“رفات القطيعة” مجموعة شعرية للشاعر مروان ياسين الدليمي: المغني الجوَّال ووصيته الى الجحيم
قراءة نقدية : د.إياد آل عبـَّـار (ملف/6)

إشارة:
بصمة أسلوبية فريدة ومميزة ومقترب نقدي مدهش وصادم يتناول به الناقد العراقي الراحل “د. إياد آل عبّار” مجموعة ثانية للشاعر المبدع “مروان ياسين الدليمي” “رفات القطيعة” من المؤكد أنها ستكون مصدر دهشة مُلذة وإمتاع معرفي عميق للقارىء. فتحية لروحه في عليين (رحل في تورنتو-إيطاليا عام 2013) وللشاعر المبدع مروان الدليمي.

(3)

بقايا الطريق” هذه هي أيضا معضلة أخرى، فهل بقايا الطريق هي تلك المسافات المتبقية منه أم أنَّ البقايا هي كما نقول من أنه قد تهدَّمَ أو اندثر أو تآكل على مرِّ السنين من فعل السيول أو الأحداث الطبيعية منها أو تلك التي يرتكبها الحمقى من اعداء الطبيعة؟ ولذلك لم يبقَ من الطريق غير بقايا ” غير مبْتـَلـَّةٍ بـ [التقوِّس] وما هو هذا التقوُّس؟؟؟ نحن نعرف من أنَّ أيـَّة مادة تصيبها الحرارة أو البرد أو أيٍّ من العوامل الأخرى فهي تتأثر بها وتتخذ شكلا أو حجما ولونا ورائحة وصفات غير التي كانت عليها من طبيعتها الأولى. فهل أن ابتلال الطريق بالتقوس قد غيرها أم أن الطريق قد ابتلـَّتْ بسائل ما وتقوَّست؟ ياله من تشابك في المعاني واختلاط في الكلمات والمفردات! هذا ما يجعلني أفكر من جديد في العمل الأدبي المثالي والواقعي. المثالية في النتاج الأدبي تتخذ من الكلاسيكية والكلاسيكية الجديدة والرومانسية والرمزية والرومانسية الجديدة والتجريدية والصوفية ومن أي اتجاه آخر وحتى الواقعية قاعدة ومن هذه القاعدة تنطلق كي تحكي عن أحداث قد وقعت بحد ذاتها ولكن الحديث عنها يجري بأسلوب مبهم وغير متعارف عليه، يكتنفه الغموض والتعقيد وتشابك المعاني وتنوع المفردات من حيث استخدامها في أماكن وبطرق مختلفة غير المتعارف عليها. فإذا قلنا من أنَّ ـ فلا َّحا ً حَرَثَ الأرضَ ـ فهي جملة واقعية لا نحتاج إلى فهمها الى الكثير من العناء ولكن إذا قيل:
” نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لـَكُمْ فـَا ْتـُوا حَرْثـَكُمْ أنـَّى شِئـْتـُمْ وَقـَدِّمُوا لِأنـْفـُسِكُمْ وَاتـَّقـُوا اللهَ وَاعـْلـَمُوا أنـَّكُمْ مُّلاقـُوهُ وَ بَشِّرِ المًؤ ْمِنِينَ” الأية 223 من سورة البقرة2. هنا وما أنا بصدد شرحه وفهمه لا أريد به مقارنة قول البارئ الخالق جلَّ شأنه بقول الإنسان، فكتاب الله ليس أدبا تحت تحليل النقد الأدبي ولكن هو كلام الله وشريعته التي يجب على العبد والمخلوق اتباعها، ولكن الله سبحانه قد اختار
، وجلَّ اختياره، أن يكلم الإنسان بلغته حتى يفهم هذا الأخير ما يريده الله منه كي يُعلمه بالسُّنـَّة المُثلى التي يجب على الإنسان اتباعها ليلاقي ربه فيما بعد بها. ونحن هنا بصدد الكلام عن الـ”حرث” فالأرض تُحرثُ كي تـُعَدُّ للزرع والمرأة تـُعَدُّ كي تـُلقى البذرة فيها وهذه هي الطبيعة فلا فرق بين الأرض الأم والمرأة الأم! والإستخدام في كلا الحالتين هو استخدام صحيح ففي الأول هو استخدام مباشر ولا حاجة لنا التفكير كثيرا لفهمه وفي الإستخدام الثاني هو مجاز وفيه تورية وتوسيع لعملية الحرث وذلك هو بلاغة وسحرا جميلا يأخذ العقل والفكر ويعطيه أجنحة للطيران والسفر وكشف ما كان لايعرفه من قبل. فالشاعر هنا قد أزاد من التعقيد بحذف سبب الـ [تقوّس] ووضع التقوس مكانه، وكأنه يستعيض بالعلة أنْ يجعل المعلول مكانها!
اللون الأحمر هو لون الخطر!، هذا ما هو متعارف عليه. ولكن الإحمرار له علاقة اخرى بالمفردات فهو يحتوي على معانٍ أخرى مرادفة للخطر مثل إحمرار العين من المرض والألم وأحمرار الخدين من الخجل والإرتباك واحمرار الشمس في الغروب والى ما من ذلك من المعاني. هنا ” ولن تصحو من عبء احمرار الكلام على شفاه السدنة” من؟ هو أم هي التي تصحو أو يصحو؟ الفاعل مبهم بالنسبة لي! فالمنطق يقول بأنني سوف أُعْزِي الصحو الى أحد من الإثنين: إما “أنت” وارفق هذا بـ “ظلَّ” وإما “هي” وأرفق هذي بـ ” بقايا الطريق”. وهل هذا صحيح؟ إنها مشكلة عويصة يُحْدِثـُهَا الشاعر لسببين هما من أهم الأسباب التي تجبرنا على التفكير بما يقوله ، الأول: هو أنَّ الشاعر أراد ذلك وهنا يجب أن نصمت ولا نتجاوز الى حديث آخر وإذا فعلنا فأن الكلام سيجرنا الى التخاصم مع الشاعر وربما ذلك أيضا سيُوْدِي بنا الى الشتيمة والجر والضرب…إلخ! أمـّا السبب الثااني: فهو أن الشاعر كان في حالة من الإلهام والحضور والتواجد الذي نسميه بالمعنى الصوفي ” الفناء والتوحد” أو ما نسميه في الفن والأدب بالـ ” إلهام من قبل شيطان الشعر أو الآلهة التي تفعل ذلك” أو في العلم وعند العلماء بما يوصف بالـ ” الضوء والنور الذي يضيئ” عقل وفكر العالم حين الإكتشاف والإختراع! هذا ما يُخـَلـِّصُ الشاعر من قبضتنا ونتركه حرّا ً طليقا يقول ويفعل مايشاء. هل تغيّر وجه الطعنةِ؟/ أم صار السّخام لغة ترتجل الضوء؟ هذان المقطعان يضيفان تعقيدا أصعب وأكثر تعنـُّدِية من المقاطع التي سبقت، فالشاعر يستفسر بهذين السؤالين عن أشياء أكثر ما تكون مُبهمة: ” تغير وجه الطعنة والسخام الذي يرتجل الضوء”؟ وجه الشيئ هذا ما نستطيع تحديده إذا كان الشيئ له ظهرا أيضا، له الواجهة والعَقِب، له الأمام والخلف، له الحجم والشكل…إلخ. ولكن والحالة هذه فإن الطعنة لها حجم ومن ذلك فيجب أن يكون لها ظهرا ووجها! فما يكونان هذان: وجه وظهر الطعنة؟ وهل من الممكن تغييرهما وإذا تغيرا فما ستكون النتيجة؟ سنترك نحن أيضا الجواب للآخرين! ثم السّخام، الشاعر لم يقل: السُّخام أو السَّخام بضم السين أو فتحها واقتصر الامر بأن يشدد السين لأنها من الحروف الشمسية.
مع كل تلك المعاني التي يعطيها المنجد ولسان العرب نجد أنفسَنا مُجبرين أن نأخذ المعنى الواحد لكلمة ” السّخام” وهو السواد والفحم. ذلك لأنَّ الشاعر يتحدث عن الضوء. والسّخام لغةً وهذا صحيح. الإرتجال عامة يكون لمن هو على قوة وذكاء أعلى من المستوى العادي بكثير لبقية المخلوقات وهو قلـَّما نجده في حياتنا اليومية. الإرتجال هو المفاجأة والخلق من اللاشيئ شيئاً ما، لم يكن من قبل، وبذلك فالإرتجال يروح ضد ذلك القانون الذي يقول: “لاشئ يُخلـَقُ ولا شيئَ يُمْحَى”.
فعملية الخلق هذه وحسب هذا القول لا وجود لها. إذن فما نتحدث عنه لايزيد عن إكتشاف! الأشياء كلها موجودة ولكن أكثرها مخفية عن الأبصار، ولأنَّ الأبصار لا ترى حقيقة الأشياء كما هي وأنما تراها حسب مختلف التعابير التي قال عنها الكثير، منها: من أن الإنسانية تعيش في داخل كهفٍ ولا ترى الأشياء على حقيقتها وإنـَّما ترى أشباه الحقيقة ” ظل الحقيقة”، لأنـَّها تعيش في الظل؛ وعندما يخرج أحدهم من الكهف ويرى الأشياء تحت ضوء الشمس أي على حقيقتها ويعود ثانية ليحكي عمَّا رآه فلن يصدِّقه أحد وهذ ما كان قد حكى عنه افلاطون في جمهوريته “أسطورة الكهف”.
الآخر هو ” برقع مايا” أو خمار مايا الشفاف الذي قد وضعته الآلهة مايا على عيون البشر كي لا يروا الأشياء على حقيقتها ( الفلسفات البوذية الهندوسية) وذلك ما يحكي عنه شوﭙنهاور في فلسفته ـ العالم كإرادة وفكر ” وتمثيل” ـ . هذه الرؤيا التي يرى الإنسان من خلالها ليست إلا َّ خدعة يشربها ويأكلها البشر عن طيب خاطر! فلا جرم أنْ يصير السخام لغة ترتجل الضوء، السواد عندما يكون سيد الموقف فهو يستطيع أن يقلب الأمور رأساً على عقب ويقنع الآخرين بأنـَّه على حق! كيف هذا؟ سأحاول أن أجعل كلامي هذا أكثر وضوحا بعد أن أسرد تاريخاً قصيرا لمجرى بعض الأمور من حكايا الإنسانية والمكتوبة بخط يد الإنسان نفسه وعلى الأقل تلك التي نعرفها ودرسناها في كتب التاريخ. عندما أُلـْقِيَ ابن المقفع في التنور وعندما صُلِبَ الحلاج واتهم جابر بن حيان بالزندقة وابن رشد بالشرك والرازي بالعمل على قلب الحكم والفساد وعندما أُحْرِق جوردانو برونو حيا بعد أنْ وضعوا في فمه حدوة حصان حديدية مُثـَبَّتٌ عليها مسمارا ً طويلا بحيث يخترق فمه ويخرج من رقبته كي يمنعوه عن الكلام وهم يجرُّه من الزنزانة الى الساحة كي يُحْرَق، عندما هرب كوبرنيك من إيطاليا الى بلاد الشمال من أوربا خوفا من أن تكون نهايته مثل جوردانو برونو وعندما غـُطـَّيَ وجه غاليلو غاليلي “بالسّخام” وجعلوه يركب حمارا بالمقلوب وربطوا يديه خلف ظهره وجعلوه يدور كل شوارع ﭙـيزا كي تضحك الخلق منه وترمي عليه قشور الخضار والفواكه وحتى الغائط، كل ذلك وغيره… وغيره، كان ولازال يحدث وسيحدث باسم الكثير من المبادئ والعقائد التي بها يتلفع ذوي السلطة ضد الحق وضد من يثور عليهم مستعملين ” السّخام” كي يصبح لغة ترتجل الضوء! لم يكن يخطر ببال هذا الشاعر ولو القليل مما ذكرته هنا، بل أن الشاعر كان في حالة هذيان، ربما مغمىً عليه، يهذي بلا إرادة وهو يفصح عما يجري في بلاده ويتسائل هل أنَّ” السّخام” قد أصبح لغة ترتجل الضوء؟ إنَّ فكره حتما ً لم يتجاوز زمن تلك المحنة التي كان يعيشها وهو الآن يردد ما كان قد قاله من قبل الكثير من الرجال الذين كانوا تحت وطأة ” السّخام” نفسه الذي يعيشه هو بذاته الآن. كان قد قيل هذا الكلام بشتى الأشكال والألوان ولكن الجوهر هو نفسه. إذا كان أولئك الرجال العظام قد ثاروا على الظلم وكانت نهايتهم تلك، فكيف بالرجل البسيط الذي يثور على الظلم والقهر والفقر والجوع والعطش بل وأنـَّه محروم من أبسط تكاليف التعايش ومحاولة البقاء؟ إنه سيكون حتما ممن لا يذكره التاريخ ولن ينصف وجوده ومعاناته أبدا!
سِوى المكوث الأعمى/ تحت غيمةً مُتـَوَرِّمةً/ استأجرتْ عُنـُقي/ في أوَّلِ طريق للسطو/ بصُحبَةِ مَنْ يتذوَّق طعم الإنتحار. بين هذا المقطع والذي سبقه هناك هوَّة من الصمت! الشاعر غاب في إغماءٍ عميق ولم يعد قادرا ً على الكلام ولم يفصح عمَّا جرى، إنـَّه يسترسل الكلام بنفس شكل الهذيان من قبل وكأنه كان مستمرا على الكلام… سِوى المكوث … هذه صورة أخرى ليست أقل مأساة من التي سبقتها. سَدَنـَةُ الغياب،/ ماضون الى ما تأجَّلَ مِنْ مَكر ٍ/ وسماءٍ مثقبة تحت الشرفات/ يتأملون التشتت في الجنون. هؤلاء سدنة الغياب هم بذاتهم لم يبق لديهم إلا َّ المضيئ الى شيئ أخر كي يستمروا بما كانوا يفعلون من قبل، الى ما كان قد تأجل الى وقت آخر من المكر، من الخطابة والوعض وإعلاء أصواتهم بالتهديد والوعيد الذي سمحت لهم الآلهة باستخدامه لإقناع ممن تحت سطوتهم، إنهم أولئك الحجاب لبيت ظاهره يدعو الى أنـَّه بيت للحق والمطلق، الى بيت للإله الذي يُعبَد فيه ويلزم طاعته والخضوع له! وكأنـِّي اخطئ،/ ولا أستدير عن بقية أسمائي المُذعنة للغياب/ وكأنـِّي،/ لست في صحراء. ألشك ظاهرة تتوسد الإنسان حتى عندما يكون في أقصى درجات اليقين! ظلت تدور حولي/ ولم ترتعشْ/ أمام الله مثلي. أهي أسماء الشاعر المذعنة للغياب هي التي ظلت تدور ولم ترتعش أمام الله مثلهُ؟ أم أنها امرأة الغياب وهي حاجبة أيضا مثل السدنة بالرغم من أن المرأة كانت تـُمْنـَع من أن تكون حاجبة للمعبد أو أن تكون على ظهر سفينة ببحاريها وقبطانهم تمخر في ابعاد البحر والمحيطات، المرأة تجلب سوء الحظ والنكبات إذا ما فعلت ذلك!!! …سِوى المكوث الأعمى/ خلف ثيابٍ ملقاة في أول الطريق. مرة أخرى يبدو فيها الشاعر قد غاب ومن ثم أفاق ليبدأ… سوى المكوث الأعمى، المكوث الآن أمام أم خلف هذا ليس فرقا يغير من معنى المكوث ولكن قد تغيرت الصورة لما هو الموضوع السابق: الغيمة المتورمة، فالموضوع الآن هو. ثياب ملقاة في أول الطريق. كأن الشاعر يريد أن يجمع الكثير من الصور التي في ذاكرته ولكنه لا يستطيع إلا َّ أن يحصل على مقتطفات ليس بينها أيَّ رابط معقول وهذا هو الحلم ـ الهلوثة ـ الهذيان، كأنَّ الشاعر يروي ذكرى مشوهة وعتيقة قد أخذها من الماضي البعيد وهو يحاول بناءها وإعادتها الى ما كانت عليه ولكن دون جدوى! هل النسيان وفقدان الذاكرة هو السبب؟ أم أن أمرا ما قد حدث ؟ وهل أن الشاعر قد أصيب بضربة على رأسه من الجهة اليسرى الأمامية بحيث قد أحدثت جرحا في الدِّماغ وبالضبط في الجهة اليسرى المُتسَلـِّطة من الدماغ والتي تقع تحت القشرة الرصاصية الأولية وفي تلك المساحة الصغيرة التي تسمى بمساحة “هوفمان”؟ هذه المساحة التي لا تتعدى بضع ملـِّمترات وتكاد تـُرى بالعين المجردة؟ هذه المساحة هي التي تخص الذاكرة! وإذا جُرِحَتْ ستكون عواقب الذاكرة وخيمة! أم أن الشاعر قد أغمى عليه لأسباب أخرى منها مثلا ً تلك التي تتعلق بحالة الصوفي والشاعر والفنان والعالم حين يكونون في لحظة الخلق والإبداع؟ أقول الخلق وليس الإكتساف لأنَّ الخلق هو مرحلة أخرى تبعد كثيرا عن الإكتشاف: أنا أكتشف شيئا لم أكن أعرفه من قبل ولكن أخترع شيئا لم يكن يوجد من قبل!
الحالة هي هذه في النتاج الأدبي، الفني، العلمي، هي الهلوثة والهذيان الغير المفهوم في اللحظة التي يظهربها.
الحراس الراكعون يصيحون بي:/ لِمَ التشابه في ظلال الهروب/ يخرج من خاتم ممسوس؟… غابت عني دهشتي/ انطفأ/ في داري الترقب/ تركتني حيرتي وراء أسْيجةٍ. … سِوى المكوث الأعمى/ وراء أظافري/ وهشيم خزائني/ كلما أخبئُ العشب في صندوق اللهب/ تضطرب الحكاية.
الأدب عامة والفن والعلم الواقعي الإشتراكي الملتزم لا يترك أي مجال لإنتاج كهذا الخروج إلى حيز الوجود. والسبب واضح جدا باعتبار أن مايقوله الشاعر هنا لا يزيد عن خترفة وترهات لا واقع لها وأساس. لذا فقد فشلت عملية الإيقاع بالأدب والفن والعلم المثالي كما يسمونه النقاد من قبل السلطات القائمة على خازوق الواقع المصنع في تركيا والمصدر منه الكثير من العينات لكل الدكتاتوريين في العالم وأولئك الذين يتخذون من المذاهب والعقائد ما يلائم شرذمة غير أخرى في مكان وزمان وسببية معينة. الواقعية تتحدث عن ألم الخازوق والمثالية تتحدث عن خازوق الألم! فأيهما أكثر مثالية وأيهما أكثر واقعية؟ ولكي أساير الشاعر وأواسيه بهذيانه هذا وسأهذي أنا أيضا:

(يا جان يامرجان أعطنا وسخ الدنيا وخذ ذهب الإنس والجان ، يا أخا حِمْيَرَ وحرَّان المكبوس مابين الطماطم والباذنجان أخرجْ رأسك، قلْ: لكم ما أردتم يا أهلَ حارة الفقر والعفن والحَورْان )!!

إنَّ الواقعيين المثقفين الإشتراكيين سوف ينظرون الى هذياني ويقيسونه بنفس المقياس الذي يستخدمونه لمعاينة هذيان هذا الشاعر المتواجد الآن تحت مشرط الطبيب الشرعي!
لاشك من أن الفشل سيكون من نصيبهم. كل هذا ليس معناه أن المثاليون هم رأسماليون ذاتيون يحدقون دائما الى قمة رأس المال ويتساءلون: الى أين وصلت القمة لرأس المال هذا؟!
الأدب والفن والعلم عند المثاليين ليس لهم أية علاقة بالإشتراكية أو الرأسمالية في كل مايمكن أن تصير إليه معانيهم ومقاصدهم. المثالية هنا هي حرية الكلام وثورته على كل القيود الزائفة والمصطنعة من قبل أي سلطة كانت وحتى سلطة الآلهة نفسها. إن مقارنة هلوثتي المذكورة أعلاه بهذيان الشاعر هذا هو الكفر بعينه، هو المنقصة والطامة الكبرى لمن يستخدم هذا الحكم وهذا القياس.
المشرط الذي يمكن أن يُستخدم في الوصول الى الكشف عن سبب تواجد هذا الجسم على الطاولة المضطربة وعن الطريقة التي أصيب به بكل هذا الهذيان وهذه الهلوثة هو الآتي: الذي يركع، يركع بصمت ولا يصيح! و سبب التشابه في ظلال الهروب الذي يخرج من خاتم ممسوس هو المسُّ بذاته ” وَاَيـُّوبَ إذ ْ نـَادَى رَبـَّهُ أَنـِّي مَسَّنِي الضُّرُّ وَأَنـْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ “الآية 83 من سورة الأنبياء 21. غياب الدهشة هو التحسس الواقعي والشعور العميق بألم الجروح والمأساة التي أصابته بحيث أنه أبدل العين بالدار في الترقب وحتى الحيرى تركته وراء الأسيجة ولم تعينه. لا يبقى إلا َّ المكوث وراء أظافره الطويلة وهشيم خزائنه التي تغطي أكثر ملامح وجهه وهو يضع يديه على مساحة وجهه كي يمنع عينيه من رؤية مايحدث! فهو كلما أخبأ ” العشب” في صندوق الإضطرام واللهب إزدادت طرقعة حرق العشب وأصيبت الحكاية با ضطراب أكبر من ذلك الذي سببته الطاولة!
فيما تبقى من المقاطع التالية تحليلي وتشريحي ومحاولتي لإيجاد الطريقة التي بها القاتل حاول إغتيال الصعلوك ـ المغني الجوال وأسباب بقاء الشاعر على قيد الموت! وما هي الأدلة القاطعة لإستمرار الأحداث وتواليها على مرّ التاريخ مكتفيا بالكشف عن العينات ـ المفردات ذات الصلة.
طالما شدَّني علم التشريح وذلك منذ أن كنت أدرس في الأكاديمية وكان درس التشريح من أهم الدروس التي كنت أواضب حضورها وها أنا قد اخترت أن أمتهن مهنة ” الطبيب الشرعي”!
وقد أعطيت لي حالات كثير أكثر استعصاءً من هذي ولكني وُفـِّقـْتُ والى حدٍّ كبير في الحصول على نتيجة وافية بالمطلوب. لذلك سأستمر بعملي هذا مستعينا بكل المشارط و السكاكين والسواطير والكلاليب وكل ما معي من أدوات التقطيع والقص والنشر للمدارس، من الكلاسيكية وحتى الواقعية والمثالية المعاصرة !
هل ستـُمحى أزِقـَّة ماطرة/ أم ستهبط رائحة/ من سماء أتعبها التـَّخـَفـَّي؟ أتفقـَّدُ ماتبقى من قداسة حولي/ والروح من ولع النار/ تتكئ على الثرثرة/ في شرفة تهدم الهمَّ/ وتفتحُ للنرجس بُرجا من كلام.
الفعل المستقبلي والمبني للمجهول ـ ستُمحى ـ لم يكفِ لمحو الأدلَّة لأنَّ الأزقة الماطرة مازالت في مكانها بالرغم من محاولة محو البصمات ومحاولة الهدم والتخريب ـ أزقة الدواسة وباب لكش وباب الطوب والساعة والسرجخانة و…و…، ولكن رائحة السماء التي أتعبها التخفـِّي لم تعد كما هي ومع ذلك فإنَّ أهميتها كدليل قاطع لا تتجاوز وجود السماء الباقية لحد الآن! القداسة حول جسد الصعلوك لا وجود لها بينما الروح قد احترقت لأنني وجدت الكثير من اللحم المحروق و” السّخام” أما الثرثرة فقد أحدثت شرخا طويلا على الصدر وأخرجت الهم وآثار برج الكلام لا يزال طافحا بالنرجس. الدلائل… 1 ـ2 ـ 3…
الأعناقُ/ تمضي عن أسئلة التراب/ الى الثرثرة،/ وسدنة الغياب/ ظللوا المساء/ والتزموا الصمت.
ثرثرة الأعناق ليست إلا َّ همسا وتشاورا بصوت خافت وشاحب مبحوح لكثرة فقد دماء الأعناق المقطوعة بنصل حاد أعتقد أنه أكثر من نصل سكين أو ساطور أو سيف؛ ربما أن الفاعل قد استأجرأواشترى مقصلة من أحد الفرنسيين في عهد الثورة الفرنسية التي نادت بـ ” الحرية والمساوات والأخوة ”
“Liberté, Egalité et Fraternité”
المساء في خاصرة الصعلوك لا يزال مُعَتـَّما ً وداكن الزرقة وذلك يدل على أن الجريمة قد ارْتِكَبَتْ في مساء متأخر من تلك الليلة. كما أن الصمت لايزال واضحا على حَوَافِّ الجرح. الدلائل……ـــــ
أتـَّجهُ بعد تعَلـْثـُمِي في المجزرة/ رافعا زهرتي/ تحت سماءٍ محشوة بالصدى/ أحسد الحراس على نومهم بلا خوف/ وأنا أخطو برأسي/ خارج رأسي.
التعلثم هو التعثر نفسه في المشي بين جثث القتلى والتي يظهر أنها جثث جنود مدججين بالسلاح والعتاد و أن أثر الكدمات ظاهر على قدمي الصعلوك لإصطدامه بها أثناء المشي. أما الزهرة فلا وجود لها! السماء باقية أما الصدى فلا أثر له؛ كما أن الحسد لم يظهر ولا حتى الخوف ولكن نوم الحراس لازال وأن الصعلوك قد استمرت خطواته برأسه خارج رأسه فهذا ما لم يكن باستطاعتي إثباته! الدلائل…3 ـ2 ـ1
الفراغ تدهور سريعا/ تلوث بالشائعات/ من قطيع غفلتي ينفلت اعترافي/ في قيلولة مُظلمة:/ لِمَ المرارة تائهة؟
تدهور حالة الفراغ وهو كتلة لها أبعاد وحجم وجدته مابين الرئتين وبالضبط في الزاوية اليسرى من صدر الصعلوك، هذا التدهو سببه التلوث بالشائعات ـ السموم مثل الزرنيخ والشوكران وغيرهما. القطيع لايزال متواجد هنا في مركز التشريح الطبي الشرعي الذي قد تجمعت فيه الكثير من قطعان واجساد الرجال والنساء والاطفال ، أما الإعتراف الذي يتحدث عنه الصعلوك ـ المغني الجوال فلا وجود له حتى بين أوتار حنجرته! والقيلولة المظلمة هي أيضا قد اختفت وأما المرارة التائهة فلم يُعْثـَرْ عليها. الدلائل…2 ـ 1
أمحو ما تبقى من هلوساتٍ في دروبٍ سائبةٍ/ ثم ألقيها على حبلٍ من النسيان/ حين أخطو برأسي الى مقصلة النوم.
الهلوسات لاتزال في الجهة اليسرى من دِماغ الصعلوك وبالظبط في مساحة “هوفمان” المتواجدة في نفس الجهة وتحت القشرة الدماغية الرصاصية! كذلك الدروب السائبة آثارها لاتزال على مرور قطعان كثيرة من المخلوقات السائبة هي أيضا. حبل الوريد ـ النسيان قد قـُطِعَ بمشرط حاد. هاهي المقصلة التي كنت قد خـَمَّنـْتُ تواجدها واستعمالها في فعل الجريمة!
ماتبقى.. من دويّنا المبتور
مضى صمتنا في كينونة المطر/ عزمُنا بات دكة بلهاء.. لم تعد تذكرنا
تواجد آثارا ً للمطر،على جسد المغني الجوال ـ الصعلوك، مُؤكّدا ً. أما الصمت فأنا لا أرى حاجة الى إثبات وجوده. الدكة موجودة أما صفة البله فلم أجدها لأن العزم والبلاهة ليسا من صفات الجروح! الذكرى متواجدة في نفس المساحة الدماغية المذكورة أعلاه.

… يتبع

شاهد أيضاً

رزاق ابراهيم حسن: مَنْ يتحمل مسؤولية موت المؤرخ حميد المطبعي؟ (ملف/5)

سنوات عدة عاشها حميد المطبعي مريضا مقعدا ومرغما على ملازمة البيت، ولكنه طوال هذه السنوات …

رزاق إبراهيم حسن.. كاتب عراقي يحضر حفل تأبينه (ملف/4)

تفاجأ الكاتب والصحافي العراقي رزاق إبراهيم بنشر خبر وفاته من قبل الاتحاد العام للأدباء والكتاب …

سلام إبراهيم: وجهة نظر: (8)تجربة مشتركة وأسلوبان مختلفان (ملف/45)

إشارة: مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي …

2 تعليقان

  1. مروان ياسين الدليمي

    شكرا جزيلا د.حسين سرمك ، خالص الامتنان على احتفاءك

  2. شكرا جزيلا أخي المبدع مروان ياسين الدليمي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *