أحمد عبد الحسين : إيمانويل العراقي*

الذين شاهدوا ايمانويل كيلي “الفتى الذي يعاني نقصاً في أطرافه” وهو يغني في برنامج اكتشاف المواهب الاسترالي، لن يمكنهم إلا أن يحبوه ويحتقروا العالم. الأسى ان ايمانويل ضحية لجريمة لا يمكن لأحد الجزم فيها بهويّة المجرم على وجه التحديد. هذا مبعثُ ألمٍ مضاعف، لأن ما يسكّن الألم معرفةُ مسببه والتوجّه له باللوم أو العتب أو العقوبة. لكنّ الألم الذي صنعه لنا مرأى ايمانويل العراقيّ ـ الاستراليّ بلغ حدّه وتجاوزه وفاض بنا وتركنا لمحض التوجّع دون القدرة على أن نتوجّه به إلى أحد لنتهمه ونلقي على كاهله مسؤولية ما حدث. لهذا ورد أن تقول السيّدة الشقراء العضو في لجنة التحكيم “لأول مرة أشعر بهذا القلق، والتقزز من العالم”.
غنى ايمانويل أغنية جون لينون “تخيّلْ” الموجعة هي الأخرى لأنّ فيها فائض إنسانية لم يعد لها مكان في هذا الكوكب المليء بالشرور، سأترجم منها ما استطعت:
(تخيلْ لو أن لا فردوس هناك، يمكنك ذلك إنْ حاولتَ، وأن جهنم ليست تحتنا، هناك السماء فوقنا فقط، تخيّلْ ان كلّ الناس يعيشون ليومهم، تخيلْ أن لا بلدان، ليس هذا صعباً، فلا شيء يستحقّ أن تموت من أجله، حتى ولا العقيدة).
غناها ايمانويل كأنه مطربها الأصل، كأن الكلمات كُتبت له، ولُحنتْ لأجله، هي مفصّلة عليه، وأبكانا ايمانويل، قام بما لم يقمْ به لينون “المتوفى في كانون الأول 1980” الذي سمعناه ورددنا أغنيته هذه مراراً، لكنّ ايمانويل العراقيّ أعطى الأغنية شيئاً من عراقٍ ينتج الألم بقسوة وتلقائية عجيبة، أخذ الجمهور الاستراليّ تلك الليلة جرعة مركّزة من أنفس منتجات العراق: ألم لا يمكن التصرّف به إلا بكاءً ونشيجاً ألمّ بالاستراليين بعد أن كان قروناً خبزنا اليوميّ.
سألتْ لجنة التحكيم الفتى ايمانويل عن عمره قبل أن يغني، أجاب انه لا يعرف، قال انه نشأ في دار للأيتام في بغداد، وجده البعض في القمامة هو وأخوه، وجدوهما في صندوق أحذية “يالخيبة العالم”، نشأ هناك قبل أن تأتي تلك السيّدة الأسترالية ذات الروح الملائكيّ، السيّدة التي يسميها ايمانويل “أمي” التقطته من دار الأيتام ورحلتْ به إلى أستراليا.
أمّ ايمانويل كانت تردد وهو يغني “هذا هو ابني”، وأخوه “الذي سمته أمه أحمد” يكاد يطير فرحاً بأخيه، ايمانويل وأحمد، لا يعرفان لهما ديناً أو قومية أو وطناً، لعلهما مسيحيان، كرديان أو عربيان شيعيان أو سنيان، لن يعرفا للأبد، كان وطنهما صندوق أحذية وضعا فيه خوفاً من عار أمهما “العراقية” التي فضلتْ أن تلقي بهما على أن يكون لها ابنان معاقان. لكنّ أمهما الأسترالية جعلتْ من ابنيها أسطورة، جعلتْ من انعدام هويتهما هوية لهما.
كان يجب على ايمانويل أن يغني هذه الأغنية التي تمجّد اللا هوية:
(تخيّلْ لو لم يكن هناك ممتلكات، هل تساءلتَ لو حدث ذلك، لن يكون هناك جوع وطمع، سيكون الناس أخوة، تخيّلْ ان كل البشر يتشاركون كل العالم، ربما تقول إني حالم، نعم لكنني لست وحدي، من يتمنى أن نجتمع معاً ليغدو العالم واحداً).
لست وحدك ايمانويل. لستَ وحدك.

* عن جريدة “الصباح”

شاهد أيضاً

شكيب كاظم: التأريخ الهجري جزء من منظومتنا الثقافية والقومية

ثمة تقاويم عدة أنتجتها الحضارة البشرية منها، التقويم العبري اليهودي ومازالت بعض صوره قائمة حتى …

متاهة سبعينية، عن مختار وصنوه أبو حمديه
حاتم جعفر
السويد ـــ مالمو

( في هذا المقال سنستحضر بعض اﻷسماء ممن كان لها الفضل الكبير في دفعنا نحو …

مقداد مسعود: رسائل خطّية من الشاعرة “زهور دكسن”

الأستاذ الفاضل مقداد مسعود المحترم لك تمنياتي بديمومة الصحة والعطاء.. مع شكري لما أوليتنيه من …

تعليق واحد

  1. بلقيس الملحم

    الكاتب المبدع أحمد عبدالحسين

    أنت تذكرني بالحية الضريرة التي اعتقدت الغابة بأن سمها سيكون فتاكا! فراحت تنزوي عن أنظار النسور داخل جحر مهجور , لكن ثمة عصفور عابر يعود كل يوم وفي فمه طعاما يطعمه تلك الضريرة! ما أجمل أن نكون واعين لعبر الحياة! تحياتي لمقالك المعبر ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *