حسين سرمك حسن: فؤاد التكرلي اختصاصي المحارم ، “بصقة في وجه الحياة” أنموذجا

إنّ أولى الإشكاليات التي تثيرها رواية المبدع الراحل «فؤاد التكرلي»: «بصقة في وجه الحياة» – منشورات الجمل، 2006- هي مسألة الريادة الفنية في الرواية العراقية، فقد اتفق النقاد العراقيون على أن الريادة الفنية في مسيرة الرواية العراقية الناضجة قد رفع لواءها الروائي العراقي الراحل «غائب طعمة فرحان» عندما أصدر روايته: «النخلة والجيران» و«خمسة أصوات» ببغداد عامي 1965 و1967 على التوالي.. فقد وفرّ «غائب» الشروط الفنية لرواية عراقية مقتدرة تجاوزت السرد الحكائي الكلاسيكي الأولي الذي كان يقترب من السذاجة أحياناً، والذي تجسد في النماذج التي كتبها «جلال أحمد السيّد» و«ذنون أيوب» و«عبد الحق فاضل». ورغم أنني قد دعوت في دراسة سابقة إلى ضرورة التوقف عند رواية «الرسائل المنسية» لـ «ذنون أيوب» والتي تختلف عن كل ما كتبه الأخير من روايات بفنّيتها العالية وحبكتها المحكمة ومدخلها الجديد وتقدمها في الرؤية على الواقع وتكثيفها السردي وتخلصها من الاستطالات، إلاّ أنني أجد الآن – وبصورة لا تقبل اللبس – أنّ الريادة الفنية ينبغي أن تمنح للمبدع «فؤاد التكرلي» عن روايته هذه «بصقة في وجه الحياة» والتي بدأ بكتابتها في حزيران عام 1948 وانتهى منها في آب سنة 1949، أي قبل ما يقارب العقدين من صدور رواية «غائب» «النخلة والجيران». فرواية «التكرلي» رواية متكاملة فنياً تقريباً رغم أن «التكرلي» نفسه يعتبر نصّه هذا فجّاً فنياً وسوقياً وذا لغة ركيكة (ولا يوجد سند لأي من أحكام الكاتب هذه، وهو أمر لابدّ أن يتوقف عنده الناقد المحلل). نحن نقف الآن، أمام رواية نفسية مركبة غير مسبوقة في السرد العراقي حتى ذلك الحين، رواية يسيطر عليها تيار من صراعات اللاّشعور وتستكشف فيها أغوار المكبوت في أعماق الشخصية المركزيّة، التي يوظف الكاتب، من أجل تصعيد توتر الوقائع الدرامي، تقنيات فنّية متفردة آنذاك مثل المونولوج الداخلي والأحلام والاستعادات السريعة والمديدة وتداخل الأزمان وإهمال المكان (كان بلزاك يصف كل المقاهي والشوارع والمحلات التي يمر بها بطله حين يسير لشراء فرشاة أسنان مثلاً) وإثراء السرد الفكري وثانوية الحوار الذي كان يعتبر سرداً ووصفاً خارجياً بدلاً من أن يكون أداة في تنمية واستثارة صراع الإرادات وإضاءة العوالم الداخلية المعقدة بمركباتها المحتدمة، لكن الأهم من ذلك كلّه هو أنها تصدت وبجسارة لمعالجة واحدة من أخطر التابوات في مجتمعاتنا وهي عقدة السفاح بالمحارم.ومن يعالج تاريخ القصّة العراقية سيجد هذه المعالجات المبكرة، خلال الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي، للدوافع المحارميّة، ويتجلى ذلك، على سبيل المثال لا الحصر، في قصص «يوسف متّى» قبل أن يعتزل النشاط الأدبي ويتفرغ للنشاط السياسي – بصورة عامة، وهذا الانهمام الواسع، نوعاً وكماً، من قبل «فؤاد التكرلي» في التناول المكثف ومتعدد المقتربات لموضوعة العلاقات الجنسية المحرّمة بصورة خاصّة. ويمكننا القول إن «التكرلي» هو أكثر الكتّاب العراقيين والعرب اقتداراً وجرأة في طرح هذه المسألة الشائكة التي تعدّ من المحرمات الدينية والاجتماعية. في قصصه القصيرة هو أكثر مَنْ عالج هذا الأمر كما هـو الحال في قصص مثل: (همس مبهم، الدملة، المجرى، التنور، أمسية خريف، القنديل المنطفئ، الغراب…وغيرها). أمّا في مجال الرواية ففوق أنه صاحب الكم الأكبر في الإنتاج الروائي العراقي في هذا المجال: (الرجع البعيد، خاتم الرمل، المسرّات والأوجاع)، فإنه صاحب السبق في مجال الريادة على المستوى العربي، كما أشار إلى ذلك الناقد الراحل «د. عبد الإله أحمد» في كتابه «الأدب القصصي في العراق» وذلك في معرض حديثه عن رواية «التكرلي» هذه «بصقة في وجه الحياة»، حيث قال : (( إننا لا نعتقد أن عملا قصصيا يتناول هذه العلاقات الجنسية الشاذة على النحو الذي تناولتها قصة ( بصقة في وجه الحياة )  يمكن أن يتقبله واقع المجتمع العراقي، إن لم نقل واقع المجتمع العربي الحديث عامة، في الفترة التي كتب فيها. فنحن لم نجد عملاً قصصياً في أدبنا العربي الحديث، بجرأته في تناول هذه العلاقات ومحاولة إيجاد المبرّرات لها، حتى تاريخ كتابته، ولعل ذلك يكفي سبباً لدراسته (…) بالإضافة إلى ما أشرنا إليه من جرأتها على طرح مضمون يتناول الجنس بشكل لم يجرؤ عمل قصصي على طرحه في الأدب العربي الحديث حتى تاريخ كتابتها.. قد نجد ذلك في الشعر، في بعض قصائد «إلياس أبي شبكة» التي نشرها في ديوانه: «أفاعي الفردوس». لكن من الهام الإشارة إلى أن ريادة «التكرلي» العربية في طرح موضوعة المحارم لم تكن تاريخية وفنيّة حسب بل فكرية أيضاً حيث حاول تسريب قناعاته الفلسفية المسمومة التي تبغي تجاوز جسارة، بل شراسة كشف أغطية المكبوت المحرّم إلى وضع تأصيل نظري صادم ينسف القناعات القائمة ويؤسس لمقدّس جديد يبزغ بمخادعة تخديرية من رحم المدنّس. ويمكن القول إنّ «الـتـكرلي» قد رسم مسار روايته هذه لتكون الخطوة التنظيرية والمدخل الفلسفي لمشروعه التعرضي هذا، وهي خطوة لم يكررها بعد ذلك لا في قصصه ولا في رواياته وكأنه قد نفض يديه من مسؤولية (الإقناع) وتأسيـس ركـائز الـديانة المحارمية الجديدة إذا جاز التعبير، ففي جميع نتاجاته التي أعقبت هذا النصّ، وهذا ما لاحظه الناقد المبدع «عبد الإله أحمد»، نجد أن أبطاله يندفعون في تيار ممارسة العلاقات الآثمة أو الانحدار المذعن مع مجرى دوافعها حتى الخراب النهائي دون أن يناقشوا، ولو للحظة، ما تعنيه هذه العلاقات والدوافع من خرق لما هو قائم وتدنيس لما هو قابع في حياتهم وحياة المجتمع الذي يحيط بهم. إنّه أي «التكرلي» يبدو وكأنه قد أنجز – وباقتدار كما يرى هو نفسه – بلورة الصيغة الفلسفية للديانة الجديدة وحدّة الملامح الدقيقة لقوانينها العلائقية في روايته هذه؛ وعليه فإنّ النصوص اللاّحقة ستكون تشخيصاً لسلوك (مؤمنيه) الجدد ووصفاً أميناً لحياة مريديه الذين كانوا أقوياء صلبي الإرادة في تنفيذ اختياراتهم المحارمية وممارستها بلا تردّد رغم معرفتهم بالنتائج الكارثية التي تترتب على ممارسة هذه الاختيارات الجحيمية لأنهم يستمدون أسباب قوتهم من معين قوة (خالقهم) الذي عبّر عن مشاعر (الانتصار) والقوّة التي تملكته عندما أنهى نصّه المحارمي هذا وذلك في المقدّمة التي كتبها له: «أنهيت هذا النصّ في آب سنة 1949، وكنت منتصراً قبل أن أدخل المعركة، نجحت في امتحاني العسير لأنني كنت قوياً خلاله. وكنت قوياً لأنني أكملت عملاً استثنائياً من أعمال تصفية الذات». لقد أكمل «التكرلي» «طقس التطهّر و(العبور) النفسيين لـ(الانتقال) إلى فردوس الجحيم الوجودي الجديد الذي أنكر طويلاً من قبل السلاسل الطويلة من الأغبياء وقصيري النظر» كما يصفها «التكرلي» الذي يعد إنسانه البطل في النصّ القصصي ظافراً رغم أن انتصاراته وقتية وناقصة «ليس من حق الإنسان بطبيعة وجوده أن ينتصر دائماً وبشكل تام وعليه إذ يدرك ذلك أن يسعد بانتصاراته الوقتية الناقصة – المقدمة». لكن دعوة «التكرلي» لمريده المحارمي إلى أن «يسعد» بانتصاره الوقتي الناقص، فوق أن هذا النقص والوقتية هي طبيعة بشرية وجودية، نابعة من إدراكه النافذ والحكيم للقدر الكارثي المرسوم للنهاية الحتمية التي (تتوج) الظفر والمغيّب والنشوة الآسرة المتأججة الناجمة عن اقتراف إثم قطف الثمرة المحرّمة، هذا السرّ هو المضمون النفسي الباهر المتخفي والمكبوت في لعبة الثمرة المحرّمة التي يترتب عليها، كسلوك انتحاري، الطرد من الفردوس، فما الذي يستحق النبذ واللعنة في سلوك جنسي عادي بين ذكر وأنثى في الفردوس؟ خصوصاً وأنّ الآلهة هي التي قدرت حاجة «آدم» المستوحش المحاصر بالوحدة فخلقت له امرأة من ضلعه (الأعوج)، ولا يمكن فهم خلق الأنثى من ضلع «آدم» إلاّ بكونه كناية عن (أم) أو (أخت) ولا اعوجاج الضلع ومن ثمّ غضبة الآلهة وحكم الطرد إلا على أساس أنه ممارسة محارمية آثمة. وما المعنى الرمزي لعملية الطرد من الفردوس إلا تعبيراً عن (موت) وجودي يتضمن الانتصار الناقص والوقتي الذي رسمه «التكرلي» الذي هو تلطيف لقدر الخراب «الأوديبي» الذي رسمه «سوفوكليس» ببراعة في (أوديب ملكاً)، فقد قتل الأب بفعل دوافع الابن الآثمة وهو في طريقه للظفر بموضوع الحب المحرّم: الأم، هذا الظفر، الانتصار المؤقت والناقص، الذي انتهى بأن فقأ الابن (المنتصر) عينيه بأسياخ الحديد المحميّة وشنقت الأم (المأثومة) نفسها. أي أن الدمار الكامل كان هو المآل الأخير لأطراف المثلث «الأوديبي» الثلاثة: الأب والأم والابن. لكن «سوفوكليس» قدّم لنا هذا المصير كقدر أعمى مرســوم لا يرد ولا تطوّعه إرادة وذلك من خلال نبوءة عرّاف «دلفي» للملك «لايوس» بأن الابن الذي سيولد له سيقوم بقتله والزواج من أمّه (زوجة الملك) والحصول على عرشه). إنّ ما سطره «سوفوكليس» في عمله العظيم هذا كان بمثابة عمل ديني رادع مكتوب بضمير جبان كان يستثقل سياط الضمير الجمعي المنافق في كلّ خطوة يخطوها على مسار عمله الريادي الباذخ والتحرّشي. لقد جاء «أدويب ملكاً» وكأنه درس رادع، بعد التجريب طبعاً، لمن تسوّل له نفسه شق عصا الطاعة على ما هو مؤسس كمحرّم ومقدّس. وهنا تتجلى، وبوضوح، أهمية وفرادة الروح التحرّشية «للتكرلي» وتفوقه على نظرة «سوفوكليس»، لقد كان «سوفوكليس» في الواقع مهادناً في حين كان «التكرلي» تعرضياً ومارقاً ومجدًّفا عن سبق إصرار. مأساة «أوديب ملكاً» تحاول أن ترينا النتائج العقابية المميتة لمن تسوّل له نفسه، حتى لو كان ذلك بفضل قدر ماحق وباطش الإرادة، خرق قداسة المؤسس الديني الذي هو «مقلوب» المضمون المحارمي الكامن الذي ترتبت عليه عملية الطرد ورسم الشقاء على الإنسان الآثم كعقاب دائم. وكل وقائع مسرحيّة «أوديب ملكاً» هي سلسلة تمهيدية للوصول إلى هذه النتيجة الرادعة. وتحت هذا الغطاء – وهذا جزء من مكر اللاّشعور – أتاح لنا «سوفوكليس» أن «نجرّب» قتل الأب والفوز بموضوع الحب الأثير، وهي فرصة للتفريغ الذي تحـدث عنه «أرسطو» والذي يوفره الفن للإنسـان كـي يفرّج عن دوافعه وصراعاته المكبوتة، وهذا ما لاحظه «فرويد» حين أشار إلى أنّ المتفرجين الذين يشاهدون هذه المسرحية يكونون مسرورين ومتخففين من أي مشاعر بالذنب عكس ما هو متوقع، وحالهم في هذا حال مشاهدي مسرحية «هملت» «لشكسبير» وقرّاء «الأخوة كارمازوف» «لدستويفسكي»، والأعمال الثلاثة تتحدث عن جريمة قتل الأب. لكن عبقرية «التكرلي» تأبى التبعية والتقليد بفعل محدداتها الثقافية ومكبوتاتها الشخصية وفعلهما الفذّ فأمسكت بجمرة البدايات ومزّقت، وبعنف الأستار عن الدوافع بعيداً عن النتائج المهادنة بطبيعتها الاستباقية المحكومة بمقررات الضمير الانخذالي الذي يجعل الوصول إلى (الهدف) و(النتيجة) تحصيل حاصل رغم مشقات الوصول ومكابدته المدمّرة. إنّ إنجاز «التكرلي» العربي والعالمي حسب إطلاعنا المتواضع ومقيماً وفق المعايير الاجتماعية الرادعة التي كانت قائمة آنذاك هو أنه كان يفلسف ويحرّض في حين أن نصّ «سوفوكليس» كان يردع ويهدّد رغم جسـارته النـسبية لأنّ المجتـمعات الإغريقية كانت تعرف الممارسات المحارمية بصورة أو بأخرى (طبعاً هذا لا يعني أنّ مجتمعاتنا نظيفة وخالية من هذه الممارسات، ففي المؤتمر النفسي الذي عقد ببغداد في العام 2002 قدّم أحد اختصاصي الطبّ النفسي بحثاً عن المحارم تضمن (16) حالة من المحكوم عليها في سجن «أبي غريب» آنذاك، وفي القاهرة اشتغلت إحدى الباحثات على أطروحة الماجستير حول المحارم عام 1994 ولا نعرف نتائجها). لقد غاص «التكرلي» في أعماق لا شعورنا وتوغل في مجاهل ظلماته للإمساك بالجذور الغائرة في حـين اكتـفى «سوفوكليس» بالإمساك ببعض الأوراق السوداء التي نبتت على شجرة السلوك الإنساني الملغز، ولا ينفع في حجب حقيقة وجود جذور، وجذور متينة لشجرة سوداء كلها ومستقلة بالنسبة لموقف «التكرلي»، ما نظهره من آليات نفسية دفاعية، ومن مقاومة، وإنكار، وعقلنة، والأخيرة تصل الذروة المعرفية المحكمة والمخدرة في محاولات تفسير مقتل «هابيل» على يد أخيه «قابيل» بصراع الحضارة والبداوة وانتقالات التطور الاقتصادي والاجتماعي التأريخي في حين أن أصل الجريمة كان محارمياً ويرتبط بإصرار «قابيل» على الزواج من شقيقته (توأمه) (إقليما) التي كانت أكثر جمالاً وفتنة من (توأم) «هابيل» مخالفاً التعليمات السماوية، وهذه الجذور الأفعوانية الدفينة التي أمسك بها، وبحزم «فؤاد التكرلي»، وطرق على موضوعها كمشروع عمر، تلوب دائماً في دواخلنا متحينة الفرص كي تنفلت. ولو لم تكن غريزة لائبة وضاغطة ومخيفة وقابلة للتحقيق لما جاهدت السلطات الدينية في التخويف والتحذير ولما سنّت السلطات المدنية أقسى العقوبات الرادعة التي تتوعد بها من تسوّل له نفسه الآثمة التنفيس عنها واقترافها، وقد عبّر عن ذلك «جيمس فريزر» صاحب «الغصن الذهبي» بتعبير بليغ قال فيه: «إننا لا نرى جيداً ما الذي يحيج غريزة متأصلة إلى أن تُعزز بقانون. إذ ليس هناك من قانون يأمر الإنسان بالطعام والشراب أو ينهاه عن وضع يديه في النار. والناس يأكلون ويشربون ويبعدون أيديهم عن النار بصورة غريزية خوفاً من العقوبات الطبيعية. وهذا الذي تحرمه الطبيعة وتعاقب عليه ليس بحاجة إلى أن يعاقب بقانون. ولهذا فنحن نستطيع أن نقبل بلا تردد أن الجرائم الممنوعة بقانون هي حقاً جرائم يرتكبها بسهولة كثير من الناس بحكم الميل الطبيعي، ولولا وجود الميول السيئة لما وجدت الجرائم، ولولا وجود الجرائم لما كانت هناك جدوى في منعها. وهكذا فإننا بدلاً من أن نخلص من التحريم الشرعي لإتيان المحارم إلى وجود كراهية طبيعية يجب علينا بالعكس، أن نخلص إلى الاعتراف بوجود غريـزة طبيعـية تدفع إلى إتيان المحارم. ولئن كان القانون يحرم هذه الغريزة ككثير من الغرائز الطبيعية الأخرى، فذلك لأن الناس المتمدنين شعروا بأن إرواء هذه الغرائز الطبيعية أمر مؤذ من وجهة النظر الاجتماعية». لكننا لا نستطيع القول إن «التكرلي» في روايته «بصقة في وجه الحياة» كان يريد إظهار «طبيعة» هذه الغريزة المحرّمة فقط. هناك غاية مضافة خطيرة يحاول الوصول إليها من خلال السلوك الشاذ للأب الذي يصف نفسه بـ(المسكين) في استهلال الرواية وهو أرق يسطر أفكاره فجراً: «تن.. تن.. تن. ثلاث دقات رهيبة تعلن اقتراب الصباح، وأنا ذلك الأب المسكين لا أزال جالساً في غرفتي منكمشاً على نفسي. أحاول جهدي أن أتبيّن هذه الكلمات على ضوء المصباح الضئيل البعيد». إنّه يراجع حساب مسيرته الماضية والحاضرة فيجد رابطاً مشتركاً يربطهما وهو: الصمت، ففي الماضي – كما يتذكر – يوم كان معاون شرطة قبل التقاعد، كان يدخل عليه المفوض وعلى فمه ابتسامة كريهة، ويمد يده خلسة «كأنه يستحي ويضع النقود في زاوية معهودة من مكتبي، ثم يروح يشرح القضية التي أتى من أجلها ويقترح الحل كما يريده أصحاب النقود، ثم يسكت وينتظر جواباً مني، كما انتظر هؤلاء الجواب، لكنني كنت اسكت وأطرق برأسي فيخرج بهدوء دون أن أعلم ماذا فهم مني وماذا هو فاعله.. ص16». أمّا في الحاضر فإنه يعتصم بالصمت والسكينة وهو يراقب انحلال عائلته وانفلات بناته الثلاث: «صبيحة وساجدة وفاطمة»: «والآن، إني أرى الأمر كذلك، فتاة – بل فتيات – تُرك الحبل لهن على الغارب؛ فلا أب يسأل، ولماذا يسأل؟… حقاً لماذا؟ ولا أم تسوسهن، فصرن يعبن من لذات الحياة عباً ولا يشبعن من ترفها قط.. ص16». فمع اقتراب دقات الساعة الثلاث التي يصفها بأنها دقات رهيبة – وهذه السمة مسقطة من دقات ساعة الصراع الداخلي، صراع الوجدان الآثم الذي يضخم في الخارج كصدى منذر – عادت «فاطمة» إلى البيت.. أرسلت ضحكة مكتومة قصيرة قبل أن تفتح الباب وتودع الزبون الغني.. ص15». وسواءً كان موقفه هذا سكوت المتواطئ أم صمت العاجز – وهو ما سنبيّنه لاحقاً – فإنه سلوك يوصل إلى النتائج اللاّ أخلاقية نفسها: «إني أعلم أنهن يعملن مـا يشين، ولكن ألم تكن أفعال المفوض المستوحاة من سكوتي، ألم تكن مشينة تلوث الاسم؟ بلى إنها كذلك.. ص17». وقد مضى عليه وهو في حالة السكوت المتواطئ خمس سنوات يبررّها بضعف موارده المالية التي لا تكفي لتموين نصف منـزلهم الفاخر ذي الرياش والأثاث الثمين. وهذا التبرير يطوح به من مرتبة الأبوة الحامية المقوّمة إلى وحل دور الشريك الذي يغطي الانحراف والتحلل الأخلاقي لمن هنّ تحت رعايته . لكن هل العجز المالي هو المبرّر الأوحد لتواطؤه هذا أم أنّه غطاء (شعوري) يتم تمرير الدوافع اللاّشعورية تحته؟ إنه يرزح تحت مطارق الرغبة الآثمة في ابنته «فاطمة».. هذه الرغبة التي ينقلها إلينا على شكل جرعات كبيرة تتفق مع حجم تصميم الكاتب المسبق حيث يعلن أنه معجب بها لا كما يعجب أب بابنته، بل بفتاة صغيرة جميلة تتفجر شباباً ورغبة في الحياة.. إنه يراها فتاة أجنبية عنه.. وهذه من الخطوات الالتفافية التمهيدية في تأسيس العلاقة المحارمية والتي تتمثل في (تغريب) موضوع الحب، أن يفقد الموضوع الصلـة القـرابية الوثيقة التي يتأسس عليها استثارة الشعور بالذنب في حالة التقرب الغريزي الممنوع، حتى لو كان هذا التقرب بالنوايا لأن الأنا الأعلى يتساوى لديه الفعل مع النيّة مهما كانت مكتومة. ولهذا ينظر إلى فاطمة كبنت غريبة جميلة يعيش معها كإنسان كما يصف نفسه: «إن من الجميل هو أن تكون للإنسان فتاة جميلة رائعة يعيش معها..ص18». ويرتبط بهذا «التغريب» الانسحار بسمات الموضوع المغرّب الذي تضفى عليه السمات الباهرة التي تبرّر أمام العين الراصدة الاندفاع نحوه بفعل فرادة خصائصه. وهذه «فاطمة» «إذا تكلمت تلاينت الألفاظ وهي تخرج من فمها وانطبق جفناها بسكون بين آونة وآونة وتحركت يداها حركات ناعمة رشيقة تناسب موسيقى صوتها، فتسحر محدثها وتسحق شخصيته سحقاً بين أناملها الرقيقة..ص17». ويمتزج التغريب بالانسحار حين يتحدث الأب عن أحد (أقربائها) بفصم كامل لعرى أي علاقة تصله بها: «لا أزال أتذكر يوم كان أحد أقاربها – يقولون إنه قريب بعيد – جالساً معنا، أنا والأم والأخوات، كيف كان يتمتم وهو ينظر إليها تحدّثه: سبحان الله.. سبحان الله.. ص17 – 18». ولعلّ عدم انهمامه بسلوك بناته المتحلل – سلوك «فاطمة» خصوصاً – لا يوفر (ابتعاداً) نفسياً عن مصدر قلق وتوتر شديدين ويضعه على تلة المتفرج والمراقب حسب ، بل ينقله – بصبر محسوب خلاف التململ الظاهر – بخطوات تهادنية إلى (التكافؤ) العلائقي كـ(إنسان) مع فتاة جميلة. وكانت واحدة من أهم هذه الخطوات هو أن ردود أفعاله لم تكن استجابات أبوية خالصة، لقد لجم رد الفعل الأبوي وصارت انفعالاته مشوبة بـ(غيره) ماحقة. حصل ذلك عندما شاهد «فاطمة» «تلك الابنة الحنون في سيارة بيضاء طويلة لامعة كالمرآة.. يجلس في محل السائق منها شاب أنيق.. وبالقرب منه.. بالقرب جداً.. الابنة العزيزة.. الملاك السماوي.. كانت مرتدية ثوبها الأسود، ملتصقة به وعلى فمها ابتسامة رائعة، أجل هذا هو الوصف الملائم.. رائعة. وفي الخلف تتكوم مخلوقة كالخنفساء.. لم تكن غير «ساجدة».. ص49 -50» لقد أشعل هذا المشهد انفعالاً مدوّياً في داخله جعل عروقه كلها ترتجف وصدر صوت عن احتكاك أسنانه جعله يرتكب الحماقة التي كادت تودي بحياته. لقد قفز – دون إرادته كما يقول – نحو باب الباص المنطلق وفتحه واندفع خارجاً دون أن يخطر على باله أن تفاجئه سيارة مسرعة كادت تدهسه وهذه القفزة اللاإرادية كما يصفها لأن تفسيرها عصي على شعوره، هي حركة (إرادية) قررّها الأنا الأعلى – السلطة القضائية النفسية المعاقبة، بفعل تراكم مشاعر الإثم. هذه المشاعر الممتزجة بالقلق تقف وراء جوانب من معاناته التي قد تبدو غير مفهومة وفي مقدمتها الأرق المعاند الذي يواجهه في أغلب لياليه. إنّ أرق المحارم هو أشد أنواع الأرق مقاومة للعلاج أو التخفيف بالطرق المعروفة، وحين ينام فإنّ نومه يزدحم بالكوابيس، ومن نتائج هذا الشعور المركب بالإثم هو الشعور بالدونية وتقريع الذات. ويتجلى ذلك الشعور بالنقص واحتقار الذات في دخوله المبغى العام حيث اجتاحه الخوف والقلق، فجفّ فمه وتصبب العرق من جسده.. «لعلي كنت أخاف أن يضحكن علي.. يضحكن علي.. ولمَ لم أقـل لأني فزع، جـبان، ركيك، متهافت، شيخ، كلب، حشرة؟ لمَ لم أقل ذلك؟ أيتها القاذورات، أيتها السماوات، اضحكن عليّ، اضحكن عليّ فإنني أنا السخرية الحق.. ص57-58». ومن ذلك أيضاً أنه، وبفعل الشعور بالإثم والمؤسس على الرغبة المحارميّة قد فقد رغبته  الجنسيّة في زوجته بعد أن صارت محاولاته لمواقعتها تبوء بالفشل: «حاولت.. إلاّ أنني فشلت، لم يشعر بفشلي أحد، فكثيراً ما رقدت بجوار زوجتي ساعات دون أن يخطر لها أنني أحاول عملاً فلا أستطيعه. كانت كأنها جثة مشوهة تشمئز منها النفس، فهربت منها وأسرعت فانزويت في ركن من أركان غرفتي لاهثاً.. متعباً، وكنت أحسّ في دخيلة نفسي أن محاولتي المقبلة ستكون كهذه السابقة.. ص27» وهو يحاول تبرير عجزه ومحاولاته الجنسية الفاشلة بقبح زوجته وبرودتها في الاستجابة هو الذي عاشرها أكثر من عشرين عاماً وأنجب منها البنات الثلاث: «كانت كأنها قطعة من جيفة نتنة لا يمكن للمرء أن يقترب مها، فكيف به إذا أراد أن يجد فوق راحته قربها لذة إلهية عميقة؟ ص27» وحين تلاحظ الوصف الأخير: لذة إلهية عميقة، الذي أطلقه على العملية الجنسية التي تبقى فعلاً حيوانياً مهما تلاعبنا في تصويرها شعرياً فسنمسك بواحدة من أكثر ألعاب اللاّشعور مكراً وهو يحاول تصريف ضغوط الدفعات المحارمية الآثمة. كيف يكون الفعل الجنسي الحيواني ذا طبيعة إلهية؟ كيف يمكن أن يصبح المدنّس مقدّساً؟ إننا نقف هنا أمام مداورة لاشعورية شديدة الدهاء، فهذا الفعل الخلودي ذو الطبيعة الحيوانية قد استجلب لعنة الآلهة وما أعقبها من طرد من الفردوس. ولا يمكن تصور طبيعة إلهية لهذا الفعل إلاّ إذا كان ملجوماً ومكفوفاً، أي إذا كان من طبيعة محارمية، حيث يتأسس الإحساس بالقداسة من قساوة سياط المكبوت المدنس، ويكون موضوع الحبّ الذي خلق من ضلع الرجل الأعوج متاحاً في الفردوس تحت رعاية إلهية وكأنه موضوع تابو إلهي، أي أنه بالنتيجة ذو طبيعة إلهية. وهذه الطبيعة لا تتحقق إلاّ إذا أعيدت إلى أحضان الصورة المحارمية الأنموذج المختزنة في لاشعورنا والتي يعبر عنها المركّب الأوديبي، تلك الطبيعة التي عبرت عنها الأساطير العشتارية التي تخاطب فيها الإلهة الأم حبيبها الغائب المختطف: «ضاع زوجي الحبيب… ضاع ابني الحبيب» – راجع أناشيد عشتار –. وهي من أسس ديانة يريد «التكرلي» إحياءها كما سنرى، هذا العذاب يعانيه هذا الأب ويدفع ضرائبه الجسيمة بفعل الانفصال الساحق بين موضوع الرغبة وموضوع الفعل، موضوع الرغبة مطلوب باستماتة.. بقلق.. برعب، في حين أن موضوع الفعل الذي يوصل إلى الرغبة مرفوض ومكروه ومقزّز… تشتعل رغبته حين يشاهد جسد «فاطمة» بأنوثتها الطاغية ونضجها المميت.. لكنها تنطفئ وتصبح رماداً حين يحاول إفراغ توتره لأنّ موضوع التفريغ ليس هو موضوع الحب نفسه الذي أشعل الرغبة: «لم أستطع النوم حتى هذه الساعة من الليل. كانت غريزتي الجنسية ثائرة، ولقد صدمني هذا الأمر لظني بأنها على وشك الخمود إلا قليلاً، فاقتربت قبل ساعات من الزوجة «العزيزة» إلا أنّ اشمئزازاً شديداً فاجأني وطردني عنها فانزويت في غرفتي أكتب هذه الكلمات المعذبة..ص24». ولو عدنا إلى مراجعة الكيفية التي دخل فيها غرفة ابنته النائمة وتأمله جسدها المثير الذي أشعل رغبته، فسنجد أنها نتيجة لمصائد اللاّشعور التي هيأته لدخول غرفة (فتاة جميلة) لم يطرق بابها تحسباً لأي شيء، وقبل ذلك، وهو الأهم تصرّف كـ(إنسان) متفرج أو (وسيط) لينفذ طلب الرجل الغريب الذي اتصل ببيته تلفونياً وطلب منه أن يتأكد هل هي نائمة فعلاً أم لا. كان موقفه المذعن نتيجة لعملية التغريب والنـزوع إلى (تلويث) موضوع الحبّ الذي جعله يتساءل أمام إلحاح الرجل الغريب: «وما يعنيني أنا من هذا الأمر؟» ثم يضع تخريجاً تبريرياً غريباً: «لقد أديت واجبي قبل وقت طويل حين أولدتها وأخرجتها للحياة، وأنا الآن لا أملك إلاّ أن أرقب حياتها كيف تجري وكيف تنقضي..ص21»؟ ورغم أنه يعرف أن «فاطمة» نائمة إلاّ أنه لم يكلف نفسه التفكير في الوضع الذي ستكون عليه، ورغم أنه شاهدها وقد انكشفت أجزاء هامة من جسمها إلاّ أنه لم يخرج، لقد أمسكت به أذرع الرغبة الآثمة الأخطبوطية والتي عبر عنها أفضل تعبير بقوله: «دخلت عليها غرفتها، كانت نائمة، ولقد رأيت ذلك بأم عيني، لكنني مع هذا لم أخرج، في بعض الأحيان تمسكنا أيادٍ خفية سحرية من جميع أطراف الجسم فتسمرنا في أماكننا وتجعل منا جماداً لا حراك فيه، وفي رأيي، ما هذه الأيادي الخفية إلاّ رغبة عميقة في ظلمات أنفسنا تسيطر علينا في لحظات سيطرة تامة فتحيلنا إلى أداة صلدة لا تعمل عملاً غير أن تراقب وهي في ذلك مشلولة الحركة جامدة الذهن.. ص21 – 22» لقد انتهت مهمته عندما تأكد بأنها نائمة لكنه لم يخرج فظلّ، لسبب لا يعرفه، يتأمل شكل ساقها الفذ، الشكل الذي أخذ بمخانق عقله وأجّج في أعماقه نيران العاطفة المحرقة، ثم أنزل عينيه إلى صدرها ليرى شق ثوبها يبدي قسماً من نهدها القـوي، والآن عرف – حسب قوله – سرّ إعجاب هذا العدد الكبير من الرجال بها!! وهو في استجابته لطلب الرجل الغريب وفي معرفته لعدد الشبان الذين يحيطون بها يوغل في عملية (تلويث) موضوع الرغبة ليطيح به من علياء القداسة المحارمية، وهذا التلويث لا يتعارض مع حالة الانسحار الطاغية بل ولا مع (أسطرة) الأنموذج المطلوب والصعود به إلى مصاف الآلهة: «كنت خلال ذلك أسمع صوتها، وقد استيقظت وهي تذهب وتجيء في البيت، تغسل وجهها وتتـزين وتضحك وتتحدث.. وتتحدث في كلّ موضوع. ولم لا؟ إنها ملكـة، إنها سلطانة، إنها دكتاتورة، إنها ابنة السماء، إنها الله..ص42». ولأن هذين الجانبين: الجانب الملوث المدنس والجانب النقي المقدّس هما في الحقيقة، وجها العملة الأمومية في صورتها المختزنة في اللاّشعور، هذه الصورة التي تشتق منها وتقاس عليها كلّ النماذج المحارمية اللاّحقة، ولعل الوصف العشتاري البليغ : البغي المقدّسة، والذي تمظهر في الإبداع في موضوعة المومس الفاضلة، ما يعبّر بدقة عن هذه الوظيفة المركّبة. ولكن في هذين الوجهين المتضادين يكمن عذاب الأب (محيي).. فهما يثيران صراعاً مريراً ومدمّراً في أعماقه، فهناك إقدام وإحجام، إقبال وإدبار، حرب دائمة يجلد فيها بسياط الضمير الذي يحكم بقوانين ما هو مؤسس ومحرّماته، صحيح، هناك مكر اللاّشعور وكيده العظيم ومؤامراته الالتفافية المحكمة. ولعل من أهم أشكال هذا المكر ما سماه الأب (حادثة صبيحة) التي يكفي أنّ صنعتها الفنية الباهرة قادرة على إرباك أكثر القرّاء، دقة وانتباهاً وخبرة. لقد خرج الجميع من البيت وبقي مع «صبيحة» التي ظهرت أمامه وكأنها نبتت من الأرض الصلدة «كانت تلبس ثوباً أبيض تزينه ورود حمراء.. وكان ملتصقاً على جسمها بصورة شاذة بدت عجيبة دون سبب.. ص55» كانت قوى الردع والإحجام مازالت تعمل في داخله ولذلك أبدى عدم ارتياحه منتظراً منها أن تبتعد عنه.. لكنها كشفت عن إصرار غريب حيث سارعت إلى الجلوس قربه لاصقة جسمها الساخن بأعلى ساقه وناظرة إليه نظرة أطارت عدم الاكتراث الذي واجهها به «خفق قلبي رهبة، وأحسست بعد فترة من جلوسها أنني يجب أن أعمل شيئاً لأبعدها عني، أبعد هذه المخلوقة الفتاكة ولكن ماذا أفعل؟ يخيل إلي أنني أعلم الآن، لكنني آنذاك لم أكن أفقه من معاني العالم الذي يخوفني غير معنى القلق اللذيذ والخوف الرائع اللذين كانا يداعبان عواطفي بأيدٍ خفية سحرية، لهذا لبثت جامداً ملجوم اللسان أحدق في عينيها الواسعتين السوداوين.. ص56- 57» ولأنه مازال حتى هذه اللحظة أسير القيم البالية الجبانة كما يسميها فإن القوة الرادعة – وإن ضعفت سطوتها – تشعل في داخله حرباً أشد هولاً من الحرب التي نعرفها لكنها القسوة الرائعة كما يحياها. وهذه كلها خطوات تهدف إلى ترقيق دفاعات الأنا الأعلى الذي يشلّ قواه الآن «لذلك لم يكن مستبعداً بعد أن قامت فجأة وانصرفت إلى غرفتها دون كلام أن تظهر علي إمارات الإغماء وأن أمسك صدري وكأنني أريد تمزيقه وأغمض عيني كمن في لحظات نزعه الأخير.. ص57» حتى الظلام وهو واحد من أهم الإسقاطات التجريدية المعاقبة للأنا الأعلى – ولهذا يثير الليل القلق والتوجس في نفوسنا، ولهذا أيضاً لا يستطيع هذا الأب الرقاد في الليل ويتوسل: متى أنام؟ متى أنام؟ – بدأ يقبض عليه بيديه السوداوين وتكتم أنفاسه وتوشك أن تقطعها إرباً إرباً. وتبدأ الوخزات البسيطة التي تستطيع بتراكم تأثيرها أن تفك لحام عقد أعتى الدفاعات الأخلاقية. ودائماً تبدأ هذه الوخزات بالتساؤلات والاستفهامات والحيرة المربكة «لكن خطئي كان عظيماً، عظيماً لا يغتفر، فلم يخطر لي قط أنني كنت عاجزاً عن الاقتراب منها، فإنها لقادرة على ذلك بأسهل من قتل الإنسان. وقد اقتربت مني… اقتربت حقاً حتى لأوشكت أن تسحقني سحقاً.. ص59» ولأنها هي المبادرة في عملية «السحق» المحارمي فإنه يستجيب لندائها الثالث بعد تردّد ويدخل غرفتها فتطلب منه طلباً مميتاً وهو أن يفك لها عقدة حمالة صدرها!! ورغم أنه يدرك أن لا أحد يختلف في أن كنه العمل الذي سيقوم به هو من طبيعة حيوانية إلاّ أنه يمضي في تنفيذ أمر «صبيحة» أو طلبها وقد اكتسحته عاصفة من الاضطراب الماحق الذي يغشى البصيرة.. «أمسكت بها من أعالي ذراعيها العاريتين بكلتا يدي، وكانت حرارتهما، حرارة الشباب، فبدا خدها الأسمر ناعماً صقيلاً، وظهرت شفتاها حمراوين كالدم المراق.. وتراءى لي ارتفاع نهديها الفتيين من بين فتحة الثوب الرقيق، وكان يبدو مصيري محتم… أحنيت رأسي بهدوء مقرباً فمي من نهاية رقبتها..ص61- 62» ولكن هنا تتجلى واحدة من ألعاب اللاشعور الخلاّقة ذات الدهاء الفذ..

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| جمعة عبدالله : معاناة الانسان المضطهد  في الديوان الشعري “ثلاث روايات” للشاعر عبد الستار  نور علي.

  تشير بوضوح قصائد الديوان الشعري في بدايات السبعينات القرن الماضي , الى ولادة ونبوغ …

| طالب عمران المعموري : بنية الاهداء في المجاميع الشعرية  للشاعر مهند عبد الجبار آل ابراهيم.

لمنتجي النّص الابداعي  في عموم نتاجاتهم الأدبية أسلوبهم   فيما يكتبون  وإن كثيراً لهم بصمةٍ مميزةٍ  …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.