الماء!
محمد نجيب بوجناح*

(على يمين المسرح صهريج كبير وعلى يساره صنبور ماء عمومي.
قناوة، عجوز في السبعين، تذرع المسرح حاملة جرة كبيرة نسبيا تملؤها من الصنبور وتفرغها في الصهريج)

قناوة: (تحدث نفسها دون أن تتوقف) قلت لهم ألف مرة سأموت وأنا أحمل هذه الجرة التي لم تفارقني منذ ستين سنة. سيجدون جثتي وسط الطريق لا على حافته.
(يظهر علي ومريم. يظلان يراقبان قناوة وهي تحمل الجرة بعناء)
مريم: (لعلي) لماذا لا تساعدها؟
علي: أفكر في ذلك، ولكن لا أعتقد أنها في حاجة إلى مساعدة؛ أو ربما ستتحرج من ذلك.
مريم: يجب أن نساعدها..انها تكاد أن تسقط.
علي: لا..لن تسقط..صحتها جيدة. (صمت) ولكن ربما كان علينا أن نساعدها.
(يبحث علي عن بعض النقود في جيب ستره وهو يتمتم: سأساعدها..سأساعدها
قناوة: (لنفسها دائما) قلت لهم ألف مرة سأموت وأنا أمشي..سيجدون جثتي وسط الطريق لا على حافته.
(عندما يعثر على قطع النقود تكون قناوة قد ابتعدت عنه)
علي: (يدس النقود في جيبه) ربما ليست في حاجة إلى النقود..أشعر بالخجل عندما أتصدق على شخص ما.
مريم: هل تعتقد أنها ستجيب على سؤالنا؟
علي: انها بدون شك تعرف الحجارة.
مريم: هل ستسأله؟
علي: سأنتظر حتى تملأ الصهريج وتتوقف لتستريح.
(يجلسان.
تقدم له علكة هوليوود)
علي: لا أريد.
مريم: بدون سكر.
(يأخذ العلكة. يعلكان.
تظل قناوة تردد كلماتها ثم تسقط فجأة على الأرض وهي متشبثة بالجرة)
مريم: ماتت!
علي: صدقت رؤيتها.
مريم: (غاضبة) قلت لك ماتت.
علي: (ينظر حوله) ربما كان من الأفضل أن نغادر هذا المكان قبل أن يأتي أهل البلدة.
مريم: لربما تعفنت قبل أن يأتي أحد إلى هذا المكان.
علي: سيأتون لأخذ الماء من الصهريج.
مريم: هل ملأت الصهريج؟
علي: (ينظر في الصهريج) ليس بعد.
مريم: ربما كان علينا أن نملأه حتى لا يبخلوا عليها بالكفن.
علي: (يحمل الجرة بتردد) سأفعل..ولكن يجب أن ننصرف بعد ذلك.
(يحمل الجرة ويحاول أن يملأها دون أن يشوه بذلته)
علي: كم هي ثقيلة. أتساءل كيف كانت تقدر على حملها وهي تقارب السبعين.
(يجر الجرة بينما تغطي مريم قناوة بشالها)
علي: تعالي ساعديني..لن أقدر على ملء الصهريج بمفردي.
(تقترب منه محاولة مساعدته فتسقط الجرة وتتهشم)
مريم: هل أحسست بشيء والجرة تسقط؟
علي: إحساس مرعب..لكأن الأرض أسرعت في دورانها.
مريم: ربما أحسّت بنفس الشيء.
علي: ربما.
مريم: ولكنها فضلت أن تموت على أن تتهشم الجرة.
علي: كنا بجانبها ولم نساعدها..
مريم: كنا نعلك!
علي: علينا أن ننصرف قبل أن يأتوا لأخذ الماء.
مريم: أي ماء؟
علي: من الصهريج.
مريم: ولكنه لم يملأ بعد.
علي: هنالك الصنبور
مريم: لن يروه.
علي: يجب أن ننصرف.
مريم: سيتخاصمون من أجل هذه الكمية القليلة من الماء وربما لن يرحموها حتى وهي ميتة.
علي: لننصرف..انني خائف.
مريم: ألن نسألهم عن الحجارة؟
علي: لن يهتموا بنا..قلت لك لننصرف.
مريم: لنأخذها معنا.
علي: من؟
مريم: العجوز.
علي: هكذا جيفة؟
مريم: سندفنها.
علي: انت تهذين.
مريم: لن اتركها للعناتهم..ربما قطعوها والقوا بها للطيور.
علي: لا تكوني مجنونة، ولننصرف حالاً قبل أن يقطعونا.
(تشرع مريم في جذب الجثة)
مريم: سأجرها الى أحد الحقول وأغطيها ولو بالحجارة.
علي: (يساعدها عن مضض وهو ينظر حوله فزعاً). انني خائف..لمذا أتينا إلى هنا؟
(ينصرفان.
وقع قطرات الماء يندلق من الصنبور بطيئاً وثقيلاً.)

ظلام

*شاعر و مسرحي من تونس

شاهد أيضاً

رحلة طائر الكاتبة
خلود الشاوي

ذاتَ يومٍ خرجَ طائرٌ عن سربِهِ لأنه كان منزعجا من قوانينِهِ الصارمةِ ،راحَ يُرفرفُ مسرورا …

لوحة ذالك الفلاح الذي اختار التحليق
محمد محجوبي / الجزائر

بين السمرة التي رسمت ملامح الفصول وبين وهج الطين الذي حفظ أنفاس الرجل تشابهت أوراق …

في ذكرى وفاة ميّ زيادة
كم مثلك يا ميّ من تخشى أن تبوح بأسرار قلبها
فراس حج محمد/ فلسطين

{الكلمة التي لا تموت تختبئ في قلوبنا، وكلما حاولنا أن نلفظها تبدلت أصواتنا، كأن الهواء …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *