مسلم السرداح : نبوءة العجين

تابطت كتبي وانا اهم بالخروج من البيت للذهاب الى مكتبة المدينة العامة ، التي تم هدمها وتحويلها الى حديقة هادئة ، بعد الخمول الذي اصاب الكتاب اثر انتعاش الانترنيت الجميل والذي لايظاهي جمال الكتاب باي شكل من الاشكال  ، الحديقة التي تقع  في الجانب الاخر الشرقي من المدينة عندما قالت لي زوجتي ان اتريث قليلا وان لااتعجل الذهاب ، واصرت عليّ على  عدم الذهاب لان هناك امرا عظيما سيحدث .
جلست بعد ان وضعت الكتب على المنضدة الملاصقة لركن الحائطين ، في غرفة استقبال الضيوف ، ورحت انظر الى زوجتي التي بدت مرتبكة قليلا ،  وقلقة كثيرا ، وهي تذرع البيت من الباحة ،  الى الاستقبال ، الى الغرفة المجاورة دون ان تخبرني شيئا عما كان يدور بخلدها او ما كانت تنوي قوله لي .
كانت زوجتي في جميع الايام لاتتوانى ان تخبرني بكل شيء يدور حولها او يدور بخلدها  ، وذلك بمجرد دخولي الى البيت ، دون ان تعطيني وقتا كافيا لنزع ملابسي واستبدالها بملابس البيت . اذ تبدا بسرد كل ما جري وانا خارج البيت دون ان تتقاطع مع شيء ، مثل صنبور مياه شديد الدفقان .
في هذا اليوم لم تكن على عادتها تماما وبدات الشكوك تدور في داخلي عما جرى لنا مما لاترضى زوجتي البوح به . ولقد رايتها وهي تمسك بالتلفون  ، تتكلم مرة مع امها ومرة اخرى مع جارتنا الملاصقة لنا والتي تربطها بها علاقة غير اعتيادية لان كلاهما هي وزوجتي تؤمنان بالغيبيات وما يجري وراءها من افكار وافعال ومنها السحر وتفسير الاحلام وحركة الجفون  ، وحركة العين السريعة ، وعراك العصافير في الحديقة ، او تراكب الاحذية فوق بعضها وغير ذلك مما لايعد ولايحصى مما في الحياة اليومية  .
فهمت من خلال احاديث زوجتي المرتبكة في التلفون مع امها وصديقتها  ، انها تعتقد ان امرا ما سيحدث ، لانها رات ان قطعة كبيرة من العجين تقفز من اناء العجين . ويبدو ان صديقتها المؤمنة بالغيبيات قد اكدت لها ان مخاوفها صحيحة جدا ولابد ان امرا خطيرا سيحدث ، وانها تراهن الجميع على ذلك ، كما في كل مرة .
ولقد فهمت الامر بالشكل التالي  ، اما انها تخاف علي ان اخرج فيحدث لي ماتخاف هي منه عليّ ، او انها تريد مشاركتي معها في البيت لنشترك جميعا في المصيبة ان حدثت وشيكا جدا .
لم اكن انا اؤمن بما تؤمن به زوجتي من افكار تتصل بالغيب بسبب تعليمي الجامعي الذي يرفض الغيبيات ولان عائلتي قبل زواجي لاتتداول مثل هذه الامور .
لقد كانت امي لاتصدق ان امورا خارقة تحدث في هذه الحياة خلف ظهورنا ونحن لانعلم بها . مع اننا جميعا كنا نؤمن بالحاسة السادسة التي تستجلب للانسان بعض ماسيدور في الوقت المناسب .
استفسرت من زوجتي عن سبب ارتباكها وتطيرها من الامر ، فقالت انها قلقة جدا وان صديقتها تشاركها نفس الفكرة . عند ذلك طمانتها خيرا وانا اهم بالخروج من البيت مرة اخرى . لكنها طلبت مني مرة اخرى بعدم الخروج من البيت .
تذكرت وانا في غمرة انشغالي بالموضوع ايام كنت اذهب ساعات الصباح الاولى ابتداءا  ، لممارسة عملي في محافظة مجاورة تلكم النساء اللواتي كن يفترشن الشارع واللواتي يقمن بممارسة امور شتى منها قراءة الفال ،والكف .
كن حين يرينني وانا حامل لحقيبة سفري الدبلوماسية الصغيرة ينادينني :
– ياشاب .. تعال شوف حظك ، فانت مرغوب من النساء . يقلن ذلك في حين يقمن بطش الحصى على الارض .
صحيح اني كنت انتشي لكلامهن كوني مرغوب من النساء كما يدعين لي ، ولكن ولا مرة واحدة انصعت لندائهن .
مرة واحدة دعاني صديق ، قال لي انه يتبرع بالمبلغ البسيط الذي يعطى لهن وطلب مني ان نتسلى قليلا مع انه لايؤمن بشيء من اقوالهن ، كما قال هو لي .
حين راحت المراة ، ام سنون ذهب ، كما يطلقون عليهن لممارستهن هذه المهنة مهنة تلبيس الاسنان بغلاف من الذهب تتكلم معي ومع صديقي لم افهم منها جملة واحدة اولا لكلامها في العموميات التي تشمل الجميع وثانيا للباقتها وسرعتها في الكلام وانخفاض ، نبرة صوتها ، ولانها ايضا ليست عراقية اللهجة بل انها من بلد عربي مجاور للعراق .
وبالطبع هناك من يصدق الكلام ويعتمد ذلك على المدى الذي يؤمن به الشخص بمثل هذه الامور ، حتى ان صديقي ذاك بدا منبهرا شيئا ما .
كانت جارتنا ، صديقة زوجتي ، تؤمن ان بعض الحصى فيها مواصفات معينة ولهذه الحصى قدرات خارقة في جلب الحظ والفال الجيد لمن يحملها وتسمى باسمه . فهناك حصوات للحب واخرى للرزق او لقضاء الحاجة في الوقوف امام الحكام والمسؤولين .
وبالطبع انا اعتقد عكس ما تعتقد به هي .
قلت لزوجتي :
– ولماذا يجلس بائع الحصى التي تجلب الرزق في الشمس يتوسل الناس في شرائها منه اذا كانت تلك الحصى تجلب الرزق ؟
– لان لاشيء ياتي بالسهل . قالت زوجتي .
لجارتنا راي في القدرة الخارقة لتلك الحصوات انها مسخرة من قبل الجن . وتفسير ذلك ان الجن يخاف الذئب وعندما يرى في طريقه ذئبا فانه يحبس نفسه داخل احدى الحصى ولايخرج منها فيما بعد . وهناك من الحصى الاناث ومنها الذكور . ولو اجتمعت حصاتان ذكر وانثى فلن تهربا ابدا  ، ولكن الانثى وحدها او الذكر وحده ، فانهما يثقبان أي شيء ليهربا بعيدا  .
– الجميع يؤمن بذلك . قالت جارتنا .
– وكيف يمتلك الجن هذه الامكانيات الخارقة ، وهو محبوس داخل حصاة صغيرة ؟
– انها الطاقة . ان الجني يعمل بالطاقة التي يمنحها للحصاة التي يدخل فيها . قالت الجارة الصديقة .
كنت اود لو اقتل تلك المراة ، رغم انها جميلة . لانها تنقل لنا فيروس التخلف ، الى داخل بيتنا الذي بنيته بيدي هاتين .
مسكينة زوجتي تتاثر كثيرا وهي تسمع اصرار صديقتها على امور كهذه وليتني استطيع منع صديقتها او منعها من اللقاء بينهما .
اصرت زوجتي على منعي من الخروج من البيت ، بحجة ان قطعة العجين التي طفرت من اناء العجين اكبر من المتوقع . وبالنسبة لي قررت اني استطيع ان اقضي مشاغلي في البيت  ، وليس من الضروري الذهاب الى هناك لاني في الحقيقة اردت الذهاب الى المكتبة العامة اجلس هناك ومعي جداولي التي تحتمها وظيفتي ، دون استعارة كتاب واحد من المكتبة .
امام اصرار زوجتي بعدم الخروج من البيت جلست ورحت اقوم بعملي . كان الفارق الوحيد بين هنا وهناك هو الهدوء المطلق بعيدا عن الضوضاء التي يسببها هؤلاء الاطفال في جو البيت .
في تلك الاثناء حدث ما لم يكن متوقعا . انفجار هائل قريب احدثته سيارة مفخخة يقودها انتحاري راح ضحيتها الكثير من الناس .
– الم اقل لك ان لاتخرج من البيت ؟  . قالت زوجتي فرحة ، وهي تعتقد انتصارها في الامر .
– لاتبدين لي منتصرة . وانا لااصدق نبوءة العجين . قلت لها .
– الم تسمع الانفجار ؟ قالت كالمتاكدة من نبوءة العجين .
– بلى سمعته . وهو بعيد تماما عن مكتبة الحديقة وعن حديقة المكتبة .
– المهم انه حدث ، وراح ضحيته العشرات .
– ذلك يحدث دائما منذ سقوط بغداد . قلت ذلك ، واردفت ،
للعجين رائحة الخبز ، اما الانفجار فله رائحة الموت .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. قصي الشيخ عسكر : الرجل ذو الوجوه الجديدة – قصة لمحة .

كلّ يوم يبدو بوجه جديد وجه يختلف عن الوجه السابق حتى هو نفسه إذا نظر …

| محمد الدرقاوي : انغماس….

قصة حب عمرها فاق الخمسين سنة في ثلاث فصول 1 ـ انغماس 2 ـ قناديل …

تعليق واحد

  1. بلقيس الملحم

    ليتني أستطيع تصديق نبؤة العجين! لعجنت الموت نفسه واسترحنا! قصة جميلة مشوقة لكاتب متميز في كتابة القصة القصيرة.. شكرا لك اخي مسلم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.