البئر
بقلم د ميسون حنا /الأردن

قالت المرأة : لنتوجه إلى البئر . علّق الرجل : البئر مكان أمين نأتمن فيه سرنا ولكني لا أظن أن ما نعانيه خافيا على أحد . قالت المرأة : لا أعتقد أن ما تحفظه البئر في جوفها من مصائب خافية علينا ولكنها أقدر منا على الكبت . قال رجل آخر : البئر تنوء بحملها فلا تحملوها المزيد . قالوا: بل صدقت المرأة ، البئر أقدر على الكبت . قال الرجل : ولم الكبت ؟ هلموا نثور ، ونغير ونتغير . قال رجل : أيادينا مكبلة ، وألسنتنا طليقة ولكن لا أحد يسمعنا ، لنبوج للبئر بهمومنا ، هلموا يا قوم . وتحركوا من فورهم ووصلوا إلى البئر ، وسار معهم الرجل مغلوبا على أمره ، وعندما هم شاب بنزع الغطاء …تردد صدى في المدى ، قال الرجل : الويل من تحذير الصدى . تردد الشاب بينما قالوا : أخطأت التأويل ، وحثوا الشاب على الإقدام ، داعب اليافع الغطاء ، وأزاحه ، ولما فعل ذلك زفرت البئر هواء ساخنا كالحمم ، مصدرة أصواتا كالهدير ، فزع القوم واتسعت الدائرة التي يشكلونها بأجسادهم حول البئر ، وبعد لحظات تنفست البئر الشهيق مبتلعة ما كانت نفثته قبل قليل وكأنها آثرت التريث والصبر . قال الرجل: قلت لكم لا تحملوها المزيد، قالوا: ليس أمامنا خيار آخر ، ثم إن البئر هدأت وتهيأت لاستقبال أناتنا من جديد . آثر الرجل الصمت … ضيقوا الدائرة وانحنوا برؤوسهم فوق فوهة البئر وتنهدوا بأسى ، فارت البئر وغلت ، تراجعوا مرة أخرى ، وتبادلوا النظرات ، لكن البئر هذه المرة لم تهدأ مما جعل الهواء ثقيلا مشبعا بالزفرات. قال أحدهم : الهواء أصبح ثقيلا على رئتينا ، والأرض هنا ضاقت بنا ، ولا مكان لنا إلا في جوف البئر، لنرمي أنفسنا بين الحمم . قالوا: هو الموت إذن . قال: وليكن موتا جماعيا هيا … ولم ينتظر آراءهم ، بل اقترب من البئر التي همهمت وزمجرت مما جعل القوم يصرخون : تريث . لم يلتفت ، ورمى نفسه في البئر ، ولكن البئر سرعان ما لفظته خارجها فارتمى بلا حراك ، اقترب شخص منه وقال: هيا نواريه ، وإكرام الميت الدفن . قالوا : نعم لنواري القتيل ، حفروا حفرة ووضعوه فيها ، لكنه انتثر خارجها مما جعل القوم يحارون. قال أحدهم : الأرض تلفظه هي الأخرى وقريبا سيخرج ريحه النتن ، وما العمل ؟ أما هو فلم يكن ميتا بدليل أنه نهض بحماس لم يعهده في نفسه سابقا ، وقال: النتن يعبق في المكان ، لا بد أن هذا ريحكم يا قوم ، تشمم بعضهم بعضا إذ بهم منتنين مما جعل القوم في بلبال ، فكيف يتسلل إليهم النتن وهم بعد أحياء فوق الأرض يتحركون ، وها هو الرجل الذي حاول اغتصاب الموت يحيا أمامهم من جديد ، نظروا إليه مندهشين. قال الموت الكامن في صدورهم : أنتم قاب قوسين مني ، وها أنا أتسلل إليكم من حيث لا تدركون ، ولكنكم اخترتم نكهة من نكهاتي بغيضة . للموت نكهات إذن ، تفكروا في صمت ثم قالوا: أوكلنا أمرنا إلى الله ، وما كان لامريء أن يختار ميتته ، ثم ها هو رجلنا يتحدى الموت ، والموت يتحداه ، وكانوا يقصدون ذاك الذي حاول اغتصاب الموت قبل قليل . ضحك الموت ، وقال: الموت لا يقبل الإهانة ، عليكم بميتة مناسبة إذا كان لا بد من الموت . قالوا : كيف ؟ سكت الموت ولما طال صمته تحولوا عنه ، وتبادلوا النظرات إذ بعصي تهوي عليهم مما جعل البئر أشد ثورانا حتى أنها قذفت من جوفها الشرر الذي أصاب عصا فتحولت إلى رماد مما جعل الرجل الصامت ينضم للرجال المتأهبين للقتال بحماس لم يشهدوه في أنفسهم سابقا ، أمسكوا الحجارة ، وبدأت المعركة ، سقط قتلى كثيرون ، وعندما هدأ القتال تفسر الأمر واتضح ، وتبين أن للموت نكهة مختلفة ، كان الرجل الصامت قد قتل ، وقتل معه من حاول اغتصاب الموت ، ولم ينته الأمر على هذا الحال ، إذ حتما ستتكرر المعارك ، ولكن الجديد في الأمر أن الناس اكتشفوا أنهم قادرين على المواجهة وأنهم كالبئر قادرون على الصبر والكتمان والتبسم .

شاهد أيضاً

فلامينكو
خالدة أبوخليف/سورية

دوي الريح يخرق صمت البحر مد وجزر بين طيات الأمواج أخبار العابرين تطل على الشاطىء …

لن أكذب عيني..
عبدالله محمد الحاضر

لقد رأيتك هناك على مسافة نيف وموجتين فقط تزيلين الاعشاب عن اهداب الموج تمسحين ضوء …

ألا فاسقني دمعك!!
سامية البحري

جسورة أنا !! وتلك دعايتي وفي داخلي امرأة تكبو نضجت وأعلنت فطامي وبين الضلوع طفلة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *