جمعة اللامي : كاغدُ المُطارحات ، تسع وتسعون قصة وقصة

مطارحات نادر وماهر
عند شجرة التين العجوز

مكث الغيلم نادر في مطرحه المائي ، يقلب الفكر، ويديم النظر، في حكاية جده الغيلم الكبير ، مع القرد ماهر الكبير(1) . بينما بقي القرد عارف عند ذروة شجرة التين ، يعيد التفكير كرة بعد كرة، في حكمة جده الأول ، وكيف تخلص  من نية الغيلم الكبير في الغدر به .
وكان نادر يراقب منذ عشرات السنين ، قردا يخلف قردا على شجرة التين العجوز . وكلما اراد ان يفتح حوارا ، يمهد لقيام صداقة مع احد هذه القرود ، لقي صدا مرات ، وقوبل بصمت مطبق مرات ومرات . فكبر ذلك عليه وقال : ” مالي ارى القرد ياخذني بجريرة جدي ؟ هذا لا يستوي مع العقل . وصدق من قال : لكل زمان دولة  ورجال ، وانا لست جدي ، وزماني ليس زمانه “.(2)
وجدد نادر نداءاته المرة تلو المرة للقرد المتحصن عند ذروة التينة الهرمة ، الا انه لم يلق سوى الصمت والخذلان . فظهرت عليه علامات الكدر والحزن والغم والهم . فرقّ قلب القرد ورمى ثمرة تين نحو الماء ، فتلقفها الغيلم  قائلا :” شكرا للالطاف الحميدة ، فهاهو ماهر يستجيب الى الحافي عليه لقيام حوار بيننا “.
ثم انه رفع رقبته عالية فوق الماء وقال :” يا حضرة القرد العاقل ، انا حزين جدا ، ومغتم كثيرا، لصدودك وابتعادك عني ، رغم اني لست الذي فكر بحفرة يلقي بجدكم فيها ؟ ”
فرقت نفس القرد وسال الغيلم :
 ـ لماذا تحزن وانت تعرف ، بداءة ، ما انتوى جدك الكبير فعله من الغدر بنا ؟ .
اجاب الغيلم :
ـ حزني عليك وعلى نفسي كبير. وانا وانت ابناء زمان جديد ، واحوال جديدة . وإني لأنشد صداقتك الوثقى ، واريد ان اجعل من حكاية جدنا مع جدكم عبرة للمخلوقات طرا ، حتى نتجاوزمرحلة الحقد بين سلالتينا ونتجاوزها الى سلام دائم بين ملتين ، فقد صدق القائل ” ان الحقد يعني هزيمة الخيال ” . ولا سبيل لي الى بلوغ هذا الهدف ، وتبليغ هذه الرسالة ، الا بأِلقاء هذه المطارحات التي تخيرتها من بعض حكم الغابرين بين يديك .
فقال القرد بعد لحظات من التامل :
ـ غيلم يتطارح ؟
ـ نعم ، يا معشر القرود .
مرت لحظات اخرى من الصمت ، قال بعدها القرد :
ـ هيّا ايها الغيلم ، اسمعني مطارحاتك . وكلّي آذان صاغية .
( 1 )
قال الغيلم :
 ـ سمعا وطاعة . وسوف ابدأ كلامي بحديث الخط والدرب . فقَدْ سمعتُ خطّاً ابيضَ ممتداً على امتدادِ الدربِ المُقَوَّسِ ، ينادي :
اطلقوني ، اطلقوني !
فرد عليه الدرب : مَنْ يُطلقُ مَنْ ؟ النُقطةُ ام الخطّ ؟
قال القرد :
ـ الا  تعلم بان اصل الخط نقطة ؟
اجاب الغيلم : ” اعلم ذلك ايها القرد . واعلم ايضا ان التغيير يبدا من النقطة .
قال القرد :
ـ اصبت ايها الغيلم . هذه واحدة .

(2)
قال الغيلم :
اما الثانية ، فاني سمعت رجلا اخرس يخاطب قلبه : ” طوبى لمن انساني لساني ! ”
فرد القلب :
ـ لو انك ما نطقت .
قال القرد : “صدق والله . فما هي الثالثة ؟”
اجاب الغيلم :
ـ هي حكاية الارملة ورفيقتها العاقر .
قال القرد : هاتها .
(3)
قال الغيلم ، قال اهل العقل ان  ارملة قالت لرفيقتها العاقر :
ـ الحرمان إختباراتيلأحبائي في الحياة الدنيا .
فردت العاقر :
ـ سبحانه ما اعظمه ، انعم علي بتاج حكمته .
قال القرد : صدقت العاقر .
قال الغيلم :
ـ هي كذلك والله .
فساله القرد : وما الرابعة يا صاح ؟
اجاب الغيلم :
ـ هي حكاية اليد اليسرى ، واختها اليمنى. اما سمعت بها ايها الحكيم ؟
قال القرد : نعم ، ايها الفهيم .
ثم ان الغيلم واصل كلامه :
(4)
 … وقال اهل العقل ان اليد اليمنى قالت لليد اليسرى
ـ ويل لمن اوتي كتابه بشماله !
فقالت اليسرى : ويل لكل همزة لمزة .
قال القرد : احسنت . فهل لي بالخامسة !
قال الغيلم :
ـ هي حكاية الفيل والبقة .

( 5 )
فقد جاء في كتاب ( اخبار الغابة ) لخالد الذكر ابن لبابة ، ان قائد قبيلة الفيلة كان يسير متبخترا في غابة ( بْخا ) .. في …
فقاطعه القرد : وما ( بْخا ) هذه ؟
استطر الغيلم : انها دسكرة في بلد الجبال السود ، بين الربع الخالي والبحر .
علق القرد :
ـ واصل كلامك ، يرحمك الله .
قال الغيلم : وبينا رئيس الفيلة على تلك الحال ، حطت بقة في صيوان اذنه اليمنى ، فحرك اذنيه متاففا :
ـ من جاء بهذه المخلوقة الحقيرة الى حماي ؟
سمعته البقة ، فلم تكترث لعصبيته ، وخاطبت نفسها :
ـ اقسم بخالقي وخالقة ، لأجعلنه يرى نجوم السماء ظهرا .
وأخذت البقة تطن في صيوان اذنه ، ثم تسللت الى اذنه الوسطى ، بينما كان رئيس الفيلة يصرخ :
ـ انقذوني يا ربعي ، تكاد البقة ان تقتلني .
سأل القرد : وبم اجابت البقة ؟
قال الغيلم : سمعها الفيل تهمس في اذنه :
لا تحتقر كيد الضعيف  …. فربما ، جرح البعوض الفيلا .
قال القرد :
ـ سبحان ربنا القوي الرحيم
قال الغيلم : اتدري ما القوة ، يا صاح ؟
قال القرد :
ـ لا تزال مطارحات الحكمة معك .

(6)
قال الغيلم ، قال احد الدببة الثلجية معرفا القوة : ” يجب ان تُعرَّف القوة ، بإمكانية التطرف في استعمالها “.
قال القرد موافقا :
ـ هذا صحيح ، ربما .
فقال الغيلم :
ـ ومن هو القوي ، رعاك الله ؟
اجاب القرد :
ـ القوي هو الذي يعرف . فالقوة بدون معرفة خطر عظيم.
قال الغيلم : احسنت يا اخي .
قال القرد متسائلا : وبعد الذي فعلت ما فعلت تنادي علي : يا اخي ؟
قال الغيلم : او ما سمعت بذلك الذي يتآخي مع قاتليه ؟
قال القرد : جد علينا بما عندك ، يرحمك الله .

(7)
قال الغيلم : انشد عندليب ، بينما كان عند راس نخلة بمنزل :
ـ اذا كان عندك درهمان ، فقدم الاول لأخيك ، والثاني لأخيك كذلك.
سال القرد :
ـ افصح بالله عليك !
قال الغيلم :
من نام ليلته وجاره جائع ، مطرود من ارض الله .
قال القرد :
ـ اين تقع ارض الله هذه ؟
قال الغيلم : كأنك تريدني ان احكي بين يديك حكاية البرهمي والرجل المسلم عبدالله ؟
قال القرد :
ـ اروِ تلك القصة ، يا حكيم الزمان .

(8)
قال الغيلم : جاء في الاثر ، ان رجل دين مسلما ، وفد على ارض البراهمة يدعوهم الى دين الاسلام ، فقال ملك البراهمة لمستشاره :
ـ ناظره مناظرة مشروطة : إن غلبك دخلنا في دينه ، وإن غلبته دخل هو وناس دينه في ديننا قال البرهمي :
ـ هل سمعت الشرط ايها المسلم ؟
رد عبدالله :
ـ نعم ايها البرهمي .
قال البرهمي : اذا كان ربك ـ كما تدعي ـ قادرا على ان يخلق اي شيء ، فهل يسطيع ان يخلق شبيهه ؟
رد عبدالله منزعجا :
ـ اعوذ بالله من الشيطان القوي الرجيم . هذا هو الكفر بعينين إثنتين .
التفت البرهمي الى مليكه قائلا :
ـ الم اقل لك يا مولاي ، ان عبدالله لا يعرف غير السيف لغة .
وواصل الغيلم حديثه :
ـ احتار عبدالله في امره ، فقصد رجلا في سجن البلدة كان يشتغل بالفكر ، وعرض عليه مأزقه ، فقال الرجل المفكر : انا ـ والله ـ لها .
قال عبدالله :
ـ ان اخرجتني من ورطتي هذه ، بذلت مساعي الحميدة لدى حاكمنا ، فاخرجتك من السجن .
قال المفكر :
ـ اشك في ذلك . والان خذني الى مجلس ملك البراهمة .
واستمر الغيلم في روايته :
ـ ما ان وصل عبدالله ومعه الرجل المفكر ، حتى اعاد على مسامعه البرهمي ، مقولته مع عبدالله ، فقال المفكر :
ـ لكل حادث حديث .
قال الغيلم :
ـ  سأل البرهمي الرجل المفكر : اذا كان ربك قادرا على خلق اي شيء ، فهل يقدر ان يخلق شبيهه ؟
قال الرجل المفكر بعد هنيهة من الصمت :
ـ ايها البرهمي ، ان اصل مسالتك مغلوط ، ولا يستقيم مع العقل .
سال البرهمي :
ـ كيف ؟
قال المفكر :
ـ ان ربي هو الواحد الاحد ، الفرد الصمد ، لم يلد ولم يولد ، ولم يكن له كفوا احد .
قال البرهمي :
ـ هلاّ توسعت في خطابك ؟
قال المفكر :
ـ اذا خلق ربي شبيهه ، يكف ان يكون ربا كما وصف نفسه .
سأل البرهمي :
ـ وغير هذا ؟
قال المفكر :
ـ وأي نكتة اخرى تناقض مفهوم الربوبية هذا ، يكون الله ظالما للمخلوقات . وربي يجل عن الظلم .
قال البرهمي :
ـ اشهد انك غلبتني .
فسال القرد الغيلم :
ـ وهل التزم عبدالله ومليكه بإطلاق سراح المفكر من سجنه ؟
قال الغيلم :
ـ زادوا في حديده حديدا جديدا.
سال القرد :
ـ ايحدث هذا في عالم البشر ؟
قال الغيلم : ان عالم البشر مملوء بالتناقضات والعبر لمن يريد الاعتبار من الوقائع والاحداث .
قال القرد :
ـ ما اجهل الانسان .
فرد الغيلم : صح لسانك ايها القرد الفصيح . ولكن فيهم الحكماء ايضا .
قال القرد :
ـ اقنعني .
قال الغيلم : يتوجب علي ان اروي بين يديك حكاية الملك الاسود وجاريتيه السوداء والشقراء.
قال القرد :
ـ على رسلك

(9)
كان يحكم بلاد السودان ، رجل اسود البشرة ، غليظ الشفتين ، واسع المنخرين ، كبير الجمجمة ، اذاع في البلاد ان اي وافد جديد عليه ان يزوره في بلاطه ، فيلقي عليه سؤالا ، فاذا كان جواب الوافد صحيحا اطلق سراحه . اما غير ذلك فلم يشاهده احد يخرج من قصر الحاكم الاسود .
قال القرد : نعم ايها الحكيم
واستمر الغيلم في روايته :
ـ وذات يوم وفد على البلاد رجل من بلاد ميسان ، فقاده حراس الملك الى اليلاط الملكي ، حيث كان الملك الاسود يجلس ليقضي بين الناس .
قال الميساني مخاطبا عظيم الزنج :
ـ السلام على الملك العليم .
تفرس الملك الزنجي في الرجل ذي الشعر الأسود ، وخاطبه :
ـ سأرد على تحيتك ، بعدما تجيب على مسألتي .
سال القرد :
ـ وبم اجاب الميساني ؟
قال الغيلم :
ـ قال الرجل الذي سكن اجداده في مدينة يقال لها ” اليشن” ، تفضل ايها الملك العالم .
قال عظيم الزنج :
ـ انت تعرف مصيرك اذا لم تجب على مسألتي اجابة صحيحة .
قال الرجل الذي من اليشن :
اعرف ، واقبل بحكمك .
واستمر الغيلم يروي الحكاية بعد ان تنفس عميقا :
ـ كانت تقف فتاة شقراء كأنها فلقة قمر في منتصف الشهر ، على يمين الملك الاسود ، واخرى سوداء عظيمة الشفتين ، واسعة المنخرين ، مفرطة في بدانتها . فسال الملك الزنجي الرجل الميساني :
ـ من هي الاجمل ، الشقراء ، ام السوداء ، ايها الرجل الهندي .
قال الغيلم : توقف ذو الشعر السود برهة ينظر نحو الارض ، ثم رفع راسه وخاطب عظيم السودان :
ـ ايها الملك الجليل . في هذه المسالة هناك من يقول ان الشقراء هي الاجمل ، وغيره يقول ان السوداء هي الاحلى .
سال عظيم السودان ، الرجل اليشني :
ـ وانت ، بم تقول ؟
اجاب الرجل الميساني :
ـ اقول ياسيدي : العين وما تنظر ، والقلب وما يهوي .
ثم ان الغيلم ، اكمل حكايته فقال :
ـ نهض عظيم الزنج من عرشه ، وتقدم نحو الرجل الذي من مدينة اليشن ، وخاطبه : انت حكيم الزمان قولا وعملا . ومن اجل حكمتك ، جعلتك كبير مستشاريي .
قال القرد :
ـ  والله ، ان عظيم السودان ، احكم من كثير من العربان والبيضان والحمران والصفران .
قال الغيلم :
ـ لأنه حر الضمير .
قال القرد :
ـ اذن ، ماهي الحرية ، يا صديقي الغيلم ؟
(10)
قال الغيلم :
ـ سمعت احد شيوخ ملتنا ، وكنا نسميه : الاسمر ، يتحدث الى نفر من اقرانه ، ذات صباح مشمس ، عندما كنا نحضر مجلسه الاسبوعي صباح كل يوم جمعة . قال الاسمر : كنت اغطس في عمق طبق ، تحت طبق ، وهذا تحت طبق ، وهذه كلها تحت طبق ، حين فكرت : ” كيف سأكون اذا ما صعدت الى الأعلى، علوا بعد علو ، وتجاوزت هذه الاطباق كلها الى غيرها ، حتى اصل الى اعلى نقطة فوق سطح ماء النهر ” .
ـ سؤال الحكماء فعلا . علق القرد .
قال الغيلم :
ـ قال الغيلم الأسمر لنفسه : ” الطبق قيد . لا بد ان اتخلص من قيودي كلها ، طبقا بعد طبق “.
سال القرد :
ـ اتعني ان كل طبق يقود الى نقيضه ؟
قال الغيلم :
ـ قال الغيلم الاسمر لذاته : ” لا خيار لي الا في الصعود مهما تعددت الطبقات والاطباق ، لأنني في عملية الصعود اكون حرا ” .
قال القرد :
ـ راي صائب ، وايم الحق .
قال الغيلم :
ـ قلنا نحن الغيالم الذين نحضر مجلس شيخنا الموقر ” يا اخانا المجرب ، هذه هي طبيعة الاشياء . كل فكرة تقود الى نقيضها . وهذا هو جدل حياتنا ” .
سال القرد :
ـ سمعتك تقول : جدل حياتنا ؟
اجاب الغيلم :
ـ نعم . انه اسلوبنا وخطابنا في القول بمفهوم الغيالم للحرية .
صفق القرد بكفي يديه موافقا :
ـ ما احسنكم ، معاشر بني غيلم .
قال الغيلم :
ـ هذا هو قدرنا ، يا صديقي المتالم . اننا نعيد محو انفسنا وبعثها ، في كل موقف نتخذه مختارين ، بالحوار والجدل المتواصلين مع انفسنا . وهذا هو مفهومنا للحرية .
سال القرد :
ـ افهم من قولك انكم اطلقتم الحرية لعقولكم ؟
اجاب الغيلم :
ـ لا ونعم .
تعجب القرد :
ـ كيف جمعتم بين ” لا ” و ” نعم ” ؟
ـ بالمسؤولية ( اجاب الغيلم )
اعاد القرد سؤاله :
ـ كيف ؟ اشرح لي هذه النكتة ؟
ساله الغيلم :
ـ انت ترغب في معرفة العلاقة بين الحرية والمسؤولية !
قال القرد :
ـ نعم .

(11)
قال الغيلم :
ـ سمعت إنسيين إثنين يتنادمان . قال الأول : ” الحرية والمسؤولية توأمان ” . فقال الثاني : ” قل : الحرية والمسؤولية تتلازمان . ولذلك هما توأمان ” .
استحسن القرد ما نقله الغيلم ، وساله :
ـ اتستمع الى مطارحات بني الانسان ؟
ـ نعم . عندما يكون لدي وقت اكون تحت الشمس . وكنت اسمع شططا من احدهم ، وأنصت الى حكم ثمينة من انسان آخر .
قال القرد : ” نعم ” .
 ثم اخلد الى الصمت ، ليحث الغيلم على الاستمرار في حديثه ، فقال الاخير في نفسه : ” حمداً للماجد المجيد العالي ، الذي جعلني مسؤولا عن نفسي وإختياراتها ” . ثم عاد الى صمته الذي قطعه نداء القرد :
ـ ايها الغيلم ، سمعت من احد احفادي من بني الانسان يقول : ” معنى الحرية هو المسؤولية . ولهذا يأباها الناس ” .
غمغم الغيلم : ” هذا هو جوهر الحرية ” ، بينما استمر القرد في صمته العميق ، متفكرا في الاقفال التي تسجن الحوار بين الكائنات ، فقال بصوت عال  ، كأنه يريد اسماع صوته الى الكائنات طرّا : ” لا تستطيع اي ذات ان تكون حرة  ، الا ضمن مجموعة حرة ” .
رفع الغيلم عنقه :
ـ ها قد عدنا الى نكتة المسؤولية مرة اخرى ، وإني لأرغب في ان اروي بين يديك الطرفة التي يتناقلها الابناء عن الاجداد .
بقي القرد مستغرقا في صمته وتاملاته ، بينما قال الغيلم :
ـ سمعت من ابي ، نقلاً عن ابيه ، عن احد اجداده ، انه قال : ” جسدي : التراب والماء والهواء والنار ” . فحفظت تلك المقولة بين طيات ذاكرتي ، لأنها تعني لي الشيء الكثير .
قال القرد :
ـ انت تذكرني بمقولة ذلك الإنسي التائه .
ـ ” نعم ” ، قال الغيلم في سره : ” حمدا للماجد الرحمن الرحيم المتعالي ، فلقد بدأ القرد يستجيب لصداقتي ” . لكن القرد لم يدع الغيلم يستمر في تأملاته فقال :
ـ  سمعت من ابي ، عن جده ، قال : ” سمعت إنسيّا يطوف بزورقه الصغير المتهالك على صخور في احد الخلجان يقول : لست مواطنا لأليشن او ميسان . انا موطني الأكوان ” ، فسمعت هاتفا عذب الصوت ينادي : ” يا صورتي في العناصر كلها ، انت الان الحر والمسؤول ” .
قال الغيلم مفتخرا :
ـ هنيئا لكم معاشر القرود .
( … يتبع )
ــــــــــــــ
(1) : انصح بمراجعة باب ” القرد والغيلم ”
من كتاب ” كليلة ودمنة” .
(2) : يتضمن النص مقدمتين. أولاهما بقلم الكاتب
هي بمثابة تحقيق ومراجعة ، على مقدمة ثانية كتبتها
السيدة مريم بنت مطر ، التي جمعت هذه النصوص من
شذرات دفتر عتيق اوصي كاتبه ألاَّ ينشر إلاّ بعد
رحيله عن هذه الدنيا الفانية . وغني عن البيان ان مقدمة
مريم بنت مطر ، تمثل ( عرض الكتاب) ، كما باشر ذلك ابن المقفع
في “كليلة ودمنة” . ولا تتم الفائدة من نشر المقدمتين ، الا بعد نشر
( الكاغد ) كاملا . لذلك اقتضى التنويه لذوي الألباب وجمهور الكتّاب .
**ـــــــــــــــ**
من مجلد ” اليشنيون” المعد للطباعة

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. م. عبد يونس لافي : رجلٌ كبيرُ السِّنِّ، خلفَ منضدةٍ كبيرة ـ اللقاءُ الأول .

مخزنٌ كبيرٌ يقفُ عندَ مدخَلِهِ، رجلٌ كبيرُ السِّنِّ خلفَ مِنْضَدَةٍ كبيرةٍ، يُنجِزُ إجراءاتِ الْبيعِ للزبائنِ، …

| عبداللطيف الحسيني : نخلة الله حسب الشيخ جعفر .

إلى الشاعرين محمد نور الحسيني و محمد عفيف الحسيني. الشعراءُ فقط جعلوا الحياةَ بهيةً لتُعاش …

2 تعليقان

  1. سعدت برؤيتك استاذي .اتمنى ان لاينقطع غيثك هنا وفي كل مكان .

  2. جميل ان نراك هنا استاذ….الله يعطيك الصحه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.