بولص آدم: ضراوة الحياة اللآمتوقعة (2) (ملف/2)

إشارة :
“ومضيتُ، فكرتُ بنفسي كالمتسوّل، لعلّ أحدا ما يضع في يدي وطني”.
يهمّ أسرة موقع الناقد العراقي أن تقدّم هذا الملف عن تجربة الأديب العراقي “بولص آدم” مبتدئة بنشر نصوص كتابيه: “ضراوة الحياة اللامتوقعة” و”اللون يؤدي إليه” اللذين وضع لنصوصهما جنساً هو “الواقعية المتوحّشة”، وهذا امتيازه الفذّ في ابتكار جنس من رحم الأهوال العراقية، فقد أدرك أنّ النصّ العراقي يجب أن يُكتب بطريقة تكوي أصابع من يقرأه وقد يشتعل بين يديه. وهي ليست نصوصا “مفتوحة” بل الرؤية التي ينبغي أن يُكتب وفقها النص العراقي الحقيقي. بلاد تُجمع فيها الأشلاء المجهولة لأجساد أبنائها المُقطّعة بالمفخخات في “بابل” في “طشت الخردة” لا يمكن لنصوصها أن تُكتب إلا بطريقة بولص آدم “المتوحشة”. وبهذا المعنى فهي أيضا درس في أن أدب الحرب الكبير يُكتب بعد الحرب. حرب العراقي لم تنته. لقد بدأت الآن خلف سواتر الذاكرة المؤرِّقة الشعواء لتخرّب حياتنا إلى الأبد نحن جيل الخسارات الابدية: “حياتي ضراوة لامتوقعة- لاتسألني رجاءً عن باقي النص”. تحية للمبدع العراقي بولص آدم ودعوة للنقد العراقي لدراسة نصوص قد تمهّد لمدرسة.

(2)

سيدتي القارئة ، سيدي القارئ

في حياتي.. تغلبت الوقائع المحزنة على الوقائع السارة عددا ، بل كانت الفجيعة بالذات ، حاضرة دائما .. شئ واحد اثبته لنفسي بضراوة البراءة وبالصبرالنازف معا ، ان الفرح طاقة محفوظة ومؤجلة لمن يناضل بطعم شهي واصيل ومقنع تماما. في جبهة السلام والنقاء .. ستكون الوقائع السارة قليلة عددا ولكنها
.. الذي انتظرناه وكافحنا من اجله في حياتنا لم يكن عسيرا بتمنينا المثالي المستحيل .. انما لعبة الحياة هي فخ الصادقين فكيف بنا قادة لحيواتنا ولذواتنا المعذبة؟وبقدر مهمتنا الصعبة في التواصل ، تلازمنا ارادة صلبة في السلام والحرية .. لاتمر دقيقة دون خبر انيق عن واقعة محزنة وضحايا ، هي كثيرة العدد الى اقصى القلق ، لكنك لو سمحت قوي جدا واكثر مما تعتقد وتقتنع مخطئا بضعفك احيانا. الحياة لتكون جديرا بها يا بولس ادم ؟ عليك ان تكون فيها منتجا ! لن اقع ضحية الأبيض والأسود في رؤية ساذجة لنتاج الفعل في الحياة البشرية ، العالم رمادي وهو يدنو من كارثة مقبلة عند النجاة من كارثة حصلت بالأمس .. لااستطيع فعل شئ مهم ازاء ذلك ، غير انني الجا الى الأبداع طوال حياتي لأكون حاضرا فاهلا بكم قراءا لهذا الكتاب .. معكم وشاهدا

انزع عن نفسي ماكان للأفعى ، جلد الحرب

انزع المكان الذي في زوايا ( بلزاك ) !
ارقام بيوتي التي ارشف فيها واقعيتي ..
انزع معارفي كربيع اسود لميلر ،
المدن المحمولة على ظهور الدواب
تدفن حطاما تحت قشور الكراهية

(نيويورك .. نيويورك ..

اتوق لمدينة مثلي ،

لا تنام ! )

انزع عني غوغائي
اسلخ عن حياتي نبواتي
احطم الخراب الذاكري لك ياحرب

يا زانية الحشد

الى متى تلاحقين اشلائي
هاك كل الماوراء
هاك سخط القندس المتهندس في السؤال

هناك ، في صناديق العذاب
اخر الصحاري
انزع عن نفسي كل الأنا
ارصف الخطط الخمسية في السواقي
و.. اعد على عدد المواشي ، اجيال الزهور الأمية و ابكي !

كلهم لامكان لهم في روايات حديثة عن خدمات البلدية ..

اعترف لزورباس ،
بمناجم احلامي ..

ياحرب الى متى ؟!
لن اهزم ، حتى لو احترت في ارث الملك ( لير ) ..

غادرت الساحرات دم ( ماكبث )
الاها الحرب !
خنجر العرض المسموم خلف كل ستار

يامن خدعت الطاغية الجبار ،

اتندر ، اتحلل ، اعيش الخلائق الصغرى في الذاكرة الزيتية اعماق البحار ..
اخر الأطوار .. قنافذ للحرب ، تسللت على مائدة العفاريت .. هواية منذ عصر شيت ..

انزع عني الجاز الأخير .. وانسل
اغادر الرب لأصطدم برب اخر
تعال يا (سان جون بيرس )..

انظر ،

هل تلك ، كانت المدينة ؟

الجوقة

الأهداء ، الى الصديق الراحل انتحارا (سالم ايشو)

ودعناكم
حملنا آلاتنا الموسيقية
سكبتم ماءً على العتبات
وعند الفجر غادرنا
جباهنا بالريحان مغسولة
ماتركناه ،خلناه لم يعد يصلح لنا
نحن ما تبقى من زهر الرمان
ما تبقى لأيامنا
تسلقنا المدى ، راينا الى دمعة لكم
اكبر من امكانات الحسرة كانت
لم يرسمها رسام من بعد
بل كتبها (لوثر) شعرا في لوحة
طائرات حربية حمراء مجهرية
في كل دمعة !
لم تمطر اذ هي كالغيمة كبيرة كانت
بل ألقت كفا من الجراثيم الفاتكة..
ودعناكم
ونحن فوق التل قبالتكم
ألقينا اخر نظرة حائرة واختفينا
سنحفظ الوصايا ، سنغني العهود
لحنا
نحن ما تبقى من جنوننا
يتقدمنا الطبال ، دم ، دم
البواقون خلفه
عازفو فلوت
وكمنجات
مزامير وقيثارات
نعبر سواتر النار
مدن الغبار
وقارات غرقى
نعزف ونغني لعالم ، مما تبقى لنا
بلا حواجز تعبر موسيقانا
في الطرقات الشاحبة
والحقول العطشى
دم ، دم ، دم
تقبلونا لطفا ، سامحونا على غرابة جوقتنا
نعزف لكم احلامنا
قبيحة هي ثرثرة الدبابات
لا تعيقوا سير الكمنجات
لاتلغوا فقرتنا
من اجل نشرة اخبار سامة
دعونا بلمح البصر نمر ، نجتاز كالحالمين
نحن جوقة الموسيقى
ابواقنا تتسربل بالندى الأول
اقواس ملونة تقبل الأوتار
قيثارات ، قيثارات
ودعناكم
شكرا لكم ، لتلبية اخر امنية لنا
نحن ما تبقى من جوقة
تنثر العصافير الراقصة
يهطل القرنفل في مسارنا
والآن
هل
حان
اوان
اعدامنا ؟!

.. يتبع

شاهد أيضاً

د. عدنان الظاهر: ضراوة الحياة اللامُتوقعة (*)
(شعر وقص للكاتب الفنان السيد بولص آدم ) (ملف/17)

إشارة : “ومضيتُ، فكرتُ بنفسي كالمتسوّل، لعلّ أحدا ما يضع في يدي وطني”. يهمّ أسرة …

بولص آدم: اللون يؤدي اليه (4) (ملف/16)

إشارة : “ومضيتُ، فكرتُ بنفسي كالمتسوّل، لعلّ أحدا ما يضع في يدي وطني”. يهمّ أسرة …

رزاق ابراهيم حسن: مَنْ يتحمل مسؤولية موت المؤرخ حميد المطبعي؟ (ملف/5)

سنوات عدة عاشها حميد المطبعي مريضا مقعدا ومرغما على ملازمة البيت، ولكنه طوال هذه السنوات …

2 تعليقان

  1. تحية الى الاديب بولص ادم…
    كمية الحزن والم والغضب التي نجدها في كتابات الاديب ادم تعكس بكل وضوح عمق الازمة الوجودية للانسان العراقي بشكل خاص والعربي بشكل عام . حالة الصراع مع الواقع المرير بكافة تفاصيله تلقي بظلالها على كل حرف في النصوص اعلاه. تجربة رائعة للغوص عميقاً في معاناة النفس البشرية.
    اخوكم
    د.علاء

  2. بولص آدم

    شكرا جزيلا د. علاء ، على أهتمامك في التلقي والملاحظة النقدية، وأتمنى قراءة ومتابعة ما يلي في صفحات الكتاب المتعاقبة في حلقات، تقديري للطفك ومشاعرك النبيلة، نعم، أنه صوتي يرافق بتواضع فصول السنوات الوطنية، أتمنى لك وللعائلة والوطن السلامة و العافية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *