علي الجنابي: وقائِعُ الدهرِ: بَغتَة

تحَدّثَ ذو شَيبَةٍ فقالَ: إنّي والدهرُ لَفي نَبأٍ عَجَب ! كأنَّ وَقائعُهُ قاهرةً!أو هي حائِرة, وصَنائعي فيه كانت مُتَطَيّرةً ومُتَحَيّرةً! فأراني تارةً أجزمُ أنَّهُ قد دَسَّها مُتلاحقةً وجائرةً هادِرةً وغادِرةً, وتارةً أحكُمُ بأنّهُ قد بَسَّها مُتباطِئةً زائرةً, مُتفائلةً نادرةً!
أمَا وألآن قد حَزَرتُ بَعدَ وَهْنٍ حّلَّ بي على حين غرةٍ بأغلالِهِ و صاحَ, وعَضَلٍ سالَ على حين غفلةٍ بإعلالهِ وسَاحَ, وفخرٍ إنسَلَّ فجأةً الى أطلالهِ وانزاحَ, وخَيالٍ أنَّ تَوَجْعاً في ظلالهِ ونَاحَ, وصَمتٍ رَنَّ بَغتةً في أدغالهِ وباحَ, والنَوى تَبَرُّماً وَلّى وشَبَكَ عَشرَهَ وراحَ, وأَجَلٍ جَهرَةً دَلّى وحَبَكَ أَسرَهُ ولاحَ ,

أمَا وإنّي قد فَهِمتُ أنّ أمري كلَّهُ كانَ وَخْزّاً, وهُبوطي على مَدارج العمرِ كانَ عَوْزاً بل إنّ الهُبوطَ كانَ بغتةً, بل كانَ جَمْزاً و نَشْزاً . فشَهِيقي والزَفيرُ رَهنُ بَغتةً, فكم مِن حَبلِ زَفيرٍ إنقَطعَ بَعدَ شَهيقٍ بغتةً ولُغزاً ! بل تَوَلُدي والمصيرُ جَرى بغتةً وبِصرخةٍ لكلينا مُستَفِزّةً, وفي ذلك أستوى ذُو العاهةِ والفاقةِ ومَن كانَ للسلطانِ رَمزاً ! رَغيفي والحَريرُ نَزَلَا بغتةً فتارةً أكابدُ فيهما سَعياً لأحجزَهُما حَجزاً، وأخرى يَتقافزا آليّ ويَأتياني هُما قَفزَاً, ضِحكَتي والعَويلُ على أنباءٍ يَتَفَجَّرانِ بغتةً وهَزّاً, وإِلّا لمَا تَرَنّمَ وضَحِكَ الفؤادُ لسَلواها مُستَعِزّاً, ولمَا تَأَلَّمَ وبَكى لبَلواها مُشمَئِزّاً !
النائباتُ ناظِرَةٌ مِن عُلُوٍ ولا تَقصُفُ يَومي إلّا بغتةً فتَجِزَّ الطَلْعَ جَزّاً ! وأحَلامي ناطرَةٌ من دُنو ولا تَعصُفُ نَومي الّا بغتةً فتَحِزَّ الضِلْعَ حَزّاً, وفي ذلكَ إستوى ذو جَهلٍ مُسرفٍ ومَن حَازَ العِلمَ حَيزاً !
كَتفايّ بَاتا مُستَقَرّاً لأجداثِ أَبي وأَمّي وأَخي وخِلّي وأَتراحي, ومُقلَتايَ أمسَيا مُستَودَعاً لأحداثِ يُمْني وإنشِراحي ومُهجَتي وإرتياحِي, وكلُّ أولئكَ بغتةً كانَت وقائعُهُ رغمَ أَنفي وسَيفي ودَهائي ورِماحي.
أنّهُ الدهرُ, كلُّ زَهوٍ يَدهَسُهُ, وكلَ رَهوٍ يَدعَسُهُ, وتلكَ هي وقائِعُه أَطَّت بدستُورِها في جِذعِ القَضاءِ, وخَطّتهُ بيَمينِها في صَدعِ الفَضاءِ, وحَطّت بهِ في خافقِ وجبهةِ كلِّ ذي كَبَدٍ فَيحاء و صَخرةٍ صَمّاء , نحنُ نَتلوهُ خُفيَةً أو خِيفَةً مِن على جِباهٍ حَولنا في صبحِنا والمساء, وهُم يُرتِلونَهُ سِرّاً أو جِهاراً مِن جِباهِنا في غُدوِّهمُ والعشاء. وَسَواءٌ علينا أنَأبى مضغاً أم للمضغِ نشاءُ, ترانا نَمضغُ بِوَرقَةٍ من ورَيقاتهٍ حالَ سقُوطها تَيَبُسَاً أو خَضراء, ونَنظُرُهُ ونَتَّبِعٌهُ أينَما تَرَنَّحَ كَبِندُولٍ كلَّ آنٍ في قِبّةِ السَماء ولكنّا لا نُبصِرُهُ؟ أولا نُريدُ؟ أوكأنَّا نَسِينَاهُ؟ أو أنَّ ثَوبَ نِعامَةٍ أُكسِيِنَاهُ فَأضحى دِرعَنا للخَفاء؟ قد نَغُضُّ الطَرفَ عنهُ رَغمَ أنَّهُ يَقرَعُ, قد نَفُضُّ الخَوفَ مِنهُ رغمَ أنّهُ يَصرَعُ, قد نَخضَعُ بِحَنانٍ لِنُصُوصِهِ ونَخشَعُ, فَنُصَوِّتُ بإحِسانٍ وبِالبَنانِ واليهِ نَنزَعُ, وفي كلٍّ لا نَفعَ لهِجاءٍ معهُ ولا لِثَناء, وإلى رَبِّ الدُستُورِ خِتامُ الأمرِ والبَقاء .
إنَّها وَقائعُ الدهرّ.. فمَن ذا يا صَاح لا يَتَغَيَّرُ! ومَن ذا ياعِزُّ لا يَتَحَيَّرُ! فَكلُّ كَمَالٍ إلى تَبَدّلٍ وإهمالٍ, وكلُّ جمالٍ إلى تَهَدّلٍ و زَوالٍ, وكلّ خَيَالٍ إلى تَلَبّدٍ وإبطالٍ, إلّا وَجهَ وَارثٍ ذو جَلالٍ لا يتَلَبّد وكمال لا يتَبَدّل وجمال لا يتَهَدّل ولا يَمَسُّهُ زَوالُ.
إنَّ الأمرَ لَصاغرٌ دَاخِرٌ في قَبضةِ القَدرِ ويَأبى هُبُوطاً إلا بغتةً!
لِئَلّا تَظُنَّ الذاتُ أنَّ ما أُوتِيَت كانَ -مِن عِندِها- فَلتَةٌ,
وَلِتَعلَمَ أنَّ وَراءَها أَجَلٌ -إن أتى فلا تَأخِيرَ ولا تَقديمَ – وإنّهُ لَأَشَقُّ نُكتَةٍ.
ها قَد أُقْفِلَ السِجلُّ بِخَتْمِ الشيبِ وَ وَسمُه: (بغتة/عَلني للغاية).
(إِنّي نَظَرتُ إِلى المِرآةِ إِذ جليت فَأَنكَرَت مُقلَتايَ كُلَّ ما رَأَتا
رَأَيتُ فيها شُيَيخاً لَستُ أَعرِفُهُ وَكُنتُ أَعرِفُ فيها قَبلَ ذاكَ فَتى
هَوِّن عَلَيكَ فَهذا لا بَقاءَ لَهُ أَما تَرى العُشبَ يَفني بَعدَما نَبَتا)
************************
علي الجنابي – بغداد

شاهد أيضاً

ابتسام ابراهيم الاسدي: عـَـلـِمتُ الآن

عَـلـِمـتُ الآن… إن لمَغيبِ الَشمس في شَفَتي ألـــفَ أُمـنــيةٍ تتوارى وَلحضور ألامـس في لُغتي مـِليـَون …

غانم العقيدي: كنا في مقهى محمود (6)

مرض محمود حطت الشركة الباكستانبة رحالها في المنطقة خلف القنطرة التي يعبر عليها القطار هي …

عصمت شاهين دوسكي: حديث الشوق والحجر

آه من حديث يعلل ما في الوصل دونه يحتويك بُعدا عن المسافات وشقاءه أما آن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *