بولص آدم: ضراوة الحياة اللآمتوقعة (3) (ملف/3)

إشارة :
“ومضيتُ، فكرتُ بنفسي كالمتسوّل، لعلّ أحدا ما يضع في يدي وطني”.
يهمّ أسرة موقع الناقد العراقي أن تقدّم هذا الملف عن تجربة الأديب العراقي “بولص آدم” مبتدئة بنشر نصوص كتابيه: “ضراوة الحياة اللامتوقعة” و”اللون يؤدي إليه” اللذين وضع لنصوصهما جنساً هو “الواقعية المتوحّشة”، وهذا امتيازه الفذّ في ابتكار جنس من رحم الأهوال العراقية، فقد أدرك أنّ النصّ العراقي يجب أن يُكتب بطريقة تكوي أصابع من يقرأه وقد يشتعل بين يديه. وهي ليست نصوصا “مفتوحة” بل الرؤية التي ينبغي أن يُكتب وفقها النص العراقي الحقيقي. بلاد تُجمع فيها الأشلاء المجهولة لأجساد أبنائها المُقطّعة بالمفخخات في “بابل” في “طشت الخردة” لا يمكن لنصوصها أن تُكتب إلا بطريقة بولص آدم “المتوحشة”. وبهذا المعنى فهي أيضا درس في أن أدب الحرب الكبير يُكتب بعد الحرب. حرب العراقي لم تنته. لقد بدأت الآن خلف سواتر الذاكرة المؤرِّقة الشعواء لتخرّب حياتنا إلى الأبد نحن جيل الخسارات الابدية: “حياتي ضراوة لامتوقعة- لاتسألني رجاءً عن باقي النص”. تحية للمبدع العراقي بولص آدم ودعوة للنقد العراقي لدراسة نصوص قد تمهّد لمدرسة.

باصات ابو غريب

في فجر كانوني، لايُزعج الراعي خِرافه وهو يُجري تعداده لهم في البرية، لايجمعهم في كراديس كما في الجيش!..
في ابي غريب، سجان واقف، يشبه جذع شجرة يَبُس مُنذُ مِئة عام..ينتظر تكردس مساجين تصطك اسنانهم بردا عند الفجر..
في الساحة الرصاصية، كانت هناك خطوط قاسية ورجال عابسون فقط.
كل صباح، كنا نتمنى عدم حُدوث أي خطأ، ذلك سيُكَلِّفُنا البقاء مدة أطول في الساحة، نُعاني شدة البرد، وكانت أخطاء السجانين في عَدِّنا، حالة إعتيادية.
ضرطة السجان اضحكتنا! وكان لابد له ان يبتعد عن صفنا في التعداد قليلا..
تلك المُفاجأة، فتحت شهية ( إنويا ) في الكلام :
ــ لمَ تَضحكون مثل الفئران؟ هو أيضا إنسان، لعنة على الشيطان!
إنفجر مُقهقهاً، مُشبهاً وجه السجان بوجه تمثال بائع العرقسوس..
كان لنفسه يتكلم وكنا نضغط بطوننا منعا لكركرات عالية..
(سمير الحلاوي) يناوب الألتفات نحونا بانتباه شديد وعلى وجهه علامة إسفهام ..
كُنا نضحك بدلا عنه، الكل يعتقد بانه في الطريق الى اكمال النصف الثاني من جنونه في ابي غريب، عذرا، يُحكى هذه الأيام بانه يَعضُّ خشبا عند الجوع !
قال له انويا:
ــ مارأيك ياسمير، لو هبطت الآن من السماء باصات تنقلنا الى بيوتنا مباشرة، حيث الأهل والقيمر، الشاي المهيل والخبز الحار؟ آه ياأُم داؤود .. آخ !
نَهض سمير الحلاوي، قامة سَفَر أصبح و صرخ :
ــ اصعد اخي.. استعجل، نفر واحد، بغداد .. بغداد..!
أدار مقود الباص الوهمي وفي استدارة خروجه من الأصطفاف، إنزلق، إرتطم وجهه بالأرض لكنه نهض مسرعا، زخة دم لوحظت بصمت، المقود الهوائي بيديه، أسرَعَ جَريا وابتعد..إلتف حول عمود كهرباء وسط الساحة، عاد ليقف وجها لوجه أمام السجان وبظهر كفه يمسح دم فكه منهكا..
توقعنا ان يُصفَعَ ويُركل كالعادة..
إلا أن البرد رحمهُ هٌنا، فَضَّلَ السجان إبقاء يديه دافئتين في الجيوب و اكتفى بالقول:
ــ اجلس يا حيوان !

القرش الصغير

امطرت السماء لمدة اسبوع ذات شتاء. غرقت المنازل المجاورة للدانوب في الجهة المنخفضة من هذه المدينة ، كان تركيز المرء هنا بماحواليه.. يترقب الجميع ارتفاع منسوب الماء بشكله المخيف، غادر القطارالذي يقلني الى مطعم ايطالي اعمل فيه وانا افكر بمنزلي الصغير في ( لينتز )، عند وقوفي على الجسر الصغير ، كان المطعم بالكامل تحت الماء !
عدت باقرب قطار وانا افكر بمصير قرش صغير كان في حوض كبير خلف الزجاج قبالة المطبخ ، لم اعد بعد ذلك الى هناك ، التقيت صاحبة المطعم صدفة في محل لأحواض سمك الزينة بعد اعوام.. علمت بان القرش الصغير عثر عليه رجال المطافئ ميتا في الثلاجة !

شاعر
دفن الشاعر قصائد له تسببت في رفع ضغط الدم بعيدا هناك ! كان لها من العمر ليلة واحدة فقط ، سارع في مسح كل روائح الشواء التي تخرج من نوافذ متفحمة لنوافذ بلاده واعتذر لأحبته ، فعاد الدم الى منسوبه في اوردتهم المرتعشة وشرايينهم المنتفخة .. ونصح نفسه في البحث عن شخص اخر يراهنه على الصمت .. فمن يتكلم منهما بعد اعطاء اشارة الأمتناع عن الكلام ، فلسوف تطبق عليه مطاليب ( شايلوك ) في ( تاجر البندقية ) !

غادر الشاعر دكة الكلام واقفل دكان علق على جدرانه عددا من الأغصان التي تقطر ضوءا في عتمة الطرقات المعقوفة ، ونهرا جففه
طفل على وسادته وهو يحلم بابيه الذي بلعه الحوت المحلي ، لاذاك الذي يبلع الأقمار بل الحوت الذي يبلع التار عصير المنحوسين غير
المسنودين ولا الساندين بل المنتظرين على عتبة الأبواب قرب الفرج نهارا .. والمتبولين في منامامتهم خوفا من طرقة تفجر القلب وتنخر
العمر وتكسر العظام وتنحر الرجال والنساء وتخنق الأطفال .. ليلا .. ليلا !
غادر الآخر ايضا فليس غبيا لقطع ارطال من لحمه ، غادر الى جهة غير معلومة !
جلس الشاعر على حافة السرير وتخيل بانه يكتب قصيدة جديدةوتخيل ايضا بان النهر يتظلل بشجرة مائلة لكانها ستسقط فيه
كم كانت من فكرة بدائية ، لف اجنحتها ورماها في نهر المزاج . ثم طاردته الشجرة بميلانها هذه المرة ! وبادلها الشئ نفسه بميلان نفسه الحزينة ولون وجه النهر ووضع زمن الألم ذاك وبدا متحسسا (جرف المكان ) وفي كل هذا / كان صامتا فالكلام سيكلفة ارطال لحم ستقطع من جسده !
لنفسه كان الشاعر محلقا في ذلك التخيل تحت هواء نوافير الحرية وخلجات صفاء ، لكان العالم يحتفل معه فقط لما يناسب امال شجرة
تميل نحو النهر ( انجا ) كل عام ، والشجرة تلد بغزارة ورقا اخضر وتدفع الحياة بقوة في اذرع اغصانها الطرية ، كانت شجرة طيبة .
ولأن الشاعر خفف لبن حريته بقليل من ماء الخوف .. فقرر الميلان الخاطف للشجرة المسكينة واسقطها في النهر !
يالهول ذلك الخطا وجرمه :

– قصة جريمة شاعر !!

اخذ النهر على ظهره شجرة الشاعر وكالبهلوان الضاحك دحرجها على ظهره وهي تبتعد .. والشاعر يتخيل ، الا ان الحوت يبلع
والنهر ساذج مثل كيس طويل يبلع وتختفي الشجرة وتودع الشاعر من بعيد بغصن مورق لكان اوراقه عصافير ملحومة عليه وتغرق !

راى الشاعر عصفورا يعلو ويهبط كالمجنون فوق بئر ينتصف النهر مدفن الشجرة .

قرر الشاعر محاججة الآخر في محكمة الحرية . بان يقطع مايقطع من لحمه دون ان تسفك قطرة من دمه وكتب على رخام القبر الذي دفن فيه قصائده التي رفعت ضغط دمهم شيئا اراد ان يبدا به متحديا الآخر وعهد الصمت بينهما .

ببساطة ، فكر الشاعر بان العصفور جن جنونه لأن صغارا له رافقوالشجرة في غرقها تنفيذا لتخيل الشاعر وكيمياء تراكيبه !
عند اختفاء الجميع

عرف المتكلم الأول لحظتئذ ، بان الشعر في دمه !

شاهد أيضاً

رزاق ابراهيم حسن: مَنْ يتحمل مسؤولية موت المؤرخ حميد المطبعي؟ (ملف/5)

سنوات عدة عاشها حميد المطبعي مريضا مقعدا ومرغما على ملازمة البيت، ولكنه طوال هذه السنوات …

رزاق إبراهيم حسن.. كاتب عراقي يحضر حفل تأبينه (ملف/4)

تفاجأ الكاتب والصحافي العراقي رزاق إبراهيم بنشر خبر وفاته من قبل الاتحاد العام للأدباء والكتاب …

سلام إبراهيم: وجهة نظر: (8)تجربة مشتركة وأسلوبان مختلفان (ملف/45)

إشارة: مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *