بولص آدم: ضراوة الحياة اللآمتوقعة (6) (ملف/7)

إشارة :
“ومضيتُ، فكرتُ بنفسي كالمتسوّل، لعلّ أحدا ما يضع في يدي وطني”.
يهمّ أسرة موقع الناقد العراقي أن تقدّم هذا الملف عن تجربة الأديب العراقي “بولص آدم” مبتدئة بنشر نصوص كتابيه: “ضراوة الحياة اللامتوقعة” و”اللون يؤدي إليه” اللذين وضع لنصوصهما جنساً هو “الواقعية المتوحّشة”، وهذا امتيازه الفذّ في ابتكار جنس من رحم الأهوال العراقية، فقد أدرك أنّ النصّ العراقي يجب أن يُكتب بطريقة تكوي أصابع من يقرأه وقد يشتعل بين يديه. وهي ليست نصوصا “مفتوحة” بل الرؤية التي ينبغي أن يُكتب وفقها النص العراقي الحقيقي. بلاد تُجمع فيها الأشلاء المجهولة لأجساد أبنائها المُقطّعة بالمفخخات في “بابل” في “طشت الخردة” لا يمكن لنصوصها أن تُكتب إلا بطريقة بولص آدم “المتوحشة”. وبهذا المعنى فهي أيضا درس في أن أدب الحرب الكبير يُكتب بعد الحرب. حرب العراقي لم تنته. لقد بدأت الآن خلف سواتر الذاكرة المؤرِّقة الشعواء لتخرّب حياتنا إلى الأبد نحن جيل الخسارات الابدية: “حياتي ضراوة لامتوقعة- لاتسألني رجاءً عن باقي النص”. تحية للمبدع العراقي بولص آدم ودعوة للنقد العراقي لدراسة نصوص قد تمهّد لمدرسة.

(6)
حِلاقَة داخلية

بِعصا من شجرة رُمّان منقوعة في الماء والملح ‘ ضُرِبت ( نهرين إيليا ) حد الموت مكممة الفم ، وعندما طالبت عيناها برصاصة الرّحمه، كان لها ذلك، طلقة واحدة في الرأس فقط ! خَلعتْ يد القاتل ( داحوس البرغوث ) سواراً فضياً من معصمها ، ذكرى الأخ الوحيد الذي غادر قبل خمسةَ عشر عَاماً مودعاً بعبارة – لا داعي للقلق ، سأجد لكم حلاً ! … عُرِفَ بعدَ ذلك ، انهُ كان على متن مركب لاجئين صغير قادم من ( اسطنبول ) غرقَ في البحر قبالة جزيرة ( ساموس ) اليونانية … بيدَ أنّ جدَّة ( نهرين ) الكفيفة ، كانت تُمسِكْ بمعصمها بقوة مُتلمسةً السوار الفضي .. في الطريق الى الكنيسة ، و هي تقول كيفَ .. لاتصل رسائل من أخيكِ وأنتِ تعملين في البريد ؟! …. خلعت يد ( البرغوث ) سلسة الصليب المدمى ، اخر ما تبقى لنهرين من اُم احترفت البكاء في الزوايا ، فوق السطح بعيداً عن الاعيُن ، تنتحب وهي تراقب سرب حمامْ فَزِعْ فوق المدينة …. الشخص الوحيد الذي لم يصدق كل ذلك وشعر بفشل كبير في الحصول على فدية ، كانَ ( داحوس البرغوث ) وأكتفى بسحلها في حطام خربة البيت المقصوف من قبل طائره أميركية وحشرها في فتحة ، ألقى عصا الرُّمان فوقها وغطاها بفضلات متكلسة لبقرة ! هل من الممكن العثور على الجثة ؟ أم أنها ستبقى هُناك ريثما تنبُت العصا في القبر، شجرة رُمان باسقة ؟ ….
حينما إستيقظ ( داحوس البرغوث ) على صوت بائعة اللبن ، بعد ليلة قتله لآخر إنسان في حياته، وجد نفسه على وشك الأختناق وحيداً ! فما بَرِحَ شعر ذقنه ينمو للداخل منذ أعوام لم يكُ يعرف بالضبط عددها ! ولذلك إحتفظ لسنوات بمقص صغير يكسوهُ الصدأ في جيبه .. يُدخل كفه في فمه ماسكاً رأس مجموعة الشعيرات الغريبة والسعال يُرافق ذلك القص .. يتصلّدْ وجههُ كُلما مرَّ الرأس المدبب على اللثة و في غرابة عمله غير المتناسق في حلاقته الداخلية ، قضم جزءاً من اصبع هبط في المعدة ! وبدل قص شعيرات أخرى تلسع سقف تجويف الفم ، إشتبك المقص مع جزء بنفسجي من اللسان ، مُنغرِساً في الرأس الإبَري لضرس متعفن ، فاقداً السيطرة عليه ، منزلقاً تدريجياً في فم البلعوم ! .. خاطبَ اللهُ في سرّهِ ، قائلاً .. أرجوك ! ساعدني في الموت على سريري والأخرين من حولي !. … إندفع قيء دامٍ من فمه ، خرج شمع أُذنيه ، سال دم من عينيه ، وعملها في ( الشروال ) ! لقف هاتفه النقال وعبأ فيه رقماً واطلق خوار ثور كأستغاثة … قالو له .. اصبر حالياً فالأمر خطير وهناك قتال في منتصف الطريق ، ما مِن حلْ ! …… سأل معلّم الدّين ، طلاب الصف الابتدائي ، عمّن هُناك شجرة في داره .. رفع ( داحوس ) اصبعه .. وفي الحصة التالية سلّمَِ معلمه عصا من شجرة رمان منقوعة في الماء والملح .. وبعد دقائق ضُرِبَ ( داحوس ) بتلك العصا حد البكاء، إذ وجد صعوبة دوماً في ضبط الضمة فوق هاء ( الله ) ! وأنتقلت تلك العصا في حصص مُختلفة أُخرى ، إذ ليس بمقدوره لفظ كلمة ( بيبان ) ولا قدرة له على التفريق بين الجمع والطرح في الحساب.. وقال مدير المدرسة.. هذا الولد ، لاينفع ! أمسك والده بيده وخطفه من بين الأفندية والى الأبد… مسجوناً اغلب الاوقات في البيت ، لتبدأ اول بوادر الشعوذة .. إذ عشق علب الكبريت وحرق اشياء في الغرف وسط استنكار الأم .. وتأمل الأب بأن ( داحوس ) صغير ، و مع الايام سيصبح ( آدمي ) وارسلة الى ورشه في (الشيخ عمر ) ليتعلم صنعه ، ماكثاً طويلاً وسط الدهون السوداء تحت السيارات … غادر ذلك العالم فارغ اليدين هرباً ، وسط نوايا الكبار القذره تجاه الصغار وفي قلبه اول بذرة للانتقام .. ارسله والده الخياط في معمل حكومي ، لمرافقة عمه الذي يجلس وراء صندوق تصليح ساعات في ( سوق هرج ) و في غبار حزم الضوء التي تنكسر على اكتاف المزدحمين، تعلم استنشاق علب ( السيكوتين ) من احد المصريين !.. اغمي عليه على الرصيف في ( باب المعظم )، اشفق عليه طلاب جامعه، اطعموه و اجبروه على الاستحمام في قسمهم الداخلي وفكروا أن يرسلوه الى البيت في سيارة اجرة، الا انه توسل اليهم البقاء يوماً واحداً فقط ، إذ أنَّ والده ( سيذبحهُ لا محالة ! ) وعندما ذهب الطلبة الى الجامعة كالمعتاد ، صباحاً .. ربط ( داحوس ) كلبا صغيراً ابيضاً، اعتاد اللعب في الحديقة على جذع نخلة و احرقه !… عثر عليه والده بعد ايام مُجالساً رجال احترفوا بيع الدم في مقهى ( الحيدرخانة ) إذ يعرض كيس الدم بمئة دينار! .. خطفهُ من بين مصاصي دماء، واجلسه تحت كف المُعزّم ليقرا قليلا فوق رأسه .. عسى ولعل ! …… في سجن الاحداث ، إكتشف صنفاً من السجناء وهم المقامرون الذين يعتاشون على الميسر .. وقبل دخول الجيش عمل تحت قيادة ( قوادة ) في ترتيب طابور المأزومين جنسياً في ( ألميدان ) .. سقط ( داحوس البرغوث ) على الارض وتكوّرَ برميل جسده حول فكّه ! مثل قنفذ أسود ضخم مُحتضناً مسدسه الذي قذف اخر اطلاقة في راس ( نهرين ) .. إستنشق ( داحوس ) بارود الفوهة القريبه من وجهه .. رائحة الاطلاقات الأولى التي إنتشى لها لحظة الاستلقاء في ميدان تدريب الجنود على الرماية صوب الهدف .. توترت كتلة جسده بالكامل وارتعشت تماما مثل رعشات الجندي الذي اجبره ( داحوس ) على مسك أسلاك الهاتف العارية ! كجندي استخبارات في احد ألوية الحرس الجمهوري وعندما صرخ ذلك الجندي وهو يُقسِم بشرف القائد بأنه لم يسرق ثلاث مسدسات جُلِبت من الكويت كانت في خيمة أحد الضباط … قرر ( داحوس ) ربطه وسحله خلف مركبة وأُلقي في سجن الوحده ، نصف ميت ! .. تمنى ( داحوس البرغوث ) وهو يعيش حصار أحتقان صدره كبلاع مقص ينغرس الآن في البلعوم ، أن ينهض ويمد رأسه من خلال النافذه المفتوحة على شارع ويطلق خواره .. لعل .. غير انه وقع تحت إحساس بالانتفاخ والكهربة الداخلية وجلد سياط تضرب وتلتف فقرة .. فقرة .. وأحس بانفجار في العصعص ! وعند تلمس ذلك المكان الى الخلف ، مرت الأصابع الثلاث المتبقية من كفه الأيسر بعد معركة سكاكين في العلاوي حول صفقة سكائر تتراوح بين عواء الدولار وبكاء الدينار .. مرت االاصابع الثلاث على بروز ساخن مثل فحمة ، دملة ، تستطيل خارجةً من الجلد فوق العصعص تماماً !! وسرت في دمه براغيث سنوات الحصار حيث ما عاد العرق والوسخ وبراغيث ما بين السيقان وتحت الاباط وقمل الرأس ، يزعجه .. يدور حول المدينة بالعكس ! ويحفر حفراً هائلة غير ممكنة الردم في حياة الآخرين و ….. بعد الغاره الداحوسية على المتحف الحضاري في المدينة ! حاول البرغوث الإقتداء بالعفة الجنسية للغراب ! ، وكان له صبر أفعى ، وقف على الرصيف مقلداً وقار البقرة وهو يهمس نحو الجنود الغرباء في شوارع المدينة ( مِستر .. مِستر ..وومَن ..وووومَنْ ) !! وتعلم تزوير شكله و مضمونه وتقليد النبرات المحلية اينما كان ، ليعتقد الآخرون أنه واحد منهم ، فيجد مكاناً يستضيفه بسهولة ، اختار عدم تقديم أيضاحات وتظاهر بالبلَهْ .. عدم طلب أي شيء ضمن اسلوب العصابة في مواجهة الاستفزازات من اكثرهم عنفاً ! بل على العكس ، تحول بعضهم الى مدافع عنه مستعد للعراك بالضرب وما بعده مع أي شخص من اجله ! مكتسباً قدرة الوجود في حصار الحدود الدنيا وكثير من الحالات منغمساً في العنف والكحول و … شخابيط أغانٍ رومانسية ركيكة تنبعث من أشرطة مسجلات قديمة ، تستمر في تشغيل الأغاني بالضرب .. وحدها تلك الأغاني بللت عينيه ، مشاركاً رذائل الأخرين ، حتى مجانيين متنورين ، ناهيك عن رفاق الطريق من القتلة والمقامرين واتفاقات مليئة بشتائم البغّالين .. الشيء الوحيد الذي بمقدوره تذكره الآن ، وهو يحلم بموته، كانت جُملة والده بعد وجبة التعزيم تحت كف الرأفة.. ولدي هذا ينقصه ذنب فقط ! … وكان بمقدوره حتماً سماع آخر الأصوات في حياته.. مُعلّمة وتلميذاتها في سخونة درس القراءة! هيا يا بنات رددوا من بعدي بصوتٍ عال.. القِردُ مقطوع الذنب! القِردٌ .. مقطوووع الذنب ! ….. أعلى يابنات.. أعلى .. أعلى …….

صوتي في العاصفة

صوتك الذي بلعته عاصفة الأزمنة لن يعرفك
لغتك سائحة ماجبت
دمعتك التي لم تكتب بها لن تقدسك
لغتك ورد جهنم
سهر ضد الساعة ، صحو ضد الألم
سطرك لقاء مفاجئ

هدوء في هدوء

هي وهو/ مواليد اباء لاحياة لهم بغير الكاس ..

لاتريد مجيئه لأنه سيرحل من جديد/ هل غيابه بعد اللقاء افضع قساوة لها ؟!

في زمن الأسلحة المخصية راجت نظرية الضمير وعادت فرق ارباب التفريق الى لم الشمل على خشبة المستنقع .. في شيخوخة المدافع ، لاتنفع مداخن السماء ولاتهوية مراحيض الحرب بشفقة الشاش على جباه المنحوسين و لم يتفوق زحف الأطلاقات على زحف اللبلاب الشاعري حد تسلق السماء .. الحب القدوس الواحد نعبده بعد تطاول التعب وسوء فهم الشعب !
من يثقب كيس الطحين غير فار الدار ؟!

الوهلة القديمة تجمعنا
نرجسة عانقت قطرة ندى في كاس اجدادنا
الدار القديمة نبيذ وحكاية
تطابق في انتماء المحطة وسكك اولياء الأمر
وموت رجال الوقت الموهوم . قرابين القناني المهدئة بصخب !

و

نساء قديسات لايزعلن لأنزلاقات الرجال الهاربين
جنود ازليون غيروا بزات الكابة المدنية فقط

لم نكن رجال هراء !

كناعلى حوائط الأسرارالقومية نصلب
اليوم الأخير للغربة وقبل الرقاد الأهدا ثمة حياة
لن نلتقي لقساوة البقعة ونظرية الصفعة

لن ينقل الحب الى ملجا الحنان
جنودنا دفاعا عن الحياة ابطال لعاشقات
التقيك في السهر ، ليس لذلك بقعة !

عودة الفلاح الى قلب التفاحة
الى / عمي ايليا
يا صديقي .. يا صديق الأرض ، يا صديقي الذي في كفه خارطة من جذور زرقاء اكثر الصداقات خصبا ، يا شاعر السيقان الخضراء ، يا بصيصي ، صديق الأرض سمعت انك على الطريق الترابي تمشي .. نحو قلب التفاحة تعود، اسابق الزمن لأصل الى ذلك القلب ، قلب البهجة ، منجل الأرض النابض ، لأختزن بسمة ثملة لك ، علي ان اباغت وصولك الى تلك الشجرة الحالمة في ارضك الوردية، يليق بك ما جمعته ، انطباع كنزك ، غبار المحاريث في العصاري ، زفير الأرض الشتائي ، اجمل البخار ، ربيعك ، غبارنا ، غباري .. صندوق من عيدان طرية ملؤه رغبة في الحرث ، اسابق وصولك الى قلب التفاحة ، عائد هو على الطريق الترابي ، لا طريق المهربين و القتلة !
اراك تمشي كغريب نسي رأسه ولم ينس طريق الهواء الأخضر لحظة القطاف ،
مذ كنت تحز العروق ، تنظفها من ارهاب اخطبوط الأرض وديدانها ، علي ان اباغتك يا استاذي ،
يامن علمك قلب التفاحة فنون العشق الفصلية ونظافة الانجاز و … صداقة خصبة ، انا الغريب اعرف دربك ، مخزن البقول واكداس الغلة السحرية كقلب المراة ، قلب التفاحة ،
اراك الى تحت تصعد التلة .. انا رجل يركض ، تسقط دموعي على الصخور
والجبل يهبط تحت غطاء غيومه ، المطر مكبل بخرير الينابيع الأزلية ، عصاري اللوثة الأرضية !
صندوق منسوج من عيدان اشجار التوت ، عيدان طرية اصيلة غير ذليلة ..
اراك كالخيال في الوادي تمشي متعبا ، لكن عروق كفك الزرقاء مليئة بضربات تقصف الجذور الغريبة ، تحز المتفحم الخبيث القاسي الهابط كاللعنة على احلام الشجرة ، عمر التفاحة ،
..انحدر نحو الغوطة ، اعلم انك وحيد ، تتبع حصان الأرادة كعربة تحمل سر الكنز ،
اولادك ، كالحنطة المذرية تناثروا .. بعيدا .. بعيدا .. يتمرغون خارج البيدر في تبن الغربة ..
وانا هنا احمل كيس التفاح ، عائد الى البيت ، ابعد ما يكون عن غوطتنا في ( ديريه ) ،
سانام كالذي رآك ،
وانت
وجه
يملأه
نمش
تلك
القشرة
الصفراء
وانت
في
قلبها
….
قلب التفاحة .

تفجير
شحنة الديناميت حشرت اصابعها في شقوق جدران بيت ( يوسف كذوذا* ) ومدخنة المدفاة الخشبية وفي قناة تصريف القذارة من الخلاء وحفرة سحق الحنطة بالمدق الخشبي وصنبور قصير يقذف ماء العين امام البيت الطيني واصبع ديناميت حشر في بردع قديم و.. في كدس خشب البلوط . في بالة الصوف ايضا، اصبع ديناميت ربط بفانوس الزاوية واخر تم تغطيسه في دن الخمر .. اعطى الضابط اشارة التفجير للجنود في اللحظة التي انجبت زوجة يوسف فيها طفلا .

*( كذوذا ) بالسريانية وتعني القنفذ.

ضراوة الحياة اللآمتوقعة

الى اخي / مازن ايشو ادم .

العجلة التي خرجت من محورها لعربة حمل الماء نهارات الحصار
حزق الحديد برصيف مرقع مثل فم الدكتاتور المبقع .
تدفع عربة الدفع ، يقدح النار في عنقك
وتفتق بطنك وتنام في ارجوحة الألم ..

المعذرة ، كنت يومها بعيدا عنك في السجن

اياك ان تهزم ياعيوني .. اكل هذه الحروب كانت لنا ؟!

قدمك تنقصها عظمة ياعيوني .. هل عشنا كدس الحروب حقا ؟!

ازرق نفسك بالأبرة كل ليلة ياعيوني .. هل هذه اخر الحروب ؟

اوصيتك بان لاتشرب امامي ، اشرب بعيدا عن الحرب !

.. ضراوة ترجمة الأطباء في عمودك الفقري
ضراوة الذاكرة وحمى نفث النار من فك التنين

هل تصدق بان الحروب تدر عليك كواتم الألم

اكل تلك الحروب تحت فوانيسنا

اسفل العظام

بين العينين

في الأنف قطنة داكنة

خلف اشجار لن نلتقيها

عبوة المغذي تمدك في المشفى نائما /اخر اخبار الحرب

نفكر معا بعملك القادم طاهيا في مشفى او مترجما للآجئ حرب

هل كل تلك الحروب ابتدات ولم نعرف كيف تنتهي ؟!

وجهك الذي يدمع خجلا من داء الثعلب ، هل خلقت اخي للحرب ؟!

احمل قيثارك مرة اخرى والبس عباءة زورو في عيد التنكر

احدى الحروب انتهت بجرع كاس السم واخرى باعدام البغل ..

دماغك المغلف بالألتهاب وقرحتك بصليل الوحشية .. لن نهزم

مادمت مخلصا للحديقة والنهر ، لاللحرب

حمى الذاكرة

في السلة قرعة لحرب اخرى ..

سادفع كرسيك المتحرك على ضفاف الدانوب ونبتسم لأخر بجعة تحلق

نغني معا اغنية عراقية

لن تفلت العجلات منا ليدق الرصيف عنقك في الحرب !

لن تهزم ..

الحرب ضراوة لآمتوقعة . فقط !

الطعنة الغامضة

قتال بالسكاكين شهده الممر الفاصل بين نوعين من المساجين في ابي غريب، عوقبنا جميعا بالحبس الجماعي في ساحة كرة القدم، تضورنا جوعا تحت مطر كانون الثاني .. قتال بين نوعين من المحكومين بالأحكام الثقيلة والخفيفة .. الكُل يتحدث عن رجلين تبادلا الطعن في وقت واحد و بطعنة واحدة فقط، احدهما مُخطر في مستشفى السجن والثاني أختفى طيلة الساعات التي تلت فجر الطعنة الغامضة..
في السادسة صباحا فكرت.. من غير المعقول تركنا تحت المطر رغم مرور ساعة ونصف الساعة على حادثة الطعن وماتبعها من عقاب جماعي طالنا جميعا، لأن المطعون الآخر اختفى ولم يعد مكشوفا للسجانين ..
شاهد عيان :
عندما بدانا بمسح الممر أمام الحانوت وبسرعة البرق سال دمهما، الأول إنكمش ضاغطا بطنه بكفيه وسقط ارضا، الثاني المتلفلف بالبطانية تشير آثار الدم في خطواته الى الباب المؤدي الى ساحة كرة القدم، إنه ألآن واحد منا، واحد من هذه المئات المحتجزة في الساحة بسببه والسجان ( سبهان ) اقسم باننا سنبقى هنا حتى تسليم (الجبان) لنفسه، تنبا بسقوطه ارضا في اية لحظة قادمة، لأنه مجروح بشدة، مثلما قدر السجان وهو واحد من الملاعين في تلخيص الحوادث ثقيلة الوطاة وخاصة الدموية منها وحنقه كان لأن الطرف الثاني أفلت باعجوبة، لكن:
ــ وين يروح (النغل) ، قابل راح يطير من هالساحة ؟!
كنا على مبعدة امتار من بوابة الساحة التي هي عبارة عن جزء فقط من واجهة الحاجز السلكي المشبك الذي يفصلنا عن الردهة رقم ٧ حيث هناك في الجهة المقابلة، سقف نتمنى أن نكون تحته الآن، على الأقل سقف يحمينا من مطر غزير ..
كان السجان سبهان يدخن السيكارة تلو الأخرى، ينظر بغضب نحونا ويضرب بالأنبوب المطاطي الفاحم في الهواء ضاربا المطر المنهمر ربما !
الساعة تجاوزت العاشرة صباحا، كان المطر قد توقف ولكن الغيوم لم تختف ..
هربت من كل اللغط الدائر وحالة التململ والشكوى الغالبة على قسمات كل الوجوه وبدات الدوران حول الساحة وانا افكر بعيدا جدا، ليس خارج قصة الحادثة فقط بل كنت سجين الساحة جسدا وحرا فيما يخص تخيل الحياة لحظتها خارج السجن لربما لأكثر من نصف ساعة, فقدت احساسي بجغرافية السجن وكنت اتقاطع واوازي مساجين يدورون مثلي بلاهوادة مبتلين تماما حول ساحة كرة القدم ..رسمت افاقا مستقبلية حول لقطات ولفتها لنفسي وعشتها تماما .. لقطة طويلة تلاحق امي في المطبخ وهي منهمكة في سلق الخضار .. اختي في الطريق من مكان عملها في محطة القطار الى البيت .. اخوتي من الجنود حيث هم في اي مكان … و ..
قطع تلك المحاولات الحميمة للألتصاق بالحرية، تلازم شاهد العيان ومجانبته لي في سيري متماهيا مع ايقاع خطواتي .
ــ ماذا تتوقع ؟!
فاجاني سؤاله الذي اعادني تماما الى جو الوحل الذي تغطس فيه أنعلنا ذات الأصبع، حيث كان بالأمكان سماع صفع بالكعوب اشبه بالتصفيق لمسؤول كبير ..
ــ اعني مالذي يمكن ان يحصل للفاعل لوسلم نفسه للسجانة ؟
ــ …… لا .. ا .. د .. ري ! ..
ــ انا هو !!
ــ انت هو ؟!
ــ نعم انا هو من طعن ( زياد الخائن ) !!

لاحظت ارتعاشته لكنني اعتقدت بان البرد والملابس المبتلة، الجوع والأرهاق لربما يؤديان الى حالة خرف عادية هنا، تُسبب له حالة هذيان .. لم يكن ينظر الي بل يكلم لطخات الوحل المتطايرة حولنا، لأكن اكثر دقة ، يسعل اكثر منه يتكلم !
ــ انا هو من طعن ( زيادالخائن )
.. لم اصدق، مستحيل .. فهما اخوين ولدا من رحم واحد ! اليس (ابو ميسر ) شاهد العيان الذي سمعنا شهادته على الطعنة المشؤومة قبل نصف ساعة فقط.. كان من توسط جمهرتنا حوله حيث اختلط بخار الأفواه مع دخان سجائرنا وجمله الواثقة من تأكيد التوثيق الصارم .. هل أنهُ هو؟
تخيلته مقدما نفسه ككبش فداء لأنقاذنا من معاناتنا هنا محبوسين في ساحة كرة القدم في فقط
.. اشار الي للأبتعاد عن الحشد المحلق مشيا دورانيا حول الساحة.. يمشي متقدما امامي وعند وقوفه لاصقا ظهره بجدار السجن العالي، فتح معطفه، كانت البلوزة تحمل بقعة دم كبيرة.
رفعت راسي الى اعلى، كان ابوميسر أسفل برج المراقبة تماما والحارس واقف في صندوق البرج مسلحا، ينظر إليه وسماعة الهاتف بيده .

شاهد أيضاً

ثامر الحاج امين: الإنسانية المنتهكة في رواية (حياة ثقيلة) (ملف/130)

إشارة: مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي …

من رسائل القرّاء والكتّاب الموجّهة إلى الروائي سلام ابراهيم (31) (ملف/129)

إشارة : تجربة رائعة يقوم بها الروائي المبدع “سلام ابراهيم” وهو يؤرشف رسائل قرّائه الكرام …

خبر لوكالة رويتر عن رواية “حياة ثقيلة” للروائي سلام إبراهيم
حياة ثقيلة.. رواية تصوّر كابوس العراق بعد صدام (ملف/128)

إشارة: مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *