أريد أن أموت قبلك
ناظم حكمت
ترجمة نزار سرطاوي

أريد أن أموت قبلك.
هل تظنين أن
من يأتي فيما بعد
سيعثر على من رحل من قبل؟
لا أظن ذلك.
من الأفضل أن أُحرَق،
وأن تحتفظي بي في إناء فوق الموقد في غرفتك.
وينبغي أن يكون الإناء مصنوعًا من الزجاج،
الزجاجِ الشفافِ الأبيض
حتى ترينني في داخله.
ها أنت ترين تضحيتي:
تخليت عن أكون بعضًا من الأرض،
تخليت عن أن أكون زهرة
لا لشيءٍ سوى أن أتمكن من البقاء معك.
وأن أتحول إلى غبار،
لأعيش قريبًا منك.
لاحقًا، حين تموتين أنتِ أيضًا،
تعالي إلى الإناء.
وسنعيش هناك معًا
رمادك في رمادي،
إلى أن تقوم عروسٌ لامبالية
أو حفيدٌ جاحد
برمينا من هناك…
لكننا إلى حين يحدث ذلك
سوف نظل نختلط ونختلط معًا
وحتى في القمامة التي نُلقى فيها
ستسقط ذرات أجسادنا جنبًا إلى جنب.
سنغوص في التربة معا.
وإن أصابت الرطوبة
زهرةً بريةً
من هذا الجزء من التربة وأزهرت ذات يوم
ويقينًا ستتفتح على ساقها زهرتان:
إحداهما أنت
والأخرى أنا.
لا أفكر في الموت حتى هذه اللحظة.
سوف أنجب طفلا آخر.
الحياة تتدفق في أعماقي.
فما زلت مليئًا بالحيوية.
سأعيش طويلًا طويلًا،
لكن بصحبتك.
فأنا أيضًا لا أخشى الموت.
لكنني أجد مراسيم جنازتنا
غير مستحبة أبدًا.
إلا أن هذا الشعور سيظل يتحسن
إلى أن أموت،
هل هناك أمل في خروجي من السجن هذه الأيام؟
صوت في داخلي يقول:
ربما.
——————————
يُعدّ ناظم حكمت أول شاعر تركي حديث. ولد عام 1902 في سالونيك التي كانت في ذلك الوقت جزءًا من الإمبراطورية العثمانية لكنها الآن تابعة لليونان. كان والده موظفًا في وزارة الخارجية. ولعلّ جده ناظم الذي كان شاعرًا هو الذي وجهه نحو الشعر. وقد صدرت مجموعة ناظم الشعرية الأولى وهو السابعة عشر من عمره.
في تلك الفترة الزمن احتل الحلفاء وطنه في أعقاب الحرب العالمية الأولى، فغادر ناظم مسقط رأسه في إسطنبول للالتحاق بالجامعة في موسكو. وهناك تواصل مع العديد من الكتاب والفنانين، الذين كانوا من مختلف أنحاء العالم.
في عام 1924عاد إلى تركيا بعد الاستقلال. وبدأ ينشر أشعاره ومقالاته في الصحف اليسارية وغيرها من المنشورات. غير أن ميوله اليسارية جلبت عليه الكثير من المتاعب، مما اضطره إلى العودة إلى روسيا، حيث تابع الكتابة دون الخضوع للرقابة.
في عام 1928 صدر في تركيا عفو عام، وهذا ما شجع ناظم على العودة إلى بلاده. وخلال السنوات العشر التالية ، نشر تسعة كتب شعرية منها خمس مجموعات من القصائد بالإضافة إلى أربعة قصائد مطولة أصدر كلّاَ منها في كتاب منفصل.
تعاملت الدولة التركية من ناظم بالكثير من الشكّ والعداء، ولعلّ هذا ما جعل الشعب ينظر إليه باعتباره بطلًا. وكان من بين مؤلفاته عمل بارز يدور حول أسلوب الحياة الذي التي يتمتع به رجال بلاده ونساؤها من أهل المناطق الريفية كما في البلدات والمدن، وجاء الكتاب تحت عنوان مناظر طبيعية من بلدي. ويعتبر واحدًا من الأعمال الأدبية الوطنية التركية العظيمة.
تعاظمت الضغوط السياسية على ناظم مرة أخرى. إذ لم يكن تطرفه موضع ترحيب في تركيا. وكثيرا ما كان يوصف بالشيوعي الرومانسي أو الثوري رومانسي. لكن وجهات نظره كانت مخالفة للأحزاب السياسية الحاكمة في وطنه، وكثيرا ما كان يتم اعتقاله بسبب ذلك، فقضى الكثير من أيام حياته في السجن أو في المنفى حتى عام 1951، حيث غادر وطنه مرة أخرى ، ولم يعد إليه أبدًا. فقد عاش من ذلك الحين وحتى وفاته في الاتحاد السوفيتي وأجزاء متفرقة من أوروبا الشرقية.
كان ناظم متحمسًا للشيوعية المثالية، وكان الجمهور يستقبل قصائده الوطنية بصورة إيجابية. إلا أنه في الفترة ألأخيرة تأثر بشكل كبير بالمدرسة المستقبلية الروسية في موسكو. وراح يتخلى عن الأشكال “التقليدية” للكتابة. وقد وحاول أن “ينزع الشعرية” عن الشعر.
كان ناظم يكتب باللغة التركية ولكن الكثير من أعماله ترجمت إلى الإنجليزية وإلى العديد من اللغات. وقد تعرض لأزمة قلبية وتوفي في موسكو عام 1963.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| كريم الاسدي : مقدسيون ..

تنويه : يتشرف الموقع بنشر أي قصيدة او مقال لمساندة أبناء شعبنا الفلسطيني البطل المقاوم في …

| بولص آدم : ( الحصار ) إلى روحك.. حسين سرمك .

إلى روحك.. حسين سرمك   بولص آدم   سحنة مُقَنّع بالحديد يقذفُ طفولتنا في اللهب …

تعليق واحد

  1. فيديل زيد

    تسلم ايدك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *