لغة الأحلام
قراءة في قصص (بريد الآلهة)
د. قيس كاظم الجنابي

-1-
الأحلام لغة باطنية تحصل أثناء النوم، وهي مرآة تعكس الوعي الباطني للإنسان، ومحاولته التعويض عن حاجاته المفقودة، الأحلام في غالب الأحيان ،فتعد كشفاً للأسرار المضمرة التي نحاول أن ننفي ظاهراً تفكيرنا بها، والحلم رؤيا تزور النائم لتزويده بالحلول للكثير من الأسرار والألغاز، انها نافذة للطموحات والمعاناة، وعالم الأحلام الذي يشبه الى حدٍّ ما، عالم الأساطير وتعلقها بالهذيان والجنون والأوهام وكشف لكل ما هو محرّم/ محظور في الحياة ظاهراً، وهي وسيلة للتنفيس ووسيلة لاختراق كل ما تؤمن به الأديان، والثقافات، تختلط فيها الرؤى والرموز بالوقائع الحقيقية، لهذا أولت الديانات القديمة الأحلام اهتماماً كبيراً لأنه تعبير عن التنبؤ بما يحصل في المستقبل، من خلال الاشارات والعلامات والعلاقات التي تبثها ؛ فهي ضرب من الكهانة.
لقد أسس(ميرسليا إيلياد) المختص بالأديان والأساطير والمعتقدات ، في كتابه ( الأساطير والأحلام والأسرار) لموضوعات غاية في الأهمية هي أساطير العالم الحديث، وأسطورة المتوحش الطيب، والرمزية الدينية والقلق، والحنين إلى الفردوس لدى البدائيين، والتجربة الحسية والتجربة الروحية عندهم، وبعض أفكار الشامان، والرؤى الباطنية، وتجارب الحواس والوجود والسيطرة على النار، ورمزيات أحلام اليقظة والطيران السحري، وقداسة الأديان، وأسطورة الأرض الأم والزواج الكوني المقدس. فضلاً عن موضوع الأسرار الدينية والانبعاث الروحي، ونشوء الكون والأساطير الاسترالية.. وغيرها.
تنصهر هذه الموضوعات في بوتقة واحدة للتعبير عن رؤية فكرية نحاول التعبير عنها، من خلال الجمع بين دراسة الفكر البدائي والفكر المعاصر الذي يؤمن بالعديد من العقائد والأفكار في البلدان التي بدأت تتحسر، محاولين فهم طبيعة بنية المكان المقدس وما يوحيه من رموز تهدف الى تغيير طبيعة الحياة العشوائية والفوضى الكامنة في العالم، فتتعرض إلى رمزية (شجرة العالم) والشجرة الكونية بوصفها رؤية دينية للعالم وبالأيديولوجيا وعلاقتها بالأحلام. وهو في هذا وذاك يظل ملتزماً بأهمية دراسة الأسطورة بوصفها مرادفاً دلالياً للرموز والأحلام، بوصف الأسطورة نمطاً من التفكير يختلف عن تفكيرنا محاولاً دمج الأسطورة بالتاريخ العام للفكر الإنساني؛ ذلك لأن الأسطورة تحاول أن تعلن عن حضورنا من خلال الأحلام والتخيلات، وهي كالرموز التي لا تختفي أبداً من مجال الفعالية النفسية وفي حد ذاته يلتقي مع الشعر لان الابداع يحاول ان يلغي الزمان والتاريخ المركز في اللغة، ولان الشاعر يحاول اكتشاف العالم كما لو كان شاهداً على خلق الكون.
حاول الكاتب أن يلقي نظرة فاحصة على أسطورة (المتوحش الطيب)، وعادات آكلي لحوم البشر والرموز والذكريات الشخصية في الكشف عن رؤية دينية للعالم، وعلاقة ذلك بالديانة البوذية، والاعمال السحرية التي تلتمس الشفاء باستخدام السحر، كما في (قانون الكارما)، و(اليوغا) كتلاوة الأساطير والخلاص من الألم وغير ذلك.
أما الرمزية الدينية وتقييم القلق، فانهما يلجان الحياة الإنسانية المعاصرة ويربطان بينها وبين الأساطير، ويحاولان قراءة ملامح الهوس والجنون في العلاقات المتبادلة وفي ماهية القلق في الميتافيزيقيا الهندية في محاولة لاكتشاف الاحساس بالقلق من نهاية الإنسان وهو ينتظر موته الحتمي، في محاولة لإفراغ الموت من دلالته الدينية، مع العلم أن الموت يعد طقساً من طقوس العبور أو العودة إلى الفردوس. كما عبرت عنه أسطورة العودة الأبدية، وكذلك الشعوب البدائية.
وقد ألقى الكتاب ضوءاً على ممارسات الشامان، وعلى تأثير القرع على الطبل، وأداء الرقص، والشطح وما يعنيه في روح هؤلاء، ورمزية الحيوانات والنباتات والاشياء والأحلام وهي على علاقة وطيدة بالتجربة الصوفية، وممارسات السيطرة على النار والعلاقة الكامنة بين الأشياء والجسد، وكيفية وضع تصور كاف عن مكانة الروح في هذا الشأن.
أما التجربة الحسية والتجربة الروحية عند البدائيين فإنها تدخل في اطار الوحي والالهام والعلاقات السرية بالكائنات غير البشرية، وما للرؤى والأمراض من اشتباك غير منفصل مع هذه التصورات بما في ذلك حالات الوهن والمرض والجنون والخوف والرموز العشوائية والاشراق والرؤى الباطنية.. وغيرها.
ولهذه الاقطار علاقة واضحة بالحكايات التي تشكل جانباً من التقاليد الشفاهية، وبهذا استطاع الكاتب جمع الارث القديم والجديد في الكشف عن رمزية الأشياء والأفكار والحكايات بطريقة مبسطة وقادرة على الايغال إلى الأعماق لتفسير علاقة الإنسان بما حوله وما في داخله بوضوح تام، وهو يحاول الكشف عن القدرة والقداسة في الاديان من خلال (المانا) كما شكلت فكرة الأرض الأم والزواج الكوني المقدس محوراً مهماً من موضوعات الكتاب بجانب موضوع الروح.(1) والأسطورة بالتالي حكاية رمزية، نص تعود بداياته الى الشعر، والأحلام هي حكايات رمزية بإمكانها كشف المخفي من الأمنيات.
-2-
سقت هذه المقدمة من أجل أن تكون قراءتي لقصص (بريد الآلهة) للقاص الشاب ميثم الخزرجي مختلفة عن سواها من القراءات، اذ سأبدأ من قصة ( ما لا يدركه الحلم)، من خلال لغة الأحلام التي يطرحها القاص؛ فبالرغم من أنه يستعمل لفظة (حلم) استعمالاً مجازياً اشكالياً يريد به بعض الأحيان الأمنيات ،وهو استخدام مجازي حقيقي، لأن الحلم هو رؤيا ،وهذه الرؤيا تكون أما من قبل الله أو من قبل الشيطان أو أضغاث أحلام( أي اختلاطات مرتبكة)، وهو لدى القاص تعبير مجازي يجمع بين أحلام النوم وأحلام اليقظة، وكلها تصب في رافد العلاقة بين الحلم والنبوءة، ولا بدّ أن نعرف بأن الحلم هو حكاية تسرد على النائم، صورياً وأشبه بفلم سينمائي ؛ وهذا يعني حضور الصورة حضارياً وغالباً ما يقترن الحلم بالصوت أو الأصوات المتعددة فيصبح نوعاً من الصخب والضوضاء، واللم يحمل معه تفسيره ، ورمزيته، فهو سر مفلق أو لغز لا يمكن فكِّ مغاليقه.
والحلم في هذه القصة ، حكاية من حكايات متعددة ، هي تمام السلسلة الذهبية التي تتواصل لإنتاج القصة القصيرة، ولأن الأحلام هي حكايات، فإن الحكاية في الموروث الشعبي تتعلق بالماضي / الذكريات، وحكايات الجدات في الليل، أو حكايات تنويم الأطفال، والتي هي نوع من التغييب عن الوعي؛ ولهذا يصف هذه الأحلام بأنها ” هي ظلال شرهة لأحداث تتسع للمشاكسة”.(2)
وبالفعل فإن الحلم هو ليس ما هو ظاهر/ حقيقي ،وإنما هو ظلال / صورة للواقع الباطني للإنسان، وهذا يعني أنه يعي تماماً العلاقة بين الحلم / الخلاص وبين الحرمان/ الأزمة، فالحلم نوع من التنفيس عن الحاجات الحياتية مثل (الجنس/ السياسة/ الدين)، أو الممنوعات الثلاثة، في الشرق العربي، ومن هذا المنطلق جاءت قصص (بريد الآلهة) مقترنة بالماوراء/ الآلهة ،وليس بالبشر بشكل مباشر، وأما البريد فهو جملة مسافات متتابعة ،وقياسها زمني ومكاني، إذ تذكرنا هذه المجوعة بقصص فرج ياسين (بريد الأب) حيث يعد الأب واحداً من الآلهة لأن الشعوب عبدت أسلافها في العراق وغيره.
ومن جانب الحرمان اقترن الحلم بقبلة (ميادة)، البنت المدللة، وبالوعي (قراءة فلسفة سارتر)، وبالسينما/ المشاهد الممنوعة، ولأن الحلم خيال محلق ، فإنه يتعرض للرفض، أو يتحوّل الى كابوس، ونستطيع أن نقرن الكابوس بالشر أو بالخوف، وهو الذي يسمى (السحر الأسود)،أو السوداوية، ذلك أن سواد “الشر” شائع عند العرب ذوي السحنة السوداء، فهو يرمز للظلام والليل والسحر ، فهو بالتالي ذو صلة بالعمى والالحاد عند المسيحية ،وربما بالجنون.(3)
وهذه القصة تدعونا للعودة الى قصة العنوان (بريد الآلهة)، والتي تبدأ بعبارة أسطورية عن الاله (أنليل) حيق يقول عنه القاص:” هل هي معصية من الاله أنليل عندما رفس أباه الاله آن ليبتهل بعرشه الذي فسّر على أنّه مصدر لحكمة مقدسة لا تخلو من نزعة التأويل المغلقة بالشك مستعيناً برؤيته الكونية الماسكة بالقدر البشري لبعض النوايا” حيث الأسئلة المشاكسة والمناجاة للخلاص من ” السر المشؤوم على الرقيم أو ما تسرّب من الطين”.(4)
-3-
ومن خلال ما سبق نتساءل:
– لماذا تمثل قصة (بريد الآلهة) استمراراً لمنظومة الحلم؟
– ولماذا قتل أنليل أباه مثل أوديب ، حيث من المحتمل أن تكون هذه الأسطورة هي التي رحلت الى بلاد اليونان ،وأعيد انتاجها في أسطورة أوديب؟
– لماذا يقترن الحلم بالقربان ، أو بالأضحية في الديانات الابراهيمية ، كما في حلم النبي ابراهيم في ذبح ابنه فداء للكعبة ،ولماذا قدّم أنليل – كما في القصة – أباه قرباناً ،وكذلك أوديب؟
إن كلمة (إن ليل) تعني سيّد الفضاء ، أي سيد الأحلام، وكذلك كلمة (إن كي) تعني سيد الأرض، أي الرحم والموت( المدفن)، وقد عُرف الاله (أنكي) باسم (أي يا) ،أي (بيت الماء). وهذا الاسم يحدد وظيفته بمياه سطح الأرض ،وليس بأعماقها. رمزه الرقمي ( أربعون) . ونفترض أن كلمة (أربعينات ) المطر في الشتاء وصلتنا من هذا الرمز.(5)
تتحرك هذه القصة باتجاه الأسرار، والإله نمو (من الآلهة السومرية) التي تقترن بالولادة، حيث كانت بداية نشُأة البشرية، والسر المزعوم، الذي يرمز ربما الى سبب طرد آدم من الجنة، لأنه كما ورد الينا عبر التوراة أن الجنة كانت تقترن بالجنون، أو السحر الأسود، أو برموز الماء والطين حيث تبدو تجليات الإله (أنليل) والنزول الى العالم السفلي (أعماق الأرض)، لأنه يعتقد بوجود انزياح أسطوري، أو لغة محرّمة والتي تتعلق بلغة الآلهة، لأنه كانسان عليه أن ينصاع لما تريده الآلهة، وعليه أن يمتثل ” الى طقوسهم وعاداتهم وتقاليدهم” وأن يقدم لهم “القرابين” لترضيتهم لها واتباع ” مراسيم الكهنة ومعابدهم لإنصاف من تزعم الربوبية في صناعة القرار”.(6) والعراق واحد من البلدان التي كثرت فيها الزقورات والكهنة والأرباب، وساد فيه حكم الملوك – الكهنة ،وقد سادت هذه الاعتقادات في الحضارات السامية، ولغة القاص تحاول أن تتماشى مع لغة الأحلام هذه ،وقد تكون هذه القرابين هي الانسان نفسه، فقد ساد في بلاد كنعان وفي بلاد العرب أيضاً، تقديم الأضاحي من البشر ، الى جانب قرابين الحيوان المألوفة، فقد كانوا يقدمون القرابين من الأطفال عند تشييد المباني، وكذلك كان العبرانيون يقدمون الحملان في الربيع في احتفالاتهم، والرواية العبرانية ترتبط بخروج العبرانيين من مصر، فصار عيد الفصح يتصل بأكل الخبز دون خمير (أي دون تخمير).(7)
لقد جعل القاص الإله (أنليل) صاحب سلطة كبيرة يمنح الملوك الصولجان، رمز الاستبداد، و هو في تفسير الأساطير التجسيد الاجتماعي لمفهوم الارتفاع، ولكن عصا الملك هي أيضاً عضو التذكير، إذ يبدو من الضروري أن نضيف الى السيادة السامية المفهوم الأوديبي للإله الأب، الإله الذكر ونحن ندرك بالتأكيد أن تعميم عقدة أوديب مجازفة كبرى.(8)
فالقصة تتحدث عن السلطة السياسية ، من خلال عقد توازنات بين الآلهة / الأساطير، وما يوازيها في الوقت الحاضر، وهذا ما أربك طبيعة السرد في القصة ، بين التضمين/ التناص غير الصارم للأسطورة واستقلال السرد القصصي ونموه الطبيعي وتدفقه.
-4-
لقد تمثلت السلطة بالأب – الإله، وسلطته المنظورة أو غير المنظورة، واستخدام الحلم لإزاحة الواقع، وتأسيس رؤى خيالية مجنحة، بعيدة عنه، ولن تكون هذه السلطة لوحدها ؛ فهي مرتبطة بالجسد الانساني ، جسد اللذة وسرير الرغبة، ذلك أن أوديب قتل أباه وتزوج أمه، فجسّد لدى القاص (الاسئلة المحرمة )أو (اللعنة المحرمة) التي تتوغل نحو خفايا العلاقة الشبقية ، وهذا ما تفسره القصة الأولى( مصادفة لا يقبلها الصفح)، وهي قصة ذات طول نسبي، بالمقارنة مع القصص الأخرى، والتي جعلها على خمسة أقسام، حيث يبدأ المقطع الثاني من القسم الأول منها مع شخصية (مرهون) التي يحيل اسمها الى الحجز، أو شلل السلطة وكبح جماح القوة المادية والجسدية ، فتكون البداية معه في الليل ، ليل الأحلام ، فيقول:” وفي ليلة راكسة بالنوم والظلام اعتزم مرهون على غير موعده لنقل الثمر المصفوف الى محاجر السوق”.(9)
وفي هذا النص ، ثمة اشارة الى وجود الظلام والأحم، فالركوس هنا يعني التوغل بالنوم، بينما يرتهن (مرهون) بقدره مع زوجته (مرزوقة) وما يعني اسمها من انفتاح الرزق وعدم ارتهانه في علاقة ضدية بين الرجل والمرأة، وبين الخصاء والمتعة، ولكن كانت لعبة مع جسدها في المتعة يفضحها مرهون حين يقبض على رجل يعتقد بأنه لص، ولكنه لص من نوع آخر لص جسد ،فلا ” يفصح سر الليل غير حزم الضياء المعلنة”.(10) وهذا يفضح تأويله لـ( غائرة الفضيحة)، التي كانت تطال مرهون الحمال؛ والتي تقترن بحفلات الغجر في المدينة، وبسوء الطالع ، وهنا تتصل حكاية مرهون بالحورية، حورية البحر التي سرقت حصانه؛ وللحصان دلالة خاصة لأنه رمز الوقت، ومرتبط بالحسابات الطبيعية للزمن، فهو في الأساطير الهندية ، صورة للزمن فتكون السنة جسده والسماء ظهره والفجر رأسه، وهو ينتقل من رمز أرضي مرتبط بالموت الى رمز سماوي صرف حتى يصبح قريباً للطائر في الصراع ضد الثعبان.(11)
ومن هنا تبدو سرقة الحورية لحصان (مرهون) اغتصاباً لعمره وفحولته، والاغتصاب هنا جاء بطريقة مقلوبة، هي حرمانه من جسد زوجته (مرزوقة)؛ بينما تمثل الحورية صورة للطائر الذي ينتصر على الثعبان، أو على اللص الذي كان يراود مرزوقة، في ظلام الليالي / زمن الأحلام المسروقة، علماً أن الطائر لدى العرب هو كائن (الهامة) الذي يمثل روح القتيل ويبقى يحوم حول أهل المقتول حتى يأخذوا بثأره، والثأر هنا هو ثأر مرهون من غاصبي جسد زوجته الذي حرموه من معاشرتها وأورثوا في العجز؛ وربما يعود بنا هذا الموقف الى شخصية (أنليل) وزوجته والى دور العرافين والسحرة، وذلك لأن” تعرض زوجها من شرخ لهاجسه الذكوري إمعاناً لحادثة البستان المسكون”.(12) ثم يستمر الحمال مرهون في رشف أحلامه؛ بسبب الحورية (الجنية الماجنة)، حيث تبدو حياة الناس مرهونة بالغيبيات والآلهة، حتى تصبح مرهون ” لا يحسن من إخماد النار المشتعلة لدى أنثاه”.(13) وهنا يبدو الحرمان الجنسي مقترناً بحرمان الحياة نفسها، ويبدو الجنس المعادل الموضوعي للسلطة ،أو للحرمان الذي تسببه السلطة، وهي سلطة الكاهن/ الدين؛ لهذا تحاول مرزوقة الاحتيال على الصبي (سعد) حتى لا يفشي ما رآه من صلاتها الجسدية مع الرجال، ليكون جواب (سعد)” كنت أرقب القطة التي أكلت فاختتي”.(14)؛ وهذه صورة موازية للحرمان والخديعة ، فالقط رمز لسرقة حق الآخرين، أو لسرقة السلام واعلان الحرب بصورة مضمرة، لأن الحمامة رمز للسلام.
يحاول القاص أن يعمل على تحقيق التنافذ بين حياة الانسان وحياة الحيوان، مثلما يحاول أن يحقق ذلك بين القصة والمشهد السينمائي، أو بين القصة والرسم التشكيلي، محاولاً تعويم نصوصه بعيداً عن التجنيس والصفات ،ويجعل السرد متنقلاً بين سرد الأحلام ،وسرد الأسرار والألغاز، ويديم الصلة بين سرد الآلهة وسرد البشر؛ لكي توفر فضاءً أكثر سعةً ، ولكن لغته تبقى لغة محلِّقة في الأعالي، تحاول أن ترسم لها صورة خاصة، وان كانت تعاني من عوائق ربط بالماضي الأسطوري والحاضر المتصدع، فينتقل من التوظيف المقبول الى التوظيف غير المقبول، أو من التناص العادي الى التناص المستغرق في رحم القصة، رحم الرموز والحكايات ،أو من السرد عبر اللغة القصصية الى السرد المرآوي/ الحلمي من خلال العلاقة بين اللوحة والقصة؛ فهو يصف (رؤوف) بأنه ” راح يحلّق بعيداً ليمارس طقسه الكوني حاول أن يرسم شخصاً ببذلته الجميلة وقوامه الرشيق غير أن فرشاته توقفت عند ملامح ذلك الشخص”.(15) فالعجز عن مواصلة الرسم سببه عجز عن ربط الحكاية باللوحة، وربما عجز بسبب عفوية الجمل السردية، ولا حرفية الكتابة نفسها؛ ذلك أن الجمل السردية تشير الى حدثين على الأقل، منفصلين زمنياً بالرغم من انها تكتفي بأنها تصف (وقد تدور حصراً حول) الحديث الأول الذي تشير اليه.(16) فقد كان (رؤوف) في قصة (الغرفة) في ساعة متأخرة من الليل، يحاول أن يرسم ،ولكنه يفشل، وهنا يداهمه فضاء مختلف هو (غرق الأشياء في التيه)،ولم يقل ما هو التيه؟ ثم يفسر ذلك بالقول:” ماذا يعني أن تحيا في الفراغ وتمارس نفسك في الظل”.(17)
أو لنقل يداهمه (الفناء) في الذات (النيرفانا)، التي تحصل لدى بعض الديانات أو لدى المتصوفة؛ والفناء هنا هو فناء الجانب المادي من التصور الانساني، ولكنه يتمادى في ذلك نحو الشطح، محاولاً (الفتك في حدود المكان)؛ مما يجعل وحدة الزمان في القصة القصيرة لديه حلمية/ هلامية تتشتت بين الماضي والحاضر، ليبدو (مرهون) مثل شخصية مرهونة بالمتغيرات أو التحولات السريعة، يفجرها الحدث، وليس النمو العضوي للبناء السردي، وكأن الأنسان لعبة بيده، وليس شخصية نامية متطورة لها سيرة تتكون من بداية وسيرة ونهاية( لها آمال ونهايات)،ولكنها لها أحلام ورؤى محبطة، متناهية في التلاشي ، وهي مع ذلك تصر على الاستمرار والحضور، لأنه يبحث عن خلاص ،أو عن الباب.
-5-
تعد قصة (لنعد الى الباب) استكمالاً لقصة (الغرفة) التي سبقتها، حين كان يبحث فيها عن (مكان الباب)؛ فلماذا هذه العودة الى الباب؟
الباب هو النافذة المؤدية الى المنقذ ،أو من يحمل علمه ويدلّ عليه، والباب هو باب الغرفة وباب البيت، وباب السجن وباب الدخول الى الأبنية والعمارات؛ وهو الفضاء الموصل بين الجدران والمجال الخارجي، والباب له صلة مباشرة بالبيت (الذي وصفه باشلار)، بأنه جسد وروح، وهو عالم الانسان الأول ،وهو يرتبط بالأحلام ،والذي يشعر فيه بأحلام يقظتنا ودفء الأم، انه يحكي الطفولة ساكنة ” بين ذراعيه”؛ لأنه مركز الذكريات.(18) وذلك لأن الباب هو المكان الموصل الى الغرفة في جدلية الداخل / الخارج، حيث كانت العلاقة بين اللوحة ومزاج الرسم تنبعث من فضاء الغرفة ، غرفة المرسم ، فكان تصوره المرآوي شاحباً، وهو ” يباشر بين التفاصيل لرسوماته المكررة ، كان يصاب بحالة من العجز بأدواته عند تجسيد ملامح الوجه، لينحسر وبصيرته للنفاذ من هذه المحنة، مستعيداً بدلها ملامح وجهه ليبذرها، وكما الحال عند كل لوحة ارتحلت أنامله اليها”.(19)
فالعلاقة بين الوجه، ورسم الصورة علاقة محيرة، أو جدلية مستمرة، بين الباب والداخل، وان الباب هو ” أحد صور النصف المفتوح الرئيسية، أصل حلم اليقظة بالذات الذي يجمع بين الرغبات والغوايات: الاغراء بفتح الأعماق القصوى للوجود والرغبة وقهر الوجود المتكتم. الباب تخطيط لإمكانيتين قويتين، تصنفان بحدة نمطين من أحلام اليقظة. في بعض الأحيان تكون مغلقة، متربة. وفي أحيان أخرى يكون مفتوحاً ، مفتوحاً الى أقصى حدّ”.(20) وهذا ما يجعل الباب وسيطاً رمزياً للإبداع، لهذا بدت قصتا (الغرفة، لنعد الى الباب) مثل مشهدين صغيرين من قصة واحدة، تلفتان انتباهه الى الجنون، والبحث عن فكٍّ لرموز خفية، تعود به الى الماضي/ الذاكرة ، فكان يتثاقل في سيره و” كأنه في غرفة صغيرة محكمة الاغلاق”.(21) في عودة الى رحم الأم، المكان السري المغلق، الذي يظل قابعاً حتى تحين ساعة الخلاص؛ ومن هنا فإنّ الباب هو كناية عن الفرج/ الجسد والاتصال الوجودي بين الذكورة والأنوثة، وهو العتبة بين تصور الزمان في السرد واعادة تصويره من خلال السرد . وبهذا المعنى ، تشكل اذا استخدمنا التعبير الذي تعمدت استخدامه مدخلاً لمشكلة اعادة التصوير.(22)
-6-
وفي قصة ( صراخ متئد) تبدو الأزقة الضيقة والجدران المتهرئة شبيهة بالسجن، واحلامه غائرة، والمرتبطة بذاكرة التمرد، ومغامرات المجنون، تشيع فيه أجواء الشيخوخة ،والقاص يسرد هذه القصة عبر ضمير المتكلم (أنا)، ولكنه لا يسمح لفضاء الواقع أن يتسيّد بين آونة وأخرى من خلال استخدام ضمير الغائب بصورة غير مباشرة؛ فكان لأبناء المكان حكاياتهم، الذين يعرفهم السارد من ” وجوههم المتخمة بخطوط متعرجة مضمونها الألم”.(23)
والسارد الشاب مراهق في الخامسة من عمره، بمعنى أن القاص يستثمر السنوات الأولى من حياته في تدوين أحلام اليقظة التي أرّقت كيانه، حينما يتفحص بيوتات المكان، ومجنون الحي، وأبجديات المكان، من أجل المكاشفة ، أو كشف خفايا الذات ،وهذا ما يبدو على قصة (صرير الأمكنة) التي تذكرنا بقصة جليل القيسي (فتاة مجدولة بالضوء) من مجموعته (مملكة الانعكاسات الضوئية)،، حينما يقول: ” أن روحاً انفرجت عن محبسها وراحت تجوس المكان عند كل ليلة”.(24) ثم لتجعل هذا المكان (ملاذاً للرعب أو محطة من الوهم)، وهذا ما يحصل في غالب الأحيان في الليل ، في عودة الى ذكريات مشوبة بالتوقد الجنسي، مقترناً بالسرد، أو الحكايات التي اختزنتها (ربة الجمال)، عشتار الشرق، وأفروديت الغرب، عندما يقترن الخصب بالشبق، والنهر بالجسد ،وأحلام الخصب من خلال شخصية (هديدة ابنة عواد المرزوق)، حيث تنقلب وظيفة النهر من الخصب الى القتل، فقد ( تحول النهر الى شبح يقبض الأرواح)؛ وهذا ما خلق نزعة الثأر منه، فتتفجر من خلال هذه القضية محاولة لإنتاج نوع من العلامة ،وهي الوشم كعرف اجتماعي / علامة على أصالة الشرف، وهذه لعبة مكانية هي أقرب الى الأحلام، وتصوراتها ،وهي علامة دالة تشير الى طفولة الاتصال بين البشر من خلال استخدام النقوش والخربشات ، ثم جاء دور الكتابة لاحقاً، ولكن الوظيفة الأساسية للنهر وهي الخصب، فالقصة انتقلت من الضارة الزراعية الى حضارة الجسد الانساني، وخصوصاً تخصيب أجساد النساء، ومن أصبن بالعقم، فقد” أصبحت الأنظار المرتبكة تُفصح عن تسربها خارج الزمن، أصبح النهر ملاذاً لمن عقرت عن الانجاب لتوقد النذور .تهاليل الشمعدان إكراماً لقداسة (هديدة) وتثميناً بما لحقها من حيف وتجنٍ”.(25) حتى صار النهر يعرف باسمها ، لقد صارت (هديدة) كعشتار رمزاً للأم الكبرى، مانحة الخصب والأرض المنجبة ،وقد عالج القاص قضية المكان/ النهر المسكون، الذي يلتهم أجساد النساء حين يغضب، كما في أسطورة وفاء النيل لدى المصريين، والنهر رمز قمري ،وتعبير عن حركة الزمن، له صلات بالحيض والاخصاب، ففي أمريكا الشمالية ثمة مرض يسمى (المرض القمري) تتعرض فيه الآلهات الانثوية الى أمراض النساء، فيقولون عنه لقد جاءته العادة ، فحصل تزامن بين العادة الشهرية للمرأة ودورة القمر. ومن هنا تجعل بعض الأساطير القمر (كحيوان قمري)،وفي الاسكيمو لا تحدق العذارى بالقمر أبداً لئلا يحبلن، وفي بعض الأساطير يضاجع الثعبان النساء بصفته حيواناً قمرياً.(26)
ويمكن أن نعد قصة (الهاجس) استكمالاً لقصة ( أسئلة محرمة) لأنها تستند الى جدلية واحدة هي جدلية الأسئلة الغامضة، حيث تشيع الألغاز التي تفسر شفرات الحكايات ،والأسئلة المتمسكة بالنار، والنار رمز وجودي وذكوري، لا يمكن الاستغناء عنه ، ولها صلة بالنور والقمر والنهر والتراب؛ فقد استخدمت الوثائق التي تدلّ على استعمال النار ،وهي تعود لحوالي ستمائة ألف سنة قبل الميلاد، ولكن المرجح ان التأهيل للنار كان قد وجد قبل ذلك وفي أماكن مختلفة.(27)
وحيث تشيع عن المدينة / المكان أحكام لكن الأحلام لطمرها في النار، وحيث الرموز والألغاز والسحر، والتابو (الحظر)، بحثاً عن المنقذ ،أو الباب لدى بعض الفرق المهدوية؛ فإذا كانت الأسئلة مشؤومة وموجوعة والأماكن محرمة، والمكتبة مشؤومة، فإن ثمة رجلاً ما ” يزعم على انه مصاب بالهوس، وانه من أهل النار”.(28) وهو كما سماه الرجل اللغز، الذي يقودنا الى (سوادي الحلاق)، وابنته الهاربة، حيث تشيع ثقافة الفضائح ، بعد أن كانت ثقافة الرموز هي السائدة، مثل فضيحة النهر وفضيحة مرزوقة؛ ولهذا استخدم القاص تقنية الهامش لتفسير المتن في قصة ( أسئلة محرمة)، للبحث عن جواب للسؤال المشؤوم، في قصة ( هاجس)، التي يغدو فيها الصمت نوعاً من البلاغة، مثله مثل لغة الأحلام، التي تحتاج الى من يؤولها ويكشف خفاياها، من خلال القراءة الأمينة لرمز النور الذي يكبح جماح الظلام، ويزيل اللثام عن الرموز الخفية الكامنة في أعماق الأشياء.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ينظر: الأساطير والأحلام والأسرار : ميرسيا ايلياد، ترجمة حسيب كاسوحة ، وزارة الثقافة (دمشق ، 2004م)،ص73-75.
(2) بريد الآلهة: ميثم الخزرجي، دار الرواد المزدهرة ، منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب (بغداد، 2019)، ص36.
(3) ينظر: الأنثروبولوجيا رموزها أساطير أنساقها :جيلبير دوران، ترجمة مصباح الصمد ،المؤسسة الجامعة للدراسات والنشر( بيروت 1411 هـ/ 1991م)، 67-69.
(4) بريد الآلهة، ص 48.
(5) البنية الذهنية الحضارية في الشرق المتوسطي الآسيوي: يوسف حوراني، دار النهار(بيروت، 1978م)، ص193.
(6) بريد الآلهة، ص 58.
(7) الحضارات السامية القديمة : موكاني، سبتينو، ترجمة د. السيد يعقوب ، مراجعة د. محمد القصاص(دار الرقي، بيروت، 1957م)، ص129، 149.
(8) الأنثروبولوجيا رموزها أساطير أنساقها ، ص112.
(9) بريد الآلهة،ص8.
(10) بريد الآلهة، ص10.
(11) الأنثروبولوجيا رموزها أساطير أنساقها ،ص53.
(12) بريد الآلهة، ص12.
(13) بريد الآلهة، 13.
(14) بريد الآلهة، ص16.
(15) بريد الآلهة، ص 22.
(16) الزمان والسرد، الحبكة والسرد التاريخي : بول ريكور، ترجمة سعيد الغانمي وفلاح رحيم، مراجعة د. جورج زيتاني، الكتاب الجديد المتحدة( بيروت،2006م)،1/230.
(17) بريد الآلهة، ص 22.
(18) جماليات المكان: غاستون باشلار، ترجمة غالب هلسا، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، ط2(بيروت، 1404هـ/ 1984م)، ص38-39.
(19) بريد الآلهة، 21.
(20) جماليات المكان، ص200.
(21) بريد الآلهة، ص23.
(22) الزمان والسرد، 3/9.
(23) بريد الآلهة، ص28.
(24) بريد الآلهة،ص41.
(25) بريد الآلهة، ص46-47.
(26) الأنثروبولوجيا رموزها أساطير أنساقها، ص77.
(27) تاريخ المعتقدات والأفكار الدينية : ميرسيا إلياد، ترجمة عبدالهادي عباس، دار دمشق، ط1( دمشق، 1986م) ،1/ 16.
(28) بريد الالهة، ص78.

شاهد أيضاً

شوقي كريم حسن: محمد الاحمد.. السرد المشوش؟

*الاضطراب الذي يصاحب الافكار، وبحسب ما يشير يونغ، انما هو غياب تام لتحديات الوعي، وبلبلة …

صباح هرمز: رواية بيريتوس لربيع جابر

تبدأ الرواية بالسرد الذاتي على لسان الشخص المزمع أن يكتب هذه الرواية، بوصفه روائيا معروفا …

جغرافية المكان في الشعر العراقي
قصيدتا الشاعرين: الزويد وسرمد أنموذجاً
بقلم: د. وليد العرفي

تهدف هذه المقاربة إلى دراسة دلالات المكان بما يحمله من إشارات رامزة ومضمرات تكشف عن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *