الرئيسية » نقد » ادب » عبد العزيز لازم: رواية حميد الربيعي: تعالى … وجع مالك، إعادة تشكيل الاسطورة لتوحيد الرؤية بعد وجع مالك

عبد العزيز لازم: رواية حميد الربيعي: تعالى … وجع مالك، إعادة تشكيل الاسطورة لتوحيد الرؤية بعد وجع مالك

يواصل الادب العالمي في القرن الواحد والعشرين سحب شهيقه من عبق الانجازات الكبرى التي تحققت  في القرن العشرين على صعيد الادب والفن . فليس ممكنا رغم الاحداث التي شهدها العقد الاول من هذا القرن على الصعيد السياسي والاقتصادي ان يتجاوز الادب تلك الحلقة الكبرى التي اسسها مبدعوا القرن العشرين . لقد شغل هؤلاء باستغراق شديد بهاجس اعادة تشكيل الاسطورة في شكل حديث ومعاصر بهدف تمكين هذا المصدر المعرفي الموضوعي من استيعاب الرعب البشري المتوالد والتعامل مع قضايا الانسان التي تقض امنه . وعاشت البشرية ولا زالت تعيش على صفيح التهديد الساخن المنفلت لمنجزات الانسان المادية والروحية بسبب هيمنة الاتجاهات المعادية لآدمية البشر والرامية الى إقصائه بعيدا عن احلامه الممكنة . بناء على معطيات هذه الظروف تم النظر الى العولمة والراسمالية والحروب العالمية على انها عوامل هشمت ما كان ينظر اليه على انه صادق وجميل .
وقد تصدر الشاعر والناقد الحداثي ت . س اليوت الدعوة الى الرجوع الى المنابع الاولى للاسطورة بهدف اكتشاف اشكال اخرى للادب والفن تستوعب الشواغل الحياتية وحالات القلق والرعب التي سببت عدم الاستقرار في العقل والوجدان البشريين . فكانت الدعوة الى اعادة خلق الاساطير بما يتلائم مع ضرورات خلق ادوات تعبير جديدة . وهذا في راينا امر منطقي في ظل ظروف مهددة للوجود البشري ذلك لان الاسطورة باعتبارها خلق ابداعي جماعي توفر عاملين اساسيين للوصول الى ذلك الهدف اولهما انها مصدر معرفي تراكمي عفوي وموضوعي وثانيهما انها ( توفر بيئة لاستكشاف هوية الانسان ) كما اكد اليوت وغيره من كتاب اواسط القرن العشرين . وقد انجز جورجيس لويس بورخيس الارجنتيني هذه الرؤية عمليا في عملة السردي القصير ( بورخيس وانا ) عام 1960 ، فقد اثبت ذلك المبدع الشديد الارتباط بالارض التي يسير عليها رغم ايغاله في التحليق عاليا امكانية وضع السرد والميثولوجيا والهموم الحياتية الوجودية في وضع مترابط لانجاز خلق اسطوري جديد . في هذا العمل انقسم بورخيس الى بورخيس مرئي يقوم بمهمة الراوي (انا) الذي يحدث المتلقي عن طبيعة الانشطار الاسطوري بينه وبين بورخيس الاصلي ويقدم تشريحا نفسيا له ينتهي بالاندماج او التماثل بين الشخصيتين رغم اختلاف الخصائص الوجودية بينهما . فالاختلاف بين “النفس” الاولى لبورخيس و”شخصية” بورخيس المعروفة لم يكن اختلافا عدائيا بل هو تكوين متعدد الاوجه ، لكن سمة الاختلاف تكتسب ضرورتها من كونها مهمازا للكشف المؤكد لحقائق الحياة ، ويدخل السرد باعتباره فن الكشف المطلوب ، وتدخل الملحمة باعتبارها حاضنة تتبلور فيها الحقائق و يستعين بها السرد في ذلك.
ان رواية حميد الربيعي ( تعالى وجع مالك ) تمارس مغامرتها مستفيدة من امكانيات السرد العالمي كي تؤسس سردها الخاص استنادا الى ثلاث معطيات توفرت في حضن المجموعة السكانية التاريخية التي حرص الكاتب الاشارة اليها ( العراق وليبيا ) ، هي طاقة “اللبيدو” التي ولدت نشيطة ومتحكمة في نفس الشخصية الرئيسية ( سالمة باستمرار) ، والارث الميثولوجي في المنطقة وتجربة المؤلف في الرحلات ، وهو شاهد عيان على ما حصل من احداث  وهو ايضا ( مالك ) مفاتيح الروح الداخلية التي تتحكم بالاحداث . ان شخصية ( سالمة باستمرار) قدمت نفسها باعتبارها طاقة انثوية شبقة تتحكم فيها الرغبة الجنسية و( امتلاك مالك ) نفسه الشخصية الثانية ، الطبيب المهاجر قسرا والذي لا تستطيع ممارسة طقوسها الأثيرة  الا معه. وهنا تولد لديها الرغبة في احتكاره باعتبارها ضرورة وجودية بالنسبة لها وعندما تفشل في ذلك تخطط لتخريب طاقته الجسدية باستخدام عقار خاص عرفته من خلال مهنتها الاصلية كممرضة . ان هذا التصرف يذكرنا بموقف الالهة السومرية عشتار عندما رفض كلكامش طلبها بالزواج منها فقد ثارت ثائرتها الانثوية المنفلته وطلبت من ابيها كبير الالهة ان ينتقم لها من كلكامش الذي كان نصف إله ، فارسل ثورا سماويا عملاقا لمحاربته لكن كلكامش استطاع التغلب على الثور بفضل تدبره وشجاعته . لم يتعرض كلكامش الى خسائر كبيرة في صراعه مع عشتار وثورها ، لكن ( مالك الوجد ) تعرض للشلل او الى ( الموت السريري) وهذا الحال هو جزء من ثيمة حول ما يجري في المنطقة وخاصة بلاد مالك ( العراق ) ، فكل شيء معرض للخراب في هذه الاصقاع ، لكن يتدخل التعاطف الجمعي كطاقة مضادة لقوى الخراب ،فبفضل هذا التعاطف استطاع (مالك الوجد ) الرجوع الى ضفافه الاولى التي ولد ونما فيها ، ضفاف الطين في جنوب العراق التي انطلقت منها الاساطير الاولى ، وكان الطين هو العلاج . بعد ان غمروا جسده  بالطين بالترافق مع مشاهد طقسية من الرقص والغناء واطلاق التجليات في الهواء الطلق تمكن ( مالك ) من التغلب على ثور ( سالمة) وكأن الناس باطلاق نشاطهم الوجداني قد عجلوا في تحقيق الشفاء لبطلهم العائد .
ان رواية ( تعالى وجع مالك) لا تستطيع ان تنجز مهمتها وتقيم هويتها الا من خلال التجريب ، فهي ليست رواية حلقية أي انها غير مقسمة الى فصول أو اقسام وكانها تريد ان تتحرك عبر امتدادات لانهائية رغم وضوح عنصري الزمان والمكان في احداثها . كما ان حالة الاستلاب التي هرست المنطقة بهيمنة الديكتاتورية على مداخل ومخارج حياة الناس والتي يستشعرها ( مالك الوجد ) ويعيش نتائجها قد طورت وضعا ماساويا شديد التطلب لحالة الاحتجاج التي لا يمكن اشباعها الا من خلال التجريب .
لذلك شددت الرواية على تجذير الارتباط بين الشخصيات والاحداث بمعنى ان الحدث في سياقه وجد مشروعيته من مجمل الصفات التي تتمتع بها الشخصية التي تقوم به . في هذا سعى الكاتب الى محاصرة الشخصيتين الرئيسيتين بجملة من الصور والسلوكيات الصغيرة لغرض القاء الضوء على مصادر القوة والقدرة على الفعل بما ادى الى تحول كل من الشخصيتين الى طاقة قائمة بذاتها .  ولابد من التطرق الى مثالين في ذلك تعكسان المكنة المميزة للكاتب في فن السرد الروائي . شخصية ( سالمة باستمرار ) تحدثت بضمير الراوي الاول واصفة ظروفها النفسية والحياتية لكنها ذكرت في سياق ذلك انها تتسلم هدية بريدية بشكل دوري هي عبارة عن تشكيلة من الملابس الداخلية ولا تعرف من اين تاتي . لا يتملكنا أي فضول في معرفة مرسل الهدية ، لكن الكاتب اراد ابلاغنا عن طبيعة الطاقة الايروسية التي تمتلكها تلك الشخصية والتي سوف تشترك في تسيير سياق السرد عموما . شخصية ( مالك الوجد ) خضعت للراوي كلي العلم أي الكاتب نفسه واحيانا ( سالمة ) نفسها لم يتحدث عن نفسه ( لا ندري لماذا !) وبوسعنا التكهن بان الكاتب اراد اضفاء مزيد من الغموض المدهش على تلك الشخصية ، لكنه قدمها لنا بحدث يبدو صغيرا لكنه يترسخ في ذاكرة المتابع لدى تحليل الشخصية . في عمق الصحراء وفي عمق الليل وبعد ان انتهى من ممارسة علاقة جسدية مع ( سالمة) غاب غيبة لايمكن فهم غموضها الا من خلال ارتباطها بذلك الامتداد اللانهائي في المكان والزمان الذي عليه كل من الليل والصحراء ، غاب ساعتين ثم عاد ليجد سالمة وقد افترسها القلق . في هذا الغياب نعرف ان (مالك الوجد ) ليس مجرد طبيب عراقي تعشقه سالمة الشبقة ، بل صار شخصية رمزية محلقة بعد ان التحمت مع تاملات غير معلنة لكنها مؤشرة في التضاعيف الداخلية للسرد . كلا الشخصيتين ( الطاقتين ) شكلا قطبين لاعادة تشكيل اسطورة عشتار وكلكامش ولكن بظروف جديدة ، ظروف اختص بها العراق تحديدا ، منطلق الرحلة وقاعدة العودة وحاضنة الشفاء ايضا من خسائر علّمت الناس ومنهم مالك كيف يصرون على النظر الى مصادر ضوء جديدة ويحتفلون من اجلها . رواية ( تعالى وجع مالك) عمل سردي جريء تستحق ان توضع في مكانها بعناية من الادب الروائي العراقي والعربي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *