مفهوم (المُثقف) ودلالاته التاريخية المُختلفة في فرنسا وألمانيا
ترجمة: بشار حاتم

تتأصل كلمة مُثقف من الكلمة اللاتينية (intellegere) والتي تعني الإدراك والفهم والمعرفة. |الإدراك (Intellectus) هو المستوى الأعلى من المعرفة. بينما يُعرف الكاتب الروماني شيشرون (الذكاء/الفهم intelligentia) على أنه القُدرة المعرفية والمستوى الأعلى للنشاط الإدراكي. إما كلمة “مُثقف” كما نعرفها اليوم فقد تم تداولها لأول مرة في قضية دريفوس في فرنسا:

في عام 1895، تم اتهام ضابط المدفعية اليهودي ألفريد دريفوس بخيانة الوطن وحُكِمَ عليه بالسجن مدى الحياة. وبما أن التُهمة بحق الخائن المُفترض لم يكن لها أي دليل، ولم يكن من المُمكن نشر الأدلة دون الكشف عن أنشطة التجسس في فرنسا ، فقد كانت وثائق القضية مُزورة. ولكن بالنسبة لغالبية السكان الفرنسيين، لم يكن هناك شك في أن دريفوس هو المُذنب. بعد صدور الحُكم بحقه، طعنت عائلته بالحُكم الصادر. نشر مُحامي العائلة الأفعال غير القانونية التي ارتُكِبت أثناء المُحاكمة، ولكن لم ينفع ذلك. في غضون ذلك، تم الكشف عن الجاني الحقيقي ، وهو الرائد (استرهازي)، الذي وجهت إليه أيضًا اتهامات. لكن المحكمة برأته مُجددًا. تدخل إميل زولا في هذه اللحظة برسالة مفتوحة تحت عنوان “أنا اتهم “J’accuseانتقد فيها الجيش والحكومة أخلاقيًا، وكذلك الأخطاء الإجرائية في عملية المُحاكمة ، وطالَبَ بالحُكم العادل للمُدان دريفوس. وقد قوبل اعتراضه بالتأييد وانضم إليه أكثر من 2000 باحث وفنان وموظف مستقل ، والذين أُطلق عليهم رسميًا لأول مرة كلمة “مُثقفون”. وقد أثار هذا التدخل نقاشًا حول القيم المعنوية مثل الحقيقة والعدالة، والتي أدت في النهاية إلى العفو عن دريفوس وإطلاق سراحه في عام 1899.
من خلال التدخل في القضايا التي لا تهمهم شخصيًا ، حقق المثقفون هنا من ناحية مبدأ العدالة في قضية دريفوس ومن ناحية أخرى بدأ الناس التفكير في القيم التي تهم المُجتمع. وقد أصبحت كلمة “مُثقف” ذات دلالة إيجابية في فرنسا منذ ذلك الحين.
يختلف في ألمانيا تاريخ هذا المُصطلح تمامًا. إذ كان للكلمة دلالة سلبية للغاية خلال الحقبة النازية. كانت كلمة مُثقف مُرادفة لمعارضي الإيديولوجيا النازية، مثل اليهود أو غيرهم من المجموعات غير المرغوب فيها من السكان. حسبما يوضح المؤرخ الألماني ديتز بيرينغ في أطروحته “المثقفون. تاريخ “لعنة” ، فإن مُصطلح “مُثقف” لم يكن في ألمانيا بأي حال من الأحوال تعبير عن الإطراء كم كان الحال في فرنسا. كان معناه أكثر من العنوان الذي وصفه بــ (اللعنة)، وكان يُقارن بكلمات مثل “مريض” و “مُعارض”. وقد استغرق الأمر وقتًا طويلاً قبل أن يتم القضاء على الدلالة السلبية لهذه الكلمة، كما هو الحال مع العديد من المُصطلحات الأخرى التي تم استئصالها.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| فراس حج محمد : الزمكانيّة المصاحبة للنصوص الأدبيّة وأثرها في توجيه النصّ.

ماذا يستفيد الدارس من تثبيت الشاعر أو الروائي لزمان كتابة النصّ ومكانها؟ سؤال طرحته كثيراً، …

| د. فاضل حسن شريف : النقد في القرآن الكريم .

لا توجد كلمة بحروفها او مشتقاتها في القرآن الكريم تشير الى النقد. ولكن من تعريف …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *