الرئيسية » نصوص » عايدة الربيعي : نكسة شهريار

عايدة الربيعي : نكسة شهريار

تأمل:
لست ادري لماذا يتملكني شعور وأنا اقرأ قصص شهرزاد، وكأنني ائتزر ليلها لأتقمص ذلك الدور في قصر أو مأوى استوطن فيه، أروي فيه قص لأرتوي من سرد تلك الأستعادات و الأسترجاعات في مناخ نفسي لا يتكافأ وذهنيتي التي احملها (كوني ارفض الرضوخ) فأحاول أن اقلب ذلك الواقع إلى عكس الأدوار لأنني فعلا أحس بأن الزمن كان يخرج من يد العزيزة – شهرزاد –  في عصرها الذي لا تحسد عليه طبعا، وهذا لا يعني أنني أحاول أن اقر بأن العمل القديم غير مجدي وأنها خاسرة،
على العكس.
لكن شعوري يجعلني  أتعالى على ذلك الشهريار- الطاغية – وغطرسته لأجعله يبتلع اعتذاره على مضض عن كل آثامه وانتهاكاته لحرمة الحياة انتقاما..
هل هي لعبة ثأر؟ أم تأمل من رفض؟
ربما هي محاولة في أن العب لعبة النسيان لحقيقة تلك – الألف ليلة-
استحضر القصة من جديد، في حلة جديدة كأنني أألفها لأول مرة، لعبة تنم عن عافية في أماسي  امنحها كل إحساسي لأتلمس ذاكرة الانتصار بدقة، والفوز من جديد في أوراق ألف وليلة جديدة، مما يجعلني متورطة ألاحق مستقبل لا يتذكره  الآخرون في ذاك العهد.
أتصور آبدا إن سرد الأنثى (آنذاك) في تلك المحنة كان كل شئ
كأنه برق ائتلق في ليل لا عمر له
أتصور متخيلة آبدا، كيف كانت ذاكرة امرأة تتوقد، لتكتمل بممارسة لعبة السرد المسائي لطفل أجحفي يخبئ النعاس في جفون الإغفاءة ليستمتع والكرى على نحو مميز لأبجديات تلك المرأة الليلكية لترضي غروره (لتسوي عقدة مزمنة لازمته) لكنها لم ترضي ضميره
هل سيشفى شهريار؟
هل يفترسها صداع الاجتياز
كلام صودر من شرفته آمراً : استمري
وتستمر يدها على قلبها
أحس بخفقان قلبها
يحس بنشوة الاستماع
فأي ملكة تلك، تحفظ وجودها بذلك ألحكي وتلك  الروايات السردية، فتربط الماضي بالحاضر ثم العودة إليه لبقاء آني لصبح آخر؟
تتذكر الأبطال البواسل، ترسم تفاصيل الأحداث، حين يذهبون حين يموتون، تتذكر المستقبل تلتصق بالحياة و برمقها وبالحاضر لبقاء أطول في دائرة الصراع التي تحتم حتفها،لم تمتلك حينها حبرا ولا ورقا
فقط عيون ترنو إلى أبعاد المصير الذي ينتظرها
تحكي
تخدره
تفلج أعصابه
تمنعه من إلحاقها بقطار المنون بسلاح تمتلكه عن فطنة فتجود بالدفاع به – حنجرتها- وتلك الفطنة التي تتألق بها مساءً
فيعانق هو مساءاتها بلهفة واشتياق في كل رواية حتى يصيح الديك
ودون أن يشير إلى قتلها
تلك إذا إشارة مرور تتجاوز ما قدر للأخريات قبلها، بل أحس كأنه يلثم مساؤها
تتجاوز الليلة تلو الليلة بحثا عن صبح جديد في إشارة جديدة لأجل لا يخاف الاحتضار بقدر أن يبقى الجلاد صامتا بغروره وتيه نرجسيته كي لا يجلس على رمسها ليتمم لعبته
أسألك شهرزاد؟
من أين لها كل هذه الموهبة التي تحصي ساعات السرد وتوارث الأبطال؟
اصمت متسائلة؟
كم كانت وفية شهرزاد لتحمي ألف امرأة وامرأة في دوام قصصها
كم هي مخلصة لألف امرأة وامرأة
أزورها وأراسلها عبر مخيلتي!
كم مرة انتصرتْ؟ وهي مضطرة للاستمرار وسط القمع
أنها تتحرى الليالي  بفعل مدروس  منطقي لتتجاوز اللا منطق.
فأزور ضريحها..
ارتدي قميص نسجته ببراعة في فن سردي..ليكون جلبابي
أحاول جاهدة أن استعيد مناخ من الصعب استعادته؛ من الصعب استعادة نفس الزمن وقد خرج من يد تتنصل لوقوع المحضور
أحدثني مندهشة:
منذ آماد قصية انتهت اللعبة
وقد لعبت دورها كما كان مقرر أن تلعبه
ولكن الذي حصل أني بدأت أسجل في سياق حديث لأغيب ذلك الحدث وأبدأ الموضوع بمنتهى حرفية شهرزاد برؤية امرأة تبحث عن فضح جوع شهريار لتلك الشفاه الراوية
وهذا طبيعي كامتداد لريادتها في ألحكي الممتع كي لا ننفصل عن الحياة – علينا أن نتنفس أطول حكاية في الحياة- من أجل الحياة.
كانت ماضيا ودورا قويا في حضور تشهد عليه النجوم والليل وكل الأشياء المسائية
كانت تطوع تلك المساءات تحت تصرفها!
امرأة أحبت أن تنحت من السرد ليلا طويلا ومن القمر مصباحا يضئ سطورها تستوطن، تأتلق، في جوف الليل صبحا؛ تسترعي انتباه ذلك المخلوق الرمادي لتعيق فكرته في القضاء عليها
أنها جديرة
جديرة شهرزاد بأن يعمل لها الرائع (محمد غني حكمت تمثالا وسط بغداد)
في توهج الصعود وإبداع مضمونةٌ ٌ نتائجه رغم أنها لا تمتلك الزمن آنذاك ولا الصولجان..
فبقيت..
حينها كان هو يمتلك الكؤوس وكل اللحظات لينظر إلى عينيها الخائفتين
كانت تمتلك البصيرة والمعرفة والتحكم بالصدفة أو بدواليب الحظ
كان يمتلك الخمرة والإنصات وعقدة اللسان
ربما كان يحسدها على لباقة اللسان (مَلَكَتَها) وهي تتسلق بها شبابيك الليل كاللبلاب
في كل الأمسيات تحكي
تستعين بالذاكرة لتواجه غروره بحثا عن البقاء لها وانكسارا لرغبته دون علمه
كانت بطلة واثقة من سطوة ليلها لاكتساب شمس الصباح فتفوقت في توفقها من إثارته وتوقفه عن قتلها، وهي الطريدة تحت المقصلة
المنتظرة
كانت تسرد
كانت تحتج
كانت معارضة
كانت تمر بتفاصيل الولادة العسيرة كل مساء
كان هو غارقا في كأسه المغرورة وزجاجات لم تكفي هذيان روحه المنتقمة.
أعطوني أيها السادة نظرية تشرح لي
كيف كان يواجه صباحا ته ولم ينفذ قتلها!
هل كان يعترف بانسجامه معها؟
هل زاحمه طوفان الليالي لينتظر أن يأتي المساء كل مساء
هل يرتبك تماما حين يتأمل شفتيها وهي تراقص الكلمات
كيف استحال حنقه على النساء انتظارا باردا؟!
وكيف استحالت العاصفة للانتقام إلى هدوء واستماع للاستمتاع !
كيف استحال القرار إلى تريث حقيقي تحت ضوء القمر
هذا ما حدث في ليال في حقبة ما لتاريخ امرأة في دهاليز قصر
عرض كبرياء رجل إلى انكسار
لنرثي معا.. شهريار حين فتح سكونه هزيمة فانفتحت بوابات الشمس لحقيقة أنثى حملت مصيرها على كتف الليل في ألف ليلة وليلة لا تحلم بالذهب ، القصور، وثوب الحرير لا علاقة حميمة
اعتذرت عن الرضوخ لمصير الفجيعة
مارست القص للحصول على ترخيص من جلا لته في البقاء حية
استثمرت خوفها وأرجأت خطته لاقترافه الخطيئة
ربما كان هذا إنجاز كبير للمرأة وانتصار مزدهر لأنثى السرد
ليبقى اسمها على مر العصور
في قص أجمل من لثغة الطيور.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *