“رفات القطيعة” مجموعة شعرية للشاعر مروان ياسين الدليمي: المغني الجوَّال ووصيته الى الجحيم
قراءة نقدية : د.إياد آل عبـَّـار (ملف/5)

إشارة:
بصمة أسلوبية فريدة ومميزة ومقترب نقدي مدهش وصادم يتناول به الناقد العراقي الراحل “د. إياد آل عبّار” مجموعة ثانية للشاعر المبدع “مروان ياسين الدليمي” “رفات القطيعة” من المؤكد أنها ستكون مصدر دهشة مُلذة وإمتاع معرفي عميق للقارىء. فتحية لروحه في عليين (رحل في تورنتو-إيطاليا عام 2013) وللشاعر المبدع مروان الدليمي.

(2)

تغرَّب محترقا بأناقته
حتى مجيئ الفجر في جمرة الحانات
يحفر ذاكرة الكأس
بكلمات أودعها المتنبي: ” أيَّ عظيمٍ أتـَّقي؟”
أيَّ مَحَـلٍّ أرتـَقِــي أيَّ عَـظِــيمٍ أتـَّقِي؟
وَكلُّ ما خـَلـَقَ اللـّ هُ ومــا لم يَـخْلـُـقِ
مُحتـَقـَرٌ في هِمَّتِي كَشَعْرَةٍ في مفْرِقي
يغرزها في رئة الوقت المتبقي
ويفوحُ:
شرَّدتني نساء الصحراء قبل ألفِ عام
كدستني بين عاهات الرصيف
أنا شعلة خيل
في سماء الغزوات
رماحُ عشق
تلهث
فوق عشب الليالي.
إنَّ من يعتبر أنَّ لغة هذا الشاعر جديدة فهو مُخطئ تماما، الشاعر قد أبدل بعض الكلمات بمرادِفات أخرى ربما تبدو غريبة وغير معروفة حسب إستخدامها هنا بشكل يثير الدهشة “هذه هي الموضة؟!”
الشاعر وبعد أن أقحم المتنبي في سرد أفكاره وهو يكتب جعل من حديثه يتسم بالغرابة وعدم توافق تلك المفردات التي، ربما، كان يسردها وهو يجتر أفكاره مثل كل المجترات: يحفر، ذاكرة الكأس،
كلمات، أودع… المتنبي… / المتنبي بعد أن نـَشَرَ ديوانه من قِبَلِ دار العودة ـ بيروت في سنة /؟/ أ ُودِعَ الديوان في المكتبة الوطنية التي كان قد أسسها سيف الدولة الحمداني سنة/؟/ برقم 8527491-1 ! وكان رقم الإيداع هذا هو الرقم نفسه الذي كان قد وُشِمَ وحُفِرَ على ساعد الصعلوك ومن ثم أن هذا الوشم قد انفصل عن جلده وسقط في قعر كاس كان قد انتهى الصعلوك من شرب مافيها! ثم أخذ الصعلوك بحفر قعر الكأس ببعض كلمات المتنبي وقد” إختارها الشاعر نفسه” مثل تلك الزيتونة التي تـُلقى في قعر الكأس والمعلقة بعود لتنضيف الأسنان بالضبط كما يفعل نادل حانة الخمارين قبل أن يسكب الفودكا أو المارتيني في الكأس نفسه واضعا قطعة من البرتقال وحبة زعرورةٍ حمراءَ “كرز” في ذلك الكأس كي تضفي عليه قيمة جمالية ورونقاً الى جانب الطعم الشهي لم ينتبه الشاعر من وجود بعض الصحون الصغيرة المقعَّرة ( كاسات) المملوءة برقائق البطاطس المحمَّرة بأفران “هِتلر” الألماني ذو الميول الشاذة ” برلين”! واللوز والفستق المالح وقطعٍ من المخلـَّل المصنوع من قبل عائلة “طه مَلـَك” العربية العراقية ” الموصل”، ذات الشهرة العالمية في صنع المخلل والذين قد توارثوا هذه المهنة أبـّا ً عن جدٍّ! وبعض المُقبِّلات الأخرى ! كل هذا االسرد المطنب ليس إلا َّ من نسج الخيال” خيالي السادي النرجسي أنا الذي أكتب هنا هذه الكتابة العبثية”! إذن، الشاعر قد نجح في وصيته! إنـَّه قد استطاع أن يجعلني أحلم نيابة عنه! أهذا فعلاً ما أراده الشاعر؟
الوقت المتبقي له رئة ً واحدة ً وما غرسه الصعلوك فيها سيفوح على شكل أنفاس والتي تقول بأن للصحراء نِساء ” ألا تدلـَّني أين تلك النساء يا مروان فإنني صبٌّ لم يرتوي بعد بالرغم مِنْ كل مَنْ عرفتهنَّ؟!” الصعلوك لا يزال على قيد الحياة بالرغم من مرور ألف عام على تشرده
يغرزها في رئة الوقت المتبقي/ ويفوح:/ شرَّدتني نساء الصحراء قبل ألف عام/ كدَّستني بين عاهات الرصيف/ أنا شعلة خيل/ في سماء الغزوات،/ رماحُ عشق/ تلهثُ/ فوق عشب الليالي.
“…ومن يعشْ ثمانين حولاً، لا أبَ لك يَسْأمِ…” في الصحراء وهو يعرِّف بنفسه من أنـَّه ذؤابة الخيل أيْ شعر رقابها التي تبدو كالشعلة! والأدهى من ذلك أنه، أي الصعلوك، قد كُدِّسَ كما تـُكدَّسُ القمامة أو أكياس البضاعة على عاهات الرصيف، فالرصيف وجودٌ حيٌّ له من النقر والقعرات والكدمات ما سبب له عاهات وقتيَّة وأخرى مستديمة!!!( خرافة كان رجلا من قبيلة ما، يعيش في قلب الصحراء العربية ولكنه كان في يوم ما قد اختفى عن الأنظار ولم يظهر إلا َّ بعد مضيئ أعوام طويلة، إدَّعى أنه بينما كان في طريقه عائدا الى الواحة التي تسكنها قبيلته، كان قد أ ُخْتـُطِفَ من قبل الجن وقد أخذوه الى أرضهم التي كان يسمونها العرب قديما أرض عبقر وأنه قد بقي هناك أسيرا طيلة تلك السنين فتعلم منهم السحر والأفعال التي تفوق القدرة الإنسانية تخيلاً وأنه الآن … حتى سمع حديثه هذا الكثير من الخلق وأصبحوا كلما سمعوا حديثا لا يُصَدَّق قالو عنه: حديث خرافةٍ ياأمَّ عمرٍ!!! وأصبح من له فكر وخيال ثاقب بالعبقري!) هذه خلاصة القصة والآن يا أطفال قد حان وقت النوم فالكل ينام وتصبحون على خير!
توقف أيها الصعلوك عن قرع الزغاريد/ في خفارات الضباع،/ لأنك لن تصل/ ولن تعلو،/ ارمي سهام مراثيك/ على أناشيد الهوام/ قاسمني ياصديقي رُفات المكان.
الزغاريد لا”تـُقـْرَعْ” ياشاعر البدو! إنها أصواتٌ تـُبعث من الفم ، هي ليست طبولا أو صِناجاً أو نواقيس. في أكثر من” خفارة” أي مركز للضباع ” بوليس الأمن والشرطة المحترمين!” التي تأكل الآن ليس فقط تلك الجثث المتفسخة والعفنة ، إنها الآن تأكل أيضاً الأحياء ومن قد مات توّا ً! الشاعر وبعد مدَّةٍ تزيد على… هاهو يدعو الصعلوك الى نزع ساهمه فوق “أناشيدالهوام” ( البهائم والذين لا مرعى لهم ولا راع ٍ) وأن يقاسمه أكل رفات المكان الذي يتواجد به. ليس هذا فقط، إنه الشاعر ـ الفلاح الذي لن يعود بمذاق الحقل الى بيته ولن يطعم أهله مما قسمه الله، بل هو يشارك الصعلوك صعلكته ويقف على أبواب قد خـُصِّصَتْ للإنتظار.
يُقال عن حكيمٍ كان في قديم الزمان وسالف العصر والأوان أنه قال مرَّة: إذا بدأت المأساة فسوف لن تنتهي! ذلك الحكيم كان قد انتهى قبل أن تنتهي المأساة ولم يقلْ شيئاً بعد ذلك! على مقربة من جنون أخرس/ لن نعود بمذاق الحقل الى قرانا/ نحن صعاليك عند أبواب انتظار… مالذي سيختفي؟/ مالذي سيؤول؟/ مالذي سيحدث؟… هذه الأسئلة الثلاث المطروحة، لم يعرف أحد مِمَّنْ قد طُرِحَـتْ ولكن نحن نعرف أنَّ هذه الأسئلة مردودة إلى من سألها فلا أحد يتنبَّأ وأن عصر الأنبياء قد فات وانتهى منذ زمن بعيد! ولكن وفي نفس الوقت أليس هو الشاعر، المغني الجوال والصعلوك نفسه هو، هو نصف نبي؟ ولِمَ لا؟ نحن الآن مجبرونَ على أن نقبل بأنصاف الأنبياء! وإنْ كنـَّا من قبل لا نقبل إلا َّ بنبيٍّ كامل الأوصاف ومُثـَقـَّفِ الرأس والفكر كرأس الرمح والنبراس كي ينتهي بأن نرجمه أو نصلبه أو أن نحرقه حيا ً كي يُقال من بعد ذلك يا لهم من قومٍ جبـَّارين ها قد تخلـَّصوا من نبيٍّ أخر ظهر فجأة بينهم!… في غفلةٍ/ ستـُلْقى مفاتيح انتباه الدم/ على طاولة مضطربة،/ ثم يختفي/ ماء خصامنا/ هناك/ في شارع ٍ/ كم مرَّةٍ مات فيه أبو نؤاس.أحدهم قال من مدةٍ ليست طويلة بأن قطرة الماء لها القوة على التذكر أيضا، “أحدهم” هذا كان شخصا مقعدا يتحرك وهو جالس على كرسيٍّ متحرك جارّاً وساحِلاً معه ذكرياته، كان من أحد علماء الطبيعة وكان إنكليزي الأصل. إذا كانت قطرة الماء على مقدرةٍ من التذكر فلم لا تكون قطرة الدم كذلك؟ ثم التذكر هو نوع من قراءة الماضي على ورقة من أوراق كتاب الحاضر والقراءة هذه يجب أن تكون يقظة واليقظة هي إنتباه والأنتباه هو حالة استنفار والإستنفار ليس إلا َّ التطلع الى ما سيحدث وهذا هو انتباه الدم! الدم هو للصعلوك وهذا قد أسند جسده على الطاولة التي قد امتصت إضطرابه وانتباه الدم هو سيلانه وبهذا يظهر لونه الأرجواني الغامق تارة وتارة البرَّاق الذي يوحي ببدء سيلانه هذا أنه قد أُهْدِرَ ” ماء خصامنا” كي يمنح الحياة لشيء أخر أو لأحدهم من المختلين من أمثال من قال:
دَع عَّنـْكَ لـَوْمِي فـَإنَّ اللـَّوْمَ إغـْرَاءُ وَدَاوِنِي باللـَّتِي كَانتْ هِيَ الدَّاءُ
وكم مرَّةٍ مات مَنْ قال ذلك؟ وإذا كانت الأنبياء تموت فمابالك بأنصاف الأنبياء؟!!!
في شرفة تهدم الهمَّ/ وتفتحُ للنرجس برجا ً من كلام. “الشرفة” لغة شعرية يستخدمها الشاعر كي يقول مايريد والشاعر حر بما يريد أن يقول!كما أن لغة التاجر والسياسي ورجل الدين هي “الحيلة”! لغة الواعض هي الدهاء والبلاغة كي يستطيع أن يقنع الآخر بمايقول ولغة الشاعر هي ليست للإقناع بل هي لغة إستحضار وتذكر ومعاناة، لغة لا بيع فيها ولا شراء ومن الممكن أن تكون بأشكال كثيرة منها: ” شرفة جولييت التي تطلُّ منها وهي تجدل جديلتها الطويلة محدِّثة ً روميو وهو يدعوها الى النزول بصوت خافت مبحوح وهي ترفض ذلك لخوفها من أن تـُكشفَ وتكون العواقب وخيمة عليها وعلى من تحبه! إنه من عائلة عدوة لعائلتها وهي تحبه حبا جما ً ولا تستطيع إلا َّ أن تخفي ذلك الحب وتقول لحبيبها: روميو…روميو لماذا أنت…لماذا أنت بالذات؟ آه كم أنا تعيسة…كم أنا مظلومة بهذا القدر القاسي… كم أنا سيئة الحظ؟…آه يا روميو…” هي تتكلم شاردة تخاطب السماء، ناسية بأنَّ جديلتها الطويلة قد تدلـَّت وقد أمسك بها روميو وبدأ يتسلق حتى وصل الى سياج الشرفة واختطف قبلة صغيرة ومن ثم سقط على الأرض وتهشَّمت عظامه وفقد وعيه بينما جولييت بقيت تتلذذ بالقبلة الصغيرة وهي تحلم بتلك الأحلام التي كان قد أوصى بها مروان الدليمي للمختلـِّين من أمثال روميو وجولييت!
وأيضا: حلم فرانس كافكا وكان من المختلـَّين أيضا، حلمه لم يكن إلا َّ كابوسا، وقد تحول الى حشرة بحجم عملاق وهو لا يدري أصله وفصله ولا من أين والى أين يذهب؟ّ
سدنة الغياب،/ ماضون من فراغ مُلطـَّخٍ بدم غاب عنه الضوء/ إفتضح المخاض/ متدحرجا ً/ بلا ضجةٍ/ ولا شيئ. السادن؟! كنت في حيرة من أمري ماذا أحكي عن السادن؟ سألت الشاعر، قال. هم أي السدنة حراس أو حُجَّاب المعبد الذي قد دُنـِّسَ أو أنـَّه المعبد الذي لم يعد كذلك من حيث أنه قد تـُرِك لسدنته يفعلوا به ما يشاؤون! هذا هو الحال إذن؟! المعبد هو ليس إلا َّ… قد تحول الى دار للعهر ولللذة الشَّبـِقة! هم سدنة الغياب، يا للفجيعة ! هم ماضون من فراغ! ما هو هذا الفراغ؟ يقول بعض العلماء بأنَّ الفراغ ليس هو اللاشيئ بل هو كتلة لها حجم وشكل، وبما أنه كتلة فهو جسد لمخلوق ما، وإذا كان كذلك فجسد من هذا؟ الإجابة هي: جسد الفراغ يا حمار!!! الفراغ له جسد وملطخ بالدم وقد غاب عنه الضوء أي أنه بلا روح، فالروح هي ضوء أو نور، هكذا سمعناهم يقولون! الفراغ هو حتما جسد الصعلوك! الصعلوك الذي وقع ضحية لسدنة المعبد بينما كان هو المفترس أصبح الفريسة. المخاض لعنة الأنثى وهي تلد مولودها بالألم والمعنات وهي بذلك تحصل على شيئ ما: هو المولود وقد سقط وتدحرج بدون ضجَّة. “ولهذا يُكتـَبُ في الهوية: مسقط الرأس!”…” أنْ تـُرَبِّي الجرو الذي سيأكلك…هكذا قالوا وأنا سمعت ولم أُطِعْ!” وأما مخاض الرجل فهو أن يكدح طول العمر ليكسب لاشيئ …ولاشيئ .
أسمعهم يرمون دمدماتهم/ غدا نؤمم الأقمار/ نزيد خاتما/ في ثراء الاصبع المتورِّمة/ نورّط النائم/ حتى يُفضي بمقتول الكلام/ نشطب الملح/ من صفقة النور في الصحراء/ نرسم الخطوات للجياع/ مشبعة بنكهة الأدعية/ ونقذف بها/ من دكة الخنوع/ الى فضاء التسول/ وكسر الضلوع.
الدمدمات، ماهي؟ هل هي قصف المدافع وإلقاء القنابل؟ أم ماذا؟ ” فـَكَذ َّبُوهُ فـَعَقـَرُوهَا فـَدَمْدَمَ عَلـَيْهِمْ رَبـُّهُم بـِذ َنـْبـِهِمْ فـَسَوَّاهَا ” الآية14 من سورة الشمس91، ويستمر المغني الجوال بتأجيل عمل اليوم الى الغد! يقول: غدا ًنؤمم الأقمار، ولماذا غدا ولمَ ليس اليوم؟ ألم تسمع من قبل أيها الشاعر من أنَّ العراقيين عندما كانوا قد قرروا تأميم نفط العراق؟ أمموه مباشرة ولم يأجِّلوا ذلك أبدا ً؟ هناك من يحكي ويقول من أن العراقيين قد تأخروا فقط أكثر من مئة عام، بعد ذلك قرروا تأميم نفطهم وها هو اليوم يعود ملكا لرعاة البقر ومَنْ والاهم وعصابات الحرافيش المتواجدين على أرض العراق !!! ولماذا الأقمار؟ وأيَّة أقمار؟ هل هي الأقمار الصناعية التي تجول في السماء وتتجسس علينا أم أقمار أحد الكواكب السيارة؟ فالأرض كما نعرف لها قمر واحد وهو أيضا مستعمرا كالعراق من قبل رعاة البقر؟
خاتما ً آخر للأصبع المتورِّمة؟ أعضاء الجسم المثنـَّات هي مؤنـَّثة أما المفرد منها فهو مذكر، هكذا يقولون نحاة ولغويواللغة العربية، إذن ما بال الأصبع، هل هو مذكر أم مؤنث؟ أم هو مابين وبين أي ذلك يعني أنـَّه مخنـَّث؟ سبحان الله، الأصابع جمع تكسير للأصبع وأحدهم يقول أن الأصبع حاله مثل حال “الطريق” فهو إما أن يكون مؤنثا ً أو مذكرا ً حسب الضمير الذي يُرَدُّ إليهِ في مُحتوى الكلام! ياللعجب! أقول: أصْبُعُ الرَّجُلِ متورِّمٌ أم متورِّمة ٌ؟ يا لـَلـْللـُّغـَوِيـُّونَ المختلـُّونَ! لنتبع وصية المغني الجوال ونحلم بدلا ً عنه، فهذا أحسن بكثير!
الورطة هي الوقوع في حالة لايمكن تجاوزها أو الخلاص منها إلا َّ بصعوبة أو أنه من سقط في الورطة ستكون نهايته هي هذه: النهاية! فكيف بالنائم إذا أوقعناه في ورطة؟! وهل سينتبه الى ما وقع فيه؟ النائم يحلم وفي حلمه سيفضي دون أن يعي بمقتول الكلام! ألم أقل من قبل أن هذا المغني الجوال هو محتال داهية؟ هو كان قد دعى المختلين الى أن يحلموا بدلا عنه والآن يضم إليهم النائمين أيضا وهذا ليس من صالح المختلين ولا حتى النائمين. المغني الجوال يشبه ” بسمارك” فهو سياسي محنـَّك اليوم يتحالف مع “أ” ضدَّ “ب” ومن ثم يتحالف مع “ت” ضد “أ” و”ب” وهكذا!
ما معنى أن نشطب الملح من صفقة النور في الصحراء؟ أنا لا أفهم هذا كما لا أفهم من قبل ما معنى تأميم الأقمار! ثم أنَّ رسم الخطى للجياع هو أمر سهل فمن هو جائع سيتبع أول الراسمين الذين يشبعون الخطى بنكهة الأدعية، فالأدعية لها روائح ونكهات لايصبر الجائع السقيم عليها وإنْ دُفعَ به وراء الخطوات الى رصيف الخنوع والخضوع والمذلة ومن ثم الى عالم التسول والإستجداء وكسر ضلوعه بل تهشيمها وسحقها! وسيقول المغني الجوال: ألم أدعوكم الى أن تحلموا نيابة عني؟ وها أنتم تستجيبون، إذن، هاكم ما أردتم…إحْلَمُوا!!!
أقفُ فوق غِرْيَنِ الإحتمال/ مُرصَّعاً بالحشرجات:ـ/ يخطئُ،/ مَنْ يهزأ بالموج/ من يلوي عُنقهُ في وجه طارئ/ من يهرب/ مصطحبا ً طقس النسيان/ يخطئ،/ لا يخطئ.
الوقوف فوق الغرين ليس بالأمر السهل، إنـَّه طين قد جلبته السيول أي بمعنى نوع من الوحل أشبه بالرمال المتحرِّكة. وكل حركة يقوم بها من يقف عليه هي ليست إلا َّ محاولة تودي به الى الغوص أكثر وأكثر والإحتمالات كثيرة والصورة التي قدمها لنا الشاعر ليست من النوع الذي يُنـْتـَظرُ أن تحوز على جائزة ما، بل هي صورة مأساوية تقتضي أن نقوم أمامها بطقوس للسحر الأسود والتعابير المبهمة المغناة من قبل جوقة لا تعرف ألف باء السلم الموسيقي والأتعس من ذلك فإنَّ هذه الجوقة يجب أيضا أن تكون متكونة من الصم البكم العمي الذين لا يفقهون! وذلك كي يستطيعوا حمل كل ذلك الألم وتلك المأساة التي يعبِّرُ عنها الشاعر للحالة التي هو فيها: مرصَّعا ً بالحشرجات! هذا مالم تره عين ولم يخطر ببال بشر. إن وصلت الحال على أن يترصَّع أحدهم بالحشرجات فإنَّ كل جواهر العالم بل الكون برمَّته لا تكفي له كفدية لخلاصه!
الخطأ يعود الى كل ماهو غير مثالي وما هو واقعي، بل أن الخطأ هو أحد صفات المثالية بحد ذاتها!
أما الواقعية فلاتجد لها طريقا في الدخول الى الشاعرية إلا َّ باختلاطها بالرومانسية المتشائمة والتي تتخذ بدورها من الوجودية ملجأ ً لا يخلـِّصها من عقبات شتى تسقط فيها كما تسقط الأشياء على الأرض بعد أن تـُرمى في الفضاء. هو يخطئ رغم أنفه وعن ظهر أبيه يخطئ، من يلوي رقبته مستغربا حزينا لإلتقائه بوجه، شيئ، طارئ، يهرب مصطحبا عزيزا يعينه وهو درب النسيان، يخطئ، وأحدهم يصيح: كلا، لا يخطئ! هذا التأكيد وهذه الإجابة تعطي حدا قاطعا بإبتدائها بـ “كلا” أداة نفي مطلقة تؤكد عدم الخطأ من يفعل كذا وكذا لا يخطئ، من وقف على غرين الإحتمالات مُرصعا بالحشرجات الأخيرة لا يخطئ!!!
ظلَّ يخاطب بعضه/ مابين جنون الحكمة/ وارتطام الفأس/ لعلَّ بقايا الطريق مازالت غير مبتلـَّة بالتقوِّس/ ولن تصحو من عبء احمرار الكلام/ على شفاه السدنة.
“ظلَّ” هو من الأفعال التي تعني استمرار وقوع الفعل ( منهم من يُعِدُّه من أخوات كان إذ أنه يعطي نفس الدلالة أو الصفة التي تعطيها بعض أخوات كان مثل مازال، ماانفكَّ، مابرِحَ، ما دام ….إلخ) وهذه الإستمرارية غير محددة النهاية، “فمخاطبة بعضه” قد بدأت، أمَّا في أي وقت ستنتهي وفي أي مكان، هذا مالا نعرفه. كل الذي بين أيدينا مما نعرفه حقا هو أن المخاطبة مستمرة مابين “جنونٍ” ألصَقه الشاعر بـ “الحكمة” وكأن الحكمة تحتاج الى صفة؛ ـ إن وصف صفة بصفة أخرى في اللغة العربية جائز! وذلك على اعتبار الصفة الأولى إسما والإسم لا يُمانع بأن يوصف! ( هذا كلام المختلـِّين النحويين).
وبين “ارتطام الفأس”. كلنا رأى بطريقة أو أخرى كيف يهوي الفأس ويقطع … ثم يرتطمُ بالنطع!
في المقطع الذي يسبق هذا كان الشاعر قد بدأ كلامه بالفاعل “أنا” وحالما أبدله بالشخص الثالث الغائب “هو” وذلك باستخدامه “مَنْ” وهذا “الآخر” هو الفاعل الأول “أنا”وليس غيره. إنَّ قوة تمكن الشاعر بالتلاعب بالفاعل من جعله يتقمص أية شخصية يريد تدل على مهارة الشاعر في الكلام ليعطي صبغة تموِّه الفاعل وتجعله أكثر غموضا وبذلك يستجد السؤال: مَنْ هذا الذي نتحدث عنه؟ هل أن الفاعل هو نفسه القاتل والمقتول في أنٍ واحد؟ وكيف يمكن ذلك؟ إن مَنْ ينتحر يستعمل أداةً سهلة الإستعمال، فإما ان تكون الأداة خنجرا أو مسدسا أو حتى السم ولِمَ لا؟ ولكن هي الفأس! إذن مَنْ هو هذا الجلاد؟. ثم أن الجلاد قد أُخـْصِمَ ذكره واستـُبـْدِلَ بـ”الفأس” وذلك سوف يبعد عنـَّا العناء بالكلام عن شخصه ( أسمه مسرور السيـَّاف أو أحمد أو زيـّا أم خوشابا أم سِنان، أو جاسم أو أبو حَمَدْ أو أبو مْشِيعِلْ أو كاكا أو يحيا…الى آخره) . عربيا كان أم كرديا أم فارسيا أم تركيا أم من الروم البيزنط… سنـِّيا أم شعيا أم نصرانيا أم صُبـَّيا أم غير ذلك. هو حتما عراقيٌّ!) وهو بالتأكيد قد حصل على منصبه هذا من العصابة التي كانت تحكم آنذاك في العراق وكان يُعْتـَبـَرُ من أبطال الساعة تلك!

….. يتبع

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: شيء غير الحلم (ملف/12)

إشارة: للشاعر والقاص والروائي والباحث المبدع الكبير د. قصي الشيخ عسكر بصمة مميزة في أغلب …

محمد حسين السماعنة: ظلال النكسة في قصيدة سميح القاسم (تعالي لنرسم معا قوس قزح) (ملف/9)

إشارة : (منتصبَ القامةِ أمشي/مرفوع الهامة أمشي، في كفي قصفة زيتونٍ/ وعلى كتفي نعشي/ وأنا …

زملاء وأصدقاء الصحفي والكاتب الراحل “رزاق إبراهيم حسن” يستذّكرون عشقه للثقافة والعمل (ملف/2)

ما ان تم الاعلان امس عن الرحيل المؤلم للزميل رزاق ابراهيم حسن حتى ضجت وسائل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *