في التقويل الشعري
في نصوص الشاعر الشعبي العراقي فلاح السيد
كتابة : علاء حمد – العراق

إشارة :
أمام هذا النشاط الثر والمُثقل بالأطروحات الجديدة للناقد العراقي المبدع “علاء حمد” لابُدّ من تقديم التحية له على هذه السلسلة من الكتب والدراسات التي تحمل بصمة نقدية مُميّزة وسمة أسلوبية خاصة ، والأهم هو وفاؤها للابداع العراقي ورموزه التي تعاني قلّة الاهتمام من نقّاد وطنها برغم علوّ كعب منجزها. تحيي أسرة موقع الناقد العراقي الناقد علاء حمد وتشكره على ما يخص به الموقع من دراسات وتتمنى له الصحة الدائمة والإبداع المتجدد.

صرخة الشعر الشعبي العراقي ومؤثراته المباشرة تقع على قوة القول الشعري وصوره المتواصلة، والتي تصل إلى حدّ الدهشة، وفلسفتها التي تعوم على السمعية قبل القراءة؛ لذلك فالقصيدة تعتمد على قوة الموسيقى وقوة الإيقاع الداخلي والخارجي؛ فيرسل النشاط الكلامي لفعل القول، ليصبح لدينا، المرسِل بحالته النشطة التواصلية، فالشعرية بهذا الاتجاه لاتتوقف ولا تمنعها التفكرات التي تطرأ على بعض الشعراء عند التأليف والترجمة. إنّ فعل القول يقوّل الكلام الخارج من ذات الشاعر، ليكون خارج المقيد، بل ينفتح على التمديد والامتداد، ليس فقط في الجانب الموسيقي والإيقاعي، بل في جوانب التصورات ومنح مساحة أوسع للصور الشعرية وابتكارها في قصيدة الشعر الشعبي العراقي.. وعادة تفيض الصور الشعرية بالحزن وقوة الصبر وطابع الحكايات المتداولة والأمثال الشعبية التي يديرها الشاعر بمهارته الشعرية من خلال التجربة التي يمتلكها، حيث تكون قوة إضافية لتلك الصور الممتدة على بعضها في النصّ الشعري..
لقد ظهر في العراق شعراء شعبيون لهم وزنهم الشعري وشعبيتهم، وذلك لامتثالهم أمام قوة المعاني والتأويلات وقوة الصور الشعرية وكيفية توظيف المفردة، والشعر الشعبي الجنوبي خير شاهد على تلك القوة الشعرية وتسخيرها في المجتمع العراقي.. وأتذكر أبان السبعينيات ظهور مظفر النواب والذي شاع صيته من خلال ديوانه الوحيد ( للريل وحمد ) وفيما بعد أبو سرحان (ذياب كـزار )؛ وكذلك عزيز السماوي وعريان السيد خلف والذي اشتهر بقصيدته الشهيرة ( ردي ردي )، وكاظم اسماعيل الكاطع والذي ظهرت قصائده مسجلة بتاريخ قبل السبعينيات؛ مما شكلت هذه النماذج ثورة شعرية في بغداد – العراق، والشعر الشعبي العراقي لاجدال عليه وانتماؤه إلى اليسار العراقي بشكل خاص ويعارض السلطات التي تناولت الحكم في بغداد..
طالما نحن في أحضان الجنوب العراقي وتميز المفردة الجنوبية في الشعر الشعبي، فنحن مع الشاعر العراقي فلاح السيد، والذي امتازت قصائده بقوة الفعل الكلامي والصور الشعرية التي تمتد على بعضها وذلك لتخزين المعاني وظهور قوتها في القصيدة، وكذلك قوة الموسيقى والإيقاع حيث تجعلان القصيدة قابلة للحن والمداولة وذلك لسهولة حملها دون معاناة ..
تعتمد المفردة الشعرية في الشعر الشعبي العراقي على تشكيل السكون بشكل كبير، وذلك لما يتطلبه الشعر عادة كونه باللهجة المحكية الدارجة، وتنتهي الشطور بقافية قوية تهزّ المتلقي وتؤثر في ذاته ، ويتلقفها الأخير كأنها وجبة دسمة لايستطيع تفويتها.. والشعر الشعبي العراقي له المعطى الحسي الحاد وذلك لظروف العراقيين والمحن والحروب التي عاشوها بمرور الزمن والتاريخ…ولا نستغرب علاقة العنونة مع جسد النصّ وانسياب الأخير نحو المشاعر والأحاسيس المتحركة من نواحي عديدة ومنها الحسية الداخلية وتأثير المحسوس عليها، والحسية البصرية وتأثير المشهد البيئي عليها، وكذلك السمعية .. كلّ ذلك لايجعلنا نبتعد، كون المعطى يكون حدّا فكريا يوازي تفكرات الشاعر ونظريته التي يؤمن بها عادة وثقافته الخاصة..
غبت عني وتنيتك
وانكسر مگفاي
لامنك رساله
ولا لگيتك جاي
تعبني أنتظارك
وانه ميت شوگ
عليش مكابرك
ياترف بس وياي

من قصيدة : أنتظار – الشاعر فلاح السيد..
عادة يطرح الشاعر قوله الشعري ضمن القول الخاص ولكن بدلالية مشتركة، وهذا مانلاحظه في نصوص الشاعر العراقي فلاح السيد، وهو يقودنا بمقاطع متكاملة لكي يستطيع أن يكمل فعل القول المحدد والذي ينتهي بقافية تلائم المتلقي وتترسخ في بنيته الذاتية كخطاب نوعي له مآثره بينه وبين الباث..
غبت عني وتنيتك + وانكسر مگفاي / لامنك رساله + ولا لگيتك جاي / تعبني أنتظارك + وانه ميت شوگ + عليش مكابرك + ياترف بس وياي
نلاحظ كل مقطع له استقلاليته؛ وتحده القافية في نهاية المقطع، مما يبين للمتلقي بأن الشاعر توقف هنا، ولكن تمتد المعاني من مقطع إلى آخر، وتشكل قوة إلقائية من ناحية الإيقاع، وأستطيع القول أن المقاطع المعتمدة أخذت صيغة المعرف والمعرف به.. فالمعرف، هو تعريف قصدية الشاعر وما يرغب من طرحه ضمن القول؛ بينما المعرف به، هو المعاني التي اعتمدها الشاعر فلاح السيد في قصيدة انتظار..
في الشعر الشعبي العراقي، واردة جدا صيغ التعريف، حيث ترسم بهجة إضافية إلى بنية الجملة الشعرية، ويكون الشاعر بصيغة المخاطِب، ويحده أمامه المخاطَب.. ويتم تسوية الخطاب ورسمه على صيغة رسالة تذهب للمتلقي..
وينك أنته
بيا صبح الگاك
واترس بيك عـيني
وانه متبدي اعله
گــد ممشــاك دمعه
وجدمي يتعثر بطيني
ناطرك خفگة جنح مكسور
كــون الله ويرف گلبك
يهل مبعد تجيني
خاف من تشوفني
يندار وجهك
ضيعت عرفك چنت
شوگي وحنيني

من قصيدة : جنح مكسور – الشاعر فلاح السيد..
الصورة الشعرية لدى الشاعر فلاح السيد على شكل باقة، وتتعدد الباقات لديه وتتواصل المعاني لكي تكون انتقالات امتدادية، فالمعاني تكون لديه ضمن المعنى المقصود؛ لذلك يتم الانسجام مع العناصر المغايرة للنصّ، لتشكل الذات مساحة واسعة كي تحضن تلك المعاني المنظورة ..
وينك أنته + بيا صبح الگاك + واترس بيك عـيني
وانه متبدي اعله + گــد ممشــاك دمعه + وجدمي يتعثر بطيني
ناطرك خفگة جنح مكسور + كــون الله ويرف گلبك + يهل مبعد تجيني
خاف من تشوفني + يندار وجهك + ضيعت عرفك چنت + شوگي وحنيني
نلاحظ من خلال الشاعر وتفاعلاته في القصائدية بأنّه يمتلك مرجعية في توظيف تلك السلال والتي تكون على شكل صور شعرية انفصلت الواحدة عن الأخرى، ومرجعيته هي اللغة قبل كلّ شيء وكيفية تحويلها إلى لغة شعرية إبلاغية قبل أن تكون وصفية، والمهمة الثانية التي يعتنقها الشاعر العراقي فلاح السيد موضوعة القافية كمرجعية مهمة تحدد له نسق السلال الشعرية.. المهمة التي تهمنا هي، بين السياق والموضوع، لذلك تنساب اللغة بين يديه وتصبح لغة سهلة التناول وتبعث الأريحية عند سماعها.. ليس بمقدور أي قراءة الشعر الشعبي بصوت مسموع إلا إذا امتلك الخبرة والدراية وكيفية الدخول إلى اللهجة المحكية قراءة وليست سمعا، وهي من الأمور الصعبة لدى شاعر الفصحى أو الإنسان الذي لايمتلك تلك الخبرة والدراية في الإلقاء والقراءة وفي الاندماج مع سلال القصيدة المتوزعة..
كلّ نصّ نتعامل معه كشبكة من الاقتباسات والاتصالات والاستعارات والتحولات، حيث يتبيّن بعضها من خلال توظيف الصور الشعرية وبعضها تكون ضمنية، وفي نفس الوقت تظهر عمليات التدليل، ويتوزع المدلول على تلك السلال الشعرية بتواصلاته واندماجه مع المقاطع المعتمدة، فيجتمع الدال والمدلول لتكوين الدلالات التي تتبين المعاني محمولة من خلالها …
الشاعر العراقي فلاح السيد، ومن خلال النصوص التي نقلناها، يتبين لنا أن ليس هناك فهم الأشياء والنظر إليها بأنها قابلة للتحولات والاختلافات، بقدر ما يكون هو المخاطِب الأول، أي يعيش تلك الأشياء المنظورة في القصائدية، حيث تكون قوة التفاعل أقوى من النقل الذاتي أو النقل البصري..
ثگيلات الهموم وجارحات هواي
وتعب نبض الگلب ما يحمل الصدمه
ماضگت الفرح من أول الخطوات
أخذ مني الوگت كل طاري للبسمه
أخذ حيلي وترادت كل بگايا الروح
وهجم جيش الظلام وطوّل الهجمه
أخذ مني ضحكتي ولبساني السود
ونهب ريع العمر خلالي بس رسمه
أداوي شچم جرح ينزف وگول تهون
ويجيني بلا بخت ممذور ويلچمه

من قصيدة : جرح ينزف – الشاعر فلاح السيد..
المفردة الشعرية لدى الشاعر العراقي فلاح السيد لها مكانتها الجمالية ضمن الوعي الجمالي للشاعر، وتظهر من خلال التراكيب في الجمل الشعرية المتواصلة لدى الشاعر، ومن لايمتلك الوعي الجمالي وكيفية توظيف المفردات، لاحسّ جمالي له، فالحسّ الجمالي من خصوصية الشاعر قبل غيره، وهو من يجر المتلقي على تناول نصوصه ونتاجاته الشعرية نتيجة ثقلها الشعري من جهة، وثقلها الجمالي من جهة أخرى..
ثگيلات الهموم وجارحات هواي + وتعب نبض الگلب ما يحمل الصدمه / ماضگت الفرح من أول الخطوات + أخذ مني الوگت كل طاري للبسمه / أخذ حيلي وترادت كل بگايا الروح + وهجم جيش الظلام وطوّل الهجمه / أخذ مني ضحكتي ولبساني السود + ونهب ريع العمر خلالي بس رسمه / أداوي شچم جرح ينزف وگول تهون + ويجيني بلا بخت ممذور ويلچمه
بما أن المخيلة تميل إلى الوعي الجمالي، فهناك مخزون من المفردات التي تحمل الجمالية معها والتي لها تأثيرها المفرداتي على الإيقاع من جهة وعلى الرؤيا الجمالية التي تنتج آثارها الجمالية عند تكوين الجملة الشعرية .. لذلك يخرج الشاعر من المخزون المقيد إلى المطلق الحر لتبيان المعايير الجمالية التي يتجلى بها النصّ الشعري.. نلاحظ من خلال المقاطع المنقولة لقصيدة ( جرح ينزف ) أن هناك علاقات مابين كل مقطع وآخر، وهي علاقات الإيقاع، وعلاقات السقطة الجمالية للكلمة وكيفية تركيبها مع أخوتها من الكلمات، وكذلك تأثير الصوت الخالص، الذي له الأثر الفعال بارتباط المفردات فيما بينها.. هذه العناصر الثلاثة جعلت المحسوس لدى الشاعر العراقي فلاح السيد مؤثرا على الحسّية الداخلية والتي ترغب بالخروج من خلال تجربتها، لذلك فإن من يتابع الشاعر فسوف يلاحظ بأنه يمتلك تجربة حسية نافذة، بالإضافة إلى تجربته الشعرية، وتجربته الحياتيه..
الشعر الجنوبي وفي منطقة السماوة بالذات له نكهة خاصة في التأليف والمتابعة، وأتذكر عزيز السماوي عندما طرح مجموعته الشعرية ( أغاني الدرويش ) أدت إلى ضجيج بين الأوساط المثقفة خاصة، وتأثير فعال بين شعراء الشعر الشعبي آنذاك أيضا.. لذلك ومن خلال الكثير من شعراء الجنوب العراقي والذين يمتلكون المفردات الجنوبية الخالصة، جعلوا من أشعارهم محفظة لديوان الشعر الشعبي في العراق، ولا أستثني الآن الشاعر العراقي فلاح السيد، والذي نشر النصّ الشعري كأهزوجة جنوبية – سماوية بين شعراء جيله..

قصائد الشاعر الشعبي العراقي فلاح السيد

أنتظار

غبت عني وتنيتك
وانكسر مگفاي
لامنك رساله
ولا لگيتك جاي
تعبني أنتظارك
وانه ميت شوگ
عليش مكابرك
ياترف بس وياي
شعجب نشفت ريجي
او ورطتني أوياك
ويبس نهر الموده
وما حويتك ماي
لا تبخل بوصلك
يل مشيت بعيد
ترادت حالتي وملگاك
صار دواي

جنح مكسور

وينك أنته
بيا صبح الگاك
واترس بيك عـيني
وانه متبدي اعله
گــد ممشــاك دمعه
وجدمي يتعثر بطيني
ناطرك خفگة جنح مكسور
كــون الله ويرف گلبك
يهل مبعد تجيني
خاف من تشوفني
يندار وجهك
ضيعت عرفك چنت
شوگي وحنيني
خاب كون الله صدگ
واطمع بطولك
خاف تنشدني
عَلي وتگول وينك
وانه ضايع مدري ويني
خايف أدليك بـيه
ارسوم ماچانت ابالك
اجروحي
ودموعي
وحزن روحي وونيني

……….

جرح ينزف

ثگيلات الهموم وجارحات هواي
وتعب نبض الگلب ما يحمل الصدمه
ماضگت الفرح من أول الخطوات
أخذ مني الوگت كل طاري للبسمه
أخذ حيلي وترادت كل بگايا الروح
وهجم جيش الظلام وطوّل الهجمه
أخذ مني ضحكتي ولبساني السود
ونهب ريع العمر خلالي بس رسمه
أداوي شچم جرح ينزف وگول تهون
ويجيني بلا بخت ممذور ويلچمه
يواكحني العنود الشرب خابط ماي
الضوگته عسل ضوگني من سـمه
غيري بلا حسد صيت وغنى وعنوان
مدري منين حظه وصعد للنجمه
اباري الماحفظ تعبي وحفظته سنين
حط جدمه أعله وردي اليحلم بشمه
بعد ذاك التعب گاعي حماده وبور
صابر على أيامي وراضي بالقسمه

إشارات :

المادة خاصة بالناقد العراقي
علاء حمد : عراقي مقيم في الدنمارك

شاهد أيضاً

شوقي كريم حسن: عائد خصباك… حكاء يزين السرد.

بداية الثمانينيات من قرن الحروب والفجيعة، رأيته يجلس خلف صمته متأملاً ذلك المكان المحاط بضجيج …

فاروق مصطفى: (في حضرة عطرك) الكلمات هي الاخرى تتعطر وتضوع

كتاب ( في حضرة عطرك ) الصادر عن دار رؤى عام 2019 للشاعرة ذكريات عبدالله …

نبيل نوري يتأرجُ في بصرتهِ مِن خلالِ روايتهِ (سيدي قنصل بابل)
مقداد مسعود (ملف/1)

في مساء بصري جميل وفي قاعة الشهيد هندال: أقامت اللجنة الثقافية للحزب الشيوعي في البصرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *