صباح محسن جاسم : أيام كارتون – هوسُ جنيّ , عاد بتفاحة النار !

عن – منظمة كتاب بلا حدود- الشرق الأوسط , وضمن  نصوص شعرية  صدرت – أيام كارتون – مجموعة الشاعر علي الأسكندري وقوامها مئة وثماني صفحات من القطع المتوسط بـ 22 قصيدة نثرية مختارات من مشغل الشاعر لما دونه للفترة  ما بين عامي 1988-2009 .
تنثال قصائده المشاكسة والمتمردة  بدءا من – حياة مثقوبة –وحتى ختامها بـ – الغائبة – من ثم ملحق السيرة الذاتية التي صاغها الشاعر بطريقته الشعرية المحببة  ضافيا :
” رأيت ظلمة الوجود لأول مرة في العام 1956 في محطة الأسكندرية, احدى قصبات بابل” ثم يختم ” تزوجت من سيدة بابلية وانجبت منها ( أسفار) ابنتي البكر , ثم ( آدم) الذي أخرجني من الجنة , و( زبيدة) ثمرة الروح و ( شهرزاد) الراوية الأخيرة لقصتي مع الحياة.”
قصة التي تضمرها قصائده تنبئك عن تشظي روح الشاعر في بحثه الوجودي عن كنه الحياة وتناقضاتها وتؤشر لبحثه الدؤوب عن اقصى تخوم الحرية  بانطلاقة أولى ولكن بتناول مختلف.
القصائد برمتها تشهد انكسارات الشاعر مقارنا اياها بانكسارات العصافير, معاناته , رفضه, احتجاجه من ثم تمرده .. لكن بهدف تنويري .. فهو يتسائل سؤال العارف :   
هل تراه شط من حزن التراتيل..
لكي يطلق صرخة ؟
أم تراه لوّن الصمت بديباجة ..
همسة ؟     همسة ؟
( تفاحة الدهشة)
توصيفات – الأسكندري علي- مخضوضبة بغنى المخيال ممزوجة بألم غير مجاني فهو لا يعطي صورته بمتوازياتها النمطية اذ غالبا ما يصفعها فيما يضعها على حصير الأرغفة قبل أن يضطجع رغيفه محاكيا لون وقرص الشمس.
يدخل معاتبا ” ايتها التي ضيعتني في فوارز أنوثتها المرضوضة…”  ” يا ثمرة قلبي المفطور”  ” ..أنا ذلك الفتى الذي اختفى…
والكهل الذي كلما تبقى الآن
بحر من الغياب
وغابة بلا ذاكرة…”
يتوهم حياته , بل ان صناعته جاءت في ” انبوبة اختبار” – هناك من رسم لها خارطة سيرها مذ كانت مجرد نطفة ! أوقاته مترهلة , ليس لديه ما يعتذر عما مر به من ترهات. هو البريء حتى من ” أسنانه الدائمية” , وليد تواطؤ  زجّه داخل زنزانة من تنور فلم تعد له من حياة بعد ان خربوها وما عاد له من فضلة زمن ليمارس تلك الضيافة الممجوجة فقد نضب زيت فانوسه وما عاد دعاء رفيقة حياته يجدي بشيء.
في – انوثة معطلة – تمرد واحتجاج بدءا من ” العانس الجميلة مرورا بهلهولة ” مخنوقة قبل الأوان” تلك التي ” لم يتفرج أحد على غاباتها الحارة” الأنثى التي لا جنة ” تحت قدميها في غدها المقبل”.
كل شيء امسى واضحا في ما يجول بذهنه انما الشاعر يثير ركود الماء وكسل الأسئلة فلا بد من انفلات حجارة – رولان بارت – لمتابعة آثار ذلك الحراك الممتليء بالدهشة.
في سمائه المضادة – ينحى الى خدش تلك الرومانسية المبتذلة فهو ينحت بأزميله  تلك السماء ” المقوسة بشقائق الأمبراطور” بل ويؤسس لسماء خالية من أبهة القصور والرتاجات الباذخة والمثقلة بحشد من ” الأحذية الثقيلة والجلود المدبوغة..”. وايضا بحشد من ” الأثداء الجافة والمنجمين والنمور والمظلات النسائية” و” مشاعات الفرص” و ” ذباب الحيلة”.
النبوئي كعادة كل الشعراء في شتى اصقاع الكون , توقع مبلغ الشر القادم  منذ العام 1998, هو من صرّح من أن سماءه مثقلة بحشد من سنين عجاف ” بينما ثعالب القصر تتبّل رائحة الهزائم ..” فيما ” جيوش لا حصر لها/ مظليون من أصقاع بعيدة” والشرطيّ ” يغسلنا من عسل الطمأنينة”.
كما نلاحظ صناعته في توصيف يجمع متضاد موسيقى حيوي اذ يصنع من الفراغ  جرسا ” يضخّم عزلة الموسيقى..”.
أما كاهن – علي الأسكندري- فأنيابه ” ترمم بكارة الميراث المتهتكة”.
وهو من يسمع طبول حرب قادمة و ” تلك سماؤنا المكسوة بصمغ المهرجانات/ ارى طبولها فوق دمعة السماء”.
لو فقط مرة واحدة يستمع السياسيون الى الشعراء ويتبعون غوايتهم لما نبشت ” بومة الكلام عظام الغابرين.. ” وما لبطت أسماك الوصايا في ” لعاب السدنة”.
في ” مأزق وردة الخشخاش” – في مقاربة له يذكرها بزهرة الخشخاش وهو الأنسب من حيث الطبيعة  – يصور الشاعر مشهد زهرته فيما تقف على ساقها المتورمة  اثر انتظار عاشق يجرها لخليلته بغاية المنح , توصيف غاية في الشاعرية , يتبنى فيه موقف المدافع عن تلك الزهرة المنبوذة بسبب ما تخزنه من محظور في مكونها الكيميائي ,  مطالبا لها بالحرية من عبودية التحريم. وهنا دعوة ضمنية صادقة لتجنيب هذا النوع من الزهور من جناية تجار المخدرات الذين أساءوا لها تلك الأساءة التي رافقتها بلعنة التحريم فاغتصبت وما عادت تتنفس بحرية. يورد في أحد تعليقاته ” واذا كان هنالك مدخل لجرائمنا الصغيرة في محظور الكتابة فان خصيصة التأويل هي سلاح الاخر المتغابي لادانة تجلياتنا وانفلاتنا لتفنيد بشاعتهم وتعسفهم وامراضهم اولئك الذين سمموا حياتنا واقاموا علينا الحدود دون ان يتفهموا تـشــبــّــهنا بسلوك وردة الخشخاش تلك التي تثير خيال الاعزل وتمنح المتردد جرأة الفعل قبل جعجعة القول.”
في ” أزمان وصحف”  قال الأسكندري ” القادم أحلى.. “. لقد قايض الشاعر كل ما هو فاخر وبهيج من غابات كحيلة هاطلة وكمنجات زوربا وصليل خصوبة وعصيان بلبل ووصايا الحجب , مقابل ان يتعلم هذا العالم.
يشاكس فيمنح الرب عزلته المتواضعة .. بأثر فساد بيضة الحياة المرة. ثم سرعان ما يلوذ بالتوصيف بحثا عن انثاه الضائعة بحيلة أثارت العالم بتملصه مما يلقيه من سؤال فهو يقفز دونه الى الجواب صفة العارف والرائي ، فيما يعود يتساءل:
ربما خلفي شعوب من المدونات.. فرّخت أمراضا من التكرار/ واجيالا من جراثيم العادة..
على أنه سرعان ما يتهرب بحجة البحث ” ابحث عن جناتك المتخمة بالأغراء/ عن بلاغة بياضك الباهر/ عن شرشف لم يتشرب.. بطمث الآخرة المهجورة”.
فيرفض الطاعة العرجاء والليالي التي ( بالت) عليها شهرزاد , فالغنائم  ليست اكثر من مجلبة للعقم.. بل يمضي الشاعر وهو يفتش عن دنان من شراب لم تمسسه ” يد البغضاء” وعن  ينابيع اصابع ” وهي تتحسس مسارب الموسيقى..” ليختتم متفائلا بمجرد ذكره لمؤسسات الجمال تلك ” القادم  أبقى”. وهنا نتلمس فيه الرائي بتفاؤل فاعل.
مثله في ” بحر الورد” يطلّ علينا دونما اكتراث مركزا اهتمامه على ضمير المخاطب ” انت” هامسا حبيبته ورفيقة شعره على أنه بعد منتصف القصيدة يتحول الى المرأة  موظفا جانبا من ايروتيكا تلذّ له بمعنى الحرية فيواصل: ” مرري أصابع قمحك. على موجته الخافتة.. فلعلّ في أعماقه رمق.. كي يبرأ من علّته/ مرري وضوحك على فتنته الغامضة…” هذا التوصيف الأيروتيكي العالي والعميق قد توارى في ثناياه الشاعر طمعا بقوة مضافة يستعيد بها ثباته الذي ابدا لا يتنازل عنه. وما معشوقته الآ سيدة الورد  بل هي خارج ” اقفاص العادة” و” بعيدة عن فهرسة النساء الرهائن../ في أقبية الغلمة/ وأقواس (ما ملكت ايديهم)”. فهو يجد راحة عميقة في غمزه وانتقامه الساخر بمرارة المترفع عن ماخور الرذيلة المتزيي برداء الكهنوتية الجديد.
واذ يصوّر عمق حزنه يورد في – الطبعة الضائعة – ” وكسرة دمع … رافقت نطفتي..” فالحزن رفيق حياته قبل أن يصرخ معنفا الحياة. هو العالق في ماسورة الصناعة .. مربوط بنخاع النص المخمّر…./ لا برزخ ” يؤيه.
” أنا النطفة … / التي قرفصت على مقدرات الوجود / وقالت للأرض../ كوني لشراهتي قبعة وغيمة…”.
فـ ” منذ النص الأزلي الأول” يخاطب المرأة/ الحرية : ” وأنت/ بيني وبيني… متى تخرجين اذن / من بين سنابل أهدابي(؟).
في ” وأنت .. فقط “, يتساءل ” كم تبقى من الحب في هذه الفيافي؟ هل ما يكفي لأمرأة ووردة وطفلين؟ كم تبقى من الخمر؟ هل ما يكفي لشاعر ومومس ومجنون؟.
انها معاناة من انفصام الحالم العارف ,وهو يقف على مذبح الحرية عند تخوم غابة حزنه الدفين مناجيا ” كم تبقى من البلاد؟” اما مقدار مساومته فيحددها هو : – شميم رغيف لها – ” ولهم كل الكعكة المضرجة بالأوسمة”.. فالبقاء للرغيف وللحبيبة والزوال كله لكل أولئك النفعيين الأنانيين.
يستأنف في “شعرة أوروك” مشاكسته الملغومة بالسخرية : ” الآن أعيد مسميات/ الآلهة وأعلن براءتي من الطاعة الأليفة../ وسأخرج من بوابة الملك أهرّ/ أصبعي الملوّث بالخواتم والنذور.”
أما ما تبقى من ذاكرة ” كولومبس” فهي امريكا وثكنات تتلمظ من خلف الشاعر فحسب.
في ” تغريبة بابل” لم يبق للشاعر سوى أسم الأشارة وخرائب وأسد حجري وخزائن الطب العدلي المليئة بالرؤوس المثلجة. كان أسدا حجريا لا يحرك ساكنا واذا ما نطق فليس باكثر من سؤال ساذج ” هل ستطبخون كل هذه الرؤوس في وجبة واحدة؟ ” فلا غرو أن تتعدد ” الأضرحة والمقامات والشواهد والكرامات .. في مقبرة وادي الرافدين”.
ثيمة الحرية تتقدم باضطراد عند ” مهرج الأحراش السعيد” نتلمسها مترعة والشاعر يخاطب مطلع قصيدته طير الباز ” في يوم ما / سيكون جناحاك وسادتي..” ففي يوم  ما سيدون بريشته ما تيسر من الشاعر ويرمم السؤال الذي امتد به ” من الحبل السري.. الى مثواي المرقم بالغزوات “. ولا ينفك من أن ينتقم لنفسه في اية فسحة من الوقت كي يمارس طقس الأدانة : ” لتكن أيامي عاقولة تحت نسيج الفجيعة/ حيث روائح الليل المبيّت تحت قبعات المهرجين / السدنة / بائعي الأحلام.”
من ثم يعود طارقا بوجعه :” ما زلت أشم روائح الدسائس تحت طاولة الكهنة” , وفي بؤبؤي عينيه اشارة ما انفك يرددها : ” هنالك أفعى تحرس غابة الأيام”.
من على ” مائدة الخريف” تمنى ” لو ان احلام الكهنة توقفت/ في يوم ما ”  فقد أهانوه تماما وما عاد بيده سوى ان يعد ايامه الأخيرة ومع كل ذلك يحسبونه يغني!
في ” بلوغ الأوان ” الأنوثة فراغ – فالواقع عقيم بدليل ” ليل الخميس فارزة يتيمة / تتهجى الثمر الهجري/ ثمر العائلة العاطلة .”
يتدحرج قوام الشعر لدى الشاعر مثلما ” حجر مسرح” , ذلك ” … الثقيل/ الذي لم تمنعه جاذبية الظلمات/ وخسوف القمر العراقي / فارتمى على زجاجة اللغة / ولم يدر بشظاياه وقد تبعثرت.
ولا يفلت من سخريته المرة اثنان متلازمان ” المَلك والكاهن “ففي ” نشيد مهمل” ينشد :
” لم تزل المعابد والحصون تمجّد شهوة الأزمنة الآفلة
ولم أزل بخوذتي امام غلمة الأرض
أرتق عورة الملك النائم..
وما زال الكاهن…
أعمى
يبحث عن معجزات نافقة
وهو المحتفي بالآتي ” ملفوفا بخوصة الكتابة” وحيث يكدس النسيان انما يفرّط حبات الأيام ويشجّر صدر حبيبته/ وطنه بالسواحل!
هو الحالم ان يعود يوما عاريا ليرتدي ” طفولة البياض”.
يرسم في اكثر من مفازة لوحات اقرب في الشبه الى اشتغال سلفادور دالي – فأوزاته ” تقرفص فوق الغروب” واذا ما نضبت ملموسات سلفادور المتخيلة يتجاوزها الشاعر الى ثورة المشاعر فيواصل رسمه لـ” انكسارات الضوء في مهجة الماس” وهدهد مشفر ” على أكياس النايلون”. كما ويرسم ايضا مهد الخليقة ممجدا الأنسان ذلك لأنه ” قبل وبعد فوات الأوان”!
غير انه امام ساحة التحرير يتعثر ” بتاج الملكة فكتوريا”. هو من شهد ” هزائم الباعة المتجولين” أمام انتظار  لا أحد سوى الشاعر نفسه. واذن على الشاعر أن يشق السكون.
في – أيام كارتون- احتجاج على عدم الأرتقاء بالنفوس إلى شخوص المسرح الحقيقي في الحياة , بل هي مراوحة في خطوط الخلق الأولى وذلك ما يهدد بالزوال ان ما بقي الحال على ما هو عليه! – من هنا يتألم الشاعر صارخا بمرارة المستميت.
وهو في جنونه التصويري بباذخ مخياله الشعري يزيح تهويماته امام تقرير للأمم المتحدة بشأن الطفولة المسخّرة لتجارة الرقيق , فيندد ” .. الأنبياء ما صحوا من رقدتهم… وطفولتي مرعوبة من هيلمان أبي وعصا المعلم وصاحب الشرطة وعذاب الله وانا اصرخ..” ص 91.
وما يزال يصرخ ” يا عبد الظلام.. تخلص من ادرانك واحرث الفضاء بجنائن عقلك.. وهشم سماواتك الخنثى فهي من زجاج”.                                         
وقبل فاصل توضيحي يختم بسخرية مريرة تصميمه الخاص :   
” انها أيامي
يوما
ختنت فيه..
وقد اختلطت هلاهل النسوة
برصاص الحرس القومي وهو يفضّ بكارة البلاد
ويستنسخ أدولف هتلر وموسليني
ويزرع فينا شهوة النار وبذور الثأر” 
و.. “وأول الأمر محنة” كما يوضح الأسكندري  يوم يستفيق السكرُ ” في قطرة ماء” .. بما يتميز اسلوبه من ابتكار وجرأة وشاعرية بمقدرة بيّنة على التطويع بالطريقة التي تميز تلاعبه بذكاء على المتضادات بتركيز وتكثيف الأمر الذي يجعل القاريء مشدود الأنتباه .
مجموعة جديرة بالقراءة بمتعة التجوال بين توصيفات جميلة بلغة بليغة من عوالم الشعر وغوايته بخاصة من قبل سلاطين الجان  كى يبادروا بالأيعاز لفرقهم المطهمة بالسواد لأعدامها وعلى الفور بالخارق الحارق من الرصاص!

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| جمعة عبدالله : معاناة الانسان المضطهد  في الديوان الشعري “ثلاث روايات” للشاعر عبد الستار  نور علي.

  تشير بوضوح قصائد الديوان الشعري في بدايات السبعينات القرن الماضي , الى ولادة ونبوغ …

| طالب عمران المعموري : بنية الاهداء في المجاميع الشعرية  للشاعر مهند عبد الجبار آل ابراهيم.

لمنتجي النّص الابداعي  في عموم نتاجاتهم الأدبية أسلوبهم   فيما يكتبون  وإن كثيراً لهم بصمةٍ مميزةٍ  …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.