بولص آدم: ضراوة الحياة اللآمتوقعة (4) (ملف/4)

إشارة :
“ومضيتُ، فكرتُ بنفسي كالمتسوّل، لعلّ أحدا ما يضع في يدي وطني”.
يهمّ أسرة موقع الناقد العراقي أن تقدّم هذا الملف عن تجربة الأديب العراقي “بولص آدم” مبتدئة بنشر نصوص كتابيه: “ضراوة الحياة اللامتوقعة” و”اللون يؤدي إليه” اللذين وضع لنصوصهما جنساً هو “الواقعية المتوحّشة”، وهذا امتيازه الفذّ في ابتكار جنس من رحم الأهوال العراقية، فقد أدرك أنّ النصّ العراقي يجب أن يُكتب بطريقة تكوي أصابع من يقرأه وقد يشتعل بين يديه. وهي ليست نصوصا “مفتوحة” بل الرؤية التي ينبغي أن يُكتب وفقها النص العراقي الحقيقي. بلاد تُجمع فيها الأشلاء المجهولة لأجساد أبنائها المُقطّعة بالمفخخات في “بابل” في “طشت الخردة” لا يمكن لنصوصها أن تُكتب إلا بطريقة بولص آدم “المتوحشة”. وبهذا المعنى فهي أيضا درس في أن أدب الحرب الكبير يُكتب بعد الحرب. حرب العراقي لم تنته. لقد بدأت الآن خلف سواتر الذاكرة المؤرِّقة الشعواء لتخرّب حياتنا إلى الأبد نحن جيل الخسارات الابدية: “حياتي ضراوة لامتوقعة- لاتسألني رجاءً عن باقي النص”. تحية للمبدع العراقي بولص آدم ودعوة للنقد العراقي لدراسة نصوص قد تمهّد لمدرسة.
4
البغل
في سالف الأيام والأزمان ، حين يكون الفلفل مرجان والحظ فنجان .
يحكى ان ملكا غريب الأطوار حكم مملكة واهنة ، سمي بالأعور لأنه فقأ عينه عقوبة ذاتيه لجلالته وذلك بعد هرب العراف قبل ان يعاقب بالاحتجاب ظهورا في الصيف ، لتفسيره لواحد من احلام الملك المزمنة .
– حلمك يامليكي فيه ليل مشمس ، اخشى حاشاك ، من انك سترحل في الصيف القادم !
انتشر الخبر بين العامة ، وبعد كل وجبة اكل ملكية ، كان للأعور فاكهته في عقوبة غريبة الأطوار جديدة ..
عوقب قائد الجيش بالوقوف على رأسه مدى الحياة بعد هزيمة مضحكة في معركة !
حتى الترعة التي تسقى منها الدواب عوقبت بالتجفيف ، لظهور افعى حمراء في الماء بينما فرس الملك مقبلة على الأرتواء ، فاختفي شيء اسمه فرس ، حمار وبغل من تلك المملكة .
والبستاني عوقب بالبقاء اسبوعا اعلى شجرة التفاح التي يبست .. ذات مساء وعند تقديمه جرده اليومي باشجار ونباتات القصر امام مليكه الأعور ، ذكر بأن شجرة الانتصار قد اختفت ، طلب جلالته احضار الحطاب !
وعوقب بان يكون بغلا للملك ، يحمله فوق رقبته ويسير به أنى يشاء ! ..
اصاب الحطاب البريء حزن شديد وعرف منذ ذلك المساء بالبغل ..
– تعال يابغل ، احملني يابغل ، سر يابغل ، هوووووش يابغل ، استدر ، يسار، يمين ، خلف ، امام ، قف يابغل، انزلني هنا يابغل ، اذهب يابغلي ، وهكذا ..
وكلما طيبت زوجته من خاطره في الكوخ( وهي التي عوقبت يوم كانت طباخة القصر بقضاء ليلة تحت الملك )
قال لها :
– لاعليك ياعزيزتي ، اعدك بحملك والسير احتفالا في طرقات المملكة في اليوم الموعود !
في صبيحة احد ايام الصيف ، امطرت فيه السماء قرنفلا ووردا ، حضر اثنان من حراس الملك وطرقا باب الحطاب فجرا ،
– هيا معنا يابغل الى القصر .
– عجبا! ما الداعي لحضور حضرتكما ، فانا اعرف وجهتي اليومية الى القصر كبغل ؟
– اليوم شئ اخر ،
عليك ان تحمل جلالة مليكنا المعظم الى القبر .

الرئيس والحذاء
عندما دخل الرئيس الى المكتبة محاطا بالحرس لكي يشتري حذاءا ، القي القبض عليه

لحم العنزة

كان الجندي ( اسخريا يوناذم ) اعظم هدية في حياة الخياطة الفنانة ( يونيا اوراهام)
في بيت من غرفة، مطبخ ، حمام ، مرحاض بائس فوق السطح ..انجبا ولدان وبنتان
اسخريا..تولى تسمية البنتين ( دلليلا و بهرا ) .
يونيا .. تولت تسمية الولدين ( شلاما و انويا ) .
مساء هذا اليوم ، وقف امام اللحام ، الا انه لم يحصل على الفخذ ، كما وعد زوجته الحبيبة يونيا . بل وضعت في القدر على النار كيلو لحم عنزة.
جلست وراء ماكنة الخياطة ، تصلح فتقا تحت ابط قميصه الكاكي .
سحب كرسيا وجلس يتغزل بها ، كلما دخل واحد من الأولاد .. تحدثا عن لحم العنزة!.. يختلسان قبلة ,
كلما خرج ..
تدخل البنتان..
-متى تسافر يا ابي ؟
– بعد ساعة !
تخرج البنتان ..

– لم يبق كثير من الوقت ، متى نستحم ، نتعشى وبعده وداع !
دارت يونية بحزن وبطء قولته .. وداع
– ياعزيزي فلنؤجل خطوبة شلاما .. الى ان تنتهي الحرب !
– لا.. ارجوك ، سنفعل ذلك في اجازتي القادمة ، والا تزوجت انا ؟!
.. خزرته بخديها وادخلت ابتسامتها في عينيه ، وهبط كفها على خصيتيه ! تعصر ، فبدا يصرخ ..
– يونيا .. كفي ارجوك ياااااااا يونيا..
.. لحم العنزة يلزمه طبخ طويل. كانا على موعد في الحمام . لم يستحما بقدر ما ناما واقفين في الأحضان . ستقول للأولاد ..
– والدكم بحاجة لتلييف ظهره .
….. ارسل الجندي ( اسخريا ) رسالة الى السيدة ( يونيا ) من الجبهة..
…..في اليوم التالي حضر في تابوت يلفه علم فوق سيارة اجرة !
…..بعد ايام ، وصلت رسالته اليها ايضا..

– ( حبيبتي يونيا.. لاتقلقي ، كل شئ على مايرام ) !

أصوات جديدة لمطحنة قديمة

أفواه فاغرة تُطلِق صرخات تصم الآذان، يُفهم منها كلمات، يارب يا مار..أصداء تَراتيل بعيد، أُناس مُحاصرون داخل قاعة ضخمة تحت القصف.. إمراة في الطرف الآخر، وكما تحمي الدجاجة فراخها بجناحيها، تَلُف المراة طفليها وتشدهما الى صدرها، أسماء قديسين .. غُبار داكن يتصبب من الجدران، زوايا الحدقات تنظُرُ شروخ عميقة تتسع في السقف..يختلط الدخان والغبار وتزداد العتمة.. أجساد تَحتمي بأجساد أُخرى، تَلتَصِق وتترك الأظافر آثارها في جص الجدران، أخاديد السقف المرتج تنفث دخان أُرجواني يقتنص الأنوف وتلتف الأيادي حول الرؤوس..
يقف يوحنا بقامته الفارعة مُسَمرا ناظريه في السقف، تنهمر دموع عينيه، بينما تتصاعد ضوضاء القاصفات الطائرة وفرقعات القنابل وصفارات الأنذار..شَعَرَ للحظة خاطفة بان مهد خشبي كالذي يُستَخدم في القرى الجبلية، تَجرفه حدبة الشلال المتساقط بقوة! .. يهوي جزء من السقف..يتصاعد غناء مَلكو راوي، هَي راااااوي…
تتقدم نحو القاعة، كَروان بِغال ودواب، تدخل اليها مُحملة بأكياس جوت سوداء مليئة بالحنطة! تُساقُ من قبل عازفي (روك´اند روووول)، بملابس جلدية سوداء واحذية ثقيلة لجنود، يتقدمهم قارع طبل، دم..دم..دم!! ثم يتغير الصوت قويا ومدويا، طق.طق..طق..صوت مطحنة قروية !.. يَلمَح يوحنا جده مَندو ..
ـ يوحنا، يايوحناااااااا ؟ هيا اتبعني، لقد فات أوان الطحن، فَلنُسرِع نحو قرية (كواني) فرُحى المطحنة دائرة و .. من يتأخر أول النهار يكون حمار آخر النهار، يوحنا، يا يووووو..
تقطع قافلة الحنطة جسد القاعة في طريقها الى المطحنة. طق . طق. طق..
أي سقف يَلجأ تحته يوحنا الآن ومواشير الحرب تُلاشي الوانها البشعة طيف الشمس في عينيه؟
يتناهى الى مسامعه صوت مقام بغدادي حزين تؤديه المطربة الأمريكية (تينا تيرنر) التي تقف بعري ذراعيها وهي تربت على كتفه لكانها تنفض غبار الحرب والأرهاب!.. يُخفي الضباب كل شئ وتنقل ريح القاعة رائحة رز يحترق! يستمر دوي المطحنة طق.طق..تَعوي الثعالب وتنظر ذئاب نحو القمر والجد يطحن حنطته، ثُم يتغير صوت المطحنة فجأة الى تك. تك..تك! يفتح يوحنا عينيه ذاهلا، يواجه سقف الغرفة الصامت، يُخرِس الساعة المنضدية، يرفع رأسه بتثاقل دوائره الحلزونية عن الوسادة المُغرقة بضجيج الكابوس، يضعه، رانك، رينك..رانننننن.. قرع ناقوس الكاتدرائية وجها لوجه امام الحقيقة الأكيدة، حقيقة أنه في الفراش داخل غرفة النوم في شقة الغربة!
سَأَلَ نفسه..هل كل شئ على مايرام ؟! نظر الى السقف نحو مصدر دربكة منتظمة جديدة، ولكن هذه المرة، لم تكن سوى سرير عسل الحب في الطابق اعلى!
شَعَرَ يوحنا في هذه اللحظة بانه قد نام الف سنة وان ايام السنين مثل خيوط العنكبوت تشده الى سريره، وبدأ بِرَوية في مُداعبة خصلات امرأة وهمية بأنامل راعشة.. وقعت عيناهُ الدامعتين على مزهرية فارغة محشورة في زاوية الغرفة امامه، أَعجَبته فكرة شراء زهور هذا الصباح.. فكرة سعادة غامضة، تَطرُدُ من الغرفة.. سُقوف، أسياد، سجانين، مُخبرين، جنرالات، عاهرات، مقاهي، حانات، مُجرمين على كُرسي الرئاسة وقديسون بعد التقاعد، طائرات ومدافع، امطار ودخاخين، مغنين، مجانين، مُدُن وقحة وقرى موحشة ! يوحنا المُستَلقي على بطنه ضاغطا بوجهه في بلل الوسادة، يبدو أنه بحاجة الى الفراش لفترة اطول هذا الصباح، على الأقل ليتأمل ذكرى قديمة جدا، حيث كانت جدته تطبخ على نار الحطب في البستان، يوم قال لها وهو طفل قبل اربعين عاما:
ـ أَشٌمُّ رائِحَة رُز يَحتَرِق !

… يتبع

شاهد أيضاً

علي چاسب*: رواية “رؤيا الغائب” لسلام إبراهيم في أستحضار الغائب العراقي (ملف/63)

إشارة: مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي …

من رسائل القرّاء والكتّاب الموجّهة إلى الروائي سلام ابراهيم (14) (ملف/62)

إشارة : تجربة رائعة يقوم بها الروائي المبدع “سلام ابراهيم” وهو يؤرشف رسائل قرّائه الكرام …

حيدر حسن جابر: البنية السردية في روايات سلام إبراهيم (رسالة دكتوراه) (14) (ملف/61)

إشارة: مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *