علاء حمد: المتعلّق والمتعلّق به في نصوص الشاعر العراقي “سلمان داود محمد”
الإهداء: إلى الشغيلة والطلبة في ساحة التحرير وانتفاضتهم المجيدة
كتابة: علاء حمد – العراق(ملف/67)

إشارة :

سلمان داود محمّد – وببساطة شديدة جدا ولكن معقّدة – هو “عاهة إبليس” في المشهد الشعري الراهن ؛ العراقي  – وحتى العربي لو هيّأ له الأخوة النقّاد “الأعدقاء” فرص الانتشار. وكمحاولة في إشاعة فهم بصمة روحه الشعرية المُميزة الفذّة التي طبعها على خارطة الشعر ، ارتأت أسرة موقع الناقد العراقي الاحتفاء به عبر هذا الملف الذي تدعو الأحبة الكتاب والقرّاء إلى إغنائه بالدراسات والمقالات والصور والوثائق.. تحية لسلمان داود محمد.   

إشارة :
أمام هذا النشاط الثر والمُثقل بالأطروحات الجديدة للناقد العراقي المبدع “علاء حمد” لابُدّ من تقديم التحية له على هذه السلسلة من الكتب والدراسات التي تحمل بصمة نقدية مُميّزة وسمة أسلوبية خاصة ، والأهم هو وفاؤها للابداع العراقي ورموزه التي تعاني قلّة الاهتمام من نقّاد وطنها برغم علوّ كعب منجزها. تحيي أسرة موقع الناقد العراقي الناقد علاء حمد وتشكره على ما يخص به الموقع من دراسات وتتمنى له الصحة الدائمة والإبداع المتجدد. كما تحيي روحه العراقي الغيور وهو يهدي دراساته (إلى انتفاضة ساحة التحرير المجيدة).

للخوض في مجال سرد الشعر هناك عدة تشعبات مجدوَلة نستطيع أن نأخذ حاجتنا منها لكي نتفق مع العنونة وعلاقتها بجسد النصّ الذي نخوض به، حيث تخلق كائنات الشاعر العراقي سلمان داود محمد بعض الحكايات التي عنونها زمنيا ودراميا، وبعضها تقودنا إلى النكتة، وهي باب من أبواب المحسوس الذي يؤدي مهامه بالسخرية والتهكم، وتعتبر هذه المهام من العناصر المسلكية لدى الشاعر سلمان داود محمد ومن خلال القصيدة السلمانية، نلاحظ هناك اللامحدود في اللغة من جهة وانفتاح النصّ على النصية من جهة أخرى، وتعدد المؤسسة الجمالية في الطرح اللغوي؛ له تأثيره المباشر والمتقن فنيا بتركيب الجمل بأنواع مختلفة، أي أن صيغة توظيف الجملة لديه صيغة لها خصوصيتها وعلاقتها مع فعل المتخل وفعل المحسوس الداخلي.. فيعتمد الشاعر في تغييرات المعاني والاختلافات اللغوية التي هي عماد التواصلية في النصّ الواحد، وخصوصية هذه المسالك أنها تؤدي إلى المنظومة الدهشوية والتي لها علاقة مع أنواعية اللغات ومنها اللغة الطبيعية واللغة التعبيرية واللغة الرمزية وعلاقتها باللغة السريالية ..

سلمان داود محمد في ساحة التحرير – بغداد

المتعلق والمتعلق به؛ إذا ذهبنا مع المتعلق على أنه شفرة يؤدي عمله كرسالة، فسوف نكون أمام رسالة النصّ الشعري الذي يقدمه الشاعر العراقي سلمان داود محمد، وإذا ذهبنا مع المتعلق به على أنه الدال، وهو الصورة المنطوقة والذي اعتبره الشاعر ذا علاقة مع الرسالة، ولكن عندما نذهب مع المدلول، فنكون قد أنجزنا عمله من خلال الصورة التصورية أو الصورة الذهنية التي رسمها الشاعر، والعلاقة بينهما علاقة رمزية من خلال الكلمات المتواصلة التي أدت اشتغالاتها في الجمل المركبة.. 

ولكن مانذهب إليه تماما من خلال المتعلق ( بكسر اللام )، هو الشاعر بذاته والذي نرمز إليه بالباث في عملنا، كصورة بديلة تؤدي غرضها من خلال المتعلق المرسوم بالعنونة، وكصورة منظورة لها علاقة مع الذات والذات الإضافية التي يضيفها الباث إلى الذات العاملة من خلال هندسة الذات في العمل البديل والتحولات الذاتية بين كلّ نصّ ونصّ.. 

إنّ الفكرة البديلة التي نبحث عنها، على أنها نظام إشاري بديل ونظام شعري إيحائي، فنتوصل إلى الشكل المخزون في محفظة الذات، ومن هنا تبدأ العلاقة الجمالية لكي تترك أثرها في النصّ الشعري.. سنتطرق إلى ثلاث حالات كعلاقات متواصلة في تفكيك النصوص من خلال المتعلق والمتعلق به، وهذا ما وجدناه في القصيدة السلمانية والتي تعتمد الأبعاد الرمزية ونظام السخرية، يسخّرها المتعلق كرموز وإيحاءات في النصّ السردي المعتمد، والذي رسمه على أثر انتفاظة ساحة التحرير.. 

فعل المتعلق والذات العاملة

فعل المتعلق به  في الوعي التصويري

في سردية النصّ

يحتفظ المتعلق بالصورة والصور الذهنية، وهي أهم مرحلة يتعلق بها الباث، فتتحول الذات مع كلّ نصّ تعلق بذاته، فالنصّ تفسير أولي للنصّ، ولايخرج منه إلا للاصطيادات الإضافية، وهذا نادرا مايحدث.. بينما فعل المتعلق هي تلك اللغة وأنواعها لتستقر معنا باللغة التعيينية والتي لها علاقة بالرمزية وكذلك علاقتها مع علم الوضع من خلال الألفاظ .. 

ليس من الضروري أن يتزامن المتعلق مع نظام المتعلق به، فهو متواجد كنظام داخلي للباث، بينما يذهب بنا المتعلق به خارج الذات ويسوّق للمتعلق بعض الإنجازات العملية والتي ربما تكون من خلال البصر والبصرية، أو من خلال البعد الذاتي وتفكره بالمتعلق، ولكن خزائن المتعلق لاتفرغ من محتواها، فهي دائما مليئة بالأبعاد والأحداث من خلال فعل المتخيل والفعل الحسي، حيث العنصران لايفترقان أو يبتعدان عن المتعلق، طالما هناك بديهية ثابتة في خزائن المتعلق من بذور صالحة للزراعة.. 

تك . تك .. تك ..

هذه نبرة الساعة الصفرية لبدء الختام .. ،

فـ .. ثمة في الحوض الخلفي بقايا طماطة فائتة

امتزجت مع دم الذين آثروا حمرة القربان على رمادية اللغة،

فكان رقم تكتكي قانياً كـ .. لون الأصيل .. هكذا :

من 1 / 10 / 2019 وحتى الخلاص ..

يزول الرماد وتبقى البلاد ….

من قصيدة : منبه – سوط – سلمان داود محمد

لاتهمني دقات الساعة التي ذكرها الشاعر كتشبيه ضمن الاستعارة، ولكن الذي يهمني دقات القلب، عندما تتعدد دقاته، فيتعدد النصّ، وهذه إمكانية ثانية تعلق الباث بدقات الوقت، والإمكانية الأولى كانت تعدد دقات القلب، فالعلامة، هنا علامة دالة أدت إلى ظاهرة صوتية من خلال النصّ الإيحائي، ونستطيع أن نجدول ذلك قبل الدخول إلى النصّ المكتوب..

                                                        الإيحاء

 

                      ظاهرة صوتية                                            ظاهرة دلالية

 

فالإيحاء يؤدي إلى ظاهرتين، هما الظاهرة الصوتية والظاهرة الدلالية، ومن خلال النصّ المكتوب نستطيع أن نكون النصّ المرسوم كنتيجة من نتائج نصّ الشاعر العراقي سلمان داود محمد..

تك . تك .. تك .. = هذه نبرة الساعة الصفرية لبدء الختام .. ،

فـ .. ثمة في الحوض الخلفي بقايا طماطة فائتة + امتزجت مع دم الذين آثروا حمرة القربان على رمادية اللغة، + فكان رقم تكتكي قانياً كـ .. لون الأصيل .. هكذا : + من 1 / 10 / 2019 وحتى الخلاص .. + يزول الرماد وتبقى البلاد ….

الفائت يعني لنا الماضي، ومن خلال المتعلق به، سيتحرر الماضي بواسطة الحاضر، فالحاضر بديمومة، وهذه الديمومة لها ثمنها، والثمن المدفوع ( الدماء ).. إذن يتحرر الماضي ليلحق بالحاضر بواسطة الدماء المسفوكة.. إنّ النقطة الحاضرة، ليست نقطة لحظوية كما تمر معنا بالكثير من الوقفات، وإنما هنا نقطة تفكر، لنسف الماضي وإعطاء الحاضر فتحة الفضاء؛ والشاعر العراقي سلمان داود محمد، واحد ممن غنّى مع فضاء ساحة التحرير، ومن خلال هذه النقطة تساوت تدفقات الماضي التفكرية، مع تدفقات الحاضر العملية..

فعل المتعلق والذات العاملة

إنّ الفعل المتحرك، فعل الوجود الكتابي التفكري، فالموجود أمام الذات العاملة، ذلك المدلول الذي تحرك بفعل الكتابة، ونحن لم نذهب خارج جمود الأفعال، بل تسبقنا حركة الأفعال الانتقالية، لذلك نتجاوز الزمنية باعتبار أنّ النص خارج زمنيته، وهو يصلح لجميع الأزمنة.. 

علاقة المتعلق بالذات من خلال التجربة، مثلا التجربة الحسية، وكذلك هناك بعض العلاقات مع الفعل الماضوي، وعلاقته بمنطقة الـ ” فلاش باك ” باعتباره مرجعية شعرية للذات العاملة، ويكون مرجعية حسية أيضا للمتعلق. يضيف المتعلق إلى خصوصيته بما هو كوني، وكائنات المتعلق عديدة، منها البعد التصويري، والبعد الآني، وحضور الماضي ككائن متحرر مع الكائن الحاضر، وكذلك البعد الارتباطي بين المتعلق والفضاء الخارجي، وقد أسس الشاعر سلمان داود نصوصه الآنية من خلال البعد الارتباطي ككائن حاضر ذي علاقة بين الفضاء الخارجي والمتعلق بهذا الفضاء ودور الباث في نقل الوقائع من المفاهيم العائمة في الأحداث الشعرية إلى المفاهيم الخاصة للمتعلق وعلاقته بالذات العاملة..

( علج .. علج … أبو السهم يا علج ….)

ثم توارى الولد في قيامة الدخان ،

فهرعتْ أصابعي لتنتزع صباه من سفسطة القنابر …  

يا الله ..

لقد فزتُ به  بعد سيول عارمة من الشدّة وها هو يردد بإعياء :

– علج .. عـ … لـ …… ج .. –  و … صَمَتَ ….

هل مات الولد ؟؟!!! …….

 سؤالي يتيم مضمّخ بالسخام، 

ومثل أي مُعَلّم جغرافيا موغل في القِدَم

انتهى به المطاف إلى ( بائع فرارات )

من قصيدة : محروسة ” وحيد أمه ” – يلمان داود محمد

ليس لأنّ النصّ متعدد الاتجاهات، وإنما لأنّ النصّ متعدد الرؤى، فتظهر قيمة المتعلق مع القيمة الذاتية بالعمل، بداية مع أصغر وحدة إنتاجية شخصها الباث لنا.. ونهاية مع البنية الكبيرة التي نتواصل معها ضمن النصّ التام، ومن الصعوبة أن يتمّم النص منجزه، وذلك بسبب انفتاحه على الذات وعلى علاقة المتعلق بالذات العاملة، فيصبح لدينا فضاءان، فضاء الذات التي تتجدد مع كل بنية نصية، وفضاء المتعلق الذي يتحرك مابين البنى النصية وعلاقته الممكنة وما يدور ببيئة الشاعر.. 

( علج .. علج … أبو السهم يا علج ….) + ثم توارى الولد في قيامة الدخان ، + فهرعتْ أصابعي لتنتزع صباه من سفسطة القنابر … +  يا الله .. + لقد فزتُ به  بعد سيول عارمة من الشدّة وها هو يردد بإعياء : + – علج .. عـ … لـ …… ج .. –  و … صَمَتَ ….

اعتمد الشاعر سلمان داود محمد على أحد وظائف الأصوات اللغوية، وقد وظف العنصر التقليلي من خلال الصوت كحالة إيحائية للظاهرة الصوتية في النصّ الشعري؛ وإنّ ظاهرة الصوت يؤدي بنا إلى فهم دلالي، وهي الظاهرة الثانية المتعلقة بالنحو.. فعادة صوت البائع لايختصر كما جاء به الشاعر قلة في المسافة الزمنية، ولكنه أشار كحالة متواجدة في الشارع العراقي، وهي حالة نموذجية انطلق منها مابين الطبقة المعدمة التي تترزق بما تبيعه من مواد بسيطة، وحالة الموت كشريك فعلي بما يجري في ساحة التحرير.

فقد أراد الشاعر من الصمت أن يحيي الفراغ، والفراغ حضور فعال مابعد الموت، أي ترك فراغا ذلك الصبي الذي كان ينادي بصوته ( علج .. علج .. أبو السهم ياعلج …. )، حيث يكون عنصر الفراغ زائدا عنصر الصمت يساوي الموت.. وبما أنّنا مع المتعلق كمدلول أولي لحالة الصمت، إذن نحصل على نتيجة برهانية عندما نكون مع فعل المتعلق بهذين : الصمت والفراغ :

المتعلق = الصمت + الفراغ 

إذن سوف نكون في حالة استدلالية عندما نقول : الصمت + الفراغ = الموت ..

 إذن البرهنة للمتعلق ستكون : 

المتعلق = الموت 

هل مات الولد ؟؟!!! …….

 سؤالي يتيم مضمّخ بالسخام، 

ومثل أي مُعَلّم جغرافيا موغل في القِدَم

انتهى به المطاف إلى ( بائع فرارات )

من قصيدة : محروسة ” وحيد أمه ” – سلمان داود محمد

الشاعر من يجعل فعل المتعلق مع النصّ ذا علاقة شعرية، فسقطة المفردة وعلاقتها بالجملة، علاقة تركيبية – تواصلية.. فالمعاني التي يطرحها، تكون عالقة في الذات العاملة وهي مكونات وممكنات تدور في الذات بعد تحويلها والاعتناء بما تطرحه، لسنا هنا في حالة تذكر وتفكر، وإنما بحالة منظورة آنية مع فعل المتعلق وعلاقاته الانتقالية مع أفعال الحركة الانتقالية..

هل مات الولد ؟؟!!! ……. +  سؤالي يتيم مضمّخ بالسخام، + ومثل أي مُعَلّم جغرافيا موغل في القِدَم + انتهى به المطاف إلى ( بائع فرارات )

كسبب للمحسوس الذي يعتني بفعل الذات، على أنه فعل الحركة الأول في الهدم والبناء، كذلك يعتني الشاعر بما هو حضوري من خلال فعل الذات الذي لايفارق النصّ والنصية، ومن هذا المسلك أراد الشاعر أن يبيّن فعل الوجود من خلال بعض الأسئلة، يقول دريدا (( عندما يتحدد سؤال الوجود – بصورة لا تنفصم ولا تختزل – بالفهم المسبق لكلمة وجود، فإنّ علم اللغة الذي يعمل على تفكيك الوحدة المركبة لهذه الكلمة ليس أمامه أن ينتظر حتى يتم طرح سؤال الوجود كي يحدّد مجاله وما يستند إليه – ص 87 – في علم الكتابة – جاك دريدا – ترجمة وتقديم : أنور مغيث .. منى طلبة ))..

ضمن فعل القول الشعري لاحظنا تمركز بعض الأفعال المهمة والتي أدت إلى معاني دلالية، ومنها الفعل : مات، والفعل انتهى، وهما فعلان من أفعال الحركة يدلان على مايحملان من معاني، ولهما الأثر في القول الشعري في النصّ المكتوب..

أهزّ ورق أطلس العالم بغية الحصول على هواء .. هواء جيد

يزيل الضيق عن أنفاس الفتى،

ورحتُ أطبطب على تفاحتي خديه وأهمس في مسمعه :

( – أين يقع العراق .. ؟ ) ..

تململ قليلاً ، ثم قال :

( – العراق لا يقع …. ) … ،

وانفَضَّ الموت من الساحة …

من قصيدة : محروسة ” وحيد أمه ” – سلمان داود محمد

نميل إلى المتعلق من خلال القول الشعري؛ حيث أن العلاقة تنبثق مابين المتعلق والمتعلق به في ثقافة النصّ الشعري الذي رسمه الشاعر سلمان داود محمد، وثقافة النصّ تعني أن صفاء الكلام واستخلاص اللامألوف والمنظور العلائقي، تقودنا إلى الإخراج الصوري للمعنى، وذلك بفعل التخييل والمتخيّل؛ وفي هذا السياق نستخلص قول الفارابي ( إنّ العدول عن المبتذل من الكلام يكون من شأن الأقاويل الشعرية والخطبية وما جرى مجراها – نظرية الشعر عند الفلاسفة الإسلاميين – ص 156 – 157 – الأخضر الجمعي )، بينما يوضح ابن الرشد رأي الفارابي بقوله ( وقد يستدل أن القول الشعري هو المغيّر أنّه إذا غيّر القول الحقيقي سمي شعرا أو قولا شعريا ووجد له فعل الشعر..– نظرية الشعر عند الفلاسفة الإسلاميين – ص 156 – 157 – الأخضر الجمعي ).. فالممكنات الشعرية تتوالد من خلال القول، وهي متواجدة حول الشاعر في جميع الأوقات من خلال الذات العاملة، والتي لها مشغلها الخصوصي مع ثقافة كلّ نصّ من النصوص..

أهزّ ورق أطلس العالم بغية الحصول على هواء .. هواء جيد + يزيل الضيق عن أنفاس الفتى، + ورحتُ أطبطب على تفاحتي خديه وأهمس في مسمعه : + ( – أين يقع العراق .. ؟ ) .. + تململ قليلاً ، ثم قال : + ( – العراق لا يقع …. ) … ، + وانفَضَّ الموت من الساحة …

من خلال التأويل القولي، وكذلك الاستدلال، لاحظنا أن المتعلق في المشهد الشعري المقطوع، ليس وحيدا، وإنما شاركه المتعلق الثاني بمعنى تصويري واحد، فالشاعر العراقي سلمان داود محمد أراد أن يرفع اسم البلاد وحدها، ومن خلال هذا المنظور، أصبح لدينا المخاطِب والمخاطَب، فالباث كان المخاطِب، بينما أوعز مهمة المخاطب للفتى، والذي استنطقه وهو يودع الحياة، فمازال اسم العراق عالقا طالما أن المخاطِب شغل العالم كلّه بمنظوره التصويري..

فعل المتعلق به  في الوعي التصويري

إنّ الهدف المنظور، مؤلف من مسلكين؛ المسلك الذاتي والمسلك البصري، ومن خلالهما يتوصل الشاعر إلى الأشياء المتعامدة في الطبيعة أو الأهداف المقصودة في الذهنية أو تلك التي على مرأى الناس وأحاديثهم المتكررة، كلّ هذه المسالك تؤدي إلى المتعلق به، ولكن فنّ الوعي التصويري تتخلله ثقافة الذات والثقافة البصرية، وهما عاملان مهمان لثقافة النصّ التي يؤسسها الباث عادة ضمن البعد الجمالي وكيفية تحويل المألوف إلى اللامألوف، حيث نكون في منطقة ماوراء المحدود، ليضيف لنا عنصر المحسوس ( وإن كان جزئيا ) إلى عامل الوعي الذاتي ..

عند الكتابة، الذات تتعلق بالفراغ، وذلك لكي تشغل الفراغ وتملأه، بينما عند القراءة، نلاحظ أن الذات تتجاوز الفراغات، فليس من مهمتها أن تنشغل بهذه الفراغات وهي تطلب القراءة والتواصل من خلال قصدية الذات واتجاهاتها نحو القراءة فقط، فيتبين لنا المتعلق به على أن فعل القراءة يساوي فعل المتعلق به، والمتعلق هنا هي الذات، وكذلك عندما تشغل الفراغات، فالفراغات تشكل فعل المتعلق به، بينما في حالة القراءة فالمشهد يختلف، بل لاقيمة للفراغات المتواجدة في الكتاب أو في الورقة.. 

تنشغل الذات من خلال المتعلق، كحضور لوجه القراءة، ولكن الصعوبة التي تواجهنا هو نظام الاستعارة الخارجية كمتعلق به، تنوي الذات حضورها من خلال قصدية الذات واشتغالاتها وتوجهاتها نحو الخارج.. فالمساحة المكانية على سبيل المثال، تشغل بعض الفراغات الواسعة، ولكن مايشغلنا مساحة الذات المكانية لهذه الفراغات ، فهي مساحة خارجية، تستعيرها الذات، وربما تشغل الذات وفعلها عند الاستعارة، فالمتعلق به، هي تلك المساحة المستعارة التي اشتغلت الذات نحوها، فالمشكلة هنا هي مشكلة الخبرة الإدراكية والتي تتدخل الذات بها، فهي خبرة داخلية، والعناصر المكانية، عناصر خارجية..

الخراطيم تثرثر بفصاحة مياه فائرة ..،

– يا لها من فرصة ثمينة لسلق البيض .. الشبان جائعون – .. قالت العجوز الحلوة وهي تمسح  صباح دمعتها بأردان الليل ….. على صيحات ( الأوغاد بره بره …. البلاد تبقه حرّة ) فرت النمور المنقوشة على بطانيات الاعتصام نحو قبو خنازير يجثم في الصوب الآخر من الجسر ..  و …..  اختبأ الأرق بين ريش الوسائد وطار تنّين الخوف من مخيلة الصبية ، بينما إسفنج الأفرشة يثمل بالدم وأرغفة الخبز أيضاً …

الرصاص الحيّ يتناغم مع أبخرة عبوات مسيلة لرحيق العيون، وأب يزأر بوحيده المضمخ بالإرجوان :

– ( لتموت واتيتمني … ولك لتموت ….   ) ….

كان همس الحنين إلى بلد أعلى من عواء قنابل صوتية وأقرب إلى معجزة،

فلا سماء هنا، لا سماء، غير راية تعلو وأولاد يرفرفون ….

من قصيدة : قبو الخنازير – سلمان داود محمد

من طبيعة الإشارة، هناك المشار والمشار إليه، ولكن جملة الإشارة ومن طبيعتها تؤدي إلى الدلالة، فالاستخلاص هو استخلاص دلالي في طبيعة الجملة الحركية والتي تحضن المفردات المركبة ومنها الأفعال؛ وهذه الاشتغلات التي نشير إليها تؤدي إلى طبيعة أخرى في عملنا ذي الطبيعة العلائقية، فالنافذ في النصّ هو النافذ بين الجمل الشعرية والتي تشكلت من البنى الصغيرة، إذن نمتلك النافذة المؤثرة من خلال تعدد مفاهيم الجملة باعتبارها جملة نصية يقوم عليها الفهم والإفهام..

الخراطيم تثرثر بفصاحة مياه فائرة ..، = 

 – يا لها من فرصة ثمينة لسلق البيض .. الشبان جائعون – .. قالت العجوز الحلوة وهي تمسح  صباح دمعتها بأردان الليل ….. على صيحات ( الأوغاد بره بره …. البلاد تبقه حرّة ) فرت النمور المنقوشة على بطانيات الإعتصام نحو قبو خنازير يجثم في الصوب الآخر من الجسر ..  و …..  اختبأ الأرق بين ريش الوسائد وطار تنّين الخوف من مخيلة الصبية ، بينما إسفنج الأفرشة يثمل بالدم وأرغفة الخبز أيضاً …

عندما نعتبر الجملة الأولى كمطلع أول للجملة النصية، تؤدي مفهومها الإشاري نحو مدخل النصّ المكتوب، ومن خلالها نتجاوز معنى الخطاب ونعتني بمعنى الجملة المتواصلة، كمفهوم من مفاهيم التلقي في الشعر العربي الحديث؛ فالعامل هنا، هو العامل الفعلي لفعل المتعلق به على مستوى الوعي التصويري الذي يشغل الذات ومساحتها، وذلك لأنّ الذات استعارت هذه المساحة من المنظور الخارجي؛ وحوّلته إلى فعل دلالي تغطيه مساحة من المعاني العالقة.. 

أشار لها الشاعر لمفردة الخراطيم التي تحلت ببعض الصفات ومنها المياه المتدفقة؛ حيث أن صفة الخرطوم في التجمعات الاحتجاجية هو رشّ المياه بتدفق عالي؛ وقد استطاع الشاعر أن يزيل عوامل المباشرة من الجملة ويحوّلها إلى فعل اللامألوف لكي تكون في منطقة اللامحدود من فعل المتعلق به.

ومن خلال هذه الجملة استطاع الشاعر أن يرصد عمل الدلالة، حيث أشار إلى فعل القول الملازم للآخر، ومن خلاله فسّر بنوده الدلالية في الانسجام ( الانسجام الاحتجاجي ) والموضوع، ( الموضوع كمساحة مستعارة من الآخرين )، والأشخاص والأفعال والضمائر وكل حسب عمله في النصّ المكتوب.. فمثلا أشار إلى الصبية وبعض صفاتهم وتجردهم من المخاوف، وكذلك الفرش الإسفنجية وتلوثها بدماء الشهداء.. هذه البادرة الأيقونية جعلت من فعل المتعلق به مساحة مكانية، استعارتها الذات لتشير وترمز من خلالها بالعمل القصائدي المكتوب، وهي شرعية السابق والمتأخر، فالسابق كان مطلع النصّ، والقول المتأخر، كانت التفسيرات المضمرة في شروع النصّ الشعري وتواصله..

الرصاص الحيّ يتناغم مع أبخرة عبوات مسيلة لرحيق العيون، وأب يزأر بوحيده المضمخ بالإرجوان : +

– ( لتموت واتيتمني … ولك لتموت ….   ) …. + كان همس الحنين إلى بلد أعلى من عواء قنابل صوتية وأقرب إلى معجزة، + فلا سماء هنا، لا سماء، غير راية تعلو وأولاد يرفرفون ….

نعتبر النصّ كافيا لطرح مفاهيم النصّ، وذلك للمساحة الإغوائية التي تنشب من خلاله بقدرة الذات العاملة وهي نتيجة من نتائج اشتغالاتها المهمة، وكذلك تحفيز المتلقي، وهذا يدعو إلى الوعي التصويري في الذات، والعلاقة القائمة مابينهما وبين المتعلق به، فالبرهنة التي نميل إليها، إحالة الترابط بين عدة مسالك، ومنها؛ البنية الوصفية والبنية السردية والبنية التفسيرية، وإن غطت بعض العوامل المتقطعة للنصّ، لكن يبقى مسلك البنية من خلال النصّ المكتوب، كملخص متواجد أمام المتلقي.. 

إذا نظرنا إلى لغة الحوار التي طرحها الشاعر بين شخصين متعلقين ببعضهما، لاحظنا لغة الشخص الأول هي الظاهرة باعتباره مازال على قيد الوجود، بينما انعدمت من الشخص الثاني وهي دلالة من دلالات عدم الوجود، والتي تؤدي إلى الإزالة ( الموت )، فيتم إلغاء الدال أو تأجيله كمتكلم ثان، وغالبا يتمّ صهره بالمتكلم الأول، وفي هذه الحالة، سوف يكون للقول الكلامي مضمون ثنائيّ، فالأول هو الناطق، والثاني هو المستقبل ( الصامت )، وهذه إحدى الظواهر المتعلقة مابين شخصين، بشخص واحد، وبين الباث الناقل لهذه اللغة والذي صنفناه بالمتعلق(وعندها سنكون في السياق التداولي، والذي يدخل في مسلكه كلّ شيء ).. فتكون الإثارة، إثارة نوعية من خلال الانزياحات اللغوية واعتماد اللامألوف في رصد النصّ الشعري للشاعر العراقي سلمان داود محمد.

في سردية النصّ

في كلّ نوع من أنواع النصوص، هناك العنصر المهيمن على النصّ الشعري، ولكي نكون الأقرب إلى العناصر التي تخصّ النصّ السردي نستطيع القول بأن هناك الجسد المهيمن على النصّ، باعتبار النصّ كائن من كائنات الباث يتلقى التغييرات والاختلافات حسب الضرورة النصية، ومن خلال هذا المسلك، نذهب إلى واقع الرسالة باعتبارها حالة تقبلية تفرض حالتها الحكائية من خلال بعض الأفكار المعدة سلفا، فيكون المرسِل المتعلق بالرسالة المقبولة لأنها من ابتكاره أولا، ولأن الرسالة تحوي على تعدد الأصوات ثانيا؛ وهذه الطقوس تمنحنا صوتا انفراديا متمكنا على قياسا للأصوات المتعددة ليديرها من خلال تلاعبه بالتقديم والتأخير، ألا وهو صوت الباث الأول؛ فيتصل بالبنية السردية الخالصة في النصّ الشعري، فيتم تشكيل بنية سردية درامية لها منظورها وعلاقاتها مع عناصر النصّ الشعري وهي المستويات المكونة للنصّ السردي..

الشاعر العراقي سلمان داود محمد استطاع أن يوظف بعض الأفكار كعناصر متحركة في النصّ، ولها علاقات مع البنية السردية التي تعد نتاجا مميزا للسرود الشعرية..

سرب من صغار البط يتبع أمه البطة الكبرى على مسار من نهر حزين وجثامين زنابق ونسائم تشرين الجريحة وتربّص صيادين هناك، في الجهة المقابلة، هكذا كان سرب التكاتك يتبع السيارة الكبيرة، تلك المتوّجة بجثمان الفتى القرباني صفاء بن ثنوة السراي، كان الفتى منهمكاً بحلمه ساحتئذٍ على الرغم من هدير المتظاهرين وهسهسات (الدعابل) المائية المنهمرة من عيون المشيعين، على مرأى من وجوه ملثمة بـ عتمة انبثقت من سراديب شاهنامة مدججة بسهام  قنص تتضور جوعاً لصيد آخر …

من قصيدة : جورج اورويل وابن ثنوة القرباني – سلمان داود محمد

النصّ السردي لايوازي إلا نصّه من ناحية التوظيف السردي والذي يدفعنا إلى جانبين؛ الجانب الجمالي التواصلي : حيث يسمح بظهور علاقات المتعلق مع عناصر النصّ الأخرى ومنها العلاقات الداخلية، كرؤية الباث وإمكانية رصد الحدث السردي والتواصل معه .. والظاهرة الوظيفية : والتي تحتم  شرح وتفسير النصّ والتشكيلات البنيوية؛ حيث يبدأ من أصغر بنية وينتهي بالبنية الكبرى، وتحتاج هذه البنى إلى الترتيبات والتنظيم لكي يكون المتعلق على مساحة وظيفية كبيرة للوصول إلى النصّ التام .. 

نلاحظ من خلال فلسفة المتعلق باللغة وهو يدخل من خلال بعض الكائنات المتواجدة من حوله، وهي الممكنات التي عكسها بمرآتين، الأولى أمامية والثانية خلفية، فسرب ( التكاتك ) هي الحالة الممكنة والتي كونت علاقة مع العنونة الرئيسية ( من يوميات سائق الـ … تك تك .. ) ويرسمها على نغمات الساعة، بينما يفسرمن ناحية أخرى حالات الفلاش باك، وهي حالة وظيفية تتصل بالمفاهيم والعناصر السردية التي خصخصها الباث للنصّ الشعري.. حيث شكلت رؤية درامية فعلية، فالمتعلق هنا يدور بالصيغة الدرامية مع فعل القول الشعري؛ كأنه يفتش عن المخالفين لكي يدرجهم في إضبارته..

” إذا كان العسل طيباً فالنحل من بغداد ” هكذا قال الشاعر التركي المعروف ناظم حكمت ذات يوم،  فهل يكفي هذا القول لمحو شبهة الارتباط بجهة أجنبية – عثمانية مثلاً – باعتبار أن ( المطعم التركي ) الآن مربط فرس الإحتجاجيين العراقيين الشبان على فساد أولي الأمر العابر للخيال ..؟ ، مع أن المتمترسين في هذا المبنى منذ غُرّة تشرين الأول من العام 2019  لا أطروحة لديهم سوى عبارة واحدة  هي : ( نريد وطنـ … اً ) .. فقط ، عبارة تتنفس عبق الضوء المخطوف من خلال تلك الثقوب الجبارة التي تركت الصواريخ الأميركية همجية بصماتها على قيافة هذا المبنى – كَفَنيّ اللون – الخالي تماماً من الجدران والمجرد حتماً من أبسط وسائل مكوث رغيد ، مبنى مهجور منذ أكثر من عقد ونصف من الزمن وهو الرابض بالقرب من ساحة التحرير في قلب بغداد ، يحده من الشمال ( مبتدأ ) شارع الرشيد ومن الجنوب ( خبر ) شارع إزدهر في يوم ما بكأس فاضت بقصائد إبي نواس ، كما أن وجه المبنى يرنو غرباً صوب دجلة وظهره محمي من جهة الشرق بملحمة جواد إبن سليم العتيدة والدموع الرخامية المنهمرة من عيون تلك الوالدة الحنون في تمثال ( الأمومة ) لمبتكره الخلالق خالد الرحال في حديقة الأمة، قُدُماً نحو مقربة ختامية تشي برفيف يمام وأكفّ سلام منبعثة من جدارية الموقر فائق إبن حسن ، هناك قبالة ساحة البنائين المحاذية لكنيسة الأرمن .. على أية حال …

من قصيدة : خونة رائعون – سلمان داود محمد

إنّ عبارة ( نريد وطن ) التي رسمها الشاعر وقد استعارها من الشارع العراقي، تعد من العبارات الواسعة، فتوظيفها يعني أنّ هناك حياة مفتوحة وهي شكل من أشكال الحياة؛ فالتعبير مفهوم إنساني مطلق؛ تفاعلت العبارة مع المحتجين وهي الأقرب كما نقلها الباث للمتلقي.. فالحدث الفعلي الذي أطلقه الشاعر هو المفهوم اللغوي للسرد، كأن تكون مشتقة من مفاهيم قصصية مبتكرة أو حكائية أو روائية، لتستمد تلك الأحداث من المفهوم الاصطلاحي الذي يغطي فعل الحدث السردي.. 

ثلاثة أبعاد يطرقها الشاعر وهو يقودنا إلى مفاهيم علائقية بين المتعلق والمتعلق به في خارطته الشعرية:

البعد الأول : الانسجام الحدثي.. حيث أن فعل الحدث هو الذي تبين في المسرود الشعري، والذي توزع على تفاصيل القطعة الشعرية المنقولة، فالمتعلق كان تلك الحشود الخارجة عن سيطرتها بسبب الدمار والمعاناة التي واجهتهم بشكل يومي، بينما عندما نبحث عن المتعلق به من خلال المشهد الشعري، نلاحظ أنّه ينتسب لبعد مشترك، بين الباث الأول والباث الثاني، وإذا أردنا أن نطلق عليه وطنا، فهي انطلاقة محببة، ولكن وفي نفس الوقت هناك تعدد المتعلق به من خلال مطاليب الشاعر المعكوسة ومطاليب الحشود المحتجة، ولكننا نميل إلى البعد المشترك كحالة ترضي الجميع..

البعد الثاني : التابع والمتبوع.. وهي حالة التتابع المرسومة أمام المتلقي، وكأن الشاعر شكل جزءا من الحشود، ولسان حال انتفاضتهم، ولكن حقيقة الأمر غير ذلك، فالمحسوس المباشر لدى الشاعر هو الذي تحرك كفعل حسي من خلال التجربة الحسية، فاستطاع أن يكون التابع، بينما المتتابَع؛ هي الأحداث اليومية المتواصلة على مستوى محافظات العراق، حيث نستنتج بأنّ الشاعر تكوّن من حالة عراقية مشتركة، بينما يطرح علينا الحدث البغدادي، وهي نفس المتابعات في المحافظات الأخرى..

البعد الثالث : انفتاح البنية.. من خلال المشهد الشعري للنصّ المكتوب، هناك بنية مباشرة تقبلت الانفتاح، وذلك بسبب تواصلها ضمن قصدية اللغة الزمانية، وتؤكد دعوة ” سوسير ” إلى استقلال علم اللغة، ودراسة اللغة دراسة زمنية، بوصفها بنية مستقلة مترابطة؛ وزمنية الحدث الشعرية المكتوبة، هي زمنية آنية، مازلنا في صددها.. ومن ناحية مفاهيم الدلالة السردية تؤكد نظرية ” قريماس ” حول القيمة الموضوعية المتواجدة في النصّ.. ومن خلال قيمة المعنى كقيمة موضوعية يكون المتعلق ببنية مفتوحة، بسبب قيمة الدلالة السردية، وهذا شأن وارد جدا من خلال تفكيك النصّ للشاعر العراقي سلمان داود محمد.. 

وقد لاحظنا تراكم الأحداث المتواصلة ومنها تمثال الأم للفنان العراقي الراحل خالد الرحال، وقد كان الحدث معكوسا من خلال ترميم البياض وصقله، وينقلنا إلى جدارية فائق حسن والذي جمع جميع شرائح وطبقات المجتمع العراقي في هذه الجدارية المتواجدة في مدخل حديقة الأمة.. ومن خلال بؤرة ( المطعم التركي ) كان الحدث الموازي لحدث ساحة التحرير، باعتباره أصبح نقطة مركزية للمحتجين..

من يوميات سائق الـ … تك تك ..

سلمان داود محمد

بغداد – العراق

( منبه – سوط – )

تك . تك .. تك ..

هذه نبرة الساعة الصفرية لبدء الختام .. ،

فـ .. ثمة في الحوض الخلفي بقايا طماطة فائتة

امتزجت مع دم الذين آثروا حمرة القربان على رمادية اللغة،

فكان رقم تكتكي قانياً كـ .. لون الأصيل .. هكذا :

من 1 / 10 / 2019 وحتى الخلاص ..

يزول الرماد وتبقى البلاد ….

( محروسة ” وحيد أمه ” )

 ( علج .. علج … أبو السهم يا علج ….)

ثم توارى الولد في قيامة الدخان ،

فهرعتْ أصابعي لتنتزع صباه من سفسطة القنابر …  

يا الله ..

لقد فزتُ به  بعد سيول عارمة من الشدّة وها هو يردد بإعياء :

– علج .. عـ … لـ …… ج .. –  و … صَمَتَ ….

هل مات الولد ؟؟!!! …….

 سؤالي يتيم مضمّخ بالسخام، 

ومثل أي مُعَلّم جغرافيا موغل في القِدَم

انتهى به المطاف إلى ( بائع فرارات )

أهزّ ورق أطلس العالم بغية الحصول على هواء .. هواء جيد

يزيل الضيق عن أنفاس الفتى،

ورحتُ أطبطب على تفاحتي خديه وأهمس في مسمعه :

( – أين يقع العراق .. ؟ ) ..

تململ قليلاً ، ثم قال :

( – العراق لا يقع …. ) … ،

وانفَضَّ الموت من الساحة …

( قبو الخنازير )

الخراطيم تثرثر بفصاحة مياه فائرة ..،

– يا لها من فرصة ثمينة لسلق البيض .. الشبان جائعون – .. قالت العجوز الحلوة وهي تمسح  صباح دمعتها بأردان الليل ….. على صيحات ( الأوغاد بره بره …. البلاد تبقه حرّة ) فرت النمور المنقوشة على بطانيات الإعتصام نحو قبو خنازير يجثم في الصوب الآخر من الجسر ..  و …..  اختبأ الأرق بين ريش الوسائد وطار تنّين الخوف من مخيلة الصبية ، بينما إسفنج الأفرشة يثمل بالدم وأرغفة الخبز أيضاً …

الرصاص الحيّ يتناغم مع أبخرة عبوات مسيلة لرحيق العيون، وأب يزأر بوحيده المضمخ بالإرجوان :

– ( لتموت واتيتمني … ولك لتموت ….   ) ….

كان همس الحنين إلى بلد أعلى من عواء قنابل صوتية وأقرب إلى معجزة،

فلا سماء هنا، لا سماء، غير راية تعلو وأولاد يرفرفون ….

( جورج اورويل وابن ثنوة القرباني )

سرب من صغار البط يتبع أمه البطة الكبرى على مسار من نهر حزين وجثامين زنابق ونسائم تشرين الجريحة وتربّص صيادين هناك ، في الجهة المقابلة  ، هكذا كان سرب التكاتك يتبع السيارة الكبيرة ، تلك المتوّجة بجثمان الفتى القرباني صفاء بن ثنوة السراي ، كان الفتى منهمكاً بحلمه ساحتئذٍ على الرغم من هدير المتظاهرين وهسهسات (الدعابل) المائية المنهمرة من عيون المشيعين ، على مرأى من وجوه ملثمة بـ عتمة انبثقت من سراديب شاهنامة مدججة بسهام  قنص تتضور جوعاً لصيد آخر …

لا زال إبن ثنوة يحلم ، والجهة المقابلة تسعى لتصميم مسمى له ، فلم تكن تسمية ( المُنْدَس ) كافية ولا صفة ( الإنغماسي ) هي الأرجح ، فهرع المستشار الإشهاري للولاة  مردداً عبارة ( جورج اورويل ) : من يمشي على أربعة فهو صديق ومن يمشي على إثنين فهو عدو … و …. قاطعه جريح من نينوى : وماذا عن الذي يمشي على واحدة ويتعكّز على غصن .. ؟!……. صمت …… 

اتجهتْ السيارة مع النعش نحو الغروب وتفرّقت طفولة البط لتواصل تنقية الهواء من ملوّثات المارقين  وظل دم صفاء القرباني في الميدان يبصم على صهيل الجواد الجامح في  – نصب الحرية –  هكذا : ( محد يحب العراق بكدي ) أي أن بمقدور نجّار العروش أن يصنع النعوش أيضاً  … و …….. غاب ..  

( خونة رائعون )

” إذا كان العسل طيباً فالنحل من بغداد ” هكذا قال الشاعر التركي المعروف ناظم حكمت ذات يوم،  فهل يكفي هذا القول لمحو شبهة الارتباط بجهة أجنبية – عثمانية مثلاً – باعتبار أن ( المطعم التركي ) الآن مربط فرس الإحتجاجيين العراقيين الشبان على فساد أولي الأمر العابر للخيال ..؟ ، مع أن المتمترسين في هذا المبنى منذ غُرّة تشرين الأول من العام 2019  لا أطروحة لديهم سوى عبارة واحدة  هي : ( نريد وطنـ … اً ) .. فقط ، عبارة تتنفس عبق الضوء المخطوف من خلال تلك الثقوب الجبارة التي تركت الصواريخ الأميركية همجية بصماتها على قيافة هذا المبنى – كَفَنيّ اللون – الخالي تماماً من الجدران والمجرد حتماً من أبسط وسائل مكوث رغيد ، مبنى مهجور منذ أكثر من عقد ونصف من الزمن وهو الرابض بالقرب من ساحة التحرير في قلب بغداد ، يحده من الشمال ( مبتدأ ) شارع الرشيد ومن الجنوب ( خبر ) شارع إزدهر في يوم ما بكأس فاضت بقصائد إبي نواس ، كما أن وجه المبنى يرنو غرباً صوب دجلة وظهره محمي من جهة الشرق بملحمة جواد إبن سليم العتيدة والدموع الرخامية المنهمرة من عيون تلك الوالدة الحنون في تمثال ( الأمومة ) لمبتكره الخلالق خالد الرحال في حديقة الأمة، قُدُماً نحو مقربة ختامية تشي برفيف يمام وأكفّ سلام منبعثة من جدارية الموقر فائق إبن حسن ، هناك قبالة ساحة البنائين المحاذية لكنيسة الأرمن .. على أية حال …

إن الأحداث الشاهقة تخترع أسماءها العالية دائماً ، لهذا أطلق شبان ساحة التحرير أسماء عدة على هذا المبنى ، منها : جبل أحد ، قلعة الكرامة ، برج الأحرار ، ملوية تشرين ، زقورة التحرير …. . بمناسبة ذكر الزقورة هنا ، يبقى السؤال شاهراً علامات استفهامه قائلاً : ألم يتموسق شكل مبنى كهذا في تصميمه الهندسي مع شكل ( زقورة اور ) التي شَيّدها الملك السومري ( اورنمو ) قبل ثلاثة ألاف عام ؟ ، لذا من الممكن على سبيل المثال أن يتهم الإعلام الحكومي تظاهرات ساحات التحرير العراقية برمتها على خلفية ارتباطها بجهة ( سومرية ) !!؟ ، أو بذريعة أن  دعاوى الحرية تسقط بالتقادم بحسب تصريح الناطق الرسمي العاكف مراراً على اعلان حظر التجوال على الأحزان والتقليل عبر بياناته العصماء من عدد الضحايا استناداً الى فكرة – ترشيد الإستهلاك –  ومن ثم اتهام الشقيقة ( أرجنتين ) في إدخال الأُنس الآثم الى البلاد ، وليس أخيراً بالطبع ، اتهام الفرات بالتجسس لصالح دولة المنبع  …. مثلاً ..  

الـ تك تك الثقافي …

يُحكى – وبتصرّف –  أن رجلاً متفاقم البنية من أعيان هذا الزمان دخل مكتبة وسأل صاحبها عن أفخم كتاب يحتوي على أكبر عدد ممكن من الأوراق ، فعلى الرغم من أن صاحب المكتبة استغرب من هذا الطلب إلا أنه انهمك بجدية في تأمل الرفوف  واستلَ كتابين ينطويان على عدد غير قليل من الورق وقال :

– تفضل يا سيدي ، هذا كتاب يبحث في نظرية النشوء والإرتقاء أو ( أصل الأنواع ) لمؤلفه تشارلز دارون ، أما هذا فهو ( موبي ديك ) رواية من أدب البحار لكاتبها هرمان ميلفل ….

قال الرجل : أوووه .. هذا فاخر ويفي بالغرض ، اعطني من هذه الرواية نسختين ….

غادر المكتبة وهو يضحك في سره ، متمتماً ببضع كلمات متهكمة مفادها:

– لو عرف صاحب المكتبة أن نسخة واحدة من هذه الرواية تكفي 

   لتنظيف ( بنيتي التحتية ) ولأسابيع عدة بعد قضاء الحاجة لأسرع هذا المعتوه الى تغيير مهنته من ( كُتبي ) الى ……….. كاه كاه كاه كاه …..

فيما كان صاحب المكتبة يتمتم مع نفسه بشأن الرجل المتفاقم ذاك ، قائلاً :

– يا له من زبون ثر ، لقد اقتنى نسختين من كتاب واحد من دون أن يساومني على سعر الغلاف ، مما يدل على ولعه المضاعف في إثراء خلفيته الثقافية .. بالطبع …

في حين كان ملك الملوك قد أعلن  في الوقت ذاته وعبر شاشة التلفزيون عن تأجيل إقامة معرض بغداد الدولي للكتاب في دورته الجديدة والى اشعار آخر ، من أجل التفرّغ لبدء تنفيذ حزمة من الإصلاحات  ولعل في مقدمتها قطع الإنترنت حفاظاً على السلامة الفكرية للرعية فضلاً عن تعقيم الفاسدين من البلاد وإحالة حوادث القضاء والقدر الى القضاء … إلخ ….. إضافة الى مواضيع أخرى تطالعونها على صفحات  جريدة ( تك تك ) في عددها الأول والصادر الآن عن فتيان ساحة التحرير للتأليف والطباعة والنشر والتوزيع  وبتمويل من مصرف الدمع التعاوني .. بلا شك ..

إشارات :

المادة خاصة بالناقد العراقي

من كتاب : قبعة اللامحدود – صدر حديثا على صيغة بي دي أف

من شعر الانتفاضة الخالدة في ساحة التحرير – بغداد

علاء حمد : عراقي مقيم في الدنمارك

 

شاهد أيضاً

من رسائل القرّاء والكتّاب الموجّهة إلى الروائي سلام ابراهيم (19) (ملف/82)

إشارة : تجربة رائعة يقوم بها الروائي المبدع “سلام ابراهيم” وهو يؤرشف رسائل قرّائه الكرام …

حول مجموعة سلام إبراهيم “رؤيا اليقين”*
أسلوبية المدلولات
جلال الرداوي ـ تونس (ملف/81)

إشارة: مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي …

صباح هرمز: مسرحيات يوسف الصائغ بين الخيانة و الانتماء
ثالثا: مسرحية العودة بين الخيانة والانتماء (ملف/9)

إشارة: رحل المبدع الكبير “يوسف الصائغ” غريبا في دمشق ودُفن هناك بعد أن قتلته السياسة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *