د. قصي الشيخ عسكر: كورونا (رواية قصيرة) (3) (ملف/9)

إشارة:
للشاعر والقاص والروائي والباحث المبدع الكبير د. قصي الشيخ عسكر بصمة مميزة في أغلب المجاات الإبداعية التي يرودها. وفي كل حقل يأتي بالأطروحات والرؤى الجديدة لاسيما في مجالات الفن الروائي والبحث اللغوي والأسطوري وغيرها، وله العديد من النتاجات التي تشهد على ذلك. كما تم تدريس نتاجاته الروائية في بعض الجامعات الأجنبية وأُعدّت رسائل جامعية عن نتاجه الروائي والشعري في عدة جامعات. ولأجل تسليط اضواء أوسع على أدبه وتوثيفه ندعو الكتّاب والقرّاء إلى إغناء ملف الموقع عنه بالمقالات والدراسات والصور والوثائق.
إشارة (2):
يغادر قصي العسكر في روايته القصيرة “كورونا” أرضه المعروفة وهي الحبكة المهجرية التي تدور أساسا حول محور واحد بالزمان والمكان. غير أن “كورونا” تخرج على هذه القاعدة الذهبية، وأكاد أقول إنها تخترقها من طرف واحد. فهي تفتح عينا على العالم وتغلق عينها الثانية على التاريخ. فالرواية تتابع علاقات متشابكة بين أفراد أسرة واحدة، موزعة على كافة أرجاء المعمورة، من وسط إنكلترا غربا، والسويد شمالا وحتى الناصرية في العراق شرقا. بالإضافة لدولة الإمارات في الجنوب. حتى أنه يمكن أن تقول إن روايته هذه تدخل في نطاق الأعمال “الإنترناشيونال”
د. صالح الرزوق

7
أترك وجهي في المرآة والتفت إلى المذياع كأنني أبحر مع مشاهد حية أمامي:
كورونا العدد الإجمالي للضحايا يصل إلى 800 والصين تخصص عشرة مليارات لمكافحة الفايروس.
العاصفة تبدأ … بعد الظهر، مع احتمال تساقط ثلوج في مناطق يورك شاير.
قتيلان في الناصرية جنوب العراق، العدد يصل إلى ألف قتيل ،ومتظاهرو بغداد يحرقون دمية للرئيس ترامب.
يبدو أن العالم في سباق محموم..الكورونا في الصين..والمظاهرات في العراق.
الناصريّة تسابق الصين.
أعود إلى النكتة السمجة القديمة:
هل مدينة جدي شجرة خبيثة كما تقول النكتة؟
المظاهرات الآن..ومن قبل الحزب الشيوعي.البعث. الدعوة.مصطلحات لا تعنيني،This is not my problem ويوم صحبت والدي في بعض الجمع إلى المركز الإسلامي وسمعت بعض أصدقائه الطيبين أو الخبثاء وفيهم من كان معه في رفحاء يفتخرون أنهم من الشجرة الخبيثة.شَكَرهْ…أحد الممازحين يهزّ كتفيه ويحاكي المصريين،الحاج محسن طفيل اللبناني شريك أبي،في محل الفاكهة والخضار يعقب وهو يمتدح الشاي الذي عملته له أمي:
والله إذا كانت الشجرة الخبيثة بمثل هذه الأمانة والمفهومية فنعم الشجرة.
فتردّ أمي المفترض أنها لاتعرف الفرق بين الpوb والcityوالtown :
يعني فقط الناصرية خبيثة ألم يحارب الحبوبي الإنكليز منها يعني ياحاج أنا مع الحق ولو على قطع رقبتي ماذا تقول عن البصرة وتكريت وبغداد والموصل إليس هناك خبث؟فقط بالناصرية؟
أشعر أني دائما أدخل في عوالم لا أعيشها.
مثل ضيف يعرف متى يغادر مكانا لايرغب أن يبقى فيه طويلا لكن عليه أن يلبي الدعوة..بعد ساعات،أذهب إلى الدوار أمارس لعبة التزلج على الجليد.وفي السبت أقصد المسبح.الكورونا تجري بسرعة هائلة،تصل إلى بريطانيا.بعض الإصابات،ومعها أجد نفسي في زحمة الطريق.
هذا الصباح ركبت الحافلة،وحين وصلت شارع ” Robinhood way”التحقت بطابور طويل.كانت هناك سيارات من الشوارع الفرعية تشق الشارع الرئيس.الطابور يمتد إلى الوراء بمدى غير متناه.
لا داعي لأن أسال.
عاد خلل الجسر ثانية.
جلست متململا.
أشعر بضيق.
اتصلت من هاتفي النقال،فرد علي المدير بلهجته الغريبة:أعرف ذلك…مرّ أكثر من ساعة،كان كالم ينتظرني.وكانت هناك العاملة الجامايكية ميشيلة.لم يزد عدد التلاميذ عن أربعة.سيارة المركز وسيارات الآباء ماتزال عالقة في زحمة الطريق.لوجرت الأمور شأنها كل يوم لخرجنا هذا الصباح مع جوليا الفتاة الاسبرجر،وتركنا تايرون في المركز مع المدير وميشيلة.ننوي أن نشتري شجرة تفاح وأخرى أجاصا نزرعهما مع التلاميذ في حديقة المركز الخلفية بعدها نقتادهم إلى قن الدجاج حيث نجمع البيض.
لقد غيّر خلل الجسر الذي لا أعرفه ولا يفهم معناه كثير من الإنكليز حين أسالهم طبيعة عملنا.
لجأنا إلى خطة بديلة…
وفي لحظة غير محسوبة هبطت علينا من الطابق العلويّ حيث المتوحدون سمعنا صرخة حادة أطقتها ميشيلة فهرعنا أسفل السلم نستطلع الضجة.وجدنا المتوحدة” سبينا”الشابة الضخمة ذات العشرين سنة عارية ..تركض
تقهقه..
تركل جدار المدرجات وتراوح في مكانها
تصرخ تلتفّ على نفسها..
هتفت ميشيلة:
ماذا أفعل وحدي
وعقب المدير وهو يهز كتفيه:
حتى لو اتصلنا بالبلدية ليبعثوا لنا عمالا من مجموعة الاحتياط فإن طوابير السيارات ستعرقل وصولهم.
وعندما وجدت “سبينا “نفسها محاصرة من جهتي الدرجات في الأعلى والأسفل طوّحت بلباسها في الهواء ولم تكن لتتوقف عن الضحك الهستيري فتناثر فوق رؤسنا وعلى الجدران وفوق درجات السلم خراء أصفر غامق.صبغت دوائره ونتفه رقعة الممر والدرج وباب الصالون،وخلال لحظات جلست علىمنتصف الدرج تلطم رأسها بيديها،وفي عينيها يلوح بعض الغضب ورغبة في الزعيق والبكاء.ناداها كالم برفق:
Don’t worry everything will be ok
ترك المديرُ المعاقَ الاسبرجر بعهدة السكرتيرة وصعد الدرج حذرا ليكون مع ميشيلة،أما أنا وكالمُ فقد ارتدينا القفازات وقناعين،وراح كلّ منا يزيح ماتناثر من البقع عن جبين صاحبه وانشغلنا بالحيطان والممر،نمسح ونزيل بالمطهرات الروائح الكريهة:
لا بأس عليك ياصديقي شغلتنا متعبة وأظنك ستحبها في المستقبل.وأعتقد أنّ جاسمين ستحب عملك مثلما أحببته!
بصراحة لقدسرني العمل معك!
ستجد جاسمين لطيفة في تعاملها أيضا.
أتخيّل نفسي وأنا أرتدي القناع أني أحارب كورونا أنا في الصين الآن!
أووه كورونا!
حقا أرهقنا الشطف والتنظيف،وقد تناثر وصول العاملين فخف العبء قبل الظهر بساعة.غير أن طريق العودة لم يكن سهلا.طوابير السيارات،وبداية عاصفة.
ثلج ومطر..
جلست في الحافلة،ولو قضيت يوما عاديا لذهبت إلى المنزل.استريح قليلا،بعدها أغادر إلى مانشتسر.لكنّ علي أن أؤوجل سفري إلى الغد.يومي بدأ بتناثر كسر تثير القرف وها هو يحمل نتفا بيضاء ناصعة ولا أعرف كيف ينتهي.
مازلت في الحافلة.
الطريق متعب.
الهواء عاصف.
الثلج يصبغ الطريق بالبياض.
غثيان يداهمني حين اشعر أن رائحة كريهة تنبعث من جسدي الذي تلطخ بالخراء ،وأن وجهي يثير قرف الركاب برائحة عالقة فيه،فلا يلتفتون إلى الطابور الطويل.
ولا إلى الوقت الذي يداهمهم،والثلج والزوابع.
يرن النقال.تقول والدتي أن خالتي تصل غدا بالقطار إلى مانشستر.،فأتجاهل أن أحدثها عن العاصفة كي لا أزيدها قلقا.فتنتهي المكاملة بنمط مألوف دائما من الوصايا.
تذكّرني بزيارة خالتي وابنتها المعهودة. فأعدها أني سأكون في مانشستر يوم غد قبل الظهر!

8

تركت وجهي في إحدى زوايا البيت وخرجت!
طويلا وقفت تحت “الدشّ” أدلك وأطهّر جسدي من نجاسة الصباح.
غتيان غاب عني وقت الحادثة.
شعور بالتقيؤ.
بعد دقائق يخفّ كلّ شيء،وتنبعثت من جسدي روائح الكريمات والعطور الحمام الساخن أصبحت بخفة البالون وقد تجرد جسدي عن كلّ مايثقله،فاستلقيت على السرير وكنت أستغرق بنوم عميق.وحين استيقظت متأخرا،شعرت أني نفضت بنوم عميق الليلة البارحة كلّ تعب الأمس.لمحت الشارع من النافذة فوجدت المطر مسح الثلج والعاصفة خفّت.
كانت أغصان الاشجار تتمايل برفق.
هل حلمت؟
ربما..
أعرضت عن سباق الكورونا والناصرية.بل راجعت وأنا أتناول الفطور آخر أرقام الضحايا.لم يعد يهمني العدد،الآن تذكرت.قلت من قبل ربما حلمت.تأكدت الآن من أنَّه حلم غير عاديّ.
شيء رائع أن أعود ثانية إلى أعوام الدراسة..
مع كريستي في المدرسة.
الحادث حصل في رمضان عندما كنت في الصف الثاني سنة تعرّفي بها إذ أثبت فحولتي وافتخرت بأنها أصبحت سيدة.لست عذراء قالتها لي وقالت لمن معها من فتيات الصف.بالتأكيد زميلاتها يعرفن من..كنت أجلس معها على مدرجات المدرسة فترة الاستراحة الطويلة،نأكل ال “snicker” نراقب بعض التلاميذ يلعبون كرة السلة.لا أذكر أن أبي أو أمي أجبرا أحدا منا على الصلاة والصيام.أبي صحبني أنا وأخي صبيح مرة أو مرتين إلى المركز الإسلامي.وجدَّتي علمت صبيحا اسماء الأئمة والصلاة قبل دخوله المدرسة، فأحببت أن أتعلمها.في مدرسة اللغة العربية يوم السبت صلّى بنا المعلّم..وفي البيت حاولنا أنا وصبيح ومعنا ماجدة أن نصلي…وقف صبيح أمامنا يمثل دور الإمام لكنه قطع صلاته مرتين تركنا واقفين وذهب إلى الحمام يتوضأ من جديد.يقول إنه أخرج ريحا.لم نشتمّ عفونة مع ذلك وضعنا أيدينا على أنوفنا.أمي وجدّتي استغرقتا في الضحك.ولعلني فكرت أن أصوم رمضان وأنا مازلت في السنة الأولى من دراستي.ضحكت أمي وعقبت عندك دروس.التفت أنت وإخوك إلى المدرسة.مازلت صغيرا ثم إنكما تبولان واقفين تعلم حين لاتبول واقفا فكّر بالصيام.فانبرى صبيح ساخرا:
آمال وماجدة لاتبولان واقفتين فلم لا تصومان.
سخيف تقول آمال وتشيح بوجهها.
وقد صمتُ..
لكنني أفطرت بعد ساعات
كان الفصل صيفا والنهار يطول إلى الساعة العاشرة مساء.
لم أصبر…
غير أن الأمر،هذه المرة بدا أكثر غرابة،كان معنا صبيّ من المغرب في الصف التاسع.. أكبر مني بسنتين.. اعتاد حالما يراني مع كريستي أن يهمس بصوت منخفض واضح وهو يتطلع في الأرض punk ظننت أنه يحدِّث نفسه أو مصابا بعوق ما..هذه المرة وقف أمامي وجها لوجه.جحظت عيناه وخاطبني باللغة العربية:
أنت من الشرق فاسق كافر تقترف الزنا وتجهر بإفطار رمضان في العلن.
نهضت ،واندفعت نحوه غير أن كريستي سبقتني ..
وضعت يديها بصدره ودفعته بقسوة لبوة..صرخت:
coward dirty go away
لم يتوقع أن تكون صديقي بهذه الصورة من العنف،فاختلّ توازنه وسقط على قفاه وقبل أن أصل إليه وفي نيتي أن أوسعه ركلا في أي مكان من جسده حجز التلاميذ بيننا،وراح بعضهم يزعق.
في الوقت نفسه اكتشفت قوة أمي وطيبتها.همّ أخي أن يترصد عند باب المدرسة فحذرته،وفي اليوم التالي قابلت المدير وصاحت بوجهه:أنا صائمة لكن قل كيف يصوم طفل بعمر أبني والنهار لا يطاق بطوله المفرط.هؤلاء دواعش قتلوا أباه في العراق ويرومون قتل الابن،وأنتم تسكتون عنهم.تدعونهم يسرحون ويمرحون ويهددون الآخرين..ماذا يريدون منا!
كانت تتحدث بانفعال حتى أني لم أخجل من لكنتها ولغتها.
بدت لي عظيمة أكبر من كل الدنيا!
أشعر معها الأمان كأنّ أبي لم يمت وجدتي ماتزال على قيد الحياة…
المدير نفسه تعاطف معنا وأحضر ولي أمر التلميذ..هدده باستدعاء الشرطة ورفع دعوى “إرهاب”..ولا أذكر أن التلميذ المغربي تجرّأ أن يلمحني بنظرة ..غير أن الحلم يختلف..
اختفت كريستي..فاجأتني بهربها..
هربت حالما وجدته يتقدّم نحوي..
تلاشت
فنهضتُ
في تلك اللحظة برز من مكان ما كمقاتل شرس بعينين تجدحان شررا جنديّ كان ينتظر بصبر داخل كمينٍ عدواً انتظره منذ زمن طويل
هو بعينه العم محسن طفيل
شريك أبي في محلّ الخضرة الكبير..الطيب الذي حمل إلينا حصة أبي،كان أمينا في كلّ شيء.هناك أمور كثيرة نجهلها.أرباح من مبيعات لم يدوناها في سجل الضرائب.مبلغ كبير،كان يبكي ويقول رحم الله أخي أبا صبيح كم نصحته ألا يذهب إلى العراق، حقا مبلغ كبير..وكان أخي صبيح حين نذكر أمانة العم محسن طفيل يخاطب أمي بمزاحه الثقيل: صحيح أنت تجاوزت الأربعين لكنك مازلت مغرية وملفوفة ورائعة مثيرة حقا أكثر من الإنكليزيات ولعلّ الرجل فكر أن تكوني ضرة لزوجته أم أحمد!
ولك حيوان أنا أقسمت الا يمس جسدي أحد غير المرحوم أبيك والأحرى بك أن تقول هذا لصديقاتك في الصفّ!
غير أن العم محسن بقي وحده ولم يرغب بشراكة أحد في المحل بعد وفاة أبي.
ولعله لم يفكر قط بالزواج من أمي بل مجرد مزاح ثقيل من أخي صبيح.
أو مجرّد شكّ..
توجّس..
وجدته يحمل هراوة فيهوي بها على رأس التميذ المغربي.
المدرسة فارغة..
كريستي هربت.
التلميذ يترنح
يتراجع
يهرب ..
يلحقه العم محسن
أراقب المشهد من بعد..
لحظات..ساعات..
يختفيان..
لحظتئذٍ أنتبه على صوت ناعم يعلن وصول القطار إلى محطة برمنغهام…
فأرمي آخر حلم لي من مخلفات البارحة وأهبط.

9
في البيت تناوشتني خالتي بقبلاتها وعتاب طويل.
لا أظنك عاقّا تقول،لكنْ أهكذا تترك أختي وحدها للعزلة وتذهب إلى مدينة أخرى،كانت أمي مفتونة بقلادة من الذهب وبعض هدايا ثمينة جلبتها لها أختها،أما لؤلؤة فقد لاحت لي فاتنة حقا،بوجههاالمدور،ونغمتها الخليجية الثقيلة وابتسامتها الهادئة.
أكثر براءة،كأنها كلما كبرت ازدادت طيبة.
هذه هي أوروبا ياخالة،وهذا هو نمط العمل فيها أم تحبين أن أعيش على مساعدات البلدية وهذا أمر أرفضه قطعا.
فانبرت أمي محتجة:
يعني لم تجد عملا إلا في نوتنغهام مع المعوقين وتترك أمك وحيدة في هذا البيت الطويل العريض!
هذا هو مجال دراستي ومارست فيه التطبيق العملي قبل التخرج.
الذي يحز في نفسي ويزعجني أكثر من العواصف والله لم أخش العاصفة بقدر ما أخشى عليه من ان يصاب بمرض من ذوي الاحتياجات الخاصة.عدوى يا أختي عدوى.
الله الحافظ.دعينا من العتاب الآن فلكل مشكلة حلّ سنقضي بضعة أيام عندكم ثم نصحب أمك معنا إلى لندن!
لقد قلت حقا ياخالة والحمد لله على سلامتكم”وغيرت الحديث عن قصد”سمعت أن كورونا وصل الإمارات،ألف الحمد لله!
قالت لؤلؤة: صحيح ثلاث إصابات.
ردت أمي:الله الحافظ!وأردفت كأنّها تتعلق بذكرى أبي وفاجعة موته:هي المنطقة ناقصة …المشاكل مع إيران وحرب اليمن والعراق التفجيرات..الله يستر.
قالت خالتي تستهين بما يجري:
كلّ شيء يهون إلا الوباء هؤلاء الصينيون أصبحوا يملأون العالم.تلتقيهم في كل مكان.عندنا في الإمارات بعشرات الآلاف في كل مؤسسة وكل معمل..هذا ثاني داء يصدرونه للعالم،والمصيبة كيف تحارب شيئا مخفيا.فيروس يتلون ويتشكل.هكذا يقول أهل الاختصاص.
فتساءلت أمي وقد خطر في بالي الآن أنهاكانت وحدها مثلي حين طالعتنا الأخباربالوباء الجديد:
ولماذا أصبحت الصين هي المصدر لهذا الفيروس.لِم لا تأتي الأمراض من مكان آخر؟
هذه المرة انبرت لؤلؤة تشرح الأمر:
إنهم مليار ونصف،يأكلون كل شيء، الذباب ،والجرذان..الكلاب،والخفافيش والوزغ..كلّ شيء،يُقال الكورونا من أكلهم الجرذان!
كانت خالتي هي الكبرى،ولم يكن جدي وفق حكاية أمي من المتزمتين،فقد عمل بحارا في الخليج واستقر بضع سنوات بالإمارات يعمل قبطانا لزوارق الأسرة الحاكمة بدبي قبل أن يعود إلى الناصرية،وفي الإمارات تعرف على إحدى العوائل الثرية.
هكذا تزوجت خالتي في دبي.
أقرأ بعينيها ومن خلال سلوكها معي أنها تروم أن تكرر حكاية لؤلؤة بطريقتها الخاصة.
وهي متأكدة تماما من أن زوجها ترك لها حرية التصرف بتحديد مستقبل ابنتهما.
لؤلؤة آخر العنقود بعد أربعة أولاد،هذه السنة تكمل دراستها الثانوية،تحب الديكور وتصميم الأزياء،ومادامت خالتها تسكن بريطانيا فيمكن أن تكمل دراستها هنا..
لا أظنني مخطئا،قلت من قبل: إني آخر ورقة مازالت رابحة بيد أمي…
أمي ترى وجودي بعيدا عنها مشكلة،وخالتي تجدني الشخص الأكثر لياقة.الزيارة جعلت أمي أكثر حيوية.وجدتها استعادت نشاطها وقاومت يأسها..كأن دار العجزة تباعدت عنها.إنها تقبل بأيّ عرض عدا أن تعيش تحت جناح صهر باكستاني وكنّة أرجنتيتية.
عيب..
حتى لو كان الصهر عراقيا..عيب.غير مألوف.
وفي آخر زيارة عادت.
تصورت أني تلك الليلة أصبحت محور الحديث.رشاقة أمي وفرحها بأختها وابنتها،وأمل خالتي الجديد.وربما خطر ببال لؤلؤة أن أكون فارس أحلامها.
لقد عادت بها السنين إلى زمن أبي وجدتي
كل شيء ممكن
أو
غير مبالغ فيه
وانضمت إلينا ماجدة التي دعت الضيوف إلى حفلة عشاء في اليوم التالي،وقبل أن ارتمي على فراشي دخلت أمي علي الغرفة وهمست:
غدا ستصحبني ماجدة مع خالتك لزيارة بعض صديقاتها،عليك أن ترافق لؤلؤة لتريها معالم المدينة!
فهززت رأسي،ولم أبد أي امتعاض!
ألم أقل كل شيء غير مبالغ فيه!

…… يتبع

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

سلام إبراهيم: وجهة نظر (18)قليلا من الفكاهة تنعش القلب
نماذج من نقاد العراق الآن (1 و2) (ملف/149)

نماذج من نقاد العراق الآن -1- يكثر في العراق الآن ويشيع أنصاف المثقفين يكتبون مقالات …

تعليق واحد

  1. صالح الرزوق

    هذه ليست رواية عن الجائحة بكل معنى الكلمة و لكنها عن الغربة و التشتت و أمراض البنية حياتنا الاجتماعية في الاغتراب. و عن الألم و الحرمان و حالة التردي و الذعر و القرف التي تحاصرنا تمهيدا لانتشار الجائحة.
    هي رواية عن طوفان يشبه طوفان نوح.
    و لذلك السفينة حل لا بد منه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *