟ ومن يرحل فكل كذبه هو ليس إلا َّ صدقا يكتنفه الهذيان والشرود والمرادفة والتناقض.
على طول طريقٍ مُشتهى في كفّ المنيّة،/ مضى بلاغٌ شاحبٌ/ حتى أسوار النهار،/ هناك احتمى النباح خلف الكؤوس/ يعلن نصرهُ غير مكترثٍ/ ولا ينتهي ذله لعولمة التعرّي/ عند نساء البدو/ في ساحة الملوك الصّلعان.
مضى حتى: سار، مشى، إنتشر. البلاغ: هو التعريف بشيئ مهم أو ما أشبه يكون لمن يهمه الامر. أو أن هذا البلاغ هو للكل وهو للتنبيه عن أمر ما. حتى هنا بمعنى الى والعلم عند الله لأن سيبويه نفسه لم يكن قد فهم ما معانها وماذا تفيد وما موقها من الإعراب، حيث أنـَّه كان على فراش الموت قد قال:” أموت وفي نفسي شيئ من حتى”؟!. أن تبدأ الحديث مؤخرا ً المبتدأ أو الفاعل وتقديم خبره أو مفعوله يُعَدَّ من جميل الكلام أو المبالغة فيه. الشاحب: صفة لبلاغ، وهي صفة غير ملائمة للموصوف ! الشحوب هو لللون، فالشيئ يكون شاحبا إذا بَهُتَ لونه أو اصفرَّ أو ابيضَّ والى ما مِنْ ذلك لسبب مُفاجئ وخطبٍ جليل. أمّا الطريق المُشتهى فهو الطريق الذي ترغبه النفس أو يرغبه مَنْ كان يريده، واشتهاء طريق تتواجدُ في كفِّ المنيَّة هو تعزيز وتكبير للرغبة في الموت. أسوار المدينة هي أبعد أطرافها عن مركزالمدينة. لنتصور بغداد في أول عهدها عندما بناها الخليفة العباسي المنصور، كانت مُدّوَّرةٌ ولها سوران وأربعة أبواب يمثلون الأتجاهات الأربع من شمال وجنوب وشرق وغرب. هذا المقطع هو سرد وتصوير لمنظر بكامله على مسرح الرؤيا. البلاغ يمر حتى أسوار المدينة أي يعمها كلها والطريق مرغوب بها فهي تمنح الموت، يُقال: مَنْ مات قد إستراح! وهذا عكس ما كان يفكر به حبيب بن أوس الطائي!
وَمَا مَنْ مَاتَ فـَاسْتـَرَاحَ بـِمَـيِّتٍ إنـَّـمـَا المَـيْـتُ مـيِّــتُ الأحْـــيـَاءِ!
وهناك حيث الأسوار يكون نباح وعواء الكلاب أو الذئاب الذي يحتمي بها! أمَّا خلف الكؤوس فهذا إقحام آخر قد حذف الصعلوك الفاعل الذي يشرب ما في الكؤوس ووضع الكؤوس لتأخذ مكان من يشرب ما فيها. يُعْلِنُ نصره ـ النباح ـ مكان الكلاب وما أشبهها من نفس الفصيلة والنوع تصغيرا لمن بيده السلطة والحكم وهو غير مكترث بأيِّ شيئ فهو المنتصر! بل ويستمر ذِله لـ “عولمة “: هذا التعبير هو حديث الصيغة فهو ما يعادل كلمة غربية نشأت هي الأخرى في نهايات القرن العشرينGlobolism : . إنَّها تحوي معنى سياسيا واجتماعيا يتمحور حول توحيد صفات العالم جغرافيا وسياسيا واقتصاديا وذلك بمحو الإختلافات السائدة من تراث وخصائص كل أمة وبلاد بذاتها وطمس معالم تاريخها وتشكيله بما يلائم مجتمع مثالي على حد تعبير من تعامل مع هذه الكلمة وشكلها بمقايس كونية مصطنعة وزائفة لأنها لا تعبر عن الوجود الحقيقي الذي يمثل كل أمة وبلاد بحضارتها وخصوصيتها التي تمثلها ولا علاقة لها بالأمم الأخرى! هذا التعبير له مناصريه ( وهم ممن السلطة بيدهم) ومعارضيه ممن يتمسكون بتراثهم وحضارتهم وأصولهم الإجتماعية والسياسية والإقتصادية وما أشبه. أما عولمة التعري عند نساء البدو هو تعبير لم يلقَ الشاعر ـ الصعلوك أكثر منه بما يصف مذلـَّة َ العرب والتحقير من شرفهم المباح وهتك أعراضهم أمام النباح الذي يحتمي بالأسوار خلف الكؤوس: الملوك الصّلعان!
جروح الشاعر ـ الصعلوك ـ المغني الجوال المضطجع على الطاولة المضطربة تبد أسوا ما تبدو هنا، في هذه الحالة من المذلة والخضوع تحت سطوة المتجبر والطاغية من الملوك الصلعان! سأكتب كل هذا في تقريري عن هذا التشريح الذي قمت بأدائه حتى الآن لمساعدة المسؤولين للكشف عن القاتل المجرم الحقيقي في ظل هذه الأحداث المأساوية الحزينة الواقعية ـ المثالية!
ــ أيا أولادَ الطحلب في أوروك،/ ضعوا عدة الأشعار والأفكار في مستنقع الرقص الذي أنتم تـُتقنون،/ إنزووا تحت عباءاتٍ مصفـَّدة بالندم/ إغتسلوا بماءٍ من خراب./ ثيران الشمس علـّقت صمتها/ على أبواب من جرح آشور/ تحدِّق في مهرجان اللـَّطم المُبللِ بأكاذيبَ دافئة بين أضلع العتبات.
أيا: حرف نداء وتوكيد. الطحلب: ما علا الماء أو الارض من خُضرة، نبات أخضر اللون يعلو سطح ماء مزمن في بركة أو مستنقع. أوروك هي الورقاء بالعربية وهي مدينة آشورية بابلية في جنوب العراق وهي مدينة جلجامش وإبراهيم عليه السلام. أولاد الطحلب صيغة صفةٍ لكثرة عددهم وتكاثرهم وانتشارهم على رقعة مهد الحضارة وادي الرافدين! النداء يحثهم لترك عِدَّتِهم وكل ذي مهنة له عِدَّة مهنته من أدوات وما أشبه تساعده في صنع ما يريده من أشياء وحوائج لبيعها أو استعمالها في أمور شتى تقتضي استعمال تلك الآلات أو الحوائج. ومن أدوات الشعر والفكر اللغة والأوزان والنحو والصرف والأدب والفن والمنطق والفلسفة وما إليها! ضعوا: فعل أمر للمُنادى
“أولاد الطحلب في أوروك” أن اتركوا وارموا عِدَّتكم التي تـُتـْقِنونَ استعمالها في صنع القصيدة والفكر في مياه المستنقع الآسنة والذي أ ُعِدَّ للرقص! الرقص على جروح الشاعر ـ الصعلوك أو حتى غيره ممن تشمله المأساة ـ الجريمة. وانـْزَووا فعل أمر معطوف على ما قبله، أي اتخذوا زاوية تحت عباءات؛ مفصَّدَة: لها فصوص تـُطـَعِّمُها كما يُقال سوار مفصَّدٌ ومفصَّصٌ أي مُطعَّمٌ بالفصوص ـ الأحجار الكريمة ـ والعباءات المفصَّدة بالدم: الآزورد والعقيق والمرجان من جروح كل الصعاليك ـ الشعراء أولاد مأساة قصائدهم وأفكارهم التي كانت قد ثارت ولا تزال تثور رغم النباح والمقصلة! والخـَرِب هو ما سقط شكله ومحتواه من أصله الذي كان عليه ولم يَعُدْ صالحا للإستعمل والماء الخرب هو ما لم يعد صالحا ومَنْ يغتسل بالماء الخرب سيصبح خرب مثله. وثيران الشمس وهي رمز للقوة قد علـَّقت صمتها أي لم تعد تحكي فقد أزاحته عنها وعلقته على أبواب جرح آشور ـ الصعلوك ـ المغني الجوال ـ الشاعر المضطجع على الطاولة المضطربة! هذه الثيران تحدق مذهولة ومتعجبة لمشهد مهرجان اللـَّطم المبلل بأكاذيب دافئة بين أضلع العتبات المقدسة للأنبياء والمختارين والأولياء الصالحين! عتبة: جامع، مزار، كنيسة، معبد… لأحدهم كان قد أعطى نفسه ووجوده كله لخالقه، إذن فهو ضحية بطريقة أو أخرى للبشر الخوَّانين الذين يرقصون في مستنقع يقع بمحاذات أسوار المدينة والذي يحتمي به النباح خلف الكؤوس!!!
لن أخرُجَ من جلدي منكسرا ً/ حتى أُدْرِكَ طعمَ الغيابِ/ يستيقظ من ظلـّي المُدمَّى.
لن: أدات جزم ناصبة وما يأتي بعدها فعل مضارع منصوب. الجزم بمعنى النفي. الشاعر ـ الصعلوك يعلن عن عدم تخليه عن جلده ـ ذاته ـ نفسه ـ روحه وجسده والجلد صفة، إسم بدل لكل ذلك. إنـَّه الرفض القاطع بعدم التخلـِّي وإعلان الإنكسار إلا َّ إذا: حتى أدرك طعم الغياب! وإذا كان للغياب طعم فما بالنا بالحضور؟! والظل لا يُدَمَّى إلا َّ بأن يُدَمَّى صاحبه والإعارة صادقة ولازمة إجباريا ً. والغياب إنِ استيقظ الغياب في الظل فما هي الحال إذا استيقظ صاحب الظل في الحضور؟!!
أعود مرة أخرى،/ بلا شفاه ولا نعاس،/ أيا أولادَ الطحلب في أوروك/ تركتم ثياب قصائدكم في شرق المأساة/ وتعريتم بالشيب المصبوغ فوق شوارع كوبنهاكن/ وركلتم فوق ترابٍ من قلبي حكايات/ تقود الفصول/ إلى تلمُّظ المقبرة.
العودة هي ما يكون من الرحيل وعكسه وهي لا تكون إلا َّ لأسباب لا غنىً عنها إلا َّ بالعمل بها العودة يُلـْزِمُها الرحيل من قبل. تتكرر العودة بتكرار الرحيل والعكس كذلك! أن يكون المرء بلا شفاه فهو معاق الكلمة وأكثر ما يستطيع قوله هو لفظ بعض الحروف الصامتة بشكل مشوه ومتقطع مضيفا إليها حروفا صائتة إما قصيرة أو طويلة وذلك ما يزيد من تشويه الكلام! والذي لا نعاس به فهو يعاني الأرق!؟ والـ “أيا” نداء كما مرَّمن قبل أولاد الطحلب هم إياهم وقد تركوا ثياب قصائدهم في شرقي المأساة ـ مستنقع الرقص ـ أي هويتهم التي كانت واستحموا بماء خرب! وتعرُّوا بالشيب أي لم يبق عليهم إلا َّ الشيب المصبوغ ـ الكاذب ـ في شوراع كوبنهكن؟ّ
كوبنهاكن عاصمة الدانمارك من بلاد شمال أوربا والبرد فيها لا ينقص بكثير عن برد القطب الشمالي في هذا الكوكب الحزين والمجروح من قبل ساكنيه من المختلين. هاجروا أولاد الطحلب من أوروك الى كوبنهاكن وتركوا هندام قصائدهم الرثة في الشرق، في مأساة وادي الرافدين !
وركلوا أي ضربوا بأقدامهم دافعين حكايات تقود ـ كدليل ـ الفصول فلكل حكاية فصل ولكل فصل حكاية!، هذه الحكايا تقود الى:ـ تلمُّظ: كلمة، تعبير من أصل نبطي ـ كنعاني ـ فينقي، تعني تحريك الفم والشفاه واللسان بصيغة تعبرعن تذوق شيئ ٍ إما سيئ ومزعج وإما حامض لاذع وإما تعبيرا عن مضغ كلام غير مُتفوَّهٍ به! وهنا هي المقبرة هي التي تـَتلمَّظ!
هنالك/ في المدن البدوية/ شوارع ملساء/ رصفتها دماءنا،/ بالأمس كانت مغبرةً/ واليوم ابتلعتكم.
البدو هم الأقوام الرحَّل ولا تكون لهم مدن! بل هم في حلٍّ وترحال ٍ من مأوى الى آخر طلبا للماء ليس الخرب بل الصالح للشرب والإغتسال وغيره، والكلأ والراحة. والمدن البدوية إنما هي إستعارة أراد بها الشاعر ـ الصعلوك تمويه الصورة وإعطائها ضبابية كوبنهاكن!؟ التداخل مابين الأسماء والصفات شيئ وارد في التعبير الرومانسي ـ الرمزي وكأن المثالية هي مرآة للواقعية في ثياب قصائد أولاد الطحلب في أوروك الذين رحلو كما يفعل البدو الى واحة أخرى وقد أضاعوا الطريق ليجدوا أنفسهم في أقاصي الشمال من بلاد لا يعرفوها إلا في الخيال! مهما يكن من أمر فإن مدن البدو هذي لها شوارع ملساء قد رُصِفـَتْ وعُبِّدَتْ بدماءنا نحن! مَنْ “نحن”؟ وهي، تلك الشوارع كانت مغبرة أي مغطات بالغبرة والتراب إثر هبوب العواصف الرملية أو غيرها واليوم قد ابتلعتكم يا أولادَ الطحلب في أورك!
الشاعر ـ الصعلوك هذا لا يريد تقييد مأساته بمكان أو زمان أو سببية وهو على حق حيث أن المأساة هي عكس التأريخ ليس يحدها شيئ وهي تتواجد في كل زمان ومكان وهي علة ومعلول بذاتها. الجروح على جسد وروح المجني عليه وهو في غرفة الإنعاش والعناية المركزة، هي إن دلت على شيئ إنما تدل عن عبثية المأساة وألمها الواصل الى جهات الشرق الأربع فكل جهة لها أربع جهات وكل جهة منها لها أربع جهات وهكذا الى اللانهاية وهناك في اللانهاية تقع مأساة المغني الجوال ـ الشاعر ـ الصعلوك، مأساة وادي الرافدين!
من فـُرجةٍ ” فـُسحةٍ” ” تصحيح لفرجة”بعيدةٍ عن العَسَس أجبتم بعد حين:/ لسنا إلا َّ قبائل ظلت تُسفحُ على دكة الإزدراء،/ ها نحن ولدنا الأن،/ فـَلـَكَ الرملُ/ اغتسل به/ وبأيدينا البحر.
بعد حديث استفسار وتوضيح مع الشاعر ـ الصعلوك وهو مضطجع على الطاولة المضطربة، علمت من أنَّ “العسس” هم شرطة الأمن أو ما أشبه وصحَّحتُ ما يجب تصحيحه في النص وكل هذا لم أكن لِأهتدي إليه لولا أن ….! بعد أن ابتعدوا أولئك العسس عنكم يا أولاد… أجبتم من أنكم لستم إلا َّ قبائل ـ طوائف ـ مجموعات ـ همج ـ عشائر ـ من البدو والحضر تـُرمى مسفوحة على “دكة” رصيف الإزدراء والإزدراء هو السخرية والعبث، ليس لنا غير أن نـُسْفـَحَ! ونولد من جديد كي تـُعاد الكرَّة فخذ الرمل لك أيها الصعلوك ولنا ماء البحر؛ الإغتسال ـ التيمم ـ بالرمل هو أطهر من الإغتسال بماء البحر وذلك لعسرة في ماء البحر سببها الملوحة! فالزنخ لايزيله ماء البحر المالح بل الرمل الصافي الطاهر من شوائب الحضارة وأوساخها!
أقول لكم يامن أزلتم خيط رفاتي من بين أصابعكم:/ ملطخة أكُفكُم بنظرة من دمي/ فلا تشابه في صرختنا/ ولا تشابه في أسمائنا/ أنتم قتلى بمذاقٍ/ يَسقط ُ منه ظلُ خيانة/ ولن نتشابه في نيَّة التحديق إلى انكسار الغبطة/ في عنق المدينة، / أنا في بلعوم المرارة/ وأنتم تنطـُّون على موائدَ غريبة.
في هذا المقطع الشعري سرد أخر وحوار من جهة واحدة: … أزلتم خيط رفاتي… بنظرة من دمي… تشابه… قتلى بمذاق… ظل خيانة… نيَّة التحديق…انكسار الغبطة… عنق المدينة… بلعوم المرارة… تنطـُّون على موائد غريبة. هذه التعابير تسترسل بتركيب غير عادي لتفضح الحالة التي يعيشها الشاعر ـ الصعلوك، حالة من الهذيان الذي لا يتمسك بواقع الأشياء كما هي ولا يخاف بأن يصفها بعبثية أكثر هيجان وتخبط في قلب المأساة فالمواضيع وصفاتها ليست متوائمة ولا علاقة للموضوع بالصفة الملصقة به مثل خيط رفاتي أو عنق المدينة. أقول لكم ـ هي خطبة أمام جمهور حاضر أم غائب هذا ليس مهم، المهم هو أنه يتكلم بصوت ثابت مملوء بالإصرار، بالرغم من أنَّكم قد تخلصتم من الدليل الذي يؤكد جريمتكم فإنه لا يزال دليل آخر وهو تلطخ أكفكم … دمي ومن هذا فلا تشابه بيننا: صرخة المجني عليه لاتشابه صرخة الجاني ولا تشابه في الأسماء والتعبير واقعي يتواجد في أحشاء تعبير مثالي ـ رومانسي ـ رمزي: خيط الرفات ونظرة الدم ومذاق يسقط منه ظل خيانة….عنق المدينة، هذا الإختلاط وهذه العبثية هي أعلى درجات الهذيان والهلوثة التي تصور مأساة المغني ـ الصعلوك. المرارة لا يكون الإحساس بها في البلعوم ( التعبير ربما بلهجة عامية) ولكن في الفم فاللسان هو الذي يحتوي على خلايا الذوق والطعم والنطـُّ هو مايشير الى القفزغير العالي الإرتفاع ولمرات متتالية مثل قفز العصافير أو الأطفال وهو مايدل على اللعب في حالة قفزالأطفال، فوق موائد غريبة؟! ماهي الغرابة التي تتصف بها تلك الموائد، على أن التعبير كله نكرة غير معرَّف به. هل هي غريبة من الغربة أم من الغرابة؟ الإبهام في السرد وتواجد العرض الروائي في هذا المقطع لا يختلف عن المقاطع التي سبقته. يبقى المجني عليه تحت الإنعاش وفي غرفة العناية المركزة!
ايها العابسون في وجه الرعونة/ فوق جبال الألب/ بقصائد تتثنى فيها ألسنة النار،/ إستمروا في شق الطريق إلى الوشاية/ إستمروا على التمتع بتكرار التغريد المازوكي،/ تحت سماوات عارية/ غادرها الخجل.
أيها: نداء يعيد التوالي في توجيه الكلام الى الذين… العابسون في وجه الرعونة: العبوس مرَّ الكلام عنه وأما الرعونة فهي مصدر ـ إسم ـ صفة لمن هو أرعن أي خشن التصرف والطباع مما يدل على انخفاض درجة الذكاء أو حتى انعدامها… جبال الألب! الثلوج … ومن ثم القصائد التي تتثنى بها ألسنة النار! شق الطريق: السير بصعوبة أو بتعب أو غيره وهو طريق الوشاية والوشاية هي الخيانة! أما التمتع بالتغريد والغناء فهو أيضا مبهم فليس كل من يغرد أو يغني يتمتع بتغريده وغنائه والمازوكي ربما أراد الشاعر ـ الصعلوك المازوخي أي المازوخية والتي تتعلق بمن يلتذ بالألم على عكس السادية. كل هذا يجري تحت سماء عارية لا يستر عليها شيئ ولا يغطي سَوْءتها أيَّ هندام! وحتى أن الخجل قد غادرها فهي لاتستحي أن تـُظهِرَ كل مفاتنها وسَوْءاتها! المأساة والألم هما أسباب واقعية لجنون مثالي وعاطفي يستطيع أن يبتز الدمع من الصخر!
مازلت، أخلعُ سيرةَ موتي مُحرَّفة ً/ بين أسلاك العزلة/ ووشاية الصحراء.
أن ينزع أحدهم سيرة موته عنه هو أن يخفي أسباب الموت وعلته والأتعس من ذلك عندما تكون السيرة محرَّفة ومتواجدة بين أسلاك العزلة الشائكة ووشاية الصحراء وخيانتها! بين جروح المجني عليه الكثير من رمل الصحراء والرمال لا تعود الى صحراء بعينها فهي صحارى متعددة ومختلفة لأن الرمال ألوانها كثيرة فمنها الصفراء والحمراء والبنية الغامقة والسوداء وحتى الخضراء! هذا ما يدل على أن المجني عليه عربيٌ بدويٌ من العرب البائدة… عادٌ وثمودٌ وطـسَمْ وجَسَمْ و غيرها!
أقف في ظل الطريق المُعطـَّلِ/ لا تخدعني جنازتي المتكررة،/ أخرج من فخ/ أدخل فخا ً آخر،/ أنا وما تبقى/ من تدهور ابتسامتي.
بعد النداء والحوار المتواصل نجد الشاعر ـ الصعلوك ـ المغني الجوال يتوقف! أين؟ في ظل الطريق المعطلة وغير السالكة لتواجد الكثير من شضايا الإنفجارات وبقايا جثث القتلى والجرحى الميؤوس من نجاتهم! هو يرى أن لا ينخدع بتكرار جنازته فكل جثة على الطريق المعطل ليست شيئا آخرا غير جثة الشاعرـ الصعلوك، فهي تتوالى في مواكب جنائزية متتالية. هو يعرف وهو بكامل قواه العقلية ـ الواقعية من أنه إذا ما خرج من فخ سيدخل حتما في فخٍّ آخر هو وما تبقى منه … من ابتسامته التي تدهورت واصبحت أكثر ضعفا ً ويأسا ً وموتا ً. لا يزال الصعلوك مضطجعا على الطاولة المضطربة والطاولة على خشبة المسرح التي كان قد أفسدها أحدهم من قبل بدمه الذي يواصل وجوده في جسد المجني عليه وفي أكياس الدم المُتـَبَرَّع ِ بها من قبل فقراء دول العالم الثالث والرابع والخامس …الى ماشاء أحدهم!

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.