علي الجنابي: بِرُّ الوالدِ بَينَ التَغَنُجِ والسَعَد

حدثني متأفِفاً فَقالَ :
رحَلَتَ رُوحُ وَالدي لِبارئهِا فَتَحَرَّرتُ من قُيودِ بِرِّهِ!
أَفَأرَانِي فَضَضتُ قُيودَ البِرِّ أم أرَانِي أَفَضتُ لِخُسرانٍ مُبِين ؟ فَذي شَراسَتي اليوم قَابِعَةٌ تحت أورَاقِ خَريفِ العُمُرِ , وَذِي فراستي مُتَرَبِعَةٌ على عَرشِ بِرٍّ مُنتَظَرٍ مِن وَلَدِي موعُودٍ.
بِرٌّ مُنتَظَرٌ موعُودٌ !
أنَا لن أنتَظرَهُ ! ولقَد نَحَتُّ فؤادَاً لا ينتظر, صَنَمَاً نُسُكهُ أنَّ كلَّ نَفسٍ هي والدٌ , كانت ولداً فعادَت والِداً إلّا آدَمَ , كان والِداً وما كان ولداً. وتَسبِيحهُ إَّنَّ رَحمةَ الوَالِدِ وبِرَّ الوَلَدِ هُما غَيرُ صِنوان ؟
فأمَّا رَحمةُ الوَالِدِ للوَلَدِ , فذاكَ مَيلٌ خَلقِيٍّ مِن الرَّحيمِ عَلى الوَالِدِ مَقضِيٍّ ، وقِمنٌ عَلى الوَالِدِ ألّا يَمُّنَ به على الوَلَدِ , بل جَزاءُ الوَالِدِ سُؤالٌ على تَربِيةِ ما رُزِقَ من نِعمَةَ الوَلَدِ ، إستِناداً لبَندِ قَانونِ الحُكمِ ؛ { كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} لا (كما رَحِمَاني صَغِيرًا) , فَإن تَكُ صَالحةً نَجَا ونَجَا الوَلَدِ , وإن تَكُ غَير ذلكَ هَلَكَ و هَلَكَ الوَلَدُ.
وأمَّا بِرُّ الوَلَدِ للوَالِدِ فذاكَ كَيلٌ مَلقِيٍّ مِن العَليمِ على الوَلَدِ مَمضِيٍّ . وحَقِيقٌ على الوَلَدِ ألّا يَضُنَّ به على الوَالِدِ , وَجزاءُ الوَلَدِ نَيلُ جَنَّاتٍ على مَا صَدَقَ في إحسَانِهِ للوَالِدِ , وَبَندُ الحُكمِ هوَ ذَاتُ البَندِ : {كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} لا (كما رَحِمَاني صَغِيرًا).
رَحمَةُ الوَالِدِ فِطرَةٌ أسمَاها الشَّارعُ (حَناناً).
بِرُّ الوَلَدِ تَكلِيفٌ أسمَاه الشَّارعُ (إحساناً).
ذاكَ أنَّ جُرعَةَ رَحَمَاتِ الوَلَدَ حينما يُمسي والِداً أُحصِرَت لِما وَلَد , ومَا أُحضِرَت لِلوالدِ , وَكَمَا ذَهَبَت مِن قَبلُ رَحَمَاتُ وَالِدِهِ إليِهِ إذ كانَ وَلَداً.
هوَ مَجرى نَهرِ الرَحَمَاتِ هكذا وهكذا هو مَسرى قَضائِها .
الوَلَدَ يُكافِحُ تحتَ النَائِبات لِإرضاعِ رَحَمَاتِ فُؤادِهِ لِما وَلَد ، مَا عِندَهُ منها مَزيد. أَفَعَدلاً أن يُلافِحَ وبِتَغَنُجٍ الوَالدُ الوَلَدَ على حَظٍّ مِنها ؟ مَا ذاكَ بِبِرٍّ وما ذاك بعدلٍ , فرَحَمَاتُ الوَلَدِ يَبَسٌ بِالكادِ تَسُدُّ رَمَقَ ما وَلَد .
رفقَاً أيُّها الفُؤادُ بالوَلَدِ وَخَفِّف تَغَنُجَكَ عليهِ ودَعِ المِنَّةَ والمُلافَحةَ , وعَسى أن تَكفيكَ مِنهُ كُلَّ فَجرٍ نَظرةَ أمَلٍ وخِفضَ جَناحِ ذُلٍّ ومُصافَحةً ..
لا مُلافَحةَ أيُّها الفُؤادُ ولا مُناطحةَ قد تَضطَرُّ الوَلَدَ لأن يُقلِّدَكَ وِسامَ بِرٍّ زائِفٍ . لا تقبل بوسامِ زائف ، بل صَيِّر العُمُرَ نَضَّاخاً لِلوَلَدِ مِن بَقايا أَطلالِ رَحَمَاتٍ راكِداتٍ لتزيِدَ من رَصيدِ رَحَمَاتِهِ فَيَضُخَها هوَ لِما وَلَد ، فَيَرتَويَا الوَلَدُ ومَا وَلَدَ , وأكتَفِ بِمُتعَةِ النَّظرِ مِن عُلُوٍّ لِلوَلَدِ ومَا وَلَدَ , ولا ضَير إن أَتَاكَ مِن الوَلَدِ دُعاءٌ يَنبِضُ ب : { رَّبِّ ارْحَمْهُمَا} لتَنقضَ به نَصَّ بندِ الحُكمِ : {كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} لا (كما رَحِمَاني صَغِيرًا).وفي ذاكَ شَفاعَةٌ وزيادةُ فَضلٍ من الوَلَدِ.
فأكرِم بِظِلٍّ حَميمٍ خَفيفٍ من واَلَدٍ لوَلد , وأنعِم بِقَولٍ كَريمٍ عَفيفٍ من وَلَدٍ لوَالد , وآنَئذٍ يَسعَدُ كُلُّ وَالَدٍ وكُلُّ وَلَدٍ وَمَا وَلَدَا.
ورَحَمَاتُ الرَّحمنِ أجملُ وأزكَى وأشمَل وأندَى من الوَلَدِ وَما وَلَدَ.
(رُبَما صَاحبي ذُو الخَريفِ كانَ مُحِقَّاً فيما وَلَدَ وَجدُهُ مِن كَلِمٍ , رُبَما)؟

شاهد أيضاً

من التراجيديا العراقية – اللبنانية
شعر/ ليث الصندوق

من بعدِ إطفاءِ الحرائقِ واقتيادِ دخانِها للأسرِ يرسفُ في قيودْ ما عادَ طبّاخو الجِمارِ يُتاجرون …

مروان ياسين الدليمي: اكتشاف الحب: اوراق من مدونتي الشخصية (ج/4)

إستيقظتُ في تمام الساعة السابعة صباحا،وفي الحقيقة لم يغمظ لي جفن حتى بانت اولى خيوط …

هارونُ الرّشيد في خطابِ مُتَلفَز
من عاصمة الرشيد– بقلم: علي الجنابي

أيُّها النّاس, إنَّ سيّدَ بغدادَ والأرضِ هارونُ الرّشيدِ يتحدّثُ اليكمُ, فألقوا السمعَ ؛ بسمِ الله …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *