عدنان الصائغ : زمن الكتابة

 أنت تستعجل الكتابة، كما لو أنك متأخر في الحياة.
رينه شار
 
أما في ما يتعلق بالكتاب الجديد، فإني سأمنع نفسي من كتابته إلى أن يفرض نفسه عليَّ ككمثرى ثقيلة في عقلي تتدلى مطالبةً بقطعها.
فرجينا وولف
 
من العبث أن يظل الكاتب يقول لنفسه سأكتب يوماً. عليه أن يضع أفكاره على الورق دون تأجيل.
الروائي الإنكليزي انطوني بيرجز
 
 
 
 
يتوهم البعض معتقداً أن طول العمل الأدبي، أو قصره، يعدّان حكماً شرطياً في تحديد قيمته الإبداعية. وأن طول فترة الكتابة والمراجعة المتكررة للنص، تعطيه ضمانات النجاح الإبداعي.
فيعيب هذا العمل أو ذاك إذا عرف إنه كتب بفترة زمنية قصيرة، متهماً المؤلف بالسهولة أو الاستسهال، ويطلق على العمل ما شاء من صفات التسرع والاستعجال والكتابة الصحفية.
ورغم أن التأني والمراجعة قد تعطي النص الكثير، وتضيف إليه وتسقط عنه الشوائب والزوائد، لكنها ليست شرطاً إبداعياً يمكن أن نعمّمه على جميع النصوص أو الكتب أو الأعمال الفنية. وإلى مثل هذا أذكّرك بقول العماد الأصفهاني السالف في مقدمة كتابه، والخ، والخ.
وعلى هذا أيضاً نرى أنه لا يمكن أن نجعل مدة الإنجاز حكماً أو تقييماً على مستوى النتاج، فهناك الكثير من الأعمال لم يستغرق إنجازها إلاّ زمناً قصيراً، أخذت مكانتها الكبيرة في عالم الإبداع.
فمن يتصور أن أخطر كتاب في علم فلسفة التاريخ والاجتماع، هو مقدمة ابن خلدون قد وُضع وأُلف في خمسة أشهر.
ومن يتصور أن شيخ المتصوفة ابن عربي، كان يسطر من كتابه الهام “الفتح المكي” ثلاثة كراريس كل يوم، وحيثما كان.
وأن الشيخ الرئيس ابن سينا، كان يكتب من كتابه “الشفاء” خمسين ورقة كل يوم.
وأن الإمام الغزالي الذي قيل أن تصانيفه وكتبه وكراريسه لو وزعت على عدد أيام عمره لأصابت كل يوم كراسة.
بل أن السيوطي ألف كتاب “النفحة المسكية والتحفة المكية” في يوم واحد.
فهل كانت تلك المؤلفات وغيرها مستعجلة، أو مستسهلةً؟ وهل كان مجايلو ابن خلدون يعتقدون أنه بهذه الأشهر الخمسة سيؤسس مدرسةً رائدة في علم التاريخ الاجتماعي؟، ما زالت منذ القرن السابع وحتى الآن، تثير الجدل وتنجب التنظيرات وتجترح الأسئلة.
ويذكر مارتن بأن الروائي الفرنسي جورج سيمنون ألفَّ أربعمائة رواية، تترجم منها عشر روايات سنوياً على الأقل، وله قرّاؤه بكل لغات العالم.
وإذا كان رسول حمزاتوف يقول بأن حياة الكاتب لا تقاس بسنوات عمره، بل بكتبه، فإننا لا يمكن أن نقيس المؤلفات الإبداعية بكثرتها، وإنما بنوعيتها وبمضمونها وبإضافاتها إلى الإبداع الإنساني. فكم من المبدعين من أثار الدنيا بكتاب واحد، أو قصيدة واحدة. وخذْ كونستانتان جيورجيو في “الساعة الخامسة والعشرون”، مثلاً. وخذْ ابن زريق البغدادي في قصيدته “لا تعذليه”، مثلاً أخر،… والخ.
وكم منهم من ملأ المكتبات، والأسواق، والمهرجانات، والندوات، بكتبه ومؤلفاته، دون أن يبدع شيئاً.
وللزمن أحكامه في الكتابة مثلما في الحياة.
وانظرْ إلى نظرية شكسبير عن حركة الزمن في مسرحيته “كما تحب” حين تسأل روزيلندا عن الوقت في الغابة، فيجيبها أردن: “لا وجود لساعة في الغابة. فتعقب بقولها: “الزمان يسافر بخطوات متباينة، بقدر تباين الأشخاص. وسأخبرك مع من يمشي الزمان رهواً، ومع من يسير الزمان خبباً، ومع من يجري الزمان ركضاً، ومع من يقف بلا حراك”..
وعلى هذا المنوال يمكنك أن تقيس ما شئت من أعمار المبدعين بنتاجاتهم أو تقيس نتاجاتهم بأعمارهم، لترى أن القياسات الزمنية ليست واحدة، في النتاج الإبداعي، فمنهم من يكتب رهواً، ومنهم من يكتب خبباً، ومنهم من يكتب ركضاً، ومنهم من يقضي الزمن وهو لا يكتب شيئاً.
وتلك هي واحدة من مميزات كاتب عن آخر، تبعاً للقدرة والموهبة والثقافة والبديهية والحماسة والمسؤولية… والخ، حيث يغدو الزمن حصاناً يحرّكه أو يسيّره المبدع وفق قدرته وتدريباته ومهارته ليصل إلى نهاية الشوط قبل غيره في سباق الإبداع الذي ينطبق عليه – وصفاً معبراً – عنوان إحدى روايات عبد الرحمن منيف “سباقات المسافات الطويلة”.. ولقد التقيت الكاتب الكبير منيف في بيروت عام 1996، وتحدثنا عن رواياته السابقة، فوجدته مشغول الذهن في التخطيط لرواياته القادمة أكثر، وكأنه يعيش عمره ركضاً من رواية إلى أخرى. وزرت الروائي الناقد المرحوم جبرا إبراهيم جبرا في بيته البغدادي في شارع الأميرات، مرات عديدة، فوجدته غاطساً إلى رأسه بين الأوراق المكدّسة على طاولته وفوق رفوف مكتبته الممتدة من باب المدخل وحتى المطبخ مروراً بغرف النوم والاستقبال والسلم. وكان في كل مرة ألقاه يفاجئني بكتاب جديد: رواية أو ترجمة أو مقدمة أو مراجعة أو قصيدة أو دراسة نقدية، حتى أنني كنت أدهش من أين يجد الوقت الكافي لكل هذا النتاج المتنوع. وزرت أديباً آخر فوجدته يحدثني عن كتابه اليتيم الذي صدر قبل عشرين عاماً، وحين أسأله عن الجديد فيما يكتب أو يقرأ، يروح يحدثني من مشاكل الأولاد وأسعار الباذنجان ودور النشر. وزرت آخر فوجدته هادراً نصف وقته في الثرثرة عن مثالب هذا الأديب أو ذاك، ونصفه الآخر في مشاهدة المسلسلات التلفزيونية والشكوى من سوء الحظ وعدم التفات النقاد إليه.
وتقول له أن هنري ميلر يرى أنه لكي يكون رجل ما كاتباً فإنَّ عليه أن يكتب على الأقل خمسة آلاف كلمة في اليوم.
فيتهمك وإياه، بالمبالغة.
وتقول له أن ماركيز يقول: “أكتبُ يومياً، وفي الأوقات نفسها. أجلس أمام الآلة الكاتبة في التاسعة صباحاً، وهكذا حتى الثانية بعد الظهر. ويراودني إحساس ثقيل، يؤرق ضميري جداً، متى ما تخلفت عن هذا المنهاج، حتى أنني أشعر بعدم استحقاقي لوجبة الطعام التي أتناولها في ذلك اليوم”.
فيتناول طبق “المزّة” بعد كرعه قدح الفودكا العاشر، بتلذذٍ واسترخاء، ساخراً من قيد ماركيز الثقيل.
وتقول له أن ابن سينا لم يتعب من قراءة “ما بعد الطبيعة” لأرسطو أربعين مرة.
فيذكر لك عدد المرات التي ذهب فيها إلى النادي ولم يتعب من اللعب بالدومينو مع خصمه العنيد حتى فاز عليه.
وهكذا تجد أن الزمن متوقف عند البعض لا يبرح مكانه، وهو لا يشكل لديهم هماً إبداعياً، حتى أنهم يشكون من أوقات الفراغ الفائضة، بينما يشكو المبدع من قلة أوقات الفراغ، وسرعة دوران عقارب الساعة المعلّقة، على حائط مكتبته الغاصة بأحلامه وأفكاره. 
 
 25/7/1997 مالمو
 
*        *        *
 
 
 
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) من كتاب “اشتراطات النص، ويليه، في حديقة النص”، عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت 2008.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| فازع دراوشة : “واستقبل الكاتبُ مندوبٌ” .

قد يكون هذا العنوان من أغرب  العناوين التي اخترتها لكتابة من كتاباتي. الجمعة، الأول من …

| عبدالكريم ابراهيم : الألعاب الشعبية تودع ذاكرة الأطفال .

تعزز الألعاب الجماعية مفهوم الوحدة والتماسك، وتزرع روح التعاون بين الأطفال فضلا على تنشيط الجهاز …

تعليق واحد

  1. رائع ماكتبت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.