عبد الستار نورعلي: أأبا فراتٍ والجراحُ فمُ (إعادة نشر)

* كتبتُ القصيدةَ عام 1987معارضةً لقصيدة شاعر العرب الأكبر محمد مهدي الجواهري التي يخاطب فيها المرحوم العلامة الدكتور (محمد مهدي المخزومي)، والتي نشرتْ في حينها في مجلة (المجلة) التي كانت تصدر في لندن وكان يرأس تحريرها الصحفي والكاتب السعودي (عبد الرحمن الراشد)، ومطلعها:

أأبا مهندَ ، والجراحُ فمُ
وعلى الشفاهِ من الجراحِ دمُ

وعلى الشفاهِ تمورُ طاغيةً
حُرَقٌ تُصعّدُ ، ثمَ تنهزمُ

مع أننا لا ندّعي لأنفسنا أننا نبلغ شموخ الجواهري الكبير!

* لم تنشر القصيدة كاملة من قبل لأنها كانت ضمن دفاتري التي تركتها أمانة عند هجرتي من العراق، وقد وصلتني عام (2009). سبق لي أن نشرتُ أبياتاً قليلة من مطلعها في تسعينات القرن الماضي والتي بقيت عالقة في ذاكرتي الحافظة:

أأبـا فـراتٍ ، “والجـراحُ فـمُ ”
وعلى السيوفِ “من الجراحِ دمُ”

إنّا على حالينِ ، تجمعُنا
لغةٌ تُحلِّقُ ، ثُمَّ تضطرمُ

إنّا على حالينِ يُثقلُنـا
همٌّ يصولُ وليس ينصرمُ

همٌّ تكابدُهُ على سَفَرٍ
بينَ القوافي نارُهُ ضرَمُ

وأنا هنا حالانِ ما افترقا
نفسٌ تذوبُ ورؤيةٌ سَأمُ

* * *

الجواهري بريشة الفنان مبارك الفكيكي

أأبا فراتٍ ما الذي نزفَـتْ
عيناكَ، ماقالتْ لكَ الكلِمُ؟!

أضرمْتَها حُرَقاً مُصعَّدَةً
ونظمْتَها عصماءَ تحتدمُ

أيقظْتَ فينا كلَّ خافيةٍ
بينَ الصدورِ لهيبُها نهِمُ

تتقاطرُ الطعناتُ نحملُها
طعناً فطعناً ثمَّ نعتصـِمُ

بحروفِنا نروي لها شَجَناً
بقلوبنـا ، ونزيفُها عَـرِمُ

وجميـلِ صبـرٍ راحَ بارقُـهُ
يذوي فيذوي حيثُ ينعدمُ

* * *

أأبـا فـراتٍ ، لعنـةٌ نزلـتْ
وبها الحشودُ تُذَلُّ تنكتمُ

تعلو أفـاعٍ فوقَ هامتِهــا
وبروحِها مِنْ لدغِها سَقَمُ

أفعىً تروحُ وغيرُها صعدَتْ
ما أكثـرَ الأدوارَ تُقتَسَـمُ

ما أهزلَ الراياتِ تحملها
أيـدٍ مُلوّثـةٌ ، بهـا ورَمُ

يا ابنَ الفراتينِ الذي رُويـَتْ
منْ فيضِ شعركَ كلُّها الأمَمُ

مهما اكفهرَّتْ موجُ عاتيةٍ
وتخافَتَتْ منْ هولها القِمَمُ

إنّـا لموعـودونَ أغنيـةً
بصُداحها تتنافسُ الهِمَمُ

* * *

يا ابنَ الفراتينِ الهوى حٌلمٌ
وبشـوقِهِ يتسـامقُ الحُلمُ

نرنو الى شـفتيكَ يُورقُنا
صوتٌ ويُشبعُ جوعَنا قلمُ

ولظىً يُؤجِّجنا وماانطفأتْ
جمراتُـهُ ، فتصاعدَ الألـمُ

نهفـو إلى شـعرٍ ليرفعَنـا
بينَ السحابِ نروحُ ننتظمُ

وصداكَ في أحلامِنا شِـيَمٌ
وبرَجْعِها تتشامـخُ الشِيمُ

تعلو وتعلو رغمَ نازلـةٍ
نكباءَ لا تكبو بها القدمُ

ولَـرُبَّ نازلـةٍ ومُهلكـةٍ
في ريحِها يتصدّعُ الهَرَمُ

لكنَّ مثلكَ لا تميـدُ بـهِ
هوجاءُ لا ينبو بها القلمُ

رَبَّ القوافي، أنتَ مُضرمُها
أيخونُ ربّـاً مثلَكَ النغـمُ؟!

* * *

أأبا فراتٍ، هبَّ عاصفُها
فتلبّسَتْ أقدارَها أمَمُ

واسترجلَتْ أقزامُها فمضَتْ
ما بينها الأعـلامُ والقِمَـمُ

قِممٌ توارتْ وانزوتْ حُرَقـاً
فتناوشتْها الريحُ والظُلَمُ

قِممٌ تهاجرُ أرضَها وَجَـعـاً،
تستفحلُ الديدانُ والغَنَمُ

ذئبٌ ترصّدنا لينهشَنا *
وعقاربٌ صفراءُ تنتقمُ

الواقفون ببابِ مملكةٍ
صفّاً ذليلاً بيعُهمْ ذِمَمُ

يتزاحمون على موائدها
يتراقصون صداهمُ العَدَمُ

رهنوا لجامَهمُ على صِغَرٍ
وتسافهوا فتصدّعَتْ قيَمُ

* * *

أأبـا فـراتٍ ! هذه صُـوَرٌ
تُلقي بها الدنيا وتلتطمُ

ما أنتَ فيها غيرُ شامخةٍ
والرافـدانِ بصوتهـا نغمُ

إنّـا على حاليـنِ يجمعُنـا
وطنُ النخيلِ ودجلةُ العَلَمُ
ـ ـ ـ ـ

* اشارة الى قول الجواهري:

ذئبٌ ترصّدني وفوق نيوبـهِ
دمُ أخوتي وأقاربي وصِحابي

منْ قصيدته في الشاعر معروف الرصافي والتي ألقاها عام 1959 في المهرجان الذي أقيم في ذكرى الرصافي على قاعة سينما الخيام ، وقد كنتُ حاضراً شخصياً ذلك المهرجان وعمري سبعةَ عشرَ عاماً ،ومطلعها:

لغـزُ الحيـاةِ وحيـرةُ الألبـابِ
أنْ يستحيلَ الفكرُ محضَ ترابِ

أنْ يُصبحَ القلبُ الذكيُّ مفازةً
جرداءَ حتى منْ خُفوقِ سَرابِ

فيمَ التحايلُ بالخلودِ ومُلهَمٌ
لحَفيـرةٍ ، ومفكِّـرٌ لتَبـابِ ؟

عبد الستار نورعلي
السويد
الأول من تموز 2009

* نشرت القصيدة بنصها الكامل والشروحات أعلاه في مجلة (الثقافة الجديدة) العدد 332/2009

شاهد أيضاً

رسائل في محرقة الحذف
فراس حج محمد/ فلسطين

(1) امرأة تحدّثني جنسيّاً لبضعِ دقائقَ نلعب معاً شهوة افتراضيّة تداعب عضوها بقليل من المساج …

مهند الخيكاني: استيقاظ النهر

بعد يومين من مشهد الجسر ، ذلك المشهد الذي رمت فيه الأم طفلين بأعصاب باردة …

عذاب الركابي: الصّبحُ .. ليلا ً

. الوقتُ ليسّ الوقت ْ ! الوطنُ ليسَ الوطن ْ ! . الدقائقُ صدأت ْ …

2 تعليقان

  1. يمتلك الشاعر عبد الستار نور علي لغة تتسم بالصفاء، مع ثراء في المفردات وحسن انسجامها داخل النسيج الشعري، ورغم ان قصيدته هذه يجاري فيها الشاعر الجواهري، وهو شاعر صعب المجاراة بيد أنني أجد الشاعر نور علي قدّم تجربة حرّية بالتثمين.
    فاللغة الشعرية رغم طول القصيدة النسبي خلت مما يسميه النقاد القدامى بالتفاوت داخل القصبدة..كما هو بائن في علو السمت الشعري، وحسن الخطاب وليونتة مع انسجام واضح بين اللفظ والمعنى..
    أأبا فراتٍ، هبَّ عاصفُها
    فتلبّسَتْ أقدارَها أمَمُ

    واسترجلَتْ أقزامُها فمضَتْ
    ما بينها الأعـلامُ والقِمَـمُ

    قِممٌ توارتْ وانزوتْ حُرَقـاً
    فتناوشتْها الريحُ والظُلَمُ

    أحسب أن الشاعر يمتلك النبوءة وأحس أن القصيدة كما لو أنها قد قيلت اليوم،!
    تحية للشاعر الأستاذ عبد الستار نور علي..

  2. عبد الستار نورعلي

    يمتلك الأخ الأديب الناقد والباحث الكبير (خالد جواد شبيل) حساً نقدياً عالياً، مزوداً بثقافة أدبية في الكلاسيكيات العربية والمعاصرة. لذا فقراءاته ذات أهمية قصوى في التقييم والرؤى. وما ينثره منها على ما ننشر لها أهمية خاصة، بالنسبة لي. وقراءته هذه لقصيدتي المتواضعة تدخل في إطار ما ذكرت. فشكراً لك أخي وصديقي المثقف الكبير (خالد جواد شبيل) على ما رأيته في القصيدة وصاحبها. مع بستان ورد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *