الكوميديا : احدى ضحايا الاردن الجدد.
سفيان توفيق

Sofianbaniamer56@gmail.com
“في الاردن انت لا ترى المنحدر ، انت فقط تسقط فيه ” بعيدا عن ان نسأل هل ما سبق صحيح ام لا ، يكفينا اننا نحن من قلناه و نؤمن به ، ولكن سؤالنا هنا ، هل يصح ذلك عما يدور في نطاق الدراما الاردنية ، ام انه من الحري قبل ذلك السؤال : هل يوجد هنالك دراما في الأردن ؟.
ببساطة : الاجابة لا . اذن عن ماذا يكون السؤال ؟ الاجابة ان السؤال سيكون عن مجمل ما يقوم به كل من يسمي نفسه “فنانا “اردنيا ، وكل ما يعرض على شاشة التلفزيون الاردني من أداء “فنانين” أردنيين .
كالعادة ، وفي كل رمضان ، تتهافت المسلسلات تباعا على كل الشاشات على اختلاف اصحابها واختلاف جهاتها ، وللأردن نصيب قليل من هذا التهافت ، الا انه وعلى الرغم من قلته ، يحمل في طياته –وللأسف- حجما لا يوارى من السخف الثقيل ، من الفتور العميق ، من محاولات التقيء ، والتي ستبقى محاولات .
حصلت الطامة الكبرى عند ظهور شخصية “العم غافل” على الشاشة الاردنية ، والتي اكتسحت فيما بعد ما يسمى بعالم الكوميديا الاردني الغريب والمختلف كليا عن اي كوميديا أخرى، ووقعت الطامة الأخرى والأكبر ايضا لحظة ظهور شخصية ” ابو الفراجين” كشخصية كوميدية وما رادفها من شخصيات أخرى حملت الكروموسومات الفنية نفسها .
على ذلك ، تتعدد الاسباب التي اودت بالفن “الاردني”-إن آمنّا ان هنالك فنّا- الى ما دون القاع ، ولعلّ ذلك على الارجح هو في حجم الفراغ الكبير في هذا الوسط ، والذي كان معه الدخول لأي شخص واقتباسه لأي شخصية هو بالشيء المنجز ، وعلى ذلكم تركز الفن الأردني تباعا في بضع شخصيات فقط .
لكن المشاهد الأردني-والواقع لا يقول سوى وجود جهة واحدة تشاهد هذا الفن ، هم الأردنيون فقط- ألم يستطع أن يتحرر-ولو لمرة واحدة في حياته- الى ما غير هذا الوجوه ؟ هو بالفعل تحرر ، والدليل على ذلكم ان الدراما السورية قد اكتسحت العالم العربي بالكامل ، والصدر الأرحب لها و الأكبر كان لدى الشعب الأردني-فنحن كلّ واحد ومهما ابتعدنا سنعود- وحقّ لها ذلك لعظمها وعبقريتها بكافة وجوهها ، لكن سوريا الآن في حال يرثى لها بسبب ازمتها ، وهذا هو السبب ان الحصان السوري قد غاب ، فحضر كثر يحاولون تقليده .
سؤال آخر : هل هنالك نقص في كتاب السيناريو الأردنيين ؟. ولكن كاتب السيناريو قادر على تعدي خطوط اللهجات ؟ بمعنى شراء سيناريوهات قريبة الى لهجتنا -والمنبع السوري على سبيل المثال كبير جدا وهو الاقرب -، ام ان هنالك انكارا لكتاب أردنيين مهمشون كالعادة بسبب عبقريتهم ؟ ألا يوجد لدينا من يضاهي الدكتور ممدوح حمادة صاحب الروائع ” ضيعة ضايعة” و “الخربة ” وغيرها ، ام ان العبقرية كانت لدى نضال سيجري ودريد لحام ؟ ام ان الابداع والعظمة قد اختلقتا عندما صافح ممدوح حمادة نضال سيجري وغيره وانسابت افكار الكاتب المبدع الى جسد الفنان الموهوب.
باختصار ، “عالم الفن” يمثل حافة عليا تستلزم عبقرية قابلة للتشارك من كل يد تريد الوصول اليها ، كما تمثل ايضا “هوة” سحيقة يمكن ان تهدم حضارة بأكملها .
يقول الدكتور محمد عناني في كتابه “فن الكوميديا” : كان من نتيجة النجاح الجماهيري لبعض عروض المسرح التجاري ان اختلط مفهوم الكوميديا لدى كثيرين ، اذ بدأ الاعتقاد يسود-بكل أسف- بأن الكوميديا هي التسلية عن طريق الاضحاك بأي وسيلة ممكنة…والحق ان الكوميديا –مثل اي فن درامي- لا بد ان تنبع من موقف ومعنى الموقف وجود قوى متصارعة تخلق ما اصطلح على تسميته بالتعقيد .ولكن الكوميديا تختلف عن التراجيديا في انها تعتمد على امكانية حل هذا التعقيد بإحلال نوع من التوافق بين هذه القوى يعيد المياه الى مجاريها ويعلن انتصار الحياة بانتصار الانسان على نوازع الصراع والتصارع .
سعيا على ما سبق ، لا توحي اغلب المشاهد التي تدعي محاولة الظهور بطابع كوميديا-ان لم تكن كلها – سوى بانحطاط فني لم يشهد له مثيلا من قبل . والغالب هنا ليس في عدد الشخصيات الكوميدية فذلك محط شك في معيارية حكمه ، وانما في اداء هذه الشخصيات وبراعتها .
قلنا ذات مرة في قصة اوحينا بها تحمل عنوان “وحي العمى” : “في وجه الممثل تقبع فترة زمنية مخفية وراء وجهه الحقيقي ، وهي دوره على خشبة المسرح وخلف الشاشة ، لكن العبقرية الحقيقية هي في ان تجمع عصورا مع بعضها على تنافرها تحت وجه واحد ، تنتقل بها حيثما اقتضى ذلك ، انظر الى بسام كوسا ، سترى من خلاله العصر الجاهلي وما بعده وما قبله، يجمعها كلها ويحيكها في الخفاء ، حتى تعجز عن معرفة من هو وما هو ، انظر ايضا الى غيره ممن هم احياء ومن مات منهم ، باختصار :على خشبة المسرح انا لا اراك ، انا ارى من خلالك ” .
كما تروى ايضا قصة غريبة ، عن احد رواد السينما “ثاقبي الذهن” قد قام بكسر شاشة السينما العملاقة ، وحين تم سؤاله في قسم الشرطة عن سبب ما فعل ، كان رده : لقد قتل هؤلاء الكوميديا ؟ .
في النهاية ، وللأسف ، كانت بداية الكوميديا عند الاغريق ، ولكن نهايتها كانت في الاردن .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| إبراهيم مشارة : الإسلام والحداثة – إسلام المؤسسة أم إسلام الرسالة؟.

  كلما هبت  جماعة من رواد التنوير في الفكر الإسلامي يقيضها الله لإحياء رسالته وشرحها …

| مقداد مسعود : مِن خلال زمنين (عند باب الأزج) للروائية : نيران العبيدي .

الأزج :بناء مستطيل مقوس السقف : هذا ما يخبرنا به المعجم الوسيط  ..أما (باب الأزج) …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *